أصل الكتاب
رسالة علمية لنيل درجة الماجستير من جامعة طيبة
وقد نالت عليها المؤلفة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى
رقم الإيداع بمكتبة الملك فهد الوطنية
٧٦٥٤/ ١٤٣٦
ونظرًا لأهمية الموضوع
تم إعداده للنشر
ككتاب للقرّاء
стр. 3
المقدمة
الحمد لله ذي الآلاء والنعم، الممتن على أمة الإسلام بالاصطفاء على سائر الأمم، والمتفضّل عليها بالعفو والمغفرة للخطايا و اللمم. والمحسن فوق ذلك بالقَبول وواسع العطاء والكرم.
أحمده تعالى، وأصَلّي وأسلم على النبي المصطفى فيما بلّغ عن ربه بأخلص جَنانٍ، وأفصح لسان، وعلى آله وصحبه ومن تَبعهم بإحسان.
أما بعد .. فإن من نعم الله تعالى أن فرض على عباده ما يثيبهم عليه، وشرع لهم من العمل ما يقع منه سبحانه موضع القبول، خلق عباده ويعلم ما يعتَورهم من هِنات وهفوات، بل من عظائمَ وموبقات، وما زال يقبل التوب، ويغفر الذنب، ويتجاوز عن السيئات. وما يزال العبد يتّبع هواه، ويتعدّى حدود مولاه، ويسلك في الجناية أبعد مداه، ثم يستغفر الله، فيجد الله لذنبه غافراً، ولقليل عمله متقبلاً، فيُثيبهُ عليه أعظم الأجر، حتى على ما قد نوى في قلبه من خير، مثنياً على عبده فوق ذلك بالثناء الجميل، والشكر الجزيل. يرْبي القليل بيمينه فيجعله لعبده كالجبل، ويثيبه عليه جنة الخلد بعد انتهاء الأجل.
يقبل التوبةَ عن عباده، ويقبل العملَ الصالح، ويقبل العبدَ ويُدنيه منه ويقرّبه، فسبحانه ما أجزل إكرامه! وما أجلّ إنعامه!.
стр. 4
ويجدر القول بأن القبول متعلق بمشيئته سبحانه أولاً وآخراً، فإن شاء تقبّل العمل وإن شاء ردّه، ولكنه قد أوعد عباده الذين لهم قدم صدق عنده بالقبول، والمتأمّل في كتاب الله، والسنة المطهرة يجد أن هناك علامات ومنارات كمنار السبيل نستمد من ضيائها دلالات القبول، ونسترشد بهديها إلى شروط القبول وما يتعلق به، لذا آثرت أن أتتبعها في هذا البحث، عسى أن نصل بذلك إلى جماع الرأي، وسداد القول، لعل الله تعالى أن يجعلنا بذلك إلى الحق أهدى سبيلاً، وإلى الصواب أقوم قيلاً.
هذا وينبغي للمؤمن أن يتلمّس مكامن القبول، ومواقع الرضوان كما يتلمّس مواضع القطر، ومواطن الكلأ، ليرتع في الخصب، وينال أطيب الثمر. فذلك لعمر الله غاية ما يرجوه العبد وهو مصداق لقوله ﷺ : (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللهِ فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ اللهُ لِجِبْرِيلَ: إِنَّ فُلَاناً عَبْدِي يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي أَلَا وَإِنَّ رَحْمَتِي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللهِ عَلَى فُلَانٍ، وَيَقُولُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُمْ حَتَّى يَقُولَهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ تَهْبِطُ لَهُ إِلَى الْأَرْضِ) (١). فلو تأملنا لفظ (يلتمس) لوجدنا أن فيه دلالة على البحث والتحرّي لمواضع الرّضا، ومواطن القبول، نسأل الله تعالى أن يهدينا لما يرضيه.
* * * *
стр. 5
القبول مطلب
القبول عند الله مطلب كل إنسان، ولكنه مطلب لا يتحقق إلا بشروطه
فمِن أعظم الخسارة أن تُؤدي العبادات على غير ما شرع الله.
أو يبتغى بها غيره. أو تُؤدّى على العادة والغفلة.
أو يتهاون فيها ويُتثاقل عنها.
وأن تمارس المعاملات، وسائر أمور الحياة، ثم لا يُبتغى بها وجهه الكريم.
فقد يعمل أحدنا العمل لحظّ نفسه، أو لأجل فلان، أو هكذا لأنه محبٌ للخير
أو لأنها عادة عنده ووافقت هواه.
كلّ ما سبق عيوب منها ما يُفسد العمل ومنها ما يُنقص ثوابه.
وشتان بين العمل لله والعمل لغيره وإن تساويا في الأداء ولكن هذا مقبول عند الله والآخر غير مقبول والمعوّل عليه في كلّ أمرنا هو القبول
فكلٌ منا سوف يُقدم سجلّ أعماله بين يديه في ختام هذه الحياة
стр. 6
وكأنه يقول هذه حياتي .. هذه أيام عمري التي عشتها .. هذه ساعاتي التي قضيتها .. كانت وفق طاعتك يارب.
هذه عبادتي .. كانت وفق أمرك يارب.
هذه معاملاتي بين الناس .. كانت كما تحب يارب.
حتى تقوّم كلها في ميزان لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة.
ثم وفقاً لذلك كله تُعلن النتيجة على رؤوس الأشهاد .. فمقبول وغير مقبول
﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ ٦ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ ٧ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ ٨ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ ٩﴾ [القارعة: ٦ - ٩]
إذن فالقبول نتيجة مرتبطة بالنجاح .. وعاقبتها الفوز والفلاح
ومن خلال هذا البحث المتواضع نتعرف على سبل الوصول إليه، والترقي في درجاته.
* * * *
стр. 7
القبول وألفاظه الدالة عليه
القبول أمر جليل، ومطلب أساس، يسعى إلى تحقيقه كل الخلائق، والقبول موضوع متّسع باتساع الإسلام جميعه، كيف لا والإسلام عمل والقبول نتيجته، والإسلام زرع والقبول حصاده، وخير ما نستهل به هذا الموضوع المتشعب هو إلقاء الضوء على لفظه وتحقيق معناه حتى نتعرّف على الموضوع من جميع جوانبه، ونتتبع ذلك على ضوء لغة القرآن، ونرسل النظر فيما تخبئه من تصوّر وبيان.
أولاً: مفهوم القبول:
القبول في اللغة: ضد الرفض والرد (١)، ويقال تقبّله أي أخذه. والله تعالى يقبل الأعمال من عباده ويتقبّلها. ويقال قبلت الشيء قَبولاً إذا رضيته، فالقبول الرضا بالشيء، (٢).
ومما سبق يظهر أن الألفاظ المتعلقة بالموضوع لفظان رئيسان:
الأول: لفظ (يقبَل): كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]
стр. 8
ويراد به الموافقة على الشيء ويتبين معناه بحسب موقعه في سياق الآية فقد يراد به قبول الإجزاء أو الإثابة أو قبول الرضا وقبول المحبة المؤدي إلى المزيد من العناية والرعاية والارتقاء عند الله (١).
الثاني: لفظ (يتقبَّل): وهو مضارع على وزن يتفعَّل كما في قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] وفيه أربعة أقوال:
١ - أنه يفيد دوام الصعود والترقي في معارج القبول (٢). فإن محبة الله للعبد تتفاوت بحسب التماس العبد وإتيانه لمحابّ الله، وكلما أدام العبد رفْع العمل الصالح بين يدي ربه وتقبّله الله منه خالصاً لوجهه انتهى به ذلك إلى شرف الحصول على أعلى درجات المحبة والقبول.
٢ - ويفيد الأخذ والتلقي والتكفّل بالشيء فمعنى قوله تعالى ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ
حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] أي تكفّل بها وتسلّمها وتلقّاها بالرضا والمحبة (٣).
٣ - ويفيد قبول الشيء على الوجه الذي يقتضي ثواباً كالهدية.
стр. 9
٤ - ويفيد معنى التكلّف في القبول أو المبالغة في إظهار القبول (١) قال ابن حيان "فالتَّقَبُّلُ تَكَلُّفُ الْقَبُولِ، وَذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ الْعَمَلُ نَاقِصًا لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقْبَلَ" (٢) أو كما يتوهم صاحبه ذلك، فيتقبله الله ويتجاوز عن عيوبه ويتلقاه بالنظرة الراضية المستحسنة (٣)، لذا قالت أم مريم حينما نذرت ما في بطنها: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران: ٣٥] فتقبّل الله منها مريم ﵂ وقال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾
[آل عمران: ٣٧] أي تسلّم هذه النذيرة بالرضا وذلك مع كونها أنثى والمعلوم أن الأنثى لا تصلح لخدمة بيوت العبادة فتقبلها كما يقبل الذكر بل وتقبّلها قبل أن تنشأ وتصلح للسدانة (٤).
وكذا قول النبيين الكريمين إبراهيم وإسماعيل ﵉ وهما يبنيان البيت كما حكى الله تعالى عنهما في قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ [البقرة: ١٢٧] فهما يقدمّان هذا العمل المتواضع على حريرة من الإشفاق واعتراف بالتقصير والقِلّة وخوف عدم القبول (٥).
يظهر من خلال المعنى السابق أن طلب التقبّل من مقدّم العمل كقولك (تقبّل مني) فيه استشعار بقصور العمل وتواضع العامل.
стр. 10
والتقبل من المتلقي كقولك (تقبّلت منك) هو أخذه بالاستحسان والرضا والتجاوز عما فيه من عيوب.
ويمكن الجمع بين المعاني الأربعة للتقبّل من المتلقي بأن يقال: هي المبالغة في القبول بالإثابة عليه والترقّي في درجاته (١).
والقبول في الاصطلاح:
لم أعثر على تعريف له ولكن من خلال استقراء آيات القبول والبحث في معانيه يمكن أن يُستخلص معنى القبول بأنه:
تلقّي الله تعالى للعمل الصالح وتسلّمه من العبد المؤمن على الوجه الذي يقتضي الإجزاء أو الإثابة أو الثناء عليه والرضا عنه والمحبة له.
* * * *
стр. 11
ثانياً: الألفاظ الدالة على القبول أو الترغيب فيه:
القبول ثمرة العمل الصالح، وقد رغّب القرآن الكريم فيه، وبسطه على أوجه مختلفة للتشويق، وزرع أهميته في النفوس، وبيّنه بدلالات وإشارات و أساليب متنوعة إما باللفظ أو بالمعنى أو بهما معاً.
ومن خلال استقراء آيات الاصطفاء في القرآن الكريم يظهر أن الاصطفاء في القرآن هو أحد المعاني الدالة على القبول، فالاصطفاء والاختيار دليل القبول، وهو درجات متفاوتة، فالله تعالى اصطفى هذه الأمة على سائر الأمم، و اختصها بالقبول. ومناط الاصطفاء هو مناط القبول و هو الإيمان المتمثل في الاعتقاد والانقياد بالقول والعمل.
والاصطفاء في اللغة: هو الاختيار والصِّفوة بالكسر هو خيار الشيء وخلاصته (١).
وكما أن هناك قبول عام لأمة محمد ﷺ (أمة الإجابة) وقبول خاص لأفراد وفئات، فكذلك الاصطفاء فإن الله اصطفى المؤمنين واختارهم وتقبل أعمالهم على ثلاثة مراتب في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ٣٢﴾ [فاطر: ٣٢].
стр. 12
فمنهم مؤمن ﴿ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالذنوب، والتفريط في المأمورات و ﴿مُقْتَصِدٌ﴾ وهو من اقتصر على أداء الفروض والواجبات تائب إلى الله من الذنوب، و ﴿سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ مقرب إلى ربه بالنوافل وهذا في المرتبة العليا، وكلاً وعد الله الحسنى (١). قال ابن تيمية ﵀: "فالمسلم الذي لم يقم بواجب الإيمان هو الظالم لنفسه، والمقتصد هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه" (٢).
فالظالم لنفسه من هؤلاء تحت المشيئة وقد يُؤخَر قبوله حتى يصفو من الخبث وقد فُصّل ذلك في مؤخرات القبول (٣).
واصطفاء الله للعباد يتفاوت في درجاته كتفاوت السموات والأرض بدءًا من اصطفاء النجاة من الخلود في النار إلى اصطفاء مريم ﵍ في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ٤٢﴾ [آل عمران: ٤٢]. وأعلى من ذلك اصطفاء الأنبياء. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ٣٣﴾ [آل عمران: ٣٣].
стр. 13
فهل يستوي اصطفاء الأنبياء واصطفاء الظالم لنفسه من الموحدين.
وهل يستوي الظالم والمقتصد والسابق في ذلك؟ وفي آية مريم إشارة إلى درجات الاصطفاء فقد بينت الآية اصطفاءها مرتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ٤٢﴾ فالاصطفاء الأول يرجع إلى علو قدرها وما خصّها الله به من الصفات الحميدة والأفعال السديدة، والاصطفاء الثاني يرجع إلى تفضيلها على نساء العالمين (١). وقد قال الله تعالى في محكم كتابه أنه تقبّل مريم بقبول حسن وقال إنه اصطفاها فدل على أن الاصطفاء كما هو القبول مراتب ودرجات فهو اصطفاء واختيار واجتباء ثم كرامة ومنزلة وعلو شأن ورفعة على الخلق وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
ومن هنا يتضّح أن الاصطفاء في القرآن يندرج فيه معنى القبول وهو متضمّن له.
وهناك ألفاظ في الكتاب الكريم تشير إلى القبول تصريحاً أو تتضمّن أن الله تعالى تقبل عملاً معيناً أو عبداً معيّناً ممن دلّت عليهم بعض الآيات على وجه الخصوص، أما على وجه العموم ففيها دعوة للعمل بمقتضى هذه الآيات لنيل شرف القبول والدخول في حظيرته ومن ذلك التصريح:
١ - بلفظ القبول أو أحد مشتقاته كقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ [آل عمران: ٣٧] وذلك لما
стр. 14
منّ الله به على مريم ﵍ من صفات الصلاح والتقوى، والقبول الحسن هو حصول العبد فوق ما يتمنى، ويتولاه الله في أحسن من تولى في جميع أمره، وسلوك سبيل السعداء (١).
٢ - بنيل محبة الله تعالى كقوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] فالله تعالى يحب المؤمنين، والمحبة دالّة على القبول وما يتبع ذلك من رحمة وعفو وتكريم ورفعة بحسب مكانة العبد عند الله، روى الإمام أحمد عن الحسن ﵁ قال: "والله لا يعذب الله حبيبه ولكن قد يبتليه في الدنيا" (٢) كما صرّح النَّبِيّ ﷺ فقَالَ: (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ العَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحْبِبْهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ) (٣).
٣ - بالبشارة بالجنة: كما في قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ٧٦﴾ [طه: ٧٦]. والمعلوم أن الجنة جزاء المقبولين.
٤ - باختصاصهم برحمته: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ٧١] ولا يرحم الله تعالى إلا من تقبلهم واختارهم ونالوا رضاه.
стр. 15
٥ - بتعليق الفلاح عليهم أو الهدى وما شابه ذلك كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] أي: أولئك على بيان وبصيرة من الله (١). ومن كان على بيان وهداية من الله كان ولا شك مفلحاً فائزاً مقبولا عند ربه.
٦ - بالوعد بالثواب أو تكفير السيئات كقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ٧٠﴾ [الفرقان: ٧٠]
قال أبو حيان: "مَنْ تَابَ وآمن وعمل صَالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَلْقَى عَذَابًا البتة" (٢).
٧ - بالثناء على العبدكقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾
[ص: ٣٠] ففيه ثناء على عبده سليمان ﵇ لأنه رجّاع إلى طاعة الله توّاب إليه مما يكرهه منه (٣) وكفى بثناء الله تعالى على العبد دليل قبول ومحبة.
стр. 16
٨ - بالرضا عن العبد كقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: ١١٩] إنهم صدقوا الله ما وعدوه، فوصلوا إلى رضاه، فوفّى الله لهم ما وعدهم به من الثواب. ورضاء الحق- سبحانه- إثبات محلّ لهم، وثناء عليهم ومدحٍ لهم. والفوز العظيم هو الظفر بالطلِبة فنالوا ما كانوا يطلبون ويؤملون من ربهم (١) وماذا بعد الرضا والجنة من قبول؟
ثالثاً: الألفاظ الدالة على التهديد بعدم القبول أو تأخيره:
بتأمل ما ورد في القرآن الكريم من الآيات الدالة على التهديد بعدم قبول العبد أو عدم قبول عمل بعينه أو تأخير القبول لما بعد استيفاء العقاب. وهي الآيات التي تضمنت الوعيد الشديد للخارجين عن الملة، أما بالنسبة لأهل الكبائر من الموحدين فقد تكون لهم أعمالاً تمنع إنفاذ العقوبة كالتوبة وكثرة الحسنات الماحية، وكثرة المصائب المكفرة، وإقامة الحدود في الدنيا أو عفو الله تعالى أو شفاعة الشافعين يوم الدين (٢)، ولكن لا بد من ذكر هذه الألفاظ لما تحتمله من وعيد حتى يأخذها المسلم على محمل الجدّ ويتجنب أسباب تأخير القبول، ولا يجوز
стр. 17
إسقاطها على شخص بعينه بل هي عامة للردع والزجر. ونجد ألفاظ الوعيد قد عبر بها القرآن الكريم بمعان شتى وألفاظ مختلفة، وعلى أوجه متعددة ترهيباً وتحذيراً ومن ذلك:
١ - التصريح بعدم القبول كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ
مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٥٣] فالخارج عن دائرة الإيمان لا يقبل منه توصّل ولا تَقرّب، فعملهم مردود لا ثواب عليه إلا بتوبة (١).
٢ - التعبير بالسخط أو المقت إما للعمل أو لصاحبه كقوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ
يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] وكما قال النبي ﷺ : (من أعان على خصومة بظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع) (٢) فهذه صفات تبين التحذير من نفي الرضا، للوقوع في الكبيرة
стр. 18
وعظيم الجرم إن مات على ذلك، فمن كان مسخوطاً عليه ممقوتاً ومبغوضاً عند الله فأنى له القبول؟ إلا أن يستوفي عقوبته إن كان من الموحدين أو يعفو الله عنه (١). قال تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ١٦٢].
٣ - النذارة أو التخويف بجهنم كقول القوي العزيز سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥] فبغض النظر عن نوع المعصية فإن النذارة بجهنم قد تكون للخلود المستلزم لعدم القبول البتة، وقد تدلّ على تأخير القبول إذا عُني بها عُصاة الموحدين حتى يأخذوا حظهم من جهنم عياذًا بالله. ومثل ذلك الوعيد بالخلود فيها (٢) كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا
стр. 19
فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣].
٤ - الوعيد بالعذاب الأليم كقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا
وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠] والتخويف بالعذاب الأليم كذلك يستلزم عدم القبول في كثير من الآيات الدالة على الكفر والنفاق، وأما بخصوص عصاة الموحدين فتدلّ على تأخير القبول واستحقاق العذاب المسبق أو يوكَل إلى مشيئة الله وسعة عفوه كما في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]. فمن قتل الصيد متعمداً عالماً بحرمته على المحرِم، فذلك يوكَل إلى نقمة الله (١). ومثل ذلك قوله ﷺ : (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارًا، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ) (٢)
стр. 20
فما ذُكر من وعيد في الحديث هو جزاء للموعودين به إن لم يعف الله عنهم أو ماتوا على غير توبة (١).
٥ - التهديد بالخسارة كقول الحكم العدل سبحانه: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣] وباستقراء الآيات المتضمنة للوعيد بالخسران يظهر أنها تدل على غبن النفس فهو تهديد بانتفاء القبول في كثير من الآيات أو بتقديم المؤاخذة وتأخير القبول في بعض منها إن لم يتب أو يعفو الله عنه وذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٣٠]. وإنما تحرّج هابيل الصالح من قتل أخيه قابيل في قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ
لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] لأنه يعلم أنه مؤمن موحّد ولو علم كُفره لقتله بلا حرج لقتاله ومنها قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الحج: ١١].
وكذا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] "ووجه الاستدلال
стр. 21
بالآية الكريمة أنه سبحانه حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا يحصل إلا للكافرين، فإن المسلم لو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح" (١) وذلك بعد المؤاخذة وهي الخسران الجزئي- إن صح التعبير - إن لم يتب أو يعف الله عنه.
٦ - التخويف بحبوط العمل جميعه للكافر أو إبطال ثوابه للمؤمن كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود: ١٦]. وأما ما يدل على إبطال ثوابه للمؤمن فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢] (٢). قال ابن جرير " أَنْ لَا تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ فَتَذْهَبَ بَاطِلَةً لَا ثَوَابَ لَكُمْ عَلَيْهَا، وَلَا جَزَاءَ بِرَفْعِكُمْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ نَبِيِّكُمْ" (٣).
وقال السعدي: "فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات، وفي هذه الآية مع قوله تعالى ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] حث على تكميل
стр. 22
الأعمال وحفظها من كل ما يفسدها لئلا يضيع العمل سدى" (١).
٧ - التخويف باللعن والطرد كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ
وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: ٥٢] وبناء على ما هو معلوم من الدين فإن اللعن من الله تعالى على درجات فمنه الماحق والمانع للقبول بالكلية كلعنهِ إبليس وطرده من رحمته، ولعنهِ الكافرين والمشركين، ثم هناك اللعن المؤخِّر لقبول الحسنات وهو لعصاة الموحّدين، الموجب للنقمة والحسرة عياذًا بالله، فيُحمل هذا التهديد على طول المكث إن أنفذ الله الوعيد، فيبقى في تلك اللعنة يمكث في بوارها إلى ما شاء الله ثم يخرج بعفو الله (٢). وقد قال تعالى في عقوبة القذف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] فرمي المحصنات من كبائر الذنوب، ومن أكبر الذنوب ما
стр. 23
تعلّق بظلم الغير فكيف بقذف المحصنات الطاهرات العفيفات؟ فلعن الفاعل هنا طول مكثه مطرودًا في نار جهنم عياذًا بالله إن لم يتب ويعفو الله عنه.
٨ - الطبع والختم على القلب كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦] وقال: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: ٧]. وَأَصْلُ الْخَتْمِ: الطَّبْعُ، وَالْخَاتَمُ: هُوَ غلقها عن إدراك حقائق الدار الآخرة و الغيبيات (١) فلا يصل بذلك إليها الخير ولا يخرج منها خير، والطَّابَعُ هو الذي يُختم به الكتاب، فالقلوب كالكتب أوعية للمعارف والختم عليها هو إحكام
غلقها حتى يعود صاحب ذلك القلب إلى صوابه إن حصل له ذلك، وإلا فإن من خَتم الله على قلبه وطبع عليه مُنع الخير كله (٢) وحُرم الرحمة وبعيدٌ أن تعودان إليه; لأن الطبع والختم إنما يحصل له بعد إمهال من الله، فإذا انقضت مدة الإمهال وهو على ما هو عليه من شرّ وباطل استحق به المقت، وكان الطبع بعد ذلك طبعاً لا صلاح بعده، ولا هادي له بعد الله إلا هو إذا تغمده برحمته، كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [محمد: ٢٣] وذلك مصداق قول المصطفى ﷺ : (تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى
стр. 24
الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ) (١) قال حذيفة ﵁: "القلب كالكف فإذا أذنب العبد انقبض وقبض إصبعاً، ثم إذا أذنب انقبض وقبض إصبعاً أخرى، ثم إذا أذنب انقبض وقبض أصابعه ثم يُطبعُ عليه ". (٢).
وقد ورد الطبع في القرآن والختم بما يدل على عدم القبول البتة في معرِض الحديث عن الكفار والمنافقين واليهود، وقد وردت في السنّة في حق الموحدين وتُحمل على الوعيد بسوء العاقبة أو تأخير القبول حتى استيفاء العقوبة كما أسلفنا (٣) قال النبي ﷺ : (لَيَنْتَهِيَنَّ
стр. 25
أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ) (١).
٩ - التصريح بعدم الرضا كقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] وعدم الرضا يدل على السخط وعدم القبول فالله تعالى لا يرضى عن النفاق وأهله ومن كانت سجيته الكذب، وغضب الله تعالى يؤدي بالعبد إلى الشقاء ولزوم المساءلة والعقاب، فلا ريب أن الله تعالى لا يرضى من القول والعمل إلا عبادته وحده لا شريك له واتباع رسوله ﷺ .
* * * *
стр. 26
الفصل الأول
مسَلّمات القبول وشروطه وموجباته وعلاماته ومحبطاته
стр. 27
توطئة
القبول نتيجة مغيّبة، لا يعلمها إلا الله تعالى، وهو أمرٌ مطلوب لذاته، بل هو غاية ما يرجوه العبد من وراء عمله، والعمل بذاته لا يوجب على الله تعالى ثواباً، إنما الله تعالى هو المتفضل على العبد وهو الذي أوجب على نفسه حقاً لعباده بأن يرحم ويعفو ويغفر ويجعل دار كرامته لمن تقبّل منهم (١)، ودار المهانة لمن أشرك معه. ولقد تفاني السلف الصالح في العمل لنيل شرف القبول، وما يترتب عليه من فوز وفلاح، وما يترتب على انتفائه من خيبة وخسران عياذًا بالله. قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ (٢): "الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ حَقٌّ، فَالْوَعْدُ حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ ضَمِنَ لَهُمْ إِذَا فَعَلُوا كَذَا أَنْ يُعْطِيَهُمْ كَذَا وَمَنْ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ مِنَ اللهِ؟ وَالْوَعِيدُ حَقُّهُ عَلَى الْعِبَادِ. قَالَ: لَا تَفْعَلُوا كَذَا فَأُعَذِّبَكُمْ فَفَعَلُوا فَإِنْ شَاءَ عَفَا وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ لِأَنَّهُ حَقُّهُ" (٣).
стр. 28
ولما كان القبول متعلقاً بالمشيئة فينبغي عدم الجزم به لعدم الجزم بتمام الفعل من نقصانه (١) لأن الحكم بالقبول إنما يكون بناء على الظاهر وعلى ما جاء من النصوص الثابتة، ونكل السرائر والمشيئة إلى المختصّ بها جلّ شأنه.
ففي نُشدان القبول والفوز به وجلت القلوب، وطارت الأنفس، واقشعرّت الجلود، قال تعالى مبيناً حال هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وعَنْ عَائِشَةَ ﵁ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَهُوَ الرَّجُلُ يَزْنِي وَيَسْرِقُ وَيَشْرَبُ الْخَمْرَ؟ قَالَ: لَا يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَوْ لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ يَصُومُ وَيُصَلِّي وَيَتَصَدَّقُ، وَهُوَ يَخَافُ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ) (٢).
ويحسن هنا إيراد طائفة من أقوال السلف تجسّد مدى اهتمامهم بأمر القبول، وشدة الإشفاق والوجل أن تُردّ أعمالهم عليهم.
قال ابن رجب الحنبلي: " كان السلفُ الصَّالح يجتهدون في إتمام العمَل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمُّون بعد
стр. 29
ذلكَ بقبولهِ، ويخافونَ من رَدِّه، وهؤلاء الذينَ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ " (١).
ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنه قال: "كونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا منكمُ بالعمل، ألم تسمعُوا اللَّهَ يقولُ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] " (٢)
وعن فضالةَ بنِ عبيدٍ ﵁ (٣) قالَ: " لأن أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تقبلَ منّي مثقالَ حبة من خردلٍ أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ اللَّهَ يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ " (٤).
стр. 30
وقال ابنُ دينار (١): "الخوفُ على العملِ أن لا يُتقبَّلَ أشدّ من العمل" (٢).
وقال عطاءٌ السُّليميُّ (٣): " الحذرُ: الاتقاءُ على العملِ أن لا يكونَ للهِ" (٤).
وقالَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّاد (٥): "أدركتُهم يجتهدونَ في العملِ الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبلُ منهُم أم لا؟ " (٦).
قال بعضُ السَّلفِ: "كانوا يدعُون اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يبلِّغهم شهر رمضانَ. ثم يدعونَ اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يتقبَّلَهُ منهُم " (٧).
стр. 31
فمن الناس من تكون أعماله كَسَرَابٍ بِقِيعَة، ومنهم من تحفظُ أعماله عند ربه وديعة.
ومنهم من ربَت أعمالهم أمثال الجبال، ومنهم من غدت أعمالهم هباء لا يوزن بمثقال.
وهذا وهيْب بن الورد (١) صلى ذات يوم صلاة العيد فلما انصرف الناس جعلوا يمرون به فنظر إليهم ثم زفَر، ثم قال: "لئن كان هؤلاء القوم أصبحوا مستيقنين أنه قد تُقّبل منهم شهرهم هذا لكان ينبغي لهم أن يصبحوا مشاغيل بأداء الشكر، ولئن كانت الأخرى لقد كان ينبغي لهم أن يصبحوا أشغل وأشغل" (٢).
"وكان عدي بن أرطاة (٣) يخطب بعد انقضاء شهر رمضان فيقول كأن كبداً لم تظمأ وكأن عيناً لم تسهر، فقد ذهب الظمأ وأبقى الأجر فيا ليت شعري من المقبول منا فنهنئه ومن المردود منا فنعزيه، فأما أنت أيها المقبول فهنيئاً هنيئاً، وأما أنت أيها المردود فجبر الله مصيبتك " (٤).
لذا فإن نشدان القبول، وتحري موجباته، هو الأمر الثالث الذي درج السلف على الاهتمام به
стр. 32
بعد الإخلاص وتحري الصواب، فهنيئا لمن تُقبّلت منهم حسناتهم، و صلواتهم، وصيامهم وصدقاتهم، فأولئك لعمر الله تحرّوا رشدًا، ووفوا مع الله عهدًا، فلهم الرضوان من ربهم فالمقبول لا يسخط الله عليه أبدًا.
ومن هنا نجد أنّ القبول له ارتباط وثيق بالأعمال، وعليه يدور المآل، ويترتب عليه الجزاء بالجنة أو النار، فاللهَ تعالى نسأل أن يلهمنا رشدنا، ويتقبل أعمالنا، ويجعلها خالصة لوجهه ويجزينا عليها الأجر والثواب إنه سميع مجيب الدعاء .. اللهم آمين.
* * * *
стр. 33
مسلّمات القبول
هناك أمران قطعيان ومسلّم بهما، حيث لا مجال فيهما للأخذ والرد:
أولاً: اختصاص الله تعالى بالقبول:
العبد ضعيف خطاء، تعصف به الأهواء، وتميله الشبهات والشهوات فتصدر منه الذنوب والهفوات، ولولا فضل الله تعالى بالعفو والصفح والمغفرة لشدّد العقوبة ولهلك ابن آدم كما قال في محكم كتابه: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١] وقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥]. فَلَوْلَا سَعَة رحمة الله ومغفرته لما قامت الدنيا، ولما طاب فيها عيش لأحد، فمن آثار أسماء الله تعالى (العفو، الغفور، الرحمن) ومن صفاته غافراً للذنب، وقابلاً للتوب، ما يبين تفضّله برحمة عباده وغفران ذنوبهم وقبول طاعاتهم واختصاصه وحده بذلك، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ
стр. 34
مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الشورى: ٢٥] أي هو وحده الذي يقبل التوبة ويردّها فاقصدوه بها، ووجهوها إليه (١).
وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ [الرعد: ٣٠] أي هو وحده الذي يَقبل التوبة فينبغي أن يُتاب إليه، ويُطلب العفو منه، وكما أن التوبة والعفو والمغفرة بيد الله وحده، فبدهيّ أن قبول العمل كلّه بيده وحده يتقبّل من يشاء وما يشاء فيحبّه ويقرّبه، ويردّ من يشاء وما يشاء ولا رادّ لحكمه ولا معقّب لأمره.
فقد يكون العمل في ذاته صحيحاً، وموافقاً للشرع، ولا يقبله الله لعلّة في صاحبه، لذلك فإن من مأثور الدعاء سؤال الله تعالى القبول، وكما جاء حكاية عن النبيين الكريمين إبراهيم وإسماعيل عند أدائهما لطاعة وهي بناء الكعبة سألا ربهما القبول في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. والآية دالة على استحباب الدعاء بقبول الأعمال عند البدء وبعد الفراغ. فسؤال النبيين ربهما القبول كان حينما شرعا في رفع القواعد بدليل قوله: ﴿وَإِذْ﴾ للمضيّ في الأمر وهي إشارة بدء
стр. 35
لحال ماضية، وقوله: ﴿يَرْفَعُ﴾ بالمضارع الدال على استمرار الحال حتى الفراغ من البناء (١) ثم قوله: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ أي: وهما يقولان ربنا تقبل أعمالنا التي قصدنا بها طاعتك، وهذا ما يرجحه ما جاء في قوله ﷺ : (فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ البِنَاءُ، جَاءَ بِهَذَا الحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
قَالَ: فَجَعَلَا يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ البَيْتِ وَهُمَا يَقُولَانِ: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾) (٢).
* * * *
стр. 36
ثانياً: الإيمان أصلٌ في قبول العمل:
ذُكر آنفاً أن القبول مختص بالله تعالى وحده يقبل من يشاء، ويردّ من يشاء ولا معقب لحكمه، وقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل أنه لا يقبل العمل إلا ممن هو على دين الإسلام قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[آل عمران: ٨٥]. فالإسلام المراد به الدين برمته الذي يتضمنه الإيمان وأركانه وفرائضه، فهما متلازمان فلا إيمان بغير إسلام، ولا إسلام بغير إيمان. ولا إيمان بغير عمل (١)، فمسمى الدّين اسْم وَاقع على الْإِيمَان وَالْإِسْلَام (٢).
فلا يقبل عمل بغير دين الإسلام قال عزّ من قائل: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].
стр. 37
والآيات في ذلك مستفيضة، وهو أمر معلوم من الدين فلا يُتصور قبول عمل الكافر وقد قال في شأنه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. فعمل الكافر وإن كان صالحاً في ذاته إلا أنه غير مقبول، وهو غير مجزيٍ به في الآخرة (١).
وعلى هذا فالإيمان المنوط بقبول العمل من أتباع الأمم السابقة من أهل الكتاب هو ما كان فيه اتّباع لأنبيائهم قبل بعثة الرسول ﷺ .
وأما بعد البعثة فإن الإيمان المنوط بقبول العمل هو ما كان فيه اتباع لسيد البشر، النبي المبعوث رحمة للعالمين محمد ﵊ لأن رسالته عالمية ناسخة لجميع الأديان قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
وقد استدل المستشرقون بشبهة داحضة، وحجة سقيمة على أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
стр. 38
آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] يدل على أن من كان من هذه الطوائف صالحاً في عمله، وظلّ على دينه حتى بعد بعثة الرسول ﷺ فعمله مقبول وهو مثاب عليه ولا خوف عليهم من عقاب يوم القيامة.
والردّ عليهم هو أن هذه الآية فيها حكم لأهل الكتب السماوية السابقة (١)، فأخبر الله أن المؤمنين
стр. 39
من هذه الأمة، واليهود والنصارى، والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر، وصدقوا رسلهم، فإن لهم الأجر العظيم والأمن، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر، فهو بضد هذه الحال، فعليه الخوف والحزن.
فهذا الحكم بين هذه الطوائف، من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، ﵊ و هذا إخبار عنهم قبل بعثة النبي ﵊ (١).
* * * *
стр. 40
شروط القبول
يرتكز القبول على مقومات عقدية، والبنية الرئيسة التي ينهض عليها القبول هي الإيمان بالله تعالى وعدم الإشراك به فهي تشكل الإطار الذي من خلاله تنطلق شروط القبول بحيث يعتبر أي عمل خارج عن هذا الإطار ولو كان صالحاً في ذاته فهو خارج عن إطار القبول كما قرر ذلك من بيده الأمر .
ويتفاوت القبول وتتعدد أنواعه بناء على تحقيق تلك المقومات والشروط، وبناء على درجة كمال العمل والإخلاص فيه.
والقبول له شرطان أساسيان:
أولاً: الإخلاص:
والإخلاص شرعاً: عرفه العزّ بن عبد السلام فقال: "الْإِخْلَاصُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا