← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 30145

القبول شروطه وموجباته ودرجاته وعلاماته ومحبطاته

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (362 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثانياً: الإيمان أصلٌ في قبول العمل: ذُكر آنفاً أن القبول مختص بالله تعالى وحده يقبل من يشاء، ويردّ من يشاء ولا معقب لحكمه، وقد ذكر الله تعالى في محكم التنزيل أنه لا يقبل العمل إلا ممن هو على دين الإسلام قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥]. فالإسلام المراد به الدين برمته الذي يتضمنه الإيمان وأركانه وفرائضه، فهما متلازمان فلا إيمان بغير إسلام، ولا إسلام بغير إيمان. ولا إيمان بغير عمل (١)، فمسمى الدّين اسْم وَاقع على الْإِيمَان وَالْإِسْلَام (٢). فلا يقبل عمل بغير دين الإسلام قال عزّ من قائل: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ٩١].

стр. 37

والآيات في ذلك مستفيضة، وهو أمر معلوم من الدين فلا يُتصور قبول عمل الكافر وقد قال في شأنه: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. فعمل الكافر وإن كان صالحاً في ذاته إلا أنه غير مقبول، وهو غير مجزيٍ به في الآخرة (١). وعلى هذا فالإيمان المنوط بقبول العمل من أتباع الأمم السابقة من أهل الكتاب هو ما كان فيه اتّباع لأنبيائهم قبل بعثة الرسول ﷺ . وأما بعد البعثة فإن الإيمان المنوط بقبول العمل هو ما كان فيه اتباع لسيد البشر، النبي المبعوث رحمة للعالمين محمد ﵊ لأن رسالته عالمية ناسخة لجميع الأديان قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨]. وقد استدل المستشرقون بشبهة داحضة، وحجة سقيمة على أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ

стр. 38

آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢] يدل على أن من كان من هذه الطوائف صالحاً في عمله، وظلّ على دينه حتى بعد بعثة الرسول ﷺ فعمله مقبول وهو مثاب عليه ولا خوف عليهم من عقاب يوم القيامة. والردّ عليهم هو أن هذه الآية فيها حكم لأهل الكتب السماوية السابقة (١)، فأخبر الله أن المؤمنين

стр. 39

من هذه الأمة، واليهود والنصارى، والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر، وصدقوا رسلهم، فإن لهم الأجر العظيم والأمن، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأما من كفر منهم بالله ورسله واليوم الآخر، فهو بضد هذه الحال، فعليه الخوف والحزن. فهذا الحكم بين هذه الطوائف، من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، ﵊ و هذا إخبار عنهم قبل بعثة النبي ﵊ (١). * * * *

стр. 40

شروط القبول يرتكز القبول على مقومات عقدية، والبنية الرئيسة التي ينهض عليها القبول هي الإيمان بالله تعالى وعدم الإشراك به فهي تشكل الإطار الذي من خلاله تنطلق شروط القبول بحيث يعتبر أي عمل خارج عن هذا الإطار ولو كان صالحاً في ذاته فهو خارج عن إطار القبول كما قرر ذلك من بيده الأمر . ويتفاوت القبول وتتعدد أنواعه بناء على تحقيق تلك المقومات والشروط، وبناء على درجة كمال العمل والإخلاص فيه. والقبول له شرطان أساسيان: أولاً: الإخلاص: والإخلاص شرعاً: عرفه العزّ بن عبد السلام فقال: "الْإِخْلَاصُ أَنْ يَفْعَلَ الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا

стр. 41

لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا مِنْ النَّاسِ وَلَا تَوْقِيرًا، وَلَا جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ، وَلَا دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ" (١). وقيل: هو أن تجعل عبادتك لله وحده لا شريك له، و لا ترجو إلاّ ثوابه، ولا تخاف إلاّ عقابه (٢). واعلم أنه قد يدّعي العبد الإسلام ظاهراً وينكره باطناً ويشرك مع الله غيره فيخلو قلبه من حقيقة الاستسلام لله، فلا يدخل الإخلاص قلب العبد إلا إذا خلا من أمرين هامّين: أولاً: الشرك الأكبر: وهو ما كان في صميم التوحيد وهو محبط للعمل وعامله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فلا يُقبل العمل من مشرك كائناً ما كان ومن صور الشرك الأكبر والذي يقع فيه بعض من يدّعي الإسلام، صرف شيء من العبادة لغير الله كالذبح والتوسل، قال جلّ ذكره: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]. ثانياً: النفاق الاعتقادي: وهو الجحود والكفر في الباطن ولذلك لم يتقبل الله تعالى عمل المنافقين إذ قال جل وعلا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [سورة

стр. 42

التوبة ٥٤] فجعل نفاقهم وكفرهم في الباطن مانعاً لقبول النفقة وإن أظهروا الإسلام بل هو مانعٌ لقبول العامل وعمله لقوله تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ١٣٩ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٤٠] (١) وقال جلّ وعلا: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: ١٤٥]. والنفاق الاعتقادي غير الرياء الذي هو (الشرك الأصغر)، فالنفاق فسادٌ في الدين أما الرياء ففسادٌ في العمل مع بقاء صاحبه على الدين. وكلاهما مرده النية، لكن فساد الدين محبط لجميع العمل ومقوّض لأساسه، أما في حال صدق الإسلام ووجود الإخلاص في القلب فإن العمل قد تشوبه الشوائب كما في الرياء والقبول هنا يتفاوت بتفاوت ما في القلوب، والمقصود أن يبتغي العبد بعبادته كلها وجه الله لا شيء سواه، فالإخلاص عمل قلبي مرده النية، ولله تعالى الحكم في قبول

стр. 43

العمل ورده قال ﷺ : (إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) (١) ولا يُتقبل العمل إذا لم يكن خالصاً لله كما جاء في الحديث الذي رواه الرسول ﷺ عن ربه: (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (٢). فبصحة الاعتقاد و صحة النية في الأعمال يرجى قبول العمل، وعليه يترتب الثواب أو العقاب. وفي ذلك قيل لبعض السلف: الحاجّ كثير، فقال: الداجّ كثير والحاجّ قليل (٣). والدّجّ هو الدبّ (٤) وهو المشي، فالكلُّ يمشي قاصداً البيت الحرام فمنهم من هو مسرعٌ إلى الله للحج ومنهم من هو مسرعٌ لدنيا يصيبها. فالرياء يشوب الإخلاص ويعكر صفوه قال ابن جزي: " الرياء في العبادات وهو الشرك الأصغر وهو ضد الإخلاص ولهما مراتب متفاوتة في قبول العمل وإحباطه وفي استحقاق العقاب على الرياء فقد يكون العمل أولا خالصًا ثم يحدث الرياء في أثنائه فيفسده إن تمادى، أو يحدث بعد

стр. 44

الفراغ منه فلا يضر، وقد يكون أولا على الرياء ثم يحدث الإخلاص في أثنائه أو بعد الفراغ منه، فينبغي استئنافه وقد يبدأه ممتزجاً فينظر أيهما أغلب فيناط به الحكم. قال بعضهم العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء وما يتعلق بالرياء تسميع الناس بالعمل والتزين للناس بإظهار الخير في القول أو في الفعل " (١). والإخلاص يتغلغل في كل عمل ابن آدم فما يُنفق من نفقة ولا يزور من زورة أويعمل من عمل إلا وينبغي أن يتوجه به إلى الله أو يراعي به وجه ربه إن كان من المباح أن يقترف ما يعصيه، ولا يجاهد نفسه أو عدوه إلا ويبتغي بها وجهه الكريم، وهكذا المسلم في سائر عمله، وفي هذا يتفاوت الناس أشدّ التفاوت. * * * *

стр. 45

ثانياً: الاتباع وترك الابتداع: ومن شروط القبول بعد الإخلاص، الاتباع هو موافقة الكتاب و السنة: فقد يكون العمل صادراً من عبد مسلم ومتوجهاً بكليته إلى الله مخلصاً فيه لوجهه تعالى، لكن العمل في ذاته ليس صواباً، مخالفاً لسنة المصطفى ﷺ فإنه بذلك قد لا يُتقبل من صاحبه، ولا يُرفع إلى الله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١]. وقال: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] مما يدل على أن القبول موقوف على الاتباع. وفي الخبر: عن العرباض ابن سارية (١) ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقيل: يارسول الله! كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: (عَلَيْكُمْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ

стр. 46

الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ) (١). وكان ﵊ يصدّر خُطَبه بالتحذير من البدع كقوله: (وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ) (٢) وعن عائشة ﵃ قالت: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ) (٣). ويحسُن في هذا المقام تقسيم الضلالة إلى ثلاث فئات مع كون جميعها نابعة من الجهل واتباع الهوى: أ - ضلالة منشؤها الفرق المنحرفة: كالجهمية وغلاة الصوفية والأباضية والرافضة وغيرهم ومما شاع بين كثير من البسطاء نقلاً عنهم ادعاء الإلهام والوحي المزعوم للأولياء، وما يصاحب إقامة الموالد من ضلالات ومنها ما يسمونه بـ (الحضرة) (٤) والغلوّ في مدح الرسول ﷺ والتعبد لله بمصاحبة الألحان والأشعار والرقص والطبول ونحو ذلك.

стр. 47

ب-ضلالة منشؤها الجهل بالدين: كمن يصلي الظهر خمساَ والمغرب أربعاً، أو تكون صلاته ناقصة مبتورة، منقوصة الشروط والأركان. وقد قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي سِتِّينَ سَنَةً مَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ، لَعَلَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَلَا يُتِمُّ السُّجُودَ، وَيُتِمُّ السُّجُودَ وَلَا يُتِمُّ الرُّكُوعَ) (١). هذا بالإضافة إلى المعتقدات الشركيّة الخاطئة المنتشرة بين الناس من التمسح بالقبور لاعتقاد نفعها، أو الاعتقاد بأن بعض الأفعال تجلب الحظ، أو ترزق الولد، أو لُبس خرزات معيّنة للوقاية من العين، و ما شابه ذلك من جهالات. وقد أفصح ابن القيم ﵀ عن انتشار هذه العوائق من شركيات وبدع ومخالفات وعادات جاهلية باطلة في زمنه فكيف بها وقد تفاقمت وزاد أوارها في هذا العصر فقال: " عمّ بهَا الْمُصَاب وهجر لأَجلهَا السّنة وَالْكتاب من استنصر بهَا فَهُوَ عِنْد الله مخذول وَمن اقْتدى بهَا دون كتاب الله وَسنة رَسُوله فَهُوَ عِنْد الله غير مَقْبُول" (٢).

стр. 48

ج - ضلالة منشؤها العلوم الحديثة الوافدة: التي دخلت بلاد المسلمين في ظل أحداث العصر الحديث ومشكلاته التي جثمت على القلوب فأسقمتها، وأضعفت صمود كثير من الناس أمام معترك الحياة، فأفرزت بطالة وقلقاً وأدواءً شتى وبات الناس يتلهفون لأي شاردة أو واردة تخرجهم مما هم فيه بعد بعدهم عن النهج الأقوم، فوقع البعض كالفريسة تتصيدها العوافي، وتفتك بها الأوهام. وفي ظل تلك الظروف وما تموج به بلاد المسلمين من فتن وفرَق، ومع استشراء آفة الجهل بالدين، ظهرت تلك العلوم محمّلة بطقوس غريبة من الشرق والغرب، لتكفكِف الدموع المحزونة، والصيحات الملهوفة، والهموم المتراكمة، ومن ذلك الادعاء بقوة العقل الباطن، والقدرة على التغيير في القدَر والتحكّم في أمور المستقبل وغير ذلك مما سبق الإشارة إليه في المطلب الأول من سمات المقبولين (١). * * * *

стр. 49

موجبات القبول من مأثور الدعاء قوله ﷺ : (وَأَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ) (١) فهو ابتهال إلى الله تعالى إلى ما يوجب قبول العبد في عباده المرحومين، إلى ما يوجب الجنة، والمغفرة، من أفعال وخصال وصفات تتسبب في ذلك كالتوبة وأداء الفرائض، وامتثال الأمر والنهي (٢). وبناء على ما ظهر من هذه الدراسة فإن موجبات الرحمة، وموجبات المغفرة، وموجبات المحبة، جميعها من موجبات القبول، وعلى قدر ما يحقق العبد من تلك الموجبات يستجلب ما يقابلها من درجات القبول بعد فضل الله وكرمه. وباستقراء أقوال العلماء والنظر في الموجبات والمنجيات تبرز أهمها فنسردها ثم نفصل في كل منها: ١ - أداء الفرائض والحرص عليها. ٢ - تحري الحلال.

стр. 50

٣ - الخشوع والتذلل. ٤ - دوام الذكر. ٥ - التوبة و عدم الإصرار على المعاصي. ٦ - حسن الظن بالله تعالى. ٧ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ٨ - الرضا والشكر. أولاً: أداء الفرائض والحرص على كمالها: من نافلة القول أن إيجاب القبول على العمل إنما هو محض تفضل وتكرّم من الله تعالى، فلا أحد من الخلق يوجب على الله شيئاً ولكن الله سبحانه هو الذي أوجب على نفسه ذلك كرماً منه تعالى (١) فحث على أمور وأمر بها، وعلق عليها القبول و الفلاح وأول تلك الموجبات هي أداء الفرائض قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ٤ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [لقمان: ٤ - ٥]

стр. 51

والفرض شرعاً: "هو ما طلب الشرع فعله طلباً جازماً، بحيث يترتب على فعله الثواب، كما يترتب على تركه العقاب" (١). قيل في الفرق بين الفرض والواجب: أن الْفَرْضَ هُوَ مَا كَانَ فِي أَعْلَى مَرَاتِبِ اللُّزُومِ، وَالثُّبُوتِ، والفرض أثبت من الواجب (٢). ولا شك أن أداء الفرائض والواجبات والحرص عليهما من أهم موجبات القبول قال النبي ﷺ حكاية عن ربه جل وعلا في الحديث القدسي: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) (٣). فأداء الفرائض طاعة لله وانقياد لأمره، وهي أعظم أسباب القبول. قال الصديق ﵁: (واعلم أن لله حقاً بالليل لا يقبله بالنهار، وحقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة) (٤).

стр. 52

والناس في أداء الفرائض يتفاوتون في أمرين مردّهما إلى درجة الصدق مع الله فكلّما كان مع الله أصدق ومحبته مقدمة على كل ما سواها كان أكثر حرصاً أن تكون فريضته أتمّ وأكمل وهذان الأمران هما: ١ - سرعة الامتثال: فمن الناس من يقوم ملبياً داعي الفريضة فيؤديها لأول وقتها أو فور سماعه للأمر بها ومنهم من يتأخر عن ذلك. ٢ - حُسن الأداء: فمنهم من يجاهد نفسه الإتيان بها على وجهها الأمثل، ومنهم من يفرط في ذلك فالناس في أدائها على درجات. وبناء على درجات التفاوت في الامتثال والأداء تكون درجات الرضا والقبول، ويتبع ذلك درجات المحبة والثواب، ومن جمع بينهما فأسرع في أداء الفريضة لوقتها وأحسن الأداء فلا شك أنه بأفضل المراتب. فعلى قدر استجابة العبد لأوامر الله، تكون استجابة الله له وقبوله له ولطاعته. والله تعالى يحب من العبد أن يكون ملتزماً ما أمره به، مستجيباً معظماً لشعائره وشرائعه، طائعاً لمنهجه وحكمه، لأن تعظيم أوامر الله وشرعه إنما هي تعظيم لله تعالى. فبقدر تعظيم الأمر والنهي

стр. 53

وبقدر الاستجابة والطاعة يكون تعظيم الله في النفس. فمَن أجَلَّ الله تعالى وقدّره، أنزل أحكامه منزلة التعظيم والتوقير. وقد تكلم ابن القيم ﵀ في منزلة التعظيم مبيناً بأن أول التعظيم هو تعظيم الأمر والنهي وهو أن لا يُعارَضا بترخّص جاف، أو يُعرّضا لتشدد غالٍ فالأول تفريط والثاني إفراط (١)، فإذا أدى العبد الطاعة على وجهها فقد أحقّ الله تعالى على نفسه الإجابة والقبول تفضلا وكرماً. وقد ذكر ابن القيم مثالاً على تباين الناس في أداء الصلاة ومن ثم تباينهم في قبولها فبين أنهم على مراتب خمسة وقد ذكرها في مدارجه وهي بإيجاز: الأول: مرتبة الظالم لنفسه المفرط الذي انتقص من ومواقيتها وحدودها وأركانها. الثاني: من حافظ عليها لكنه ضيع مجاهدة نفسه فذهب مع الوساوس والأفكار. الثالث: من حافظ عليها وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار، فهو في صلاة وجهاد. الرابع: من حافظ عليها واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها، وهمه مصروف إلى إقامتها وإتمامها، واستغرق قلبه عبودية ربه ﵎ فيها.

стр. 54

الخامس: من أقام صلاته وحافظ عليها، وأخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه ناظراً بقبله إليه، ممتلئاً من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت الوساوس وارتفعت الحجب فهو مشغول بربه قرير العين به. فالأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفّر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه. لأنه ممن جعلت قرة عينه في الصلاة، فمن قرت عينه بصلاته، قرت عينه بقربه من ربه (١). * * * * ثانياً: تحرّي الحلال: طيّب الله المؤمن ظاهراً بالوضوء والغسل، وطهره باطناً بالطيّب الحلال ينمو منه لحمه وأعضاؤه ليكون أهلا لعبادة الملك القدوس، فماله حلال، وطعامه حلال، وشرابه حلال، إذ كيف يقف بين يدي ربه دنس الطينة، خبيث العطن، فالله تعالى طيبٌ لا يقبل إلا طيباً قال النبي ﷺ : (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة:

стр. 55

١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (١) قال ابن دقيق العيد (٢) في شرح قوله: (أشعث أغبر) أي: "يطيل السفر في وجوه الطاعات: الحج والجهاد وغير ذلك من وجوه البر ومع هذا فلا يستجاب له لكون مطعمه ومشربه وملبسه حراماً فكيف بمن هو منهمك في الدنيا أو في مظالم العباد أو من الغافلين عن أنواع العبادات والخير" (٣). فينبغي للمؤمن طلب الحلال في سماحة ورفق، وترك الحرام في زهدٍ وأنفَه، إيماناً واحتساباً للحصول على القبول والثواب. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ٨٧ وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ

стр. 56

مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. فمن موجبات قبول العمل التي يحرص الشرع على بيانها للارتقاء بالإنسان، وتطهيره مادياً ومعنوياً، وإعداده ليكون طيب الروح طيب الجسد، تحرّي الرزق الحلال بأنواعه من مأكل ومشرب ومنكح ومسكن .. إلخ والبعد عن الحرام. ومن مقتضيات رحمة الله بعباده أن هيأ لهم أسباب القرب منه. وللكسب الطيب علاقة بالإخلاص، ففيه خلوصٌ للجسد من خبَث الحرام، ليكون الطُهر والنقاء قد عمّ دين العبد وقلبه وبدنه فلا يبقى فيه خبث ولا يشوبه دنس. ويكون عند ذلك نفساً طيبة، تُشرع لها أبواب القبول بإذن الله. وفي الصحيح قال رسول الله ﷺ : (مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ، وَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهِ، كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ) (١). والرزق الحلال يطهّر الجسد ويضفي على الروح إشراقة الطهر، ويهيئ صاحبه للقرب من الملك القدوس، ويمنحه الفرصة بالفوز بمحبته فإن الله تعالى هو القدوس والطاهر في ذاته وصفاته، لا يقبل إلا الطيب النقي .. فمن تحرى الطيّب من الرزق طابت ذاته، وطابت بعد ذلك دنياه وآخرته. و تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] هو الحلال الذي أباحه

стр. 57

الله وهو الذي تحصل من تناوله على طِيبة القلب فإنَّ أَكْلَ الحرام يُوجِبُ قسوته ووحشته، وضياءُ القلوب متصلٌ بصَوْن النفس عن تناول الحرام والشبهات (١). والحرام تربة خبيثة فكيف لوعاء دنّسه الحرام أن يحمل النور والإيمان وهدي خير الأنام .. إنه غير مؤهل لذلك. فإذا نبت منه الجسد خبُث معدنه وأظلم قلبه، واستمرأت ذاته فعل الحرام وهانت عليها صغائر الذنوب وكبارها وقسى قلبه وكانت النار أولى به كما في الخبر النبويّ: (إنه لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ من سُحْتٍ النَّارُ أَوْلَى بِهِ) (٢). وكما في أنواع العبادات كلها أو أكثرها فإن تحريّ الحلال والورع فيه درجات يتفاوت الناس فيها أشدّ التفاوت بحسب تعظيمهم للآمر سبحانه وبحسب جذْبة الشهوة وإغرائها من حولهم، وإنما يكون انجذابهم لتلك الشهوات بقدر ما في قلوبهم من علمٍ بالله تعالى وتعظيمٍ له، ويقينٍ بما عنده. فانظر إلى حرص أبي بكر الصديق ﵁ أن لا يدخل جوفه ذرّة من حرام تورّعاً، فلما أكل من طعام

стр. 58

قيل له أنه من مال الكهانة أدخل إصبعه في حلقهِ فاستقاءه حرصاً على طهارة بدنه وتنقيته من الخبَث (١). وشرب عمر بن الخطاب ﵁ لبناً أعجبه فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: (مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟) فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ، قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا له مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلهُ فِي سِقَائِه فهو هَذَا اللبن، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يده، فَاسْتَقَاءَهُ (٢). وقد أعلن الله تعالى الحرب على آكل الربا، وأغلظ التهديد والعقوبة مما يبين بُعده عن موجبات السلامة الأخروية والدنيوية قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩] وقال: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] كما شنع على الذين يأكلون أموال اليتامى وبالغ في الوعيد بقوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠].

стр. 59

فتحريّ الحلال يقتضي اتقاء الشبهات والبعد عن الحرام. ويبعد المؤمنين من أسباب سخط الله ويقربهم من رضاه (١) وما أكثر من استهان اليوم بالحرام فولجه من أوسع أبوابه من أكل للربا، وأكل مال اليتيم، وأكل أموال الناس بالباطل بالغش والاحتيال والنهب والقائمة تطول والله المستعان. * * * * ثالثا: الخشوع والتذلل: امتدح الله تعالى أهل الخشوع في كتابه العظيم فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ١ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢]. والخشوع كما عرفه ابن القيم هو: "قِيَامُ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ بِالْخُضُوعِ وَالذُّلِّ، وَالْجَمْعِيَّةِ عَلَيْهِ" (٢). وقال صاحب التفسير المنير: "هو السكون والطمأنينة، والتؤدة والوقار، والتواضع لله تعالى قلباً وسلوكاً، خوفاً من عقاب الله تعالى، ومراقبته" (٣).

стр. 60

والخشوع لله يتضمن أمرين: أحدهما: التواضع والذل. والثاني: السكون والطمأنينة (١). وأصل الخشوع الحاصل في القلب، إِنَّمَا هو من معرفة الله، واستشعار عظمته وجلاله وكماله، واستحضار معيته ومراقبته فمن كان بالله أعرف كان له أذلّ وأخشع (٢). والخشوع مستلزم للين القلب مناف لقسوته متضمّن لعبودية الله، ومن هنا كان الخشوع من موجبات القبول ومن أسباب الارتقاء في مراقيه ودرجاته، فهو عبادة مختصة بجلال الله وتعظيمه ومهابته وهو ما يستجلب محبته والقرب منه، ونمو الخشوع وزيادته إنما يكون بمداومة المراقبة على النفس، وطول النظر في آفاتها وعيوبها ونقائصها من الكبر، والعجب، والرياء، وضعف الصدق، وقلة اليقين، وتشتّت النية، وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي يرضاه العبد لربه وغير ذلك من عيوب النفس (٣).

стр. 61

وإذا خشع القلب تبعته سائر الجوارح بالذلة والسكينة. فالخشوع بذوره في القلب وثماره على الجوارح، وكلما كان العبد أشدّ استحضاراً لمقام ربه كان قلبه أشد خشوعاً وخشيةً، وكان له ربه أكثر قبولاً، ولمآله أرفع منزلةً. وتتفاوت القلوب في الخشوع بحسب معرفتها لمن خشعت له، ويقينها بأسمائه وصفاته، فمن خاشع لاستشعاره بأن الله هو القريب المجيب، ومن خاشع محبةً بأنه تعالى الودود اللطيف الوهاب الرزاق، ومن خاشع لاستحضار المشاهدة والمراقبة بأنه سبحانه الحفيظ الرقيب، ومن خاشع استحياء بأنه السميع البصير، ومن خاشع لاستشعار صفات العزة والكبرياء والجبروت، ومن خاشع شوقاً لكماله وجماله بأنه جميلٌ قدّوس، من خاشع خوفاً بأنه العزيز المنتقم، ومن خاشع رجاءً بأنه العفو الكريم، والله تعالى قريب من الخاشعة قلوبهم قريب ممن يناجيه، وممن يستغفرونه بالأسحار، ومن زوّار بيوته المتضرعين إليه، ينظر إليهم، ويباهي بهم الملائكة. فإذا نظر الله لقلب عبده المؤمن ورآه خاشعاً ساكناً متذللاً منكسراً له تقبّله وأحبّه فالله تعالى عند المنكسرة قلوبهم (١). * * * *

стр. 62

رابعاً: دوام الذكر: قال تعالى في امتداح أهل الذكر وبيان مالهم من عظيم الثواب: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وكفى بهذه الآية الكريمة من عظيم الدلالة على محبة الله وفتح أبواب القبول لعبده الذاكر، وهل هناك أعظم من أن يذكر الله العبد، في نفسه، أو يذكره في ملأ الملائكة الكرام، والذكر من الله للعبد دلالة على رضاه وقبوله ومن ﵁ رحمه وأثابه وأثنى عليه في الملأ الأعلى (١). فاذكر الله في كل حال في سفرك وحضرك في فرحك وترحك، في طاعتك وتفريطك، اجعل الله أقرب منك من نفسك يذكرك ومن فاز بذكره كان معه. فذكر الله جلّ وعلا، من أعظم موجبات القبول، ومن أهم العبادات التي يحبها الله تعالى، لأن فيه ثناء عليه، واعتراف بألوهيته وربوبيته، وتمجيد له بما هو أهله. هذا ولا شك أن التنزيه والتحميد والتسبيح قُبيل تقديم العمل الصالح بين يدي أكرم الأكرمين

стр. 63

مسبوقاً بالثناء والذكر فيه كمال الاعتراف بجلال الله وكمال الخضوع له سبحانه فذلك أحرى أن يُستجاب لذلك العبد وتُقبل مسألته، ويُتقبّل منه عمله (١). و أهل الذكر هم أهل السبق إلى أعالي الجنان قال النبي ﷺ : (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَات) (٢). ومعنى المفردون: هُوَ من تَفْرِيدُ النَّفْسِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ وألا يُنسى الله تعالى على كل حال (٣). ومعنى السبق في قوله (سبق) أي سبقوا إلى مرضاة المولى، وإلى الدرجات العُلى (٤). قال ابن القيم: "فِي كُلِّ جَارِحَةٍ مِنَ الْجَوَارِحِ عُبُودِيَّةٌ مُؤَقَّتَةٌ، وَالذِّكْرُ عُبُودِيَّةُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَهِيَ غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، بَلْ هُمْ مَأْمُورُونَ بِذِكْرِ مَعْبُودِهِمْ وَمَحْبُوبِهِمْ فِي كُلِّ حَالٍ " (٥). ومما يدل على عظمة الذكر ورفعة شأنه عند الله أنه يقترن بالأعمال الصالحة فالصلاة مقرونة بالذكر من تسبيح وتحميد وثناء على الله وتلاوة للقرآن الكريم وكذا الحج والعمرة وكثير من العبادات

стр. 64

والأعمال من طعام وشراب ومنام ولا تخلو حياة العبد المؤمن من ذكر الله في جميع أحواله فالذكر روح العمل، فإذا خلا العمل من الذكر كان كالجسد الذي لا روح فيه (١). والذكر على إطلاقه يكون باللسان والقلب والجوارح ويدخل فيه تلاوة القرآن الكريم والصلاة على النبي ﷺ لأنها تتضمن ذكر الله وذكر رسوله واعترافاً بحقه ﵊، كما تدخل فيه الصلاة قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] أي يُصلي له فيها بالغداة والعشي (٢). * * * * خامساً: التوبة و عدم الإصرار على المعاصي: ومن موجبات القبول التوبة من الذنب والتوبة هي: الندم والاستغفار فقد قال الرسول ﷺ : لعائشة: ﵁ (إن كنتِ ألممْتِ بذنبٍ فاستغفِري اللهَ وتوبي إليهِ، فإن التوبةَ من

стр. 65

الذنبِ: الندمُ والاستغفارُ) (١). وهي: " الاستغفار بعد الاعتراف بالذنب وتركه والندم على فعله" (٢). وقيل هي: "الإقلاع عن الذنب، والشعور بالندم، والعزم المؤكد على ألا يعود إليه من بعد" (٣). وحقيقة التوبة أنها تكون من الله للعبد ابتداءً وذلك بالتوفيق لها، ثم تكون من العبد لله حيث يرجع العبد إلى الله بالتوبة، ويرجع الله تعالى بقبوله، ورفع المؤاخذة على الذنب، ورضاه عنه. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ [غافر: ٣] وقال في شأن الثلاثة الذين خلفوا: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨]. قال أهل التفسير (٤): أكرمهم الله فوفقهم للتوبة، و تدارك قلوبهم قبل أن يصيبها الضعف والزيغ، فأمطر عليهم سحائب جوده، ولم يقنطهم من كرمه، فهداهم لتقويم ما اعوج، وأرشدهم للسير على النهج، فإنه إن لم

стр. 66

يوفقهم الله سبحانه إلى هذا الموقف، ويربط على قلوبهم فيه، لم يكن منهم هذا الصبر على البلاء، ولا احتمال هذا المكروه الذي وقعوا فيه. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي: الكثير القبول للتوبة، المتجاوز عن الذنب، الرَّحِيمُ بهم بعد التوبة (١). وهنا يشعّ من بين حروف الآية الكريمة معنىً واضحٌ لا لبس فيه وهو أن توبة الله على العبد سابقةٌ ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ ولاحقة ﴿لِيَتُوبُوا﴾ بتوفيق منه، فالله جل وعلا ينظر إلى قلب العبد فإن رأى إرادة الندم، وصدق النية، وقلق النفس وتأنيب الضمير، واستعظام ما أقدم عليه في حق خالقه، وفّقه للتوبة وهداه إليها، فإن تاب وأصلح تقبّله وتقبّل منه. فمن موجبات القبول التوبة عن المعصية، لأنها تصحّح للمؤمن إيمانه، وتقيل عثرته، فإن المعاصي قد تقف سداً منيعاً عن قبول العمل، إذ كيف يجرؤ عبد أن يعصي سيده ويستجلب نقمته عليه، ثم يسأله ويطلب منه. وبالرغم من أن ابن آدم خطاء ومن طبيعته الزلل، وتجرّه أهواؤه للوقوع في دائرة الخطل، وَقد قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ) (٢) والاستغفار جابر

стр. 67

للطاعة، متمّم لجوانب النقص فيها، مطهر للعمل من شوائب الشرك والرياء، ومع أن الله تعالى من صفاته أنه يغفر الذنب ويقبل التوب، ويستجيب لعبده على معاصيه إلا أن الإصرار على الذنب، ومبارزة الله تعالى بالمعاصي والاستمرار عليها وعدم التوبة يعدّ عناداً واستكباراً وهو الذي يحجب العبد عن ربه (١). و الله تعالى يبغض المعاصي وبعضها عند الله تعالى أبغض من بعض فقد يعمل العبد المعصية فيلقى من سخط الله بسببها مالو عمل واستكثر من غيرها فإن الله تعالى قد خبّأ سخطه في معاصيه فلا يدري عبدٌ أي معصية استجلبت نقمة الله عليه، فيغلق باب القبول دون العبد بسببها، وكما قال جعفر الصادق ﵁ (٢): (إن الله تعالى خبأ ثلاثاً في ثلاث رضاه في طاعته فلا تحقروا منها شيئاً فلعل رضاه فيه وغضبه في معاصيه فلا تحقروا منها شيئاً فلعل غضبه فيه وخبأ ولايته في عباده فلا تحقروا منهم أحداً فلعله ولي الله تعالى وزاد وخبأ إجابته في دعائه فلا تتركوا الدعاء فربما كانت الإجابة فيه) (٣).

стр. 68

في ضوء ما تقدم يُلاحظ أن العبد قد يُحرم القبول من جهتين: ١ - من معصية جلبت سخط الله: كالذي قال كلمة من سخط الله أو تألّى عليه (١) فيُحرم بذلك القبول. ٢ - للإصرار وعدم التوبة: وقد ذكر النبي ﷺ أن من أسباب منع قبول الدعاء اقتراف الحرام فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (٢) فهذا مُصرّ على الحرام، والتعامل به، مع أنه يطيل السفر في وجوه الطاعات كالحج والعمرة وصلة الأرحام، مما أدى إلى منع قبول دعائه وعدم الاستجابة له (٣).

стр. 69

فالتوبة وعدم الإصرار على الذنب، وعدم استصغاره واحتقاره من موجبات القبول ومعززاته ولذلك بين الله تعالى أن ليس كل توبة يقبلها فقال: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ١٧ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨] فقبول التوبة على الله وتوفيقه لها وتجاوزه عن صاحبها إنما يكون لمن أذنب من المؤمنين وهو جاهل غير متعمّد ولا مصرّ مصحوبة بالندم والاستغفار وترك العود إلى مثله قبل نزول الموت بهم، وقيل الجهالة تحتمل أمرين: - أن يعملوا العمل وهم يجهلون المكروه فيه. - أن يُقدموا عليه على بصيرة وعلم بأن عاقبته مكروهة، ولكن سوّلت لهم أنفسهم وآثروا العاجل على الآجل، فسموا جهالاً لإيثارهم القليل الزائل على الكثير الدائم. و لكن ليس قبول التوبة للذي أصرّ على فعله، وتمادى في غيّه حتى غرغرت منه الروح، وإذا بملك الموت على رأسه يلوح، ولا لمن استكبر وكفر، وعاين الموت على جحود وغرر.

стр. 70

فالله تعالى يحب التوابين ويتقبل منهم بل ويفرح سبحانه بتوبتهم (١) وقد يرفعهم بتلك التوبة عنده إلى أفضل ما كانوا عليه، فكلما صاحب التوبة العزم والصدق والإصرار، ورافقها الذلّ والاعتراف والانكسار، وتبعها بعمل صالح لمحو الأوزار ارتقى صاحبها في درجات القبول، وقد يرقى بتلك التوبة إلى مالا يرقى إليه غيره من أهل الصلاح، وقد ذكر ابن تيمية أنّ من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته. وعلّق ابن القيم أن هذا بحسب قوة التوبة وكمالها، وما أحدثته المعصيةُ للعبد من الذلّ والخضوع والإنابة (٢). * * * * سادساً: حسن الظن بالله تعالى: حسن الظن بالله تعالى يكون بتغليب الرجاء والطمع في القبول، وترجيح جانب حسن الظَّنِّ بِالله تعالى لكن لا يخلو ذلك من مخافة الله فما أحسن الظانّ بالله عمله إلا خوف عدم القبول (٣). أما كثرة التوجس وظنُّ عدم قبول العمل يوجب الفتور وَالْكَسل بل يقود للقنوط واليأس، واعتقاد قبوله يُشعل في النفس النشاط ويوقد فتيل الحماس، ويحرك الهمّة للمزيد. والله تعالى وعد بالأجر والثواب فِي مُقَابل الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ في القرآن الكريم

стр. 71

في أكثر من خمسين موضعاً وطمأن المؤمن بحفظ عمله وعدم ضياعه، وبالمغفرة لذنبه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] وقوله عزّ مِنْ قائل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩] و فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي) (١) وَ قال ﷺ : (لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ) (٢) فالظنّ الحسن ورجاء الْقَبُولِ، هو في ذاته مُوجِبٌ لِلْقَبُولِ إذا ما اقترن بالعمل الصالح (٣). ولا ريب أن حسن الظن بالله لا يتحقق إلا مع الإحسان في العمل، فمن أحسن العمل أحسن الظن بربه فيجازيه الله على إحسانه بأحسن منه وأكرم وأشرف، ويُنجز له وعده، ويتقّبل منه توبته، وأما المسيء المصرّ على الكبائر والظلم والمخالفات فإن وحشة المعاصي ودركات الظلم ومهاوي الحرام تمنعه من حسن الظن بربه. فأنى لمن سلك طريق القبائح ونأى عن المحاسن، أن يحسن الظنّ!. لا جرم أنه لا يتجرّأ على مثل ذلك إلا المغترّ. فنرى النص القرآني يرسم صورة المؤمن حَسَن الظنّ بربه يوم القيامة عند تطاير الصحف آخذاً

стр. 72

كتابه بيمينه، لقد كان على يقينٍ بأنه سيُلاقي ذلك الجزاءَ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً فتراه رافعاً رأسَه بابتهاجٍ في أسعدِ موقفٍ مرَّ عليه منذ يوم خُلقَ قائلاً كما حكى عنه ربه : ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠] قال الحسن البصري: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فأساء العمل " (١). فحسن الظن بالله هو حسن العمل نفسه، فإن العبد إنما يحمله على حسن العمل حسن ظنه بربه أن يجازيه على أعماله ويتقبلها منه ويثيبه عليها، فكلما أحسن ظنه بربه أحسن عمله تبعاً لذلك، قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ٤٥ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦]. فالذين استيقنوا من لقاء ربهم وعلموا أنهم ملاقوه للحساب أحسنوا العمل وهو في حدّ ذاته إحسان ظن نابع من قلوبهم دافعٌ إلى حسن العمل. وهنا يمكن أن نستنبط من لفظ ﴿يَظُنُّونَ﴾ ومعناه يستيقنون (٢) إشارة خفيه إلى حسن الظن، لأن اليقين بلقاء الله مستلزم لحسن الظن به (٣)، وهو ما يدعو

стр. 73

الخاشع إلى الاستعانة بالصبر والصلاة. ويؤكد على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] إنّ المؤمنين بربهم الذين نصبوا بين أعينهم لقاء الله و أنهم ملاقوا وعد الله بالمعونة و النصر والتأييد على سبيل حُسن الظنّ كان لهم ذلك (١). فإن الله تعالى قال في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. فكل من رجا الله واستيقن لقاءه فإن الله يحقق له رَجَاءَهُ من الثواب والكرامة إِذَا مَات عَلَى الْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ (٢). وكما أن حُسن الظنّ يقود إلى حسن العمل، فسوء الظن قائدٌ ولا شك إلى الإصرار والغرور والانهماك في المعاصي. قال قتادة: "من استطاع منكم أن يموت وهو حَسن الظنّ بربّه فليفعل، فإنّ الظنّ اثنان: ظنّ يُنجي، وظنّ يُردي " (٣). كما قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]. قال ابن القيم: " حسن الظن هو الرجاء فمن كان رجاؤه هادياً له إلى الطاعة فهو

стр. 74

رجاء صحيح، ومن كانت بطالته ورجاؤه تفريطًا فهو المغرور. وحسن الظن مع اتباع الهوى عجز، كما قال النبي ﷺ : (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ) (١) " (٢). * * * * سابعاً: الدعوة إلى الله و الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: - والدعوة بتعريف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "هي الدعوة إلى الإيمان به، وبما جاءت به رسله، بتصديقهم فيما أخبروا به وطاعتهم فيما أمروا " (٣). ومن يتتبع ما ورد في القرآن عن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجد أن القرآن الكريم -كعهده في الحث على كل خير - رغّب فيه في أكثر من آية، وما ذلك إلا أنه من موجبات القبول وأساساته، ومن سبل الفوز برضاه سبحانه، كيف لا وهو القائل جل في علاه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ

стр. 75

قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: ٣٣]. وإذا كانت الدعوة إلى الله هي سبيل إقامة الدين، فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبيل الحفاظ عليه بين من دخلوا فيه فهما بنفس المنزلة من الله تعالى فكل من أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فقد دعا إلى الله بشكل من الأشكال، وهي جميعاً أحسن الأقوال على الإطلاق، وأحسن عمل مجتمعي ينشر في الناس، وأصحابها بأحسن منزلة عند الله وأرفعها، وقد ورد الحث عليها بهذا اللفظ في ثمان آيات منها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١] فبين الله تعالى أن من الخواص التي يتميّز بها عباده المؤمنين، التعاون على البرّ والتقوى والتواصي بالحق والصبر وعلق الفلاح على ذلك فقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. كما ورد في القرآن الحث عليه بمعان أخرى متقاربة ومنها ما جاء في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ ١ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ٢ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ فجعله من التواصي بالحق والصبر قال المفسرون: وَأَوْصَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالصَّبِرِ عَلَى الْعَمَلِ بِطَاعَةِ اللَّهِ، وعَلَى
следующие страницы →