العادل إذا كان ووجد على شرطهم ذلك.
وقال الإمام اللالكائي ﵀ في «اعتقاد أهل السنة» (١/ ١٦٠ - ١٦١): والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يُترك.
وقال أيضًا ناقلاً عن الثوري، من عقيدة أهل السنة، والثوري يحدِّثُ شعيب بن حرب: يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلفَ كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة … قال شعيب: فقلتُ لسفيان: يا أبا عبد الله، الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة.
وقال الإمام الصابوني ﵀ في «عقيدة السلف الصالح أصحاب الحديث» (ص ١٠٦): ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم؛ برًا كان أو فاجرا، ويرون جهاد الكفرة معهم، وإن كانوا جورة فجرة … إلخ كلامه ﵀.
وقال عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي ﵀ في «اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل» (ص ٣٠٤ - ٣٠٥): وقال أحمد بن حنبل ﵁: وأرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج - يعني الجمعة والعيدين … إلخ (١).
стр. 107
وقال ابن قدامة في (المغني) (٢/ ٢٧): وقد كان أحمد يشهدها - يعني الجمعة والعيدين - مع المعتزلة، وكذلك العلماء في عصره.
وقال الإمام الطحاوي في عقيدته: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى مَنْ ماتَ منهم.
قال العلامة ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية (ص ٣٦٥): اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه؛ كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإنَّ المأموم يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة ﵃ كانوا يصلُّونَ الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجَّارِ ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر … والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلْفَهُ لم تبطل صلاته، لكن إنما كُره من كرة الصلاة خلفَهُ؛ لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب … وأما إذا كان ترك الصلاة خلفَهُ يفوّتُ المأموم الجمعة
стр. 108
والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ … إلخ. كلامه ﵀، وهو كلام نفيس جدا (١).
قلت: وأخرج البخاري في (التاريخ الكبير) (٦/ ٩٠) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢٢) عن عبد الكريم البكاء قال: أدركتُ عشرة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يصلُّونَ خلف أئمة الجور. وإسناده صحيح.
قال الشوكاني رحمَةُ الله في (نيل الأوطار) (٣/ ١٩٩) بعد إيراد هذا الأثر: قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومَنْ تبعهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا، على الصلاة خلف الجائرين؛ لأنَّ الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم؛ في كلِّ بلدة فيها أميرٌ.
وأخرج ابن أبي شيبة في (المصنَّف) في باب الصلاة خلف الأمراء (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، والبيهقي في سننه الكبير (٣/ ١٢١) عن عمير بن هاني قال: شهدت ابن عمر، والحجاج مُحاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. وإسناده صحيح أيضًا.
وقد أورد ابن أبي شيبة في «مصنفه» آثارا كثيرة تدل على ذلك، منها ما سيأتي، وسأذكُرُ مَنْ أخرجها معه.
стр. 109
أخرج الشافعي في الأم (١/ ١٥٨) - (١٥٩) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢٢) عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كانا يصليان خلفَ مَرْوانَ قال: - أي: جعفر بن محمد - لأبيه فقال: ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منزلهما؟ فقال: لا والله ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة.
وأخرج الشافعي (١/ ١٥٨) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢١) أَنَّ عبد الله ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير، والحجاج بمنى، فصلى مع الحجاج.
ولكن في سنده مسلم بن إبراهيم الزُّنْجِيُّ، وفيه ضعف.
قلتُ: لكن صلاته خلف الحجاج ثابتة من وجوه أخرى، تقدم بعضُها.
وأختم الكلام عن هذا الحديث، وما يتعلق به، بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢) وما بعدها، قال: ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه؛ كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإنَّ المأموم يصلي خلْفَهُ عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم؛ ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام؛ برا كان أو فاجرًا، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد، فإنها تصلى خلفه الجماعات.
ثم قال ﵀: والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة كانوا
стр. 110
يصلُّونَ الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون، كما كان ابنُ عمر يصلي خلف الحجاج، وابن مسعود وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر … وفي «صحيح البخاري» (١) أن عثمان ﵁ لما محصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان، فقال: إِنَّكَ إمامُ عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. ومثل هذا كثير.
ثم قال ﵀: وأما الصلاة خلف المبتدع، فهذه مسألة فيها نزاع وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تُقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين، وكصلوات الحج، خلف إمام الموسم، فهذه تفعل خلف كل برّ وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما تدَعُ مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم، ممن لا يرى الجمعة والجماعة إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خيرٌ من صلاته في بيته منفردًا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقا. إلخ كلامه ﵀، فارجع إليه إن شئت فإنه مفيد للغاية، والله أعلم
стр. 111
الفصل الرابع تخريج حديث: «كُلُّ قرض جرَّ نفعًا فهو ربًا»
رُوِيَ هذا الحديث من حديث عليّ بن أبي طالب ﵁، ومحمد بن كعب القرظي ﵀، مرسلاً.
стр. 112
المبحث الأول
حديث علي ﵁: أخرَجَهُ أبو الجهم العلاء بن موسى الباهلي في «جزئه» (٩٢)، والحارث بن أبي أسامة (٤٣٦ - بغية الباحث) (١) من طريق سوار ابن مصعب، عن عمارة الهمداني، قال: سمعتُ عليا يقول: قال رسول الله ﷺ : «كل قرض جرَّ منفعة فهو ربا».
قال الحافظ الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٨٥): ومن جهة الحارث بن أبي أسامة، ذكره عبد الحقِّ في «أحكامه» في البيوع، وأعله بسوار بن مصعب، وقال: إنه متروك. ورواه أبو الجهم في «جزئه» المعروف: ثنا سوار بن مصعب به، ولم يغزه صاحب «التنقيح» - يعني ابن عبد الهادي (وينظر التنقيح ٣/ ٨) (١٥٧٢) - إلا لجزء أبي الجهم، وقال: إسناده ساقط، وسوار: متروك الحديث.
وقال الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ٤٣): وفي إسناده سوار بن مصعب، وهو متروك.
وقال ابنُ المُلَقِّنِ في «البدر المنير» (٦/ ٦٢١): هذا الحديث - يعني: نهى عن قرض جر منفعة - أورده باللفظ الثاني - وهو لفظ حديثنا - القاضي حسين، وأورده الغزالي في «وسيطه» بالأول، وتبع فيه إمامه - يعني إمام
стр. 113
الحرمين الجويني - فإنه كذلك أورده، وزاد: إنه صح.
قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٥/ ٢٨٨) معلقا على تصحيح الغزالي وغيره: قال عمر بن بدر الموصلي في «المغني»: لم يصح فيه شيء، ووهم إمام الحرمين والغزالي، فقالا: إنه صح. ولا خبرة لهما بهذا الفن. اهـ.
وقول عمر بن بدر الموصلي في «المغني»، نقله عنه غير واحد من أهل العلم مقراً له، منهم ابن الملقن في «البدر المنير» (٦/ ٦٢٢)، وابن حجر في «التلخيص الحبير» (٣/ ٣٤).
قلتُ: وكلامه في «المغني عن الحفظ والكتاب» (ص ٤٠٣) قال: لم يصح فيه شيء عن النبي ﷺ . وفي الصحيح: أنه اقترض صاعا، وردَّ صاعين.
وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح تحقيق أحاديث التعليق» (٣/ ٨): هذا الإسناد ساقط، وسوار: هو ابن مصعب، وهو متروك.
وكذا قال الحافظ في «بلوغ المرام» (ص ١٦٤)، وأورده الفيروزآبادي في رسالة في بيان ما لم يثبت فيه حديث من الأبواب (ص ٢٩).
ونقل العجلوني في «كشف الخفاء» (ص ١٢٥)، وكذا المناوي في «فيض القدير» (٥/ ٢٨) عن شمس الدين السخاوي قوله: إسناده ساقط.
وقال العجلوني في موضع آخر (ص ٤٢١): لم يثبت فيه شيء.
стр. 114
قلت: أعلُّ أهل الحديث هذا الحديث بِسُوَّار بن مصعب (١)، وحكموا على روايته بالترك.
قال البخاريُّ عن سَوَّار: منكر الحديث. وكذا قال أبو حاتم، وزاد: لا يكتب حديثه، ذاهب الحديث. وقال أحمد والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. وضعَّفه ابن معين، وقال: ضعيف، ليس بشيء.
وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه ليست محفوظة، وهو ضعيفٌ كما ذكروه.
وقال ابن حبان: يأتي بالمناكير عن المشاهير حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها.
قلت: هناك علة أخرى أشار إليها ابنُ المُلَقِّنِ في «البدر المنير» (٦/ ٦٢١) حيث قال: وهو منقطع فيما بين عمارة وعلي. اهـ.
قلت: لم أهتد إلى عُمارة هذا، مَنْ هو؟ هل هو: عُمارةُ بنُ رُوَيْبَةَ الثقفي، أم عُمارةُ بنُ عبد الكوفي، أم غيرهما؟ ولعله عمارة بن عبد الكوفي؛ لأنَّ ابنَ رُوَيْية طبقته أعلى، بل اختلف في صحبته، وقد جزم البخاري وأبو
стр. 115
حاتم له بالصحبة (١) كما في «التاريخ الكبير» (٦/ ٤٩٤)، و «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٦٥) - أما الآخر - أعني: ابن عبد الكوفي - فهو قريب في الطبقة من سوار بن مصعب، وقال البخاري في «تاريخه الكبير» (٦/ ٥٠٠)، وأبو حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٦٧): سمع علياً ﵁، سمع منه أبو إسحاق.
وأما ابن حبان في «الثقات» (٥/ ٢٤٤) فقال: يروي عن علي، روى عنه أبو إسحاق السبيعي.
قلت: وثقه العجلي في ثقاته (٢/ ١٦٢)، وقال أبو حاتم: شيخ مجهول لا يحتج بحديثه. وأما أحمد بن حنبل فقال: مستقيم الحديث (٢).
стр. 116
المبحث الثاني حديث محمد بن كعب القرظي ﵀
أما حديث محمد بن كعب القرظي، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «كلُّ قرض جرَّ منفعة فهو ربا».
ذكره أبو محمد مكي بن أبي طالب القيرواني المالكي (ت ٤٣٧) (١) في كتابه: «الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه وجمل من فنون علمه» (١/ ٩٠٧) هكذا مرسلاً.
ولم أجد أحدًا ذكره من هذا الوجه غيره، والله أعلم.
стр. 117
المبحث الثالث وقد ورد حديث في معنى الحديث السابق
قال العلامة الألباني ﵀ في «إرواء الغليل» (٥/ ٢٣٦) تحت حديث (١٣٩٨): وفي معناه ما رُوِيَ عن أنس، من طريق يحيى بن أبي يحيى (١) الهنائي قال: سألتُ أنس بن مالك: الرجل منا يقرض أخاه المال فيهدي له؟ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : (إذا أقرض أحدكم قرضًا، فأهدى له، أو حمله على الدابة، فلا يركبها، ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك). وإسناده ضعيف، كما يأتي بيانه بعد حديث.
قلت: ثم بين الشيخ ضعْفَه في حديث (١٤٠٠)، كما أنه ضعف الحديث السابق في الإرواء أيضًا (١٣٩٨).
وحديث أنس الذي ذكره الألباني ﵀، أخرجه ابن ماجه (٢٤٣٢)، والبيهقي في «السنن الكبير» (٥/ ٣٥٠)، وابن الجوزي في التحقيق (٢/ ١٩٥) (١٥٠٤) من طريق إسماعيل بن عياش: ثني عتبة بن حميد الضبي، عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، قال: سألتُ أنس بن مالك … فذكره بمثله.
قال البيهقي عقبه: قال المعمري: قال هشام في هذا الحديث - يعني
стр. 118
هشام بن عمار: يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، ولا أراه إلا وهما، وهذا حديث يحيى بن يزيد الهنائي عن أنس، ورواه شعبة ومحمد بن دينار فوقفاه. اهـ.
وقال ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٤/ ١٠٧): كذا فيه - أي:
عند سعيد بن منصور، ومن طريقه البيهقي - (عن يزيد بن أبي يحيى) وهو غلط، ولا يعرف في الرواة: يزيد بن أبي يحيى، وقد روى هذا الحديث ابن ماجه عن هشام … عن يحيى بن أبي إسحاق الهنائي … فذكره. كذا قال. وهو خطأ أيضا، فإن يحيى الهنائي غير ابن أبي إسحاق، وابن أبي إسحاق هو: الحضرمي البصري. اهـ.
قال ابن التركماني في «الجوهر النقي»: قلت: ذكر المزي في أطرافه (١) هذا الحديث من رواية يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، وعزاه إلى ابن ماجه، ثم ذكر يحيى بن يزيد الهنائي، وأخرج له حديثا عن أنس، وعزاه (٢) إلى مسلم وأبي داود، وهو غير هذا الحديث، وذكرهما الذهبي في «الكاشف» (٣) في ترجمتين وعلم لابن أبي إسحاق الهنائي علامة ابن ماجه، ولابن يزيد الهنائي علامة مسلم وأبي داود، وذكر عبد الحق في «أحكامه» هذا الحديث من طريق بقي بن مخلد، عن هشام بن عمار، وفيه أيضا: يحيى بن أبي إسحاق الهنائي، وبهذا يظهر أن الحديث لابن أبي إسحاق، لا لابن يزيد. اهـ.
стр. 119
قلت: هذا كلام دقيق، وبهذا يتبين أن كلام المعمري الذي نقله البيهقي عنه، خطأ وغلط. والله أعلم.
قال الألباني في «الإرواء»: وهذا إسناد ضعيف، وفيه ثلاث علل:
الأولى: جهالة يحيى بن أبي يحيى الهنائي، قال الحافظ في (التقريب): مجهول.
الثانية: ضعف عتبة الضبي، قال الحافظ: صدوق له أوهام.
وبذلك أعله البوصيري في «الزوائد» (٢/ ٤٧) قال: هذا إسناد فيه مقال، عتبة بن حميد (١)، ضعفه أحمد، وقال أبو حاتم: صالح. وذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٢٧٢)، ويحيى بن أبي إسحاق الهنائي (٢) لا يعرف حاله.
الثالثة: إسماعيل بن عياش، ضعيف في غير الشاميين، وهذا منه، فإنَّ شيخه الضبي كوفي، وبه أعله ابن عبد الهادي في «التنقيح» (٣/ ١٩١) فقال: وهذا الحديث غير قوي؛ فإنَّ ابن عياش متكلم فيه.
وخفي هذا كله على الحافظ عبد الحق الإشبيلي فقال في (أحكامه): إسناده صالح. اهـ.
стр. 120
قلت: في الضعيفة تحت حديث (١١٦٢) زاد علتين، فقال: وبالجملة
فللحديث خمس علل:
١ - ضعف إسماعيل بن عياش.
٢ - ضعف عتبة بن حميد الضبي.
٣ - الاضطراب في سنده.
٤ - جهالة ابن أبي يحيى. (كذا) وصوابه كما تقدَّمَ: ابن أبي إسحاق.
٥ - روايته موقوفا.
فالعجب من رمز السيوطي لحسنه، كما نقله المناوي في «فيض القدير» … فإن الحديث مع هذا الضعف الذي في إسناده يعارضه حديث أبي هريرة في «الصحيحين» وغيرهما أن رجلاً تقاضى رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهم أصحابه به، فقال: «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالاً، اشتروا له بعيرا … ». فذكره.
ثم قال الألباني: وأحاديث زيادته ﷺ في الوفاء وحثه على ذلك كثيرة مستفيضة … ففي هذه الأحاديث إقراره للدائن على أخذ الزيادة التي قدمها إليه المدين باختياره، وحض المدين على الزيادة في الوفاء (١). اهـ.
стр. 121
المبحث الرابع
قلت: تبيَّن من خلال عرض هذه الروايات ضعف الحديث، بل الضعف الشديد، ومع ذلك فإن العمل عليه ثابت عن سلفنا الصالح، رضوان الله عليهم ورحمته - وعلى رأسهم أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فقد ثبت عن جماعة أنهم قالوا بلفظ هذا الحديث، أو بمعناه.
فمن ذلك؛ ما أخرجه البيهقي في «السنن الكبير» (٥/ ٣٥٠) بسندين صحيحين عن ابن عباس ﵄:
أما الأول: فمن طريق سالم بن أبي الجعد، قال: كان لنا جار سماك، عليه لرجل خمسون درهمًا، فكان يهدي إليه السمك، فأتى ابن عباس، فسأله عن ذلك؟ فقال: قاصه بما أهدى إليك.
وأما الثاني: فهو من طريق أبي صالح، عنه، أنه قال: في رجل كان له على رجل عشرون درهما، فجعل يهدي إليه، وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها، حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهما؟ فقال ابن عباس: لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم.
وهذا أخرجه أيضًا ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٢/
стр. 122
١٩٥) (١٥٠٥) وبوَّبَ عليه فقال: مسألة: لا يحلُّ للمقرض أن ينتفع من المقترض منفعة لم تجر عادته بها قبل ذلك، وقال الشافعي: يجوزُ ما لم يشترط ذلك. وعن أحمد مثله. اهـ.
وثبت عن ابن عمر ﵄، فيما أخرجه البيهقي (٥/ ٣٥٠) أَنَّ رجلاً قال: إني أسلفت رجلاً سلفًا، واشترطت عليه أفضل مما أسلفته؟ فقال ابن عمر: فذلك الربا.
قلت: هو بهذا اللفظ من طريق مالك، بلاغًا عن ابن عمر، فهو منقطع، لكن أخرجه البيهقي قبله في (٥/ ٣٥٠)، وكذا في «السنن الصغير» (١٠٣٢) من طريق مالك، عن نافع، عنه به، بلفظ: مَنْ أَسلَف سلفًا فلا يشترط إلا قضاءه. وإسناده صحيح. وقال البيهقي عقيبه: وقد رفعه بعضُ الضعفاء عن نافع، وليس بشيء.
وقد ورد عن جماعة آخرين من الصحابة، عن ابن مسعود، وأبي بن كعب، وفضالة بن عبيد، ولا تخلو من مقال، وكلها عند البيهقي (٥/ ٣٥٠، ٣٥١)، (٦/ ٣٩٩)، وغيره.
لكن من ثبت عنهم لا مخالف له، فيكون بمثابة الإجماع، لا سيما وأنَّ العمل جرى بعد ذلك من التابعين ومن تبعهم على ذلك.
فقد أخرج ابن أبي شيبة في «المصنَّف» (٧/ ٢٦٦) عن عطاء: كانوا يكرهون كل قرض جرَّ منفعةً.
وهذا يحكيه عن الصحابة وكبار التابعين، ومن المعلوم أن الكراهية عند
стр. 123
المتقدمين من السلف يُقصد بها التحريم غالبا؛ لأن الحرام يكرهه الله ورسوله، كما بين ذلك ابن القيم ﵀ في (إعلام الموقعين) (١/ ٤٣)، و «بدائع الفوائد» (٥/ ٦).
وأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا من قول إبراهيم، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين.
стр. 124
المبحث الخامس وفيه تحقيق الكلام عن الاشتراط وعدمه ونقل كلام العلماء في ذلك
ولكن صح عن عبد الله بن سلام؛ فيما أخرجه البخاري (٣٨١٤) من طريق أبي بردة قال: أتيتُ المدينة فلقيتُ عبد الله بن سلام ﵁ فقال: ألا تجيءُ فَأُطْعِمَكَ سَويقًا وتمرًا، وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حِمْلَ تبن، أو حمل شعير، أو حِمْلَ قَتْ (١)، فلا تأخذه فإنه ربا.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (٧/ ١٦٣) عند قوله: «فإنه ربا»: يحتمل أن يكون ذلك رأي عبد الله بن سلام، وإلا فالفقهاء على أنه يكون ربا إذا شرطه، نعم الورع تركه. اهـ كلامه ﵀.
قلت: ويدلُّ على ما ذكر الحافظ من الاشتراط حتى يكون ربا؛ أن النبي ﷺ قال: (إن خياركم أحسنكم قضاء). وذلك أن رجلاً كان له على النبي ﷺ سن من الإبل فجاءه يتقاضاه، فقال: «أعطوه». فطلبوا سِنَّهُ، فلم يجدوا له إلا سنا فوقها. فقال: (أعطوه). فقال: أوفيتني، أوفى الله بك.
فقال ﷺ : «إن خياركم … ». فذكره.
стр. 125
وفي لفظ: «فإنَّ خيركم أحسنكم قضاء».
أخرجه البخاري (٢٣٠٥، ٢٣٠٦، ٢٣٩٠)، ومسلم (١٦٠١) من حديث أبي هريرة ﵁.
وكذا حديث جابر ﵁: أتيتُ النبيَّ ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني. وهو عند البخاري (٤٤٣)، ومسلم (٧١٥).
وفي صحيح مسلم (١٦٠٠) من حديث أبي رافع: أنَّ رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجلَ بَكْرَهُ، فرجع إليه أبو رافع فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًا، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء».
قال النووي ﵀ في «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٣٧): يستحبُّ لمن عليه دين من قرض وغيره، أن يرد أجود من الذي عليه، وهذا من السنة ومكارم الأخلاق، وليس هو من قرض جر منفعة؛ فإنه منهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطًا في عقد القرض. اهـ.
قلت: فَمِنْ ثمَّ إذا اشترط زيادة على قرضه فإنه يكون ربا بلا خلاف بين أهل العلم، على مقتضى معنى هذا الحديث الذي معنا، وهي قاعدة فقهية: كل قرض جر منفعة فهو ربا. فالحديث وإن كان ضعيفا لا يثبت، إلا أن العلماء عملوا به، وأجمعوا على مقتضاه.
قال ابن قدامة في «المغني» (٦/ ٤٣٦) (١): وكلُّ قرض شرط فيه أن
стр. 126
يزيده فهو حرام بغير خلاف. قال ابن المنذر: أجمعوا على أنَّ المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك، أن أخذ الزيادة على ذلك ربا. اهـ.
ونقل كلام ابن المنذر، الإمام ابن القيم في (تهذيب سنن أبي داود) (٩/ ٢٩٦) وأقره.
قلت: وكلام ابن المنذر في كتابه (الإجماع) (ص ٩٥) قال: وأجمعوا على أنَّ كل قرض جر نفعًا مشروطًا فإنه ربا (١).
وقال أبو جعفر الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٩٩): … ثم حُرِّمَ الربا بعد ذلك؛ وحُرِّمَ كلُّ قرض جرَّ نفعًا، وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن. اهـ كلامه. ونقله عنه بدر الدين العيني في (عمدة القاري) (٩/ ٣٠٤).
قلت: نفقة الرهن على الراهن، وليس للمرتهن استعمال الرهن، وذلك جزيًا على القاعدة التي ذكرها: كل قرض جر نفعًا فهو ربا. والله أعلم.
وبنحو ذلك قال القرطبي في (تفسيره) (٣/ ٤١٢) عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَرِهَنُ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
وقال ابن رشد في (البيان والتحصيل) (١٠/ ٥٦٥): … لأنَّ تعجيل بعض الحقِّ قبل حلول أجله على أن يوضع عنه بقيتُه؛ سلف جر منفعةٌ، وذلك
стр. 127
ربًا عند مالك وعامة أهل العلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٣١، ٤٥٦): والقرض إذا جر منفعة كان ربا.
وقال في (٢٩/ ٣٣٣): وقد اتفق العلماء على أن المقرض متى اشترط زيادة على قرض كان ذلك حراما.
وقال ابن هبيرة في «الإفصاح» (١/ ٣٦١ - ٣٦٢): واختلفوا فيما إذا اقترض رجل من آخر قرضًا؛ فهل يجوز له أن ينتفع من جانبه بمنفعة لم تجرِ بها عادة، فقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز، وهو حرام. وقال الشافعي: إذا لم يشترط جاز، واتفقوا على تحريم ذلك مع اشتراطه، وأنه لا يحل ولا يسوغ بوجه ما.
وقال المرداوي في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف»: أما شرط ما يجر نفعًا، أو أن يقضيه خيرًا منه، فلا خلاف في أنه لا يجوز. اهـ.
وقال الشوكاني «في نيل الأوطار» (٥/ ٢٨٨): وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم اتفاقا.
وقال العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ في «فتاويه» (١٩/ ١٢٦): وكل قرض شُرط فيه النفع فهو محرم بالإجماع.
وكذا قالت اللجنة الدائمة في المملكة العربية السعودية في أسئلة وجهت إليهم برقم: (١٤٩٢، ١٧٣٩، ٢٠٢٤٤) وغيرها، قالوا: وقد أجمع العلماء على أن كل قرض جرّ منفعةٌ فهو ربا.
стр. 128
وكذا قرَّر المجمع الفقهي في قراراته (٣/ ٩) قرار رقم (٦٦) (٤/ ٧).
قلت: فخلاصة ما في الحديث أنه على الرغم من عدم صحته وثبوته من حيث الأسانيد، إلا أنه صحيح المعنى والمضمون، عليه العمل عند العلماء، وهي قاعدة مجمع عليها، وذكرها جمّ غفير من الفقهاء في كتبهم، يستشهدون بها ويذكرونها على أنها قاعدة مسلَّم بها، ومنهم من ذكر الإجماع عليها، وقد ذكرتهم فيما سبق، والله الموفق لا ربَّ سواه.
стр. 129
الخاتمة
وتتضمن أبرز النتائج والتوصيات، أما النتائج فهي:
- ضعف الأحاديث الأربعة؛ طرق كل حديث منها لا تصح، ولا تصلح للاعتضاد بالشواهد ولا بالمتابعات، بل تزيده وهنا على وهنه.
- بالرغم من توهين الأسانيد في كل حديث، إلا أن المتون كلها في الأحاديث الأربعة تحمل معنى ومضمونًا أجمع العلماء عليه.
- لا يحملُ هذا الأمر أعداء الإسلام على الطعن في الدين؛ استنادا منهم زعموا - أن بعض الأحكام مجمع عليها ودليلها غير ثابت. فهذا أمر لا يُلتفت إليه، ولا يُعرج عليه، وقائله من أجهل الناس، إن لم يكن أجهلهم، وهو عدو للإسلام وأهله، فالشريعة - بحمد الله - محفوظة بحفظ الله تعالى، وليس الأمر كما زعموا وكذبوا، بل هناك بعض الأحكام التي ثبت فيها الإجماع، والذي يحمل مقتضاه الأحاديث الضعاف، إلا أن هناك أدلة أخرى تؤيد معناها ومضمونها؛ إما أن تكون هذه الأدلة من القرآن نفسه، أو من نصوص أخرى من السنة الصحيحة، أو من قياس صحيح، حصل به إجماع الأمة من الصحابة أو من بعدهم من التابعين والفقهاء، والأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا (١)، فهي بإجماعها على شيء معصومة عن الخطأ
стр. 130
والزلل، ولا يُظهر أهل باطلها على أهل حقّها (١)، وذلك فضلٌ من الله على هذه الأمة.
стр. 131
التوصيات
- لا بد أن أُوصِيَ نفسي وإخواني من طلبة العلم بضرورة العناية بعلم الحديث وعلله، والاهتمام به اهتمامًا كبيرًا، لا سيما للمشتغلين بالحديث وعلومه، ووضع مقرر خاص لطلبة الحديث، والبحث في هذا الفنّ نظريًّا وعمليّا، فكثير من الخلل الواقع في كلام بعض المعاصرين على الأحاديث؛ نتيجة للقصور في علم العلل وعدم التفطن لدقائقه، وهذا من أكبر التنافر والاختلاف في الحكم على الأحاديث بين بعض المعاصرين وكبار النقاد.
- الاهتمام بعلم الحديث يجعلك سلاحًا قويًا ضد أعداء الإسلام الذين يطعنون (١) في هذا الدين القويم ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٢].
- على الباحث ألا يكتفي بالرجوع إلى المختصرات، بل لابد من الرجوع إلى المصادر الأصلية المتقدمة، من تراجم، وتواريخ، وسؤالات، وعلل، وغير ذلك، وأن يتشبع بكلام النقاد والحفاظ، وكلما كان البحث مهما كان الرجوع إلى المصادر الأصلية ألزم وأوجب، فربما تقف على نص لا تجده في المختصرات أو الكتب المتأخرة، فلا يكتفي طالب الحديث في النظر إلى كتاب «تقريب التهذيب» مثلاً - مع أهميته البالغة - لكن عليه أن
стр. 132
يرجع إليه وإلى المطولات أيضًا.
- الرجوع إلى المصادر المطولة وإلى كلام النقاد الأوائل؛ لما له من أثر كبير في معرفة درجة الحديث والطمأنينة إليه، ومنها معرفة مناهج العلماء، ومقاصدهم في التصنيف، ومعرفة الكثير في فنون العلم.
وهذا، فما كان من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان، وأسأل الله أن يغفر لي وأن يتجاوز عني، وإن لم أكن أهلاً لأن يغفر لي، فإنه سبحانه: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦].
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.