(١٩/ ١٩٥): فلا يوجد قط مسألةٌ مجمع عليها إلا وفيها بيانٌ من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص … إلخ.
ثم أخذ، ﵀، يضرب بعض الأمثلة، ثم قرر أنه ثبت باستقراء موارد الإجماع أن جميع الإجماعات منصوصة.
ثم قال ﵀ (١٩/ ٢٠١): وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلابد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أنَّ ذلك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ، فهذا لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه، وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك. اهـ. كلامه ﵀.
وقال ابن حزم ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ٥٢٥): وكذلك إجماع أهل الإسلام كلهم جنّهم وإنسهم في كل زمان وكل مكان .. فنحن أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك، والحمد لله رب العالمين، ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله ، ثُمَّ اختلفنا، فقالت طائفة: هو شيء غير القرآن، وغير ما جاء به النبي ﷺ ، لكنه: أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه، لكن برأي منهم، أو بقياس منهم عن منصوص، وقلنا نحن: هذا باطل، ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير نص؛ من قرآن أو سنة عن رسولِ اللَّهِ ﷺ … إلخ.
стр. 72
قُلْتُ: لكن لو حصل الإجماع من خلال القياس أو غيره من أصول الشريعة فهو صحيح، خلافا لابن حزم والظاهرية، الذين ينكرون القياس ويرفضونه. وقد قال الزهري - في مسألة قضاء الصلاة والصيام للحائض - قال: تقضي الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة. قال معمر: عمن قال؟ قال: اجتمع الناس عليه، وليس في كل شيء نجد الإسناد (١).
وقال الآمدي ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٢٠٣): ففيه تجويز وقوع الإجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من صحة الإجماع .. وإن كان الإجماع لابد له من دليل فلا نسلم انحصار دليله في الكتاب والسنة ليصح ما ذكروه؛ لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس والاستنباط على ما يأتي بيانه.
وقال الصنعاني ﵀ في «إجابة السائل شرح بغية الأمل»
(ص ١٤٩): … والحالة أنه لابد للإجماع من دليل يستند إليه أهلُ الإجماع، فلا يقع إلا عن دليل شرعي؛ لما علم من أن الأحكام الشرعية لا تكون إلا عن مستند، فإنه لا يقدم مجتهد والأمة على حكم لا مستند له، ولكنه لا يلزمنا معرفة مستندهم؛ لأنه إنما يلزمنا معرفة دليل الحكم مثلا، وقد قام الإجماع على الحكم الواقع فيه الإجماع، وحينئذ فلا يلزمنا إلا معرفةُ الإجماع؛ لأنه قد صار الدليل في ذلك الحكم، ولذا قلنا: وإن جهلناه، ثم
стр. 73
المستند يكون من الكتاب العزيز، أو السنة النبوية، أو القياس … إلخ كلامه.
وقال الشمعاني تخلله في «قواطع الأدلة» (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) بعد أن نقل عن جماعة كالنظام وغيره أنهم لا يرون الإجماع إلا بدليل ومستند، وأن إجماع الصحابة ومن دونهم ليس بحجة بذاته - عندهم - وأنه يجوز الضلالة على الأمة - عندهم - وإذا جاز الضلالة عليهم لم يكن إجماعهم حجة! فأخذ يرد عليهم، إلى أن قال السمعاني: … وأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب، وهو قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والشاهد أتم لمن يكون قوله حجة، فقد وصف الأمة بالعدالة والشهادة، فدل أن قبول قولهم واجب؛ لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس، ثم لا يقبل قولهم ولا يجعله حجة. اهـ. قُلْتُ: هذا صحيح لا غبار عليه، وإجماع الصحابة يكون عن دليل؛ إما من كتاب، أو سنة، أو قياس صحيح معتبر عندهم، وعلى هذا فإجماعهم صحيح لا مطعن فيه؛ لأنهم لا يجتمعون على باطل وضلالة أبدا، فهم معصومون من الخطأ إذا اجتمعوا على حكم شرعي، كما سبق وأن بينتُ ذلك، والله أعلم.
- أما عن حديثنا هذا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب … ». فقد نقل الإجماع عير واحدٍ من أهل العلم على مضمونه ومعناه.
وقال الصنعاني تخلله في «سبل السلام» (١/ ٢٢): ولكن هذه الزيادة قد
стр. 74
أجمع العلماء على القول بحكمها، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فعيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس، فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه لا هذه الزيادة.
وقال الطحاوي ﵀ في (شرح المعاني) (١/ ١٢): وكان من الحجة في ذلك أيضًا أنهم قد أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر فغلبت على طعمِ مائها أو ريحه أو لونه أن ماءها قد فسد.
وقال القاضي عياض ﵀ في (إكمال المُعْلِمِ شرح صحيح مسلم) (٢/ ٥٩): وأجمعوا أن ما تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة أنه نجس لا يجوز استعماله.
وقال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٨/ ٢٣٦): وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسة لا يضره وأنه مطهر لها، وطاهر في ذاته، إن لم يتغير بها طعمه أو لونه أو ريحه.
وقال في موضع آخر (١/ ٣٣٢): ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ إذ سُئل عن بئر بضاعة … فقال: «الماء لا ينجسه شيء». يعني: ما لم يغيره أو يظهر فيه، والله أعلم؛ لأنه قد رُوي عنه ﷺ : «الماء طهور لا يُنجسه شيء، إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه». وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه اسم الماء مطلقا.
وقال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (١/ ٢٣): واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة، إما طعمه، أو لونه، أو ريحه، أو
стр. 75
أكثر من واحدة من هذه الأوصاف، أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور، واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغيّر أحد أوصافه، وأنه طاهر، فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب.
стр. 76
الفصل الثالث تخريج حديث: «صلُّوا خلف كل بر وفاجر»
هذا الحديث رُوِيَ عن بعض أصحاب النبي ﷺ مرفوعا؛ رُوِيَ من حديث أبي هريرة، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بنِ مسعود، وأبي الدرداء، وواثلة بن الأسقع، ومعاذ بن جبل، وأبي أمامة، ﵃ جميعا.
стр. 77
المبحث الأول
فأما حديثُ أبي هريرة، فيرويه عنه اثنان؛ الأول: مكحول، عنه. أخرجه أبو داود (٥٩٤، ٢٥٣٣) - ومن طريقه البيهقي في السنن الكبير (٣/ ١٢١)، ومعرفة السنن والآثار (٥٩٢٠)، وشعب الإيمان (٩٢٤٢) - والدارقطني (١٧٦٨) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢٢) (٧١٩)، وفي (التحقيق في أحاديث الخلاف) (٧٢٦)، والبيهقي في السنن الكبير (٤/ ١٩) - وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٩/ ١٨٣) كلهم من طريق ابن وهب، عدا ابن عساكر فمن طريق عبد الله بن صالح، كلاهما عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «الجهاد واجب عليكم مع كل أمير، برًّا كان أو فاجرًا، والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر، والصلاة واجبة على كل مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، وإن عمل الكبائر». هذا لفظ أبي داود بتمامه في الموضع الثاني، وأما الموضع الأول فأخرجه مختصرًا، ولفظ الدارقطني: «صلوا خلف كل برٍّ وفاجر، وصلوا على كل برٍّ وفاجر، وجاهدوا مع كل برٍّ وفاجر».
وقال الدارقطني عقبه: مكحول لم يسمع من أبي هريرة، ومن دونه ثقات. وكذا أعله ابن رجب في (فتح الباري) له (٤/ ١٨٤).
قُلْتُ: وأَعَلَّه ابن الجوزي بمعاوية بن صالح، وقال: قال الرازي - يعني
стр. 78
أبا حاتم: لا يحتج به. مع ما فيه من الانقطاع، وتعقبه ابن عبد الهادي في «تنقيح التحقيق» (٢/ ٤٧٩)، وقال: إنَّه - يعني معاوية بن صالح - من رجال الصحيح (١).
قلت: كلام أبي حاتم الرازي بتمامه في «الجرح والتعديل» لابنه (٨/ ٣٨٣) قال: صالح الحديث، حسن الحديث، يُكتب حديثه، ولا يحتج به.
قلت: فهو ثقة، إلا إذا انفرد فله مناكير، أما إطلاق القول بعدم الاحتجاج به، فبعيد، والله أعلم.
وقال البيهقي في «المعرفة»: وهذا إسناد صحيح، إلا أن فيه إرسالاً بين مكحول وأبي هريرة.
وقال في (السنن الكبير) (٤/ ١٩): إلا أنَّ فيه إرسالاً كما ذكره الدارقطني.
وقال الترمذي في «جامعه» تحت حديث آخر (٢)(٣٦٠١): ليس إسناده بمتصل؛ مكحول لم يسمع من أبي هريرة (٣).
قلت: وله طريق آخر عن مكحول، أخرجه الدارقطني (١٧٦٤) - ومن
стр. 79
طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٢٢) (٧١٨)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٢٥) من طريق بقية بن الوليد، ثنا الأشعث، عن يزيد بن يزيد بن جابر، عن مكحول، عن أبي هريرة، مرفوعًا، بلفظ: «الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم؛ برا كان أو فاجرًا، وإن هو عمل الكبائر … ». إلخ.
قال ابن الجوزي عقبه: وفي طريقه أشعثُ، وهو مجروح، وبقية لا يقوم على روايته، وقال الدارقطني. مكحول لم يلق أبا هريرة.
أما رواية الثاني، فهي رواية أبي صالح السَّمانِ عنه، أخرجه الطبري في تفسيره (٨/ ٥٠٢)، وابن حبان في «الضعفاء» (١) - كما في «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٥) - والطبراني في «الأوسط» (٦٣١٠)، والدارقطني (١٧٥٩) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤٢٢) (٧١٧)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٢٤) - وأبو الفضل الزهري في حديثه (١٢٣)، وأبو القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني في «الحجة في بيان المحجة» (٣٩٣) كلهم من طريق عبد الله ابن محمد بن يحيى بن عروة، عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السَّمانِ، عنه به، مرفوعا بلفظ: «سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فيما وافق الحق، وصلُّوا وراءهم، فإن أحسنوا
стр. 80
فلكُم ولَهُم، وإنْ أساءوا فلكم وعليهم» (١).
قلتُ: وهذا الطريق فيه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى بن عروةَ بنِ الزبيرِ المدنيُّ، قال ابنُ أبي حاتمٍ في «الجرح والتعديل» (٥/ ١٥٨): سألتُ أبي عنه فقال: متروك الحديث، ضعيفُ الحديث جدًّا.
وقال ابنُ حبان في «المجروحين» (٢/ ١١): كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، ويأتي عن هشامِ بنِ عروةَ ما لم يُحدِّث به هشامٌ قطُّ، لا يحلُّ كتابةُ حديثه، ولا الروايةُ عنه.
وقال العقيليُّ في «الضعفاء الكبير» (٢/ ٣٠٠) (٨٧٤): عبدُ اللهِ بنُ يحيى بن عروةَ بن الزبيرِ، عن هشامِ بنِ عروةَ، لا يُتابع على كثيرٍ من حديثه.
قلتُ: وبه أعلَّ ابنُ الجوزيُّ هذا الطريق في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢٥)
وقال الدارقطنيُّ في «سننه» عقب حديثٍ آخر (٢)(٣٤٦٢): تفرد به عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى، عن هشامٍ، وهو كثيرُ الخطأِ على هشامٍ، وهو
стр. 81
ضعيف الحديث.
وقال ابن عديّ في «الكامل» (٤/ ١٨٤): ولعبد الله بن محمد بن عروة غيرُ ما ذكرتُ من الحديث، وأحاديثه عامتها مما لا يتابعه الثقاتُ عليه، ولم أجد من المتقدمين فيه كلاما، ولم أجد بدا من ذكره؛ لما رأيتُ من أحاديثه أنها غيرُ محفوظة؛ لما شرطت في أول الكتاب.
قلت: وكأن ابن عديّ، ﵀، لم يطلع على كلام أبي حاتم الرازي والعقيلي، والله أعلم.
وقال أبو نعيم الأصبهاني في «الضعفاء» (١٠٧): صاحب مناكير وبواطيل (١).
стр. 82
المبحث الثاني
وأما حديث علي بن أبي طالب ﵁: فيرويه عنه الحارث الأعور، فيما أخرجه الدارقطني (١٧٦٥) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٤١٨/ ١) (٧١٠) - وابن شاهين في «ناسخ الحديث ومنسوخه» (٣٦٠) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٤١٨/ ١) (٧١٠) من طريق أحمد بن محمد بن شيبة، عن محمد بن عمرو بن حنانٍ، عن أبي إسحاق القنسريني (١)، ثنا فرات بن سليمان، عن محمد بن عُلُوانَ، عن الحارث به، بلفظ: «من أصل الدين الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل أمير، ولك أجرك، والصلاة على كلِّ من مات من أهل القبلة».
قال الدارقطني عقيب الحديث: ليس فيها شيء يثبت.
وقال ابن الجوزي: فيه الحارث، قال ابن المديني: كان كذابًا. وفيه فرات بن سليمان، قال ابن حبان: منكر الحديث جدا، يأتي بما لا شك أنه معمول.
قلت: كذا نقل ابن الجوزي عن ابن المديني قوله: كان كذابًا.
والحارث هو ابن عبد الله الأعورُ الهمداني (٢)، ليس بكذاب، نعم كذَّبَهُ
стр. 83
الشعبي وابن المديني وغيرهما، لكن أكثر أهل العلم على توهينه وتضعيفه دون وصفه بالكذب، بل إن يحيى بن معين قال عنه في رواية: ليس به بأس. وفي رواية أخرى قال: ثقة. وفي رواية قال: ضعيف.
لكن الصواب أنه واهي الحديث، ضعيف لا يحتج به، لكنه ليس كذابًا، والله أعلم.
وقال الذهبي في «تنقيح التحقيق» (١/ ٢٥٥): ولهم بإسناد عجيب، عن الحارث الأعور، عن علي مرفوعًا، قال: «من أصل الدين … » فذكره.
أما قول ابن الجوزي عن فرات: وفيه فرات بن سليمان - كذا - قال ابن حبان: … إلخ.
قلت: فيه خطأان؛ الأول: قوله: «فراتُ بن سليمان». ولعله خطأ من ابن الجوزي، أو تصحيف في النسخة المطبوعة، وصوابه: «فراتُ بنُ سلمان»، فقد ذكره البخاري في «تاريخه الكبير» (٧/ ١٢٩)، وقال: يُعدُّ. في أهل الجزيرة. وذكره أيضًا في ترجمة «محمد بن علوان» (١/ ٢٠٢)، وقال: قال كثير بن هشام: قال: ثنا فرات بن سلمان، سمع محمد بن علوان رفعه إلى علي رفعه قال: «يُصلى على من مات من أهل القبلة». مرسل.
الثاني: أنه نقل عن ابن حبان قوله: منكر الحديث … إلخ.
فقول ابن حبان هذا في «فرات بن سليم» (١)؛ وليس في «فرات بن
стр. 84
سلمان». فخلط ابن الجوزي بينهما، ولم يتنبه لذلك، والله أعلم.
وقد ترجم له ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٧/ ٨٠) فقال: فراتُ ابن سلمان الجزري، روى عن القاسم بن محمد … سمعت أبي يقول ذلك، وسألته عنه، فقال: لا بأس به، محله الصدق، صالح الحديث.
وفرق الذهبي بينهما في الميزان (١) (٣/ ٣٤٢) ونقل كلام ابن حبان الذي ذكره ابن الجوزي عنه في ترجمة: «الفرات بن سليم». ولم يذكره في ترجمة: «الفرات بن سلمان». فدل ذلك على أنه «ابن سليمان»، وليس «ابن سليم»، والله أعلم.
وقد وقع فيما وقع فيه ابن الجوزي، الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ٢٨) وتبع ابن الجوزي في هذا، فقال: … . ومن طريق الدارقطني رواه ابن الجوزي في «العلل» وقال: فرات بن سليمان - كذا - قال ابن حبان: … فذكره. ثم قال: لكن سماه: «فرات بن سليم».
قلت: فلم يتنبه الزيلعي إلى أنهما اثنان، والله أعلم.
وفي نفس الإسناد في هذا الحديث: «أبو إسحاق القنسريني»، لم يذكر ابن الجوزي فيه شيئًا، وقد ترجم له الذهبي في «ميزانه» (٤/ ٤٨٩) وقال: واه. وقال الدارقطني: مجهول. ونقل الذهبي تجهيل الدارقطني له أيضًا في
стр. 85
كتابه: «المغني في الضعفاء» (٢/ ٧٦٩). وكذا الحافظ في «لسان الميزان» (٧/ ٨).
وكذا محمد بن علوان (١) لم يذكر ابن الجوزي فيه شيئًا، مع أن أبا حاتم الرزاي قال عنه: مجهول - كما ذكره ابنه عنه في «الجرح والتعديل» (٨/ ٤٩).
فالإسناد كله تالف ساقط، والله أعلم.
стр. 86
المبحث الثالث
أما حديث عبد الله بن عمر: فروي من طرق؛ رواه عنه ثلاثة: عطاء ابن أبي رباح، ومجاهد، ونافع مولاه.
الطريق الأول: طريق عطاء عنه، أخرجه الدارقطني (١٧٦١) - ومن طريقه ابن الجوزي في (التحقيق في أحاديث الخلاف) (٧٣٠)، وفي (العلل المتناهية) (١/ ٤٢٠) (٧١٢) - وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (٢)(٣١٧) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، عن عطاء، عنه به، بلفظ: «صلُّوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف من قال: لا إلهَ إِلَّا الله».
قال ابن الجوزي عن عثمان بن عبد الرحمن (١): قال يحيى: ليس بشيء، كان يكذب. وقال البخاري، والنسائي، والرازي، وأبو داود: ليس بشيء. وقال الدارقطني: متروك.
قلت: عثمان بن عبد الرحمن هذا هو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري، أبو عمرو الوقاصي المدني، ويقال له: المالكي أيضا نسبةً إلى جده سعد بن مالك.
стр. 87
قال عنه عليُّ بنُ المدينيُّ - كما في «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٨٠): ضعيفٌ جدًّا.
وقال النَّسائيُّ: متروك الحديث.
وقال الجوزجانيُّ في «أحوال الرجال» (٢١١): ساقط.
وقال أبو حاتم الرازيُّ: متروك الحديث، ذاهب الحديث، كذَّاب.
وقال البخاريُّ في «تاريخه»: تركوه. وفي «تاريخه الأوسط» (٢/ ١٦١) (المطبوع باسم الصغير خطأ) قال: سكتوا عنه.
الطريق الثاني: من طريق مجاهد عنه: أخرجه الدارقطنيُّ (١٧٦٣) - ومن طريقه ابن الجوزيِّ في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢٠) (٧١٣)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٣١) - وأبو جعفر الرَّزَّاز (٦٠ - ضمن مجموع مصنفات ابن البختريِّ)، وتمام في فوائده (١٠٣٤) من طريق محمد بن عيسى بن حبَّان، عن محمد بن الفضل، ثنا سالم - هو ابن عجلان - الأفطسيُّ، عن مجاهد به.
قلتُ: هذا إسناد تالف بمرةٍ؛ محمد بن الفضل (١) قال عنه ابن الجوزيِّ: محمد بن الفضل، قال أحمد: ليس بشيء، حديثه حديث أهل الكذب. وقال يحيى: كان كذَّابًا. وقال النسائيُّ: متروك الحديث.
стр. 88
قلتُ: محمد بن الفضل بن عطية بن عمر المروزي، قال مسلم، والنسائي، وابنُ خِراش: متروك الحديث. وقال ابن حبان: كان ممن يروي الموضوعات عن الأثبات، لا يحلُّ كتابة حديثه إلا على سبيل الاعتبار، وكان أبو بكر بن أبي شيبة شديد الحمل عليه.
قلتُ: اختلف على محمد بن الفضل؛ فرواه محمد بن عيسى على ما سبق، ورواه محمد بن بكار - كما عند الطبراني في الكبير (١٣٦٢٢) - وجعفر بن هارون الكوفي أبو محمد - كما عند ابن عبد البر في «الاستذكار» (٣/ ٢٩)، كلاهما عن محمد بن الفضل، عن سالم الأفطس، عن عطاء، عن ابن عمر … فذكره … فجعل «عطاء» بدل «مجاهد».
وخالف سويد بن عمرو، محمد بن الفضل في روايته لهذا الحديث، فقد أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١٠/ ٣٢٠) من طريق إسحاق بن سُنين، عن نصر بن الحريش الصامت (١)، عن المُشْمَعِلْ بنِ مِلْحانَ، عن سويد بن عمر - كذا، وصوابه: عمرو - عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر به.
فجعل: «سعيد بن جبير» بدل «مجاهد».
стр. 89
وإسحاق بن سُنَين، ضعفه الدارقطني - كما في «سؤالات الحاكم» (٥٨).
ونصر بن الحريش هذا ضعيف أيضًا، قال الدارقطني: ضعيف، كما في «تاريخ بغداد» (١٣/ ٢٨٦).
والمُشْمَعِلُ بن ملحان (١) الطائي القيسي ضعفه الدارقطني، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن معين: ما أرى كان به بأس. وفي رواية قال: صالح الحديث، إلا أن المُشْمَعِل بن إياس أوثق منه كثيرًا.
قلت: سويد بن عمرو، ثقة، روى له مسلم وغيره، إلا أنَّ ابن حبان أفحش القول فيه؛ فقال: كان يقلب الأسانيد، ويضع على الأسانيد الصحاح المتون الواهية، لا يجوز الاحتجاج به بحال. انظر المجروحين (١/ ٣٥٢).
قلتُ: ولم يأتِ بدليل، كما قاله الحافظ ابن حجر في تقريبه، وقال الحافظ الذهبي في (ميزان الاعتدال) (٢/ ٢٥٣): وأما ابن حبان فأسرف واجتراً فقال: كان يقلب الأسانيد … إلخ.
أما رواية نافع مولاه عنه، وهو الطريق الثالث، فقد رواه عن نافع اثنان: عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس.
فأما رواية عبيد الله بن عمر، فأخرجها ابن عدي في «الكامل»
стр. 90
(٣/ ٤٣)، والدارقطني (١٧٦٢)، وأبو بكر الميانجي - ومن طريقهما ابنُ الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢١) (٧١٦) - والخطيب في «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٩٣) - ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٣٤) من طريق أبي الوليد خالد بن إسماعيل المخزومي، عن عبيد الله به.
وتابع خالدًا أبا الوليد المخزومي، وهب بن وهب القاضي، كما عند الخطيب في «تاريخه» (٦/ ٤٠٢) - ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٣٢)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣٦/ ٢٢١)
قال العلامة الألباني في «الإرواء» تحت حديث (٥٢٧): وهذا إسناد واه جدا، أبو الوليد اسمه خالد بن إسماعيل المخزومي، قال ابن عدي (١): كان يضع الحديث على الثقات.
قلت: وأما متابعة وهب بن وهب فلا تغني شيئًا، فهي متابعة واهية لا تزيده إلا وهنا، فقد ذكره ابن الجوزي في العلل (١/ ٤٠١) وقال: كان من أكذب الناس. وقال في «التحقيق»: كان كذابًا يضع الحديث بإجماعهم.
وذكره ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٣١٨) في ترجمة المخزومي
стр. 91
هذا، وقال عن حديث آخر: وتابعه وهب بن وهب، وهو شر منه.
أما الرواية الثانية: فهي من طريق مالك بن أنس، عن نافع به، أخرجها ابن عدي في «الكامل» (٥/ ١٧٧)، وابن المظفر في «غرائب مالك» (٥٢)، وتمام في فوائده (٤٠١)، والخطيب في تاريخه (١١/ ٢٨٢) - ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٣٣)، و «العلل المتناهية» (٧١٥) كلهم من طريق عثمان بن عبد الله بن عمرو العثماني، عن مالك، عنه به.
وعثمان بن عبد الله (١) هذا، قال عنه ابن الجوزي في التحقيق (١/ ٤٧٩)، وكذا في «العلل المتناهية» (١/ ٤٢٤): عثمان بن عبد الله، قال ابن حبان: كان يضع الحديث على الثقات، لا يحل كُتب حديثه إلا على سبيل الاعتبار. وقال ابن عدي: له أحاديث موضوعة.
وقال ابن عدي أيضا (٥/ ١٧٧) عن هذا الطريق - أعني طريق مالك هذا: وهذا بهذا الإسناد باطل عن مالك.
وقال ابن حبان في «المجروحين» (٢/ ١٠٢) بعد أن ذكر أنه يضع الحديث: روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﵊، قال: «صلُّوا خلفَ مَنْ قالَ: لا إله إلا الله، وصلُّوا على مَنْ مَاتَ من أهل لا إله إلا الله».
стр. 92
وليس هذا من حديث رسول الله، ولا من حديث ابن عمر، ولا من حديث نافع، ولا من حديث مالك. اهـ كلامه ﵀.
стр. 93
المبحث الرابع
أما حديث ابن مسعود ﵁: فقد أخرجه الدارقطني (١٧٦٩) - ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل» (١/ ٤١٩) (٧١١)، وفي «التحقيق» (٧٢٣) من طريق عمر بن صبح، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبد الله به، بلفظ: «ثلاث من السنة؛ الصف خلف كل إمام، لك صلاتك، وعليه إثمه، والجهاد مع كل أمير، وإن كان قاتل نفسه».
وقال الدارقطني عقبه: عمر بن صبح، متروك (١).
وقال أبو حاتم الرازي، وابن عدي: منكر الحديث.
وقال ابن الجوزي في «التحقيق»، وكذا في «العلل» (٢): عمر بن صبح، قال ابن حبان: كان يضع الحديث.
وقال الذهبي في «تنقيح التحقيق» (١/ ٢٥٥) عن هذا الإسناد: ذا باطل.
وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٤٦٠): وعمر هذا كذاب، اعترف بالوضع، قال عن نفسه: أنا وضعت خطبة النبي ﷺ .
стр. 94
وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن عبد الله بن مسعود، أخرجه الطبراني (١٠٠٢٨) - وعنه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٤/ ٢٣٦)، وابن الشجري في «أماليه» (ص ١١٦) من طريق ميسرة بن عبد ربه، عن مغيرة عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، بلفظ: أوصاني رسول الله ﷺ : «أن … وصل على من مات من أهل قبلتنا، وإن قتل مصلوبا أو مرجوما … ». فذكره بطوله.
قال أبو نعيم عقيب الحديث: غريب، هذا حديث مغيرة وإبراهيم وعلقمة لم نكتبه إلا بهذا الإسناد.
قلت: إسناده ساقط، فيه ميسرة بن عبد ربه (١)، قد رمي بالكذب، قال أبو زرعة الرازي - كما في «سؤالات البرذعي» (٣٢٢): كذاب.
وقال البخاري في «الضعفاء الصغير» (٣٥٥)، وكذا في «تاريخه الكبير» (٧/ ٣٧٧): يرمى بالكذب.
وقال النسائي في «الضعفاء والمتروكين» (٥٨٠): متروك الحديث.
وأخرجه ابن عساكر في «تاريخه» (٥٧/ ٤٠٧) من طريق عبد الله بن هارون الغساني، عن حماد بن واقد، عن حصين، عن أبي الأحوص قال: سمعت ابن مسعود يقول لمسروق … فذكره مرفوعا، بمثله.
стр. 95
قلت: إسناده تالف كسابقه؛ ففيه حماد بن واقد، قال عنه البخاري في «تاريخه» (٣/ ٢٨): منكر الحديث.
وقال ابن حبان في «المجروحين» (١/ ٢٥٣): كثير الخطأ، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد.
وقال أبو حاتم - كما في «الجرح والتعديل» (٣/ ١٥٠): ليس بقوي، لين الحديث، يكتب حديثه على الاعتبار.
стр. 96
المبحث الخامس
أما حديث أبي الدرداء ﵁: فأخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٣/ ٩٠) (١٠٦١)، والدارقطني (١٧٦٠) - ومن طريقهما ابن الجوزي في «العلل» (٧٢١، ٧٢٢)، وفي «التحقيق» (٧٢٨، ٧٢٩) من طريق الوليد بن الفضل، عن عبد الجبار بن الحجاج بن ميمون، عن مكرم بن حكيم، عن سيف بن منير، عن أبي الدرداء، مرفوعًا بلفظ: «أربع خصال سمعتهم من رسولِ اللهِ ﷺ لم أُحدثكُم بهنَّ، فاليوم أحدثكم بهنَّ، سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «لا تُكفّروا أحدًا من أهل قبلتي بذنب، وإن عملوا الكبائر، وصلوا خلف كل إمام، وجاهدوا - أو قال: قاتلوا - مع كل أمير … ». فذكر الحديث. وعند العقيلي مختصر.
قلتُ: فيه الوليد بن الفضل العنزي، واه جدًا، قال عنه ابن حبان في «المجروحين» (٣/ ٨٢): يروي المناكير التي لا يشك من تبحر في هذه الصناعة أنها موضوعة، لا يجوز الاحتجاج به بحال إذا انفرد (١).
وقال العقيلي: عبد الجبار بن الحجاج، عن مكرم بن حكيم، إسناده مجهول، غير محفوظ.
قلت: وقع عند العقيلي، ومَنْ خَرَّجَهُ من طريقه، في الإسناد: «منير بن
стр. 97
سيف». وهو خطأ وقلب للاسم، وصوابه: «سيف بن منير». كما عند الدارقطني، وذكر ذلك الحافظ في «لسان الميزان» (٣/ ٣٨٧)، (٦/ ٢٢٥)، وكذا في كتب الرجال (١).
وقال العقيلي عَقِيبَ الحديث: وليس في هذا المتن إسناد يثبت.
وقال الدارقطني عَقِيبَ الحديث أيضا: لا يثبت إسناده، من بين عباد وأبي الدرداء ضعفاء.
قلت: عبد الجبار هذا قال عنه الأزدي: متروك الحديث (٢).
وكذا في إسناده: مكرم بن حكيم، قال في «الميزان» (٤/ ١٧٧): روى خبرًا باطلاً - يقصد هذا الحديث، كما صرح الذهبي نفسه في «الميزان» (٤/ ٣٤٣) -. قال الأزدي: ليس حديثه بشيء.
وأما سيف بن منير، فقال عنه الذهبي في «الميزان» (٢/ ٢٥٨)، و «المغني في الضعفاء» (١/ ٢٩٣): سيف بن منير، عن أبي الدرداء، يُجهَلُ، وضعفه الدارقطني لكونه أتى بأمر معضل، عن أبي الدرداء مرفوعا: «لا تُكفروا أهل ملتي، وإن عمل الكبائر». لكنه من رواية مكرم بن حكيم، أحد الضعفاء عنه.
قلت: فالإسناد ساقط أيضا، مسلسل بالضعفاء والمتروكين.
стр. 98
المبحث السادس
وفيه حديثُ واثلة بن الأسقع ﵁: أخرجه ابن ماجه (١٥٢٥) من طريق مسلم بن إبراهيم، والدارقطني (١٧٦٦) من طريق عيسى بن إبراهيم البركي.
ومن طريق الدارقطني أخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٤٢٢/ ١) (٧٢٠)، وفي «التحقيق في أحاديث الخلاف» (٧٢٧) كلاهما (مسلم وعيسى) عن الحارث بن نبهان، ثنا عتبة بن اليقظان، عن أبي سعيد، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : «لا تكفّروا أهل ملتكم - أو قبلتكم - وإن عملوا الكبائر، وصلوا مع كل أمير، وجاهدوا مع كل أمير، وصلوا على كل ميت».
هذا لفظ الدارقطني، وعند ابن ماجه مقتصر على قوله: «صلُّوا على كل ميت، وجاهدوا مع كل أمير».
وقد اختلف على الحارث بن نبهان؛ فرواه عيسى بن إبراهيم البركي، ومسلم بن إبراهيم، كما سبق ذكره في الإسناد، ورواه الربيع بن سابق - كما عند الدارقطني (١٧٦٧) فأسقط «عتبة بن اليقظان».
قال الدارقطني عقب الموضع الأول: أبو سعيد مجهول.
قال العلامة الألباني في «إرواء الغليل» تحت حديث (٥٢٧): الظاهر أنه محمد بن سعيد المصلوب الشامي، فإنه من أصحاب مكحول، وكان الرواةُ
стр. 99
يُدَلِّسونَ اسْمَهُ، ويَقْلِبُونَهُ على أنواعٍ كثيرةٍ، جَمَعَهَا بعضُ المحدثين فجاوزتِ المائةَ، وهو كَذَّابٌ وَضَاعٌ.
وقال ابنُ الجوزيِّ: عُتْبَةُ بنُ اليَقْظَانِ، قال عليُّ بنُ الحسين بن الجنيد: لا يُساوي شيئًا. وفيهِ الحارثُ بنُ نَبْهَانَ، قال يحيى: ليس بشيء. وقال النسائيُّ: متروك. وقال ابنُ حِبَّانَ: لا يُحتج به.
وقال ابنُ المُلَقِّنِ في «البدرِ المُنِيرِ» (٤/ ٤٦٠ - ٤٦١): وهذا إسنادٌ ضعيف … لا جَرَمَ، قال الحاكمُ أبو أحمد في «كُنَاه»: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ. قال: والحارثُ بنُ نَبْهَانَ، وعُتْبَةُ بنُ يَقْظَانَ، وأبو سعيد، إذا اجتمعوا فغيرُ مستنكرٍ مثلُ هذا فيما بينهم، واللهُ يَرْحَمُهُمْ جميعا. اهـ.
وقال الحافظُ ابنُ حجر في «الدِّراية في تخريج أحاديث الهداية» (١/ ١٦٩): أَخْرَجَهُ ابنُ ماجه بإسنادٍ واهٍ.
وقال البوصيريُّ في (مصباح الزجاجة) (١/ ٢٧١): هذا إسنادٌ ضعيفٌ، أبو سعيد هذا هو المصلوبُ، واسمهُ: محمدُ بنُ سعيد، وعُتْبَةُ بنُ يَقْظَانَ، والحارثُ ابنُ نَبْهَانَ، كُلُّهُمْ ضُعَفَاءُ.
стр. 100
المبحث السابع
وفيه حديث معاذ بن جبل ﵁: أخرجه أحمد في «فضائل الصحابة» (٩)، والطبراني (٢٠/ ١٧٣) (٣٧٠)، وابن عدي في «الكامل» (٢/ ٢٧٩)، والبيهقي (٨/ ١٨٥) من طريق إسماعيل بن عياش، ثنا حميد بن مالك اللخمي، عن مكحول، عن معاذ بن جبل … فذكره مرفوعا بلفظ: «أطع كل أمير، وصل خلف كل أمير، ولا تشبّن أحدا من أصحابي».
وأخرجه ابن أبي زمنين في «أصول السنة» (٢٠٨) من وجه آخر عن مكحول به.
قال البيهقي: هذا منقطع بين مكحول ومعاذ.
ووافقه الحافظ الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٢/ ٧٠)، وكذا الحافظ ابن حجر في «التلخيص الحبير» (٢/ ٣٤).
وقال العلائي في «جامع التحصيل» (ص ٢٨٥): مكحول الفقيه الشامي، كثير الإرسال جدا، أرسل عن النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي … وطائفة آخرين ﵃، قال أبو حاتم: سألت أبا مُسهر: هل سمع مكحول من أحد من أصحاب النبي ﷺ ؟ قال: ما صح عندي إلا أنس بن مالك … إلخ كلامه (١).
стр. 101
وذَكر الحديث العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة (٢٧٩٥) وضعَّفه، وقال: وهذا إسناده ضعيف، حميد بن مالك قال الذهبي: ضعَّفه يحيى وأبو زرعة وغيرهما. وقال النسائي: لا أعلم روى عنه غير إسماعيل بن عياش.
стр. 102
المبحث الثامن
وفيه حديث أبي أمامةَ ﵁: أخرجه الجرجاني في «تاريخ جرجان» (٥٤٥) من طريق القرقساني، عن عبد الله بن يزيد، قال: ثنا أبو الدرداء، وأبو أمامةَ، ووائلة بن الأسقع مرفوعًا، بلفظ: «صلُّوا مع مَنْ صلى من أهل القبلة، وصلُّوا على مَنْ ماتَ من أهل القبلة».
قال العلامة الألباني في «الإرواء» تحت حديث (٥٢٧): وهذا سند واه جدا، وعبد الله بن يزيد هذا هو ابن آدم الدمشقي، قال أحمد: أحاديثه موضوعة.
وقال الجوزجاني - كما في «لسان الميزان» (٣/ ٣٧٨): أحاديثه منكرة.
وقال مهنا بن يحيى: سألت أحمد بن حنبل عن عبد الله بن يزيد بن آدم، يحدِّثُ عن أبي أمامة، قال: كان قدِمَ ها هنا أيام أبي جعفر - يعني قدِمَ بغداد. قلتُ: كيف هو؟ قال: أحاديثه موضوعةٌ. «تاريخ بغداد» (١٠/ ١٩٦)، و «تاريخ دمشق» (٣٣/ ٣٧١).
والقرقساني اسمه: محمد بن مصعب (١)، وفيه ضعف من قبل حفظه،
стр. 103
ضُعِّفَهُ ابنُ مَعِين، وأبو حاتم، والنسائي، ومشاهُ أحمدُ بنُ حنبل - كما في «المغني في الضعفاء» للذهبي (٢/ ٦٣٤).
قلت: وكذا مشاه أبو زرعة وابن عدي. وقال ابنُ حبان: كان ممَّنْ ساءَ حفظه حتى كانَ يَقْلِبُ الأسانيد، ويرفعُ المراسيل، لا يجوزُ الاحتجاجُ به إذا انفرد.
стр. 104
المبحث التاسع خلاصة الحكم ونقل كلام العلماء وإجماعهم
قلت: يتبين من خلال هذه الروايات كلها أن كل هذه الأحاديث لا تخلو من ضعف، بل ومن ضعف شديد في كثير من الروايات، كما صرح الحفاظ ﵏ منهم العقيلي، حيث قال في «الضعفاء الكبير» (٣/ ٩٠): وليس في هذا المتن إسناد يثبت.
وقال الدارقطني: ليس فيها شيء يثبت.
وقال البيهقي (٤/ ١٩): قد رُوِيَ في الصلاة على كل بر وفاجر، والصلاة على من قال: لا إله إلا الله، أحاديث كلها ضعيفة غاية الضعف.
وقال ابن الجوزي في «العلل» (١/ ٤٢٤): هذه الأحاديث كلها لا تصح.
وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (٤/ ٤٦٢): وبالجملة، فهذا الحديث من كل طرقه ضعيف كما قدمته أولاً.
وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٨): إن هذا الحديث لم يثبت عن النبي ﷺ .
وقال الصنعاني في «سُبل السلام» (٢/ ٤٢٦): … وهي أحاديث كثيرة دالة على صحة الصلاة خلف كل بر وفاجر، إلا أنها كلها ضعيفة … إلخ.
стр. 105
وقال بنحو ذلك العلامة الشوكاني في «نيل الأوطار» (١/ ٤٢٨).
هذا ومع أنَّ أهل العلم حكموا على هذه الأحاديث بالضعف والوهن، وأعلوا طرقها كلها، كما سبق ذكره، إلا أنَّ العلماء اتفقوا على مضمونها ومعناها، وهي جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر.
قال الإمام ابن أبي زمنين تخلله في «أصول السنة» (ص ٢٨١): ومن قول أهل السنة أن صلاة الجمعة والعيدين وعرفة مع كل أمير بر أو فاجر، من السنة، والحق أنه مَنْ صلى معهم ثم أعادها فقد خرج من جماعة مَنْ مَضَى من صالح سلف هذه الأمة؛ وذلك أنَّ اللهَ ﵎ قال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعُ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد علم جل ثناؤه حين افترض عليهم السعي إليها وإجابة النداء لها أنه يصليها بهم من مجرمي الولاة وفساقها من لم يجهله، فلم يكن ليفترض على عباده السعي إلى ما لا يجزيهم شهوده ويجب إعادته، وقضاتهم وحكامهم ومن استخلفوه على الصلاة، والصلاة وراءهم جائزة.
وقال الإمام الإسماعيلي تخلله في (اعتقاد أئمة الحديث) (ص ٧٥): ويرون - يعني أهل السنة - الصلاة؛ الجمعة وغيرها، خلف كل إمام مسلم؛ برا كان أو فاجرًا، فإنَّ اللَّهَ فرضَ الجمعة وأمر بإتيانها فرضا مطلقا مع علمه تعالى بأنَّ القائمين يكون منهم الفاجر والفاسق، ولم يستثن وقتًا دونَ وقت، ولا أمرًا بالنداء للجمعة دون أمر، ويرون جهاد الكفار معهم، وإن كانوا جورةً، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والعطف إلى العدل، ولا يرون الخروج بالسيف عليهم، ولا قتال الفتنة، ويرون قتال الفئة الباغية مع الإمام
стр. 106
العادل إذا كان ووجد على شرطهم ذلك.
وقال الإمام اللالكائي ﵀ في «اعتقاد أهل السنة» (١/ ١٦٠ - ١٦١): والغزو ماض مع الأمراء إلى يوم القيامة البر والفاجر، لا يُترك.
وقال أيضًا ناقلاً عن الثوري، من عقيدة أهل السنة، والثوري يحدِّثُ شعيب بن حرب: يا شعيب، لا ينفعك ما كتبت حتى ترى الصلاة خلفَ كل بر وفاجر، والجهاد ماض إلى يوم القيامة … قال شعيب: فقلتُ لسفيان: يا أبا عبد الله، الصلاة كلها؟ قال: لا، ولكن صلاة الجمعة والعيدين، صل خلف من أدركت، وأما سائر ذلك فأنت مخير، لا تصل إلا خلف من تثق به وتعلم أنه من أهل السنة والجماعة.
وقال الإمام الصابوني ﵀ في «عقيدة السلف الصالح أصحاب الحديث» (ص ١٠٦): ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم؛ برًا كان أو فاجرا، ويرون جهاد الكفرة معهم، وإن كانوا جورة فجرة … إلخ كلامه ﵀.
وقال عبد الواحد بن عبد العزيز التميمي ﵀ في «اعتقاد الإمام المبجل أحمد بن حنبل» (ص ٣٠٤ - ٣٠٥): وقال أحمد بن حنبل ﵁: وأرى الصلاة خلف كل بر وفاجر، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج - يعني الجمعة والعيدين … إلخ (١).
стр. 107
وقال ابن قدامة في (المغني) (٢/ ٢٧): وقد كان أحمد يشهدها - يعني الجمعة والعيدين - مع المعتزلة، وكذلك العلماء في عصره.
وقال الإمام الطحاوي في عقيدته: ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة، وعلى مَنْ ماتَ منهم.
قال العلامة ابن أبي العز في شرحه على الطحاوية (ص ٣٦٥): اعلم، رحمك الله وإيانا: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً، باتفاق الأئمة، وليس من شرط الائتمام أن يعلم المأموم اعتقاد إمامه، ولا أن يمتحنه، فيقول: ماذا تعتقد؟! بل يصلي خلف المستور الحال، ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه؛ كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإنَّ المأموم يصلي خلفه، عند عامة السلف والخلف، ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر، فهو مبتدع عند أكثر العلماء، والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة ﵃ كانوا يصلُّونَ الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجَّارِ ولا يعيدون، كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف، وكذلك أنس ﵁، كما تقدم، وكذلك عبد الله بن مسعود ﵁ وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وكان يشرب الخمر … والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة، فإذا صلى المأموم خلْفَهُ لم تبطل صلاته، لكن إنما كُره من كرة الصلاة خلفَهُ؛ لأنَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب … وأما إذا كان ترك الصلاة خلفَهُ يفوّتُ المأموم الجمعة
стр. 108
والجماعة، فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة ﵃ … إلخ. كلامه ﵀، وهو كلام نفيس جدا (١).
قلت: وأخرج البخاري في (التاريخ الكبير) (٦/ ٩٠) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢٢) عن عبد الكريم البكاء قال: أدركتُ عشرة من أصحاب النبي ﷺ كلهم يصلُّونَ خلف أئمة الجور. وإسناده صحيح.
قال الشوكاني رحمَةُ الله في (نيل الأوطار) (٣/ ١٩٩) بعد إيراد هذا الأثر: قد ثبت إجماع أهل العصر الأول من بقية الصحابة، ومَنْ تبعهم من التابعين إجماعًا فعليًا، ولا يبعد أن يكون قوليًا، على الصلاة خلف الجائرين؛ لأنَّ الأمراء في تلك الأعصار كانوا أئمة الصلوات الخمس، فكان الناس لا يؤمهم إلا أمراؤهم؛ في كلِّ بلدة فيها أميرٌ.
وأخرج ابن أبي شيبة في (المصنَّف) في باب الصلاة خلف الأمراء (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨)، والبيهقي في سننه الكبير (٣/ ١٢١) عن عمير بن هاني قال: شهدت ابن عمر، والحجاج مُحاصر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما، فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضر الصلاة مع هؤلاء. وإسناده صحيح أيضًا.
وقد أورد ابن أبي شيبة في «مصنفه» آثارا كثيرة تدل على ذلك، منها ما سيأتي، وسأذكُرُ مَنْ أخرجها معه.
стр. 109
أخرج الشافعي في الأم (١/ ١٥٨) - (١٥٩) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢٢) عن الحسن والحسين ﵄ أنهما كانا يصليان خلفَ مَرْوانَ قال: - أي: جعفر بن محمد - لأبيه فقال: ما كانا يصليان إذا رجعا إلى منزلهما؟ فقال: لا والله ما كانا يزيدان على صلاة الأئمة.
وأخرج الشافعي (١/ ١٥٨) - ومن طريقه البيهقي (٣/ ١٢١) أَنَّ عبد الله ابن عمر اعتزل بمنى في قتال ابن الزبير، والحجاج بمنى، فصلى مع الحجاج.
ولكن في سنده مسلم بن إبراهيم الزُّنْجِيُّ، وفيه ضعف.
قلتُ: لكن صلاته خلف الحجاج ثابتة من وجوه أخرى، تقدم بعضُها.
وأختم الكلام عن هذا الحديث، وما يتعلق به، بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٥٢) وما بعدها، قال: ولو علم المأموم أن الإمام مبتدع يدعو إلى بدعته، أو فاسق ظاهر الفسق، وهو الإمام الراتب الذي لا تمكن الصلاة إلا خلفه؛ كإمام الجمعة والعيدين، والإمام في صلاة الحج بعرفة، ونحو ذلك، فإنَّ المأموم يصلي خلْفَهُ عند عامة السلف والخلف، وهو مذهب أحمد والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم؛ ولهذا قالوا في العقائد: إنه يصلي الجمعة والعيد خلف كل إمام؛ برا كان أو فاجرًا، وكذلك إذا لم يكن في القرية إلا إمام واحد، فإنها تصلى خلفه الجماعات.
ثم قال ﵀: والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها؛ فإنَّ الصحابة كانوا
стр. 110
يصلُّونَ الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار، ولا يعيدون، كما كان ابنُ عمر يصلي خلف الحجاج، وابن مسعود وغيره يصلُّون خلف الوليد بن عقبة، وكان يشرب الخمر … وفي «صحيح البخاري» (١) أن عثمان ﵁ لما محصر صلى بالناس شخص، فسأل سائل عثمان، فقال: إِنَّكَ إمامُ عامة، وهذا الذي يصلي بالناس إمام فتنة. فقال: يا ابن أخي، إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. ومثل هذا كثير.
ثم قال ﵀: وأما الصلاة خلف المبتدع، فهذه مسألة فيها نزاع وتفصيل، فإذا لم تجد إمامًا غيره كالجمعة التي لا تُقام إلا بمكان واحد، وكالعيدين، وكصلوات الحج، خلف إمام الموسم، فهذه تفعل خلف كل برّ وفاجر باتفاق أهل السنة والجماعة، وإنما تدَعُ مثل هذه الصلوات خلف الأئمة أهل البدع كالرافضة ونحوهم، ممن لا يرى الجمعة والجماعة إذا لم يكن في القرية إلا مسجد واحد، فصلاته في الجماعة خلف الفاجر خيرٌ من صلاته في بيته منفردًا؛ لئلا يفضي إلى ترك الجماعة مطلقا. إلخ كلامه ﵀، فارجع إليه إن شئت فإنه مفيد للغاية، والله أعلم