وإذا الديار تنكرت سافرتُ في … طلب المعارف هاجر الدياري
وإذا أقمتُ فمُؤنسي كتبي فلا … أنفك في الحالين من أسفاري
стр. 2
تقديم
الشيخ/ طارق بن عوض الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
فليس من شك أن أفضل ما أنفقت فيه الأوقات هو سنة رسول الله ﷺ تعلما وتفقها وعملا، ولقد بذل أسلافنا وأئمتنا ﵏، جهودًا كبيرة في خدمة سنة رسول الله ﷺ من حيث تمييز صحيحها من غير صحيحها، ومن حيث شرحها وبيان ما اشتملت عليه من معان جليلة وحكم عظيمة، وكانوا ﵃ أكثر الناس حرصا على العمل بها وتطبيقها في واقعهم.
ولقد تبين للباحثين المتوسعين في معرفة مناهج أئمة السنة أنهم ﵃ كانوا يقسمون الأحاديث إلى قسمين: قسم ثابت عن رسول الله ﷺ من حيث الدراية إلى معمول به، وغير معمول به، ويتبين للباحث أن المعمول به ليس هو الصحيح فقط، وغير المعمول به هو الضعيف قط، فقد يكون الحديث صحيحًا من حيث الرواية، وهو غير معمول به من حيث الدراية؛ لكونه منسوخا مثلا، وقد يكون الحديث ضعيفًا من حيث الرواية، لكنه معمول به من حيث الدراية؛ لكونه موافقا لظاهر القرآن، أو لظاهر الأحاديث الصحيحة، أو لعمل الأمة، أو لظاهر القياس، وهذا ما تنبه له أسلافنا
стр. 3
﵃، فميزوا بين المعمول به وغير المعمول به، كما ميزوا بين الصحيح وغير الصحيح.
ومن تأمل صنيع المصنفين في السنة من علماء الحديث يتبين له ذلك بوضوح وجلاء، فهذا الإمام أبو داود قد ألف كتابه «السنن»، وذكر في رسالته إلى أهل مكة أنه قد اختار له أصح ما عنده في كل باب، وأنه لا يخرج فيه إلا ما كان صحيحا أو شبيها بالصحيح، أو ضعيفًا هينًا، فإن كان ضعفًا شديدا بينه، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح، وذكر أيضًا في هذه الرسالة أنه لا يحتج بالحديث الشاذ، ولو كان من رواية مالك ويحيى بن سعيد والثقات من أهل العلم، وإنما يقصد بالشاذ بالدرجة الأولى ما كان شاذًا من حيث المتن، وكلامه يدل على أنه يتجنب ما اشتمل على معنى يتعارض مع الأصول المقررة من قرآن وسنة وإجماع، أما ما لا يتعارض من هذه الأصول فهو يخرجه في كتابه، فما كان منه صحيحًا أو حسنًا فلا إشكال فيه، وما كان ضعيفًا من حيث الإسناد فهو يسكت عليه، إذا لم يكن في الباب ما هو أقوى منه، وذلك واضح في كونه ليس شاذا، وليس معارضًا للأصول المتقررة، وهذا المذهب الذي اختاره الإمام أبو داود هو مذهب شيخه الإمام أحمد بن حنبل، فقد كان ﵀ يحتج بالمرسل إذا لم يكن في الباب ما يعارضه، وكذلك يحتج بالضعيف الذي ليس منكرًا أو باطلا إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه، وقد أثر عنه أنه قال: لست أخالف ما ضعف إذا لم يكن في الباب ما يعارضه، وأنه قال: ولضعيف الحديث أحب إلي من رأي الرجال. ونحو ذلك من العبارات المأثورة عنه، وإنما يقصد بالضعيف في كلامه هذا،
стр. 4
الضعيف المحتمل كالمرسل، ورواية المستور، ومن في حفظه شيء، حيث لا يكون شاذا ولا منكرا، أما الشاذ والمنكر والموضوع فهذا لا يعرج عليه؛ لا أحمد ولا أبو داود ولا غيرهما من أهل العلم؛ ولهذا بين الإمام ابن تيمية، وكذلك ابن القيم، وابن رجب الحنبلي أن الضعيف الذي يحتج به الإمام أحمد هو قريب من الحديث الذي يحسنه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه».
وهذا الإمام الترمذي ذكر في كتاب «العلل» أن أحاديث جامعه هذا كلها قد عمل بها بعض أهل العلم سوى حديثين، وقد أشار إليهما، مع أنه هو نفسه قد ضعف كثيرًا من الأحاديث التي أوردها فيه، وهذا يدل على أنه قد يكون الحديث ضعيفًا من حيث الرواية، لكنه معمول به من حيث الدراية، إذا تحقق فيه الوصف الذي بيانه آنفًا. ولعلك أخي الباحث إذا تأملت مصطلح الحسن عنده، وما ذكره من تعاريفه له، حيث قال: وما ذكرنا في هذا الكتاب: حديث حسن. فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من هو متهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا، ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا: حديث حسن.
فتلاحظ أخي الباحث أن تحسينه للحديث يدور مع المتن ومعناه، بحيث إذا كان الحديث ليس متوغلا في الضعف فلا يكون من رواية كذاب أو متهم بالكذب، ولا يكون شاذا ولا منكرًا ثم روي معناه من أوجه متعددة، كان ذلك مقويا له، ورافعًا له إلى مصاف الحجة، رغم أن كل رواية من رواياته
стр. 5
على حدة قد لا تكون صالحة للاحتجاج.
وقوله: ويروى من غير وجه نحو ذلك. يدخل فيه المرفوع والموقوف، كما ذكر ابن رجب الحنبلي في «شرح علل الترمذي».
وصنيعه هذا كمثل صنيع الإمام الشافعي حيث قوى المرسل بالموقوفات على الصحابة والتابعين، كما قواه بالمرفوعات المرسلة، أو المسندة، وكذا بفتاوى بعض الصحابة، بما يوافق معناه، أو عمل عامة أهل العلم به، كما بينه في كتابه «الرسالة».
وقد جاء عن الإمام أحمد أنه سُئل عن دية المعاهد؟ فقال: على النصف من دية المسلم، أذهب إلى حديث عمرو بن شعيب. فقيل له: تحتج بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده؟ قال: ليس كلها، روى هذا فقهاء أهل المدينة قديما، ويروى عن عثمان. وهذا يدل أن العلماء ﵏ في سياق الاحتجاج بالحديث يراعون عمل الأمة من الصحابة والتابعين ومدى موافقة الحديث لهذا أم لا.
ومن هنا ندرك أن صنيع أسلافنا ﵏ حيث أدخلوا في كتب السنن بعض الأحاديث هي ضعيفة من حيث الرواية، إنما لم يفعلوا ذلك جزافًا ولا غفلة، وإنما كان ذلك بناءً على منهج مستقيم، جمع بين الرواية والدراية.
وهذا الكتاب الذي بين يديك أخي الباحث هو محاولة مباركة إن شاء الله من الأخ المؤلف لجمع مثل هذه الأحاديث التي هي ضعيفة من حيث الرواية، لكنها من المعمول بها من حيث الدراية لدى علماء السنة قديما
стр. 6
وحديثا؛ وذلك ليكون الباحث على دراية تامة بهذا الجانب من جوانب العلم، وبمعرفة لمناهج العلماء في التعامل مع مثل هذه الأحاديث، وعسى أن يكون هذا الكتاب طريقًا لبحوث مهمة لأهل العلم.
وأسأل الله أن يعين أخي المصنف الشيخ عاطف بن حسن الفاروقي في الاستمرار على هذا النهج، وتقديم أعمال قيمة لا تقل قيمة عن هذا العمل المبارك للمكتبة الإسلامية، وللباحثين في السنة النبوية، والله من وراء القصد، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وكتبه
أبو معاذ طارق بن عوض الله
стр. 7
تمهيد
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد …
فإن من طرائق المحدثين في التصنيف إفراد بعض الأحاديث بجزء أو مصنف، والكلام عليه؛ لهذا ألفت هذا الكتاب الذي يحتوي على «أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف»، وهو يتكون من مقدمة، وأربعة فصول.
أما المقدمة: فقد ذكرت فيها كلاما عن أهمية علم الحديث، ومدى الجهود التي بذلها العلماء قديما وحديثا، واستقيت كلاما رائعًا لبعض العلماء، أستشهد به على ما أردت أن أذكره، متضمنا أن هناك من العلماء من نقلوا أن بعض الأحاديث تكون ضعيفةً من حيث الإسناد، ثم هي صحيحة من حيث المضمون والمعنى المجمع عليه بين العلماء، ثم ذكرت أهداف الكتاب، ثم أردفته بشعر في مدح أهل الحديث، ثم شكر واعتراف بالجميل.
أما الفصل الأول: ففيه تخريج طرق حديث: «القرآن كلام الله غير مخلوق».
стр. 8
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث علي بن أبي طالب (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني: تخريج حديث عبد الله بن مسعود (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث: تخريج حديث أبي سعيد الخدري (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الرابع: تخريج حديث جابر بن عبد الله (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الخامس: تخريج حديث أبي هريرة (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السادس: تخريج حديث أبي الدرداء (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السابع: تخريج حديث معاذ بن جبل (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثامن: تخريج حديث أبي موسى الأشعري (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
стр. 9
المبحث التاسع: تخريج حديث أنس بن مالك (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث العاشر: تخريج حديث عبد الله بن عباس (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الحادي عشر: تخريج حديث رافع بن خديج (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني عشر: تخريج حديث أبي حكيم الشامي (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث عشر: تخريج حديث عبد الله بن عبد الغافر مولى النبي ﷺ (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الرابع عشر: خلاصة الحكم، ونقل الإجماع وكلام السلف عن مضمون الحديث.
الفصل الثاني: فيه تخريج طرق حديث: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه … .».
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث أبي أمامة الباهلي (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
стр. 10
المبحث الثاني: تخريج حديث ثوبان (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث: تخريج حديث راشد بن سعد مرسلاً (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الرابع: خلاصة الحكم، ونقل الإجماع وكلام السلف عن الحديث ومضمونه.
المبحث الخامس: تقنين لمسألة الإجماع، وهل الإجماع مستند بذاته، أم لابد من دليل عليه؟ ونقل كلام العلماء، ثم الترجيح.
الفصل الثالث: وفيه تخريج طرق حديث: «الصلاة خلف كل بر وفاجر».
وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث أبي هريرة (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني: تخريج حديث علي بن أبي طالب (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثالث: تخريج حديث عبد الله بن عمر (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
стр. 11
المبحث الرابع: تخريج حديث عبد الله بن مسعود (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الخامس: تخريج حديث أبي الدرداء (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السادس: تخريج حديث واثلة بن الأسقع (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث السابع: تخريج حديث معاذ بن جبل (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثامن: تخريج حديث أبي أمامة (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث التاسع: خلاصة الحكم، ونقل إجماع السلف على مضمونه، ونقل كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية فيه تأصيل دقيق.
الفصل الرابع: وفيه تخريج الحديث: «كلُّ قرض جر نفعًا فهو ربا». وفيه مباحث:
المبحث الأول: تخريج حديث علي بن أبي طالب (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
المبحث الثاني: تخريج حديث محمد بن كعب القرظي مرسلاً (والحكم عليه من كلام أهل العلم).
стр. 12
المبحث الثالث: تخريج حديث بمعناه. ونقل كلام الشيخ الألباني، ومن ثم كلام العلماء على الحديث.
المبحث الرابع: الخلاصة، وذكر الآثار الواردة عن الصحابة والسلف ﵏.
المبحث الخامس: نقل الإجماع من كلام أهل العلم، مع تحقيق الكلام عن اشتراط الزيادة وعدم اشتراطها في القرض، والكلام على ذلك، ثم ذكر الخلاصة.
الفصل الخامس: فيه ذكر الخاتمة، وتتضمن أبرز النتائج، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: بعض الفوائد المستخلصة من الكتاب.
المطلب الثاني: فهرس علمي، ويتضمن فهرسا للموضوعات والفوائد العلمية، وللرواة المجروحين.
والله أسأل أن ينفعني بما كتبته، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتي، وأن يغفر لي، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 13
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفِرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لهُ، ومن يُضلِلْ فلا هاديَ لهُ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، ﷺ .
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١].
أما بعد، فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
стр. 14
وبعد، فإنَّ شرائعَ الدين إنَّما تُؤخَذُ من كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ ، وقد تكفَّل الله بحفظ كتابه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ … تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدِ﴾ [فصلت: ٤٢].
وكذا حَفِظَ سُنَّةَ نبيِّه ﷺ ، فقال عنهما: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
والذي عليه المحققون من أهل العلم كالشافعي وغيره، أنَّ الذكر المحفوظ إنما هو القرآن والسُّنَّة، وكلاهما وحي من الله ، وقد سخَّر الله رجالاً لذلك، واختص نبيه ﷺ برجال صادقين صالحين ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣]، إنهم صحابة رسول الله ﷺ ، جعلهم الله خير أمة، إنهم السابقون إلى تصديقه وتبعيته، إنهم المجاهدون بين يديه، والناقلون لسنته وقضاياه، المقتدون به في أفعاله ومزاياه، فلا خير إلا وقد سبقوا إليه مَنْ بعدهم، ولا فضل إلا وقد استفرغوا فيه جهدهم، فجميع هذا الدين راجع إلى نقلهم وتعليمهم، ومُتَلَقَّى من جهتهم بإبلاغهم وتفهيمهم، فلهم مثل أجور كل من اهتدى بشيء من ذلك على مر الأزمان، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء بالطول والإحسان (١).
وإن أولى ما نظر فيه الطالب، وعُني به العالم - بعد كتاب الله
стр. 15
سنة رسوله ﷺ ، فهي المبينة لمراد الله من مجملات كتابه، والدالة على حدوده، والمفسرة له، والهادية إلى الصراط المستقيم، صراط الله، من اتَّبعها اهتدى، ومن سلك غير سبيلها ضلَّ وغوى، وولاه الله ما تولى، ومن أو كد آلات السنن المعينة عليها والمؤدية إلى حفظها، معرفة الذين نقلوها عن نبيهم ﷺ ذاك الصحب الكرام - الحواريون الذين وعوها وأدوها ناصحين محسنين حتى كَمُلَ بما نقلوه الدين، وثبتت بهم حجة الله تعالى على المسلمين، فهم خير القرون، ﵃ وأرضاهم، ثم أتى من بعدهم أناس آخرون ساروا على نهجهم، فهم أمناء الله من خليقته، والواسطة بين النبي ﷺ وأمته، والمجتهدون في حفظ ملته، أنوارهم زاهرة، وفضائلهم سائرة، وآياتهم باهرة، ومذاهبهم ظاهرة، وحججهم قاهرةٌ، وكلُّ فئة تتحيز إلى هوى ترجع إليه أو تستحسن رأيًا تعكف عليه سوى أصحاب الحديث؛ فإن الكتاب عدتهم، والسنة حجتهم، والرسول فئتهم، وإليه نسبتهم، لا يعرجون على الأهواء، ولا يلتفتون إلى الآراء، يُقبل منهم ما رووا عن الرسول، وهم المأمونون عليه والعدول، حفظة الدين وخزنته، وأوعية العلم وحملته، إذا اختلف في حديث كان إليهم الرجوع، فما حكموا به فهو المقبول المسموع، ومنهم كلُّ فقيه وإمام رفيع نبيه، وزاهد في قبيلة، ومخصوص بفضيلة، قارئ متقن، وخطيب محسن، وهم الجمهور العظيم، وسبيلهم السبيل المستقيم، وكل مبتدع باعتقادهم يتظاهر، وعلى الإفصاح بغير مذاهبهم لا يتجاسر، من كادهم قصمه الله، ومن عاندهم خذله الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا يفلح من اعتزلهم، المحتاط لدينه إلى إرشادهم
стр. 16
فقير، وبصر الناظر بالسوء إليهم حسيرٌ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرُ﴾ [الحج: ٣٩] (١).
أهل الحديث هم أهل النبي وإن … لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا
دين النبي محمد أخبار … نعم المطية للفتى آثار
لا تعدل عن الحديث وأهله … فالرأي ليل والحديث نهار
أهل الحديث، حفظوا - بحفظ الله - ما تلقوه من النقل عن الصحب الكرام، فوفق الله لهذا النقل وهذه السنة حفاظاً عارفين، وجهابذة عالمين، وصيارفة ناقدين، ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فظهرت هذه الطائفة على غيرها بما تحمله من الحق، فمهما ظهر الباطل وعلا، فإنها ظاهرة منصورة، وقد جعل الله هذه الطائفة المنصورة حراس الدين، وصرف عنهم كيد المعاندين؛ لتمسكهم بالشرع المتين، واقتفائهم آثار الصحابة والتابعين، فشأنهم حفظ الآثار، وقطع المفاوز والقفار، وركوب البراري والبحار، في اقتباس ما شَرَّعَ الرسول المصطفى، لا يعرجون عنه إلى رأي ولا هوى، قبلوا شريعته قولا وفعلا، وحرسوا سنته حفظاً ونقلا، حتى ثبتوا بذلك أصلها، وكانوا أحق بها وأهلها، فكما أن هذه الشريعة المباركة معصومة، وصاحبها ﷺ معصوم، فكذلك أمته فيما اجتمعت عليه معصومة (٢)، وكم من ملحد يروم (٣) أن يخلط بالشريعة ما
стр. 17
ليس منها، والله تعالى يذب بأصحاب الحديث عنها؛ فهم الحفاظ لأركانها، والقوامون بأمرها وشأنها، إذا صدف عن الدفاع عنها فهم دونها يناضلون ﴿أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢].
هؤلاء هم أهل الحديث، الذين قيضهم الحق سبحانه يبحثون عن الصحيح من حديث رسول الله ﷺ ، وعن أهل الثقة والعدالة من النقلة؛ حتى ميزوا بين الصحيح والسقيم، وتعرفوا التواريخ وصحة الدعاوى في الأخذ لفلان عن فلان؛ حتى استقر الثابت المعمول به من أحاديث رسول الله ﷺ (١)، هم الذين تنوعُوا في تصنيف السنة، وتفننوا في تدوينها على أنحاء كثيرة، وضروب عديدة؛ حرصا منهم على حفظها، وخوفًا من إضاعتها، وتسهيلا لطلابها، فظهرت «المصنفات»، و «المسانيد»، و «السنن»، و «الجوامع»، ونحوها.
وقد رأينا في هذا العصر الذي تطوَّر فيه العلم، وتنوعت فيه أساليب البحث العلمي، ما قام به المسلمون الباحثون من تيسير سنة رسول الله ﷺ إلى طلابها العاملين بها، وَفْقَ طرق من التنظيم والترتيب والتخريج، وإظهار علم العلل؛ وذلك اقتفاء واتباعًا لسلفهم من علماء الحديث المتخصصين في هذا الفن، فلله الحمد والمنة، وله الحمد أولا وآخرا.
فلما كان ذلك كذلك، حرصت أن أكون من هذا الركب الذي يُظهر ما
стр. 18
كان خفيًا في بطون الكتب وشتات الصحف، فأردت أن أجمع هذا الشتات، مستعينا برب الأرض والسموات، فهو الموفق، وهو المستعان، ومن استعان بغيره لا يُعان.
- ولقد رأيتُ؛ خدمة للسنة النبوية المطهرة، وحرصا على ثواب الله ، أن أفرد هذا الكتاب، والذي يحتوي على بعض الأحاديث التي رُويت عن رسول الله ﷺ بأسانيد ضعيفة لا تصح، وهذه الأحاديث مع كونها لا تصح سندا إلى رسول الله ﷺ ، إلا أنها صحيحة المعنى، وعمل بها أهل العلم والمعرفة بهذا الدين.
وكما قال ابن عبد البر حافظ المغرب والأندلس في مقدمة (التمهيد) (ص ٦٠): ورُبَّ حديث ضعيف الإسناد صحيح المعنى.
وقال الخطيب البغدادي في «الكفاية في علم الرواية» ص ٥١: وأما خبر الآحاد فهو ما قصر عن صفة التواتر، ولم يقع به العلم وإن روته الجماعة، والأخبار كلها على ثلاثة أضرب؛ فضرب منها يُعلم صحته، وضرب منها يُعلَمُ فساده، وضرب منها لا سبيل إلى العلم بكونه على واحد من الأمرين دون الآخر. أما الضرب الأول، وهو ما يُعلَمُ صحته، فالطريق إلى معرفته إن لم يتواتر حتى يقع العلم الضروري به أن يكون مما تدلُّ العقول على موجبه، كالإخبار عن حدوث الأجسام، وإثبات الصانع، وصحة الأعلام التي أظهرها اللهُ على أيدي الرسل، ونظائر ذلك مما أدلة العقول تقتضي صحته، وقد يُستدل أيضًا على صحته بأن يكون خبرا عن أمر اقتضاه نص القرآن أو السنة المتواترة، أو اجتمعت الأمة على تصديقه، أو تلقته الكافة بالقبول،
стр. 19
وعملت بموجبه لأجله.
وقال أبو بكر ابن العربي في «عارضة الأحوذي» ٢/ ٢١٥ - ٢١٦ معلقًا على حديث ابن عمر: «لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين»: فهو وإن لم يصح مسندًا، فهو صحيح المعنى.
وما أكثر قول أبي عيسى الترمذي ﵀:
وعليه العمل عند أهل العلم. أو: العمل عليه عند عامة أهل العلم، أو نحو ذلك (١)، مع تضعيفه للحديث.
وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢٣/ ٤٣٧: … وهو حديث مشهور عند أهل العلم بالحجاز والعراق، مستفيض عندهم، يُستغنى بشهرته وقبوله والعمل به عن الإسناد فيه، حتى يكاد أن يكون الإسناد في مثله لشهرته تكلفا.
قُلْتُ: وبنحو هذا الكلام، قال جماعة من أهل العلم.
وقد سميت هذا الكتاب وعنونت له بـ: «أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف».
وأسأل الله أن يتقبله مني، وقصدت بهذا العنوان أن الأحاديث التي
стр. 20
جمعتها لا تصح رواية، إلا أنها تصح درايةً ومعنى ومضمونًا، أجمع العلماء عليها، وإذا كان هناك خلاف شاذ ناقشته ورددت عليه وأثبت صحة الإجماع، وذلك من كلام أهل العلم، وسوف أجعلها على طريقة الأبواب - بإذن الله - لكن لعله سيكون فيما بعد، بعد أن أنتهي من جملة هذه الأحاديث، والتي ستكون على شكل سلسلة، تصدر في شكل أجزاء، في كل جزء حديثان أو أكثر، ثم إذا انتهيت - بإذن الله - من تحقيق تلك الأحاديث رتبتها، كما ذكرتُ، على طريقة الأبواب، وأسأل الله التوفيق والسداد.
وإني أناشد أهل العلم وطلابه ألا يبخلوا عليَّ بالنصح والإرشاد، فالمرء بإخوانه وأهله، والعلم رحم بين أهله، وألا يبخلوا علي بذكر الأحاديث التي تندرج تحت شرطي في هذا الكتاب، ولهم جزيل الشكر والعرفان، و: «من لم يشكر الناس، لم يشكر الله (١)».
- هذا وقد بدأت عملي في هذا الكتاب منذ فترة ليست بالقريبة - يوم أن كنت مقيما في المملكة العربية السعودية - حرسها الله وبلادنا وسائر بلاد المسلمين من كل سوء ومكروه - ثم قمتُ بعونه سبحانه وتوفيقه بتنقيح بعض
стр. 21
ما كتبته، وحذفت تارةً، وزدت تارةً أخرى.
ولا زلت أقدم وأؤخرُ، وهكذا البشر، يستحسن المرء شيئًا، ثم تراه بعد ذلك لا يرضاه، وكما قال الإمام القاضي الفاضل البليغ عبد الرحيم بن علي البيساني (١)، ﵀ ت ٥٩٦ في رسالة بعثها إلى العماد الأصفهاني معتذرا عن كلام استدركه عليه: إني رأيتُ أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غيره: لو غُيّر هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.
وأستغفر الله مما زل به اللسان، أو داخله ذهول، أو غلب عليه نسيان، فإن كلَّ مُصَنِّف مع التؤدة والتأني، وإمعان النظر، وطول الفكر، قل أن ينفك عن شيء من ذلك (٢).
وكما قال الخطيب البغدادي - كما في سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨١، ١٩/ ٣٠٨): مَنْ صنَّف فقد جعل عقله على طبق يعرضه على الناس.
стр. 22
أهداف الكتاب
أولاً: لقد عزمت - بفضل الله - على جمع هذه المادة المتواضعة؛ لتكون لي ذخرا يوم القيامة، وأسأل الله تعالى أن يجعل كل أعمالي صالحة خالصة لوجهه الكريم، وأسأله سبحانه أن يرزقني العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يغفر لي خطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.
ثانيًا: مساعدتها طالب العلم على معرفة شتات بعض الأحاديث المتناثرة في بطون الكتب من «المسانيد»، و «السنن»، وغيرها، والتي عليها - أعني الأحاديث - إجماع من أهل العلم من حيث معناها ومضمونها العقدي أو الفقهي أو غير ذلك؛ وكي تسهل على طالب العلم طريقه في البحث عن بعض المسائل.
ثالثًا: جِدَّتُها (١)؛ إذ تجمع من الأحاديث التي رويت في الكتب ولا تصح رواية عن رسول الله ﷺ ، وإنما صحت من أصول الشريعة والإجماع، فهي بذلك تصح دراية، لا رواية، وهذا العمل لم يسبق إليه - حسب علمي - والله أعلم.
فهذه بنات أفكاري أزفها إليكم، فإن كانت خيرًا فمتاع بمعروف، وإن كانت غير ذلك، فتسريح بإحسان، وإني - وايم الله - لا أدعي فيها أنني
стр. 23
جئت بكمال الأمور - كلا - بل إنني جمعتُ ورتبتُ، ثم حكمت على كل حديث بما حكم عليه أهل الحديث بما ترجَّح عندهم، ثم نقلتُ كلام العلماء وإجماعهم، فإن كان ما صنعته صوابا فمن الله وحده، وإن كان غير ذلك فمن نفسي والشيطان، والله بريء منه ورسوله، والله المستعان.
وقد جعلتُ في هذا الجزء أربعة أحاديث؛ الأول: يتعلق بالعقيدة، وكلام الله وأنه غير مخلوق، والثاني: يتعلق بالطهارة، والثالث: يتعلق بالصلاة خلف البر والفاجر. والرابع: يتعلق بالقرض وما يكون فيه من ربّا.
وكلها لا تصح من حيث الأسانيد، إلا أنها تصح معنى ومضمونًا وعليها إجماع، كما سأبين ذلك. والله المستعان.
هذا، والله أسألُ أن ينفع بهذا الكتاب كل طالب عالم محب للخير وأهله، وأن يعصمني من الزلل والخطأ، وأسأله سبحانه أخرى أن يوفقني وإخواني إلى ما يحبه ويرضاه.
إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
أبو عبد الرحمن
عاطف بن حسن الفاروقي
стр. 24
شعر في مدح أهل الحديث:
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (١):
هنيئا لأصحاب خير الورى … وطوبى لأصحاب أخباره
أولئك فازوا بتذكيره … ونحن سعدنا بتذكاره
وهم سبقونا إلى نصره … وها نحن تباع أنصاره
ولما حرمنا لقي عينه … عَكَفْنا على حِفْظِ آثاره
عسى الله يجمعنا كلنا … برحمةٍ مَعْه في داره
وقال العلامة محمد بن إبراهيم الوزير، رحمه الله تعالى (٢):
عليك بأصحاب الحديث الأفاضل … تجد عندهم كل الهدى والفضائل
أَحِنُّ إليهم كلما هبت الصَّبا … وأدعُو إليهم في الضحى والأصائل
لئن شحَّتِ الأيام في الجمع بيننا … سخت بالقوافي بيننا والرسائل
وقد تلتقي الأرواح والبون نازح … عن الجمع للأشباح ذات الهياكل
شيوخ حديث المصطفى وعلومه … ومتَّبعو أقواله في المسائل
هم القدوة الوسطى وهم خيرة الورى … وهمْ أَنْجُمٌ للدين غير أوافل
هم نقحُوا منها الصحيح وبينوا … معارفه في المشيعات الحوافل
يذبون عن دين النبي محمد … بألسنة مثل السيوف الفواصل
стр. 25
وقال العلامة كمال الدين محمد بن محمد الشمني المالكي، ﵀
تعالى (١):
جزى الله أصحاب الحديث مثوبة … وبوأهم في الخلد أعلى المنازل
فلولا اعتناؤهم بالحديث وحفظه … ونفيهم عنه ضروب الأباطل
وإنفاقهم أعمارهم في طلابه … وبحثهم عنه بجد مواصل
لما كان يدرى من غدا متفقها … صحيح الحديث من سقيم وباطل
ولم يستبن ما كان في الذكرى مجملا … ولم يدر فرضا من عموم النوافل
لقد بذلوا فيه نفوسا نفيسة … وباعوا بحظ آجل كل عاجل
فحبهم فرض على كل مسلم … وليس يعاديهم سوى كل جاهل
لله درهم
стр. 26
شكر ودعاء
الحمد الله أولا وآخرا، وأشكره على نعمه وآلائه، ثُمَّ أَشْكُرُ كُلَّ مَنْ أعانني على إخراج هذا الكتاب، وأسأل الله أن ينفعني وإخواني به.
- وأشكُرُ كلَّ مَنْ قدَّمَ لي النصح والإرشاد، وأخص بالذكر والدي على ما قاما به من رعاية ونصح وإرشاد، وأسأل الله تعالى أن يغفر لوالدي، وأن يحفظ والدتي المباركة، وأن يشفيها ومرضى المسلمين.
- وكذا أشكر زوجتي الفاضلة أم عبد الرحمن بنت مصطفى المصري، حفظها الله، على مساعدتها لي، وتوفير الوقت لي، فجزاها الله خيرا.
- هذا، وأسأل الله أن يرحم علماءنا ومشايخنا في كل زمان ومكان، وعلى رأسهم في زماننا: العلامة الألباني، والعلامة ابن باز، والعلامة ابن عثيمين، ﵏.
- فلهم، بعد الله ، فضل علي، بل وعلى كثير من أهل زماننا هذا، فنسأل الله لهم الرحمة والغفران، وأن يسكنهم فسيح الجنان، مع النبي العدنان، وأن يُلحِقَنَا بهم في الصالحين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ولا يفوتني أن أشكر الشيخ طارق بن عوض الله - حفظه الله - على ما كتب من مقدمة نافعة، أسأل الله أن ينفع به الإسلام والمسلمين.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وآله وصحبه أجمعين.
стр. 27
الفصل الأول تخريج حديث «القرآن كلام الله غير مخلوق»
هذا الحديثُ مَرْوِيٌّ عن جماعة من أصحاب النبي ﷺ مرفوعا، منهم: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وأبو موسى الأشعري، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عباس، ورافع بن خديج، وأبو حكيم الشامي، وعبد الله ابن عبد الغافر مولى النبي ﷺ ﵃ جميعا.
قال ابن الجوزي، ﵀، في كتابه «الموضوعات» (١/ ١٠٨): وقد تحذلق أقوام فوضعوا أحاديث تدلُّ على قِدَمِ (١) القرآن.
قلتُ: إليك هذه الأحاديث وطرقها وبيان ما فيها من علل:
стр. 28
المبحث الأول: تخريج حديث علي بن أبي طالب ﵁
أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (٤/ ٦٣) من طريق أحمد ابن جعفر الدوري الثعلبي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، عن الحسن بن موسى بن جعفر بن محمد، عن أبيه موسى ابن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن الحسين بن علي، عن علي، قال: سألت رسول الله ﷺ عن القرآن؟ فقال لي: «يا علي، كلام الله غير مخلوق».
قُلْتُ: لم يبين الخطيب أي علة له، بل سكت عليه، وذلك في ترجمة الدوري الثعلبي هذا، وتبعه على هذا السكوت السيوطي في «اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة» (١/ ١٣) فلم يذكر شيئًا.
وقد قال ابن عراق في «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (١/ ١٣٥): قال بعض أشياخي: وأظنه الذي اسم جده: عبد الله، وهو مشهور بالوضع، والله أعلم.
قُلْتُ: إن كان هو، فقد قال الذهبي في «ميزان الاعتدال» (١/ ٨٧)، وكذا في لسانه لابن حجر (١/ ١٤٤): شيخ لأبي نعيم الحافظ، ذكر ابن طاهر أنه مشهور بالوضع. فالله أعلم، وعلى كل حال فالمتن لا يثبت عن
стр. 29
النبي ﷺ بحال باتفاق علماء الحديث؛ فلم يُحفظ قط أن النبي ﷺ خاص في ذكر هذا.
* * *
стр. 30
المبحث الثاني: تخريج حديث عبد الله بن مسعود ﷺ -
أخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (١/ ٣٦٠) - ومن طريقه ابنُ الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٠٨) من طريق محمد بن عبد الله الدُّغْشي، عن مجالد بن سعيد، عن مسروق، عنه به، مرفوعا؛ بلفظ: «القرآن كلام الله ليس بخالق ولا مخلوق، فمن زعم غير ذلك فقد كَفَرَ بما أُنزل على محمد ﷺ ».
قال الخطيب: هذا الحديث منكر جدًّا، وفي إسناده كثير من المجهولين، وقد رواه أحمد بن بشير، عن مجالد، عن مسروق عنه، ثم أورده موقوفا، ونقل عن الدارقطني أنه قال: أبو عمارة ضعيف جدا.
قُلْتُ: وأبو عمارة هذا، هو: محمد بن أحمد بن المهدي؛ صاحب الترجمة في «تاريخ بغداد»، وهو أحد رواة هذا الحديث.
قال الذهبي في الميزان (٣/ ٤٥٧)، وكذا الحافظ في اللسان ٥/ ٣٧: هو موضوع على مجالد.
وقال الشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص ٣١٣): وفي إسناده مجاهيل.
стр. 31
- وأخرجه الشيرازي في الألقاب - كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٤) من طريق إسحاق بن محمد المقرئ، عن الحسن بن علي الطحان، المعروف بـ «لولو»، عن محمد بن أبي السودا، عن وكيع، عن الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله بن مسعود وحذيفة، قالا: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «كيف أنتما إذا استخفَّ الناسُ بالقرآن؟ أما إنكما لن تدركا ذلك، إذا استخف الناس بالقرآن، وقالوا: القرآن مخلوق. بَرِئَ الله تعالى منهم، وجبريل، وكفروا بما أُنْزِلَ علي».
قال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (١/ ١٣٦): هو من طريق إسحاق بن محمد المقرئ، وهو النخعي الأحمر الكذاب (١).
стр. 32
المبحث الثالث تخريج حديث أبي سعيد الخدري ﵁
أخرجه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ٢٧٥ - ٢٧٦) من طريق أبي عبد الله محمد بن عيسى، ثنا محمد بن أحمد بن منصور الحربي، عن أبي حفص عمرو بن علي بن بحر الشقاء، عن معتمر بن سليمان، ثنا أبي، عن أبي الصِّدِّيقِ الناجي، عنه به، مرفوعًا، بلفظ: «إن الله لعن أربعة على لسان سبعين نبيًّا». قُلنا: من هم يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «القدرية، والجهمية، والمرجئة، والروافض». قلنا: يا رسول الله، ما القدرية؟ قال: «الذين يقولون بالخير من الله، والشر من إبليس، ألا إن الخير والشرَّ مِنْ اللَّهِ، فَمَنْ قال غير ذلك فعليه لعنة الله». قُلنا: يا رسول الله، فما الجهمية؟ قال: «الذين يقولون: إن القرآن مخلوق؛ ألا إن القرآن غير مخلوق، فمن قال غير ذلك فعليه لعنة الله … » فذكر الحديث (١).
قال ابن الجوزي عَقِيبَهُ: هذا حديث لا شك في وضعه، ومحمد بن عيسى والحربي مجهولان.
وأقره السيوطي في «اللآلئ المصنوعة»، وقال: وكذا قال في «الميزان» و «لسانه».
стр. 33
المبحث الرابع: تخريج حديث جابر بن عبد الله ﷺ -
أخرجه الخطيب في تاريخه (٢/ ٣٨٩) - ومن طريقه ابن الجوزي في (الموضوعات) (١/ ١٠٧) من طريق محمد بن عبد بن عامر السمرقندي، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا عبد الله بن لهيعة، عن أبي الزبير، عنه به، بلفظ: «مَنْ قال: القرآن مخلوق. فقد كفر».
وأخرجه حمزة بن يوسف السهمي في «سؤالاته» للدارقطني (٣٢) - ومن طريقه الخطيب في تاريخه (١/ ٣٨٨ - ٣٨٩) عن أبي الحسين يعقوب ابن موسى الفقيه ببغداد أنه قال: لقيت جماعة يحدثون عن محمد بن عبد السمرقندي أحاديث موضوعة، قد حدث بها في بلدان شتى، فسألت جعفر ابن محمد بن الحجاج، المعروف ببكار الموصلي بها، عنه، قال: قدم علينا الموصل، وحدث بأحاديث مناكير، فاجتمع جماعة من الشيوخ وسرنا، لننكر عليه، فإذا هو جالس في مسجد يُعرف بمسجد النبي ﷺ ، وله مجلس، وعنده خَلق من كتبة الحديث ومن العامة، قال: فلما بصرنا من بعيد علم أنا قد اجتمعنا للإنكار عليه، فقال قبل أن نصل إليه: ثنا قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن (أبي الزبير) (١)، عن جابر بن عبد الله، أن
стр. 34
رسول الله ﷺ قال: … فذكره. قال: فوقفنا ولم نجسر أن نُقدم عليه خوفًا من العامة. قال: فرجعنا ولم نجسر أن نكلمه.
قال الدارقطني عن محمد بن عبد بن عامر السمرقندي (١): طواف في البلدان.
وقال مرة: لم يكن مرضيا في الحديث.
وقال الخطيب قبل ذكر هذا الحديث: وله أحاديثُ كثيرةٌ تُشابه ما ذكرناه - أي أحاديث غير هذا أيضًا - وكلها تدل على سوء حاله وسقوط رواياته. ثم ذكر هذا الحديث.
وقال الحاكم في «تاريخه» - كما في «لسان الميزان» (٦/ ١١١): وعجائبه لا يحتملها هذا الموضع.
- وأخرجه الخطيب (٢) في تاريخه (١٣/ ٣٨) من طريق أبي أيوب سليمان بن إسحاق الجلاب قال: سُئِلَ إبراهيم الحربي عن حديث موسى بن إبراهيم، عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر … فذكر الحديث مرفوعًا. فقال: موسى هذا كان صاحب شرطة قنطرة السماكين في الكرخ، ثم ترك الشرطية فجاء إلى مسجد الجامع فقعد مع قوم يدعون يدعو، ثم جاء بكتاب معه يقرأ فيه في مسجد الجامع في أصحاب الحديث، فقالوا له: أمل علينا.
стр. 35
فأملى عليهم عن ابن لهيعة وغيره شيئًا لم يسمعه قط، ولم يسمع قط هو حديثًا، لا أدري إيش قصة ذلك الكتاب؛ اشتراه أو استعاره أو وجده. قال إبراهيم - يعني الحربي: وقد رأيتُ موسى بن إبراهيم هذا. ثم نقل الخطيب عن الدارقطني أنه قال في موسى هذا: متروك.
قُلْتُ: وكذَّبه يحيى بن معين، وقال العقيلي: منكر الحديث (١).
стр. 36
المبحث الخامس: تخريج حديث أبي هريرة ﵁
أخرجه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء) (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٠٧) من طريق أحمد بن محمد ابن حرب، ثنا ابن حميد، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه به، بلفظ: «القرآن كلامُ اللهِ، لا خالق ولا مخلوق، ومن قال غير ذلك فهو كافر».
قال ابن عدي عقبه: هذا حديث باطل. وقال في أول ترجمة أحمد محمد بن حرب (١): يتعمد الكذب، ويلقن فيتلقن.
وقال ابن حبان: كذاب يضع الحديث، فلم أشتغل به، ولكني ذكرته ليعرف اسمه؛ لئلا يحتج به مخالف أو موافق في شيء يرويه.
وقال ابن الجوزي: وأما ابن حميد، كذبه أبو زرعة وابن وارة.
وقال السيوطي في (اللآلئ) (١/ ١٢): موضوع، آفته ابن حرب، وشيخه أيضًا كذاب؛ وهو محمد بن حميد بن حيان.
стр. 37
قُلْتُ: محمد بن حميد هذا، قال عنه البخاري: فيه نظر. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: وهو مع إمامته منكر الحديث، صاحب عجائب (١).
- وأخرجه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ١٧٣) من طريق الحسين ابن شعيب، عن القاسم بن عمرو بن أبي أيوب الأنصاري، عن ابن لهيعة، عن قيس الثمالي، عن أبي هريرة، مرفوعًا، وفيه: «أيها الناسُ، إِنَّ كلَّ شيءٍ دون الله مخلوق، إلَّا القرآن فإنَّه كلامه وتنزيله وعلمه، منه بدأ وإليه يعود … ». وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة، وفيه من لَمْ أَجِد له ترجمة.
стр. 38
المبحث السادس: تخريج حديث أبي الدرداء ﵁ -
أما حديث أبي الدرداء فيرويه عنه ثلاثة؛ الأول: حسان بن عطية، والثاني: أم الدرداء، والثالث: أبو الهيثم سليمان بن عمرو العتواري.
- أما الطريق الأول: فأخرجه الخطيب في (المتفق والمفترق) ٣/ ٥٢، والشيرازي - كما في اللآلئ المصنوعة (١٣/ ١) من طريق أحمد بن إبراهيم المصري، وأخرجه ابن بشران في أماليه (١٢٦)، والحاكم في «شعار أصحاب الحديث» - كما في تنزيه الشريعة (١/ ١٣٥) (١) - من طريق عبد الملك بن عبد ربه الخواص، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية به. وقال الخطيب عقبه: حسان لم يدرك أبا الدرداء، وأحمد بن إبراهيم المصري مجهول (٢).
قُلْتُ: تابعه أبو سليمان داود بن سليمان؛ أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٧٣/ ٢٤٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن حسان به. فأدخل يحيى بينهما.
стр. 39
ونقل السيوطي إسناد ابن عساكر، كاملا في (اللآلئ المصنوعة) (١/ ١٣).
وفي إسناده: منصور بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك القزويني، الراوي عن داود بن سليمان.
قال الذهبي في الميزان (٤/ ١٨٣): منصور بن إبراهيم القزويني، لا شيء، سمع منه أبو علي بن هارون بمصر حديثا باطلا. قال الحافظ في اللسان (٦/ ٩١): والحديث الذي أشار إليه المؤلف - يعني الذهبي - هو هذا الحديث. ثم ذكره عن ابن عساكر، كما سقناه قريبا.
- الطريق الثاني: أخرجه الخطيب في تاريخه (٩/ ٣٣٤) - ومن طريقه ابن الجوزي في (الموضوعات) (١/ ١٠٨ - ١٠٩) من طريق صدقة بن هبيرة، عن يوسف بن يعقوب المعدل قال: ثنا حفص بن إبراهيم، عن إبراهيم ابن العلاء الإسكندراني، عن بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن أم الدرداء به، بلفظ: «من مات وهو يقول: القرآن مخلوق. لقي الله يوم القيامة ووجهه إلى قفاه».
قال الخطيب: مَنْ بين ابن هبيرة وبقية لا يُعرفُ، وثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء.
وقال ابن الجوزي: وقد ذكرنا أن بقية كان يروي عن المجهولين والضعفاء، وربما أسقط ذكرهُمْ وذكرَ مَنْ رووا له عنه.
قُلْتُ: ولذا فهو موصوف بتدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس، كما
стр. 40
هو مشهور عند أهل هذا الفن.
- الطريق الثالث: أخرجه الديلمي - كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٦) من طريق صالح بن قطن البخاري، عن أبي عبد الله بن عقبة،، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عنه به، بلفظ: «مَنْ قال: القرآن مخلوق. فهو كافر يلقاني يوم القيامة وهو لا يعرفني».
قال ابن عراق في (تنزيه الشريعة) (١/ ١٣٥): في سنده صالح بن قطن البخاري، مجهول (١).
قُلْتُ: جهله ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ١/ ٤٥٣ (٧٧٦).
وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٢٣٠): لم أجد مَنْ ترجمه.
ودراج أبو السمح، هو دراج بن سمعان مولى عبد الله بن عمرو بن العاصي (٢)؛ راوية أبي الهيثم العتواري المصري، صاحب أبي سعيد الخدري، وكان في حجره.
قال أحمد بن حنبل عن دراج: حديثه منكر. وقال أبو حاتم: في حديثه