← Иляль хадиса

Иляль хадиса · id 30146

أحاديث ضعاف وعليها العمل بغير خلاف

عاطف الفاروقي

Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الخامس: تخريج حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه ابن عدي في (الكامل في الضعفاء) (١/ ٢٠١ - ٢٠٢)، ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٠٧) من طريق أحمد بن محمد ابن حرب، ثنا ابن حميد، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه به، بلفظ: «القرآن كلامُ اللهِ، لا خالق ولا مخلوق، ومن قال غير ذلك فهو كافر». قال ابن عدي عقبه: هذا حديث باطل. وقال في أول ترجمة أحمد محمد بن حرب (١): يتعمد الكذب، ويلقن فيتلقن. وقال ابن حبان: كذاب يضع الحديث، فلم أشتغل به، ولكني ذكرته ليعرف اسمه؛ لئلا يحتج به مخالف أو موافق في شيء يرويه. وقال ابن الجوزي: وأما ابن حميد، كذبه أبو زرعة وابن وارة. وقال السيوطي في (اللآلئ) (١/ ١٢): موضوع، آفته ابن حرب، وشيخه أيضًا كذاب؛ وهو محمد بن حميد بن حيان.

стр. 37

قُلْتُ: محمد بن حميد هذا، قال عنه البخاري: فيه نظر. وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء»: وهو مع إمامته منكر الحديث، صاحب عجائب (١). - وأخرجه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» (١/ ١٧٣) من طريق الحسين ابن شعيب، عن القاسم بن عمرو بن أبي أيوب الأنصاري، عن ابن لهيعة، عن قيس الثمالي، عن أبي هريرة، مرفوعًا، وفيه: «أيها الناسُ، إِنَّ كلَّ شيءٍ دون الله مخلوق، إلَّا القرآن فإنَّه كلامه وتنزيله وعلمه، منه بدأ وإليه يعود … ». وإسناده ضعيف، فيه عبد الله بن لهيعة، وفيه من لَمْ أَجِد له ترجمة.

стр. 38

المبحث السادس: تخريج حديث أبي الدرداء ﵁ - أما حديث أبي الدرداء فيرويه عنه ثلاثة؛ الأول: حسان بن عطية، والثاني: أم الدرداء، والثالث: أبو الهيثم سليمان بن عمرو العتواري. - أما الطريق الأول: فأخرجه الخطيب في (المتفق والمفترق) ٣/ ٥٢، والشيرازي - كما في اللآلئ المصنوعة (١٣/ ١) من طريق أحمد بن إبراهيم المصري، وأخرجه ابن بشران في أماليه (١٢٦)، والحاكم في «شعار أصحاب الحديث» - كما في تنزيه الشريعة (١/ ١٣٥) (١) - من طريق عبد الملك بن عبد ربه الخواص، كلاهما عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية به. وقال الخطيب عقبه: حسان لم يدرك أبا الدرداء، وأحمد بن إبراهيم المصري مجهول (٢). قُلْتُ: تابعه أبو سليمان داود بن سليمان؛ أخرجه ابن عساكر في تاريخه (٧٣/ ٢٤٧) من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن حسان به. فأدخل يحيى بينهما.

стр. 39

ونقل السيوطي إسناد ابن عساكر، كاملا في (اللآلئ المصنوعة) (١/ ١٣). وفي إسناده: منصور بن إبراهيم بن عبد الله بن مالك القزويني، الراوي عن داود بن سليمان. قال الذهبي في الميزان (٤/ ١٨٣): منصور بن إبراهيم القزويني، لا شيء، سمع منه أبو علي بن هارون بمصر حديثا باطلا. قال الحافظ في اللسان (٦/ ٩١): والحديث الذي أشار إليه المؤلف - يعني الذهبي - هو هذا الحديث. ثم ذكره عن ابن عساكر، كما سقناه قريبا. - الطريق الثاني: أخرجه الخطيب في تاريخه (٩/ ٣٣٤) - ومن طريقه ابن الجوزي في (الموضوعات) (١/ ١٠٨ - ١٠٩) من طريق صدقة بن هبيرة، عن يوسف بن يعقوب المعدل قال: ثنا حفص بن إبراهيم، عن إبراهيم ابن العلاء الإسكندراني، عن بقية بن الوليد، عن ثور بن يزيد، عن أم الدرداء به، بلفظ: «من مات وهو يقول: القرآن مخلوق. لقي الله يوم القيامة ووجهه إلى قفاه». قال الخطيب: مَنْ بين ابن هبيرة وبقية لا يُعرفُ، وثور بن يزيد لم يدرك أم الدرداء. وقال ابن الجوزي: وقد ذكرنا أن بقية كان يروي عن المجهولين والضعفاء، وربما أسقط ذكرهُمْ وذكرَ مَنْ رووا له عنه. قُلْتُ: ولذا فهو موصوف بتدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس، كما

стр. 40

هو مشهور عند أهل هذا الفن. - الطريق الثالث: أخرجه الديلمي - كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٦) من طريق صالح بن قطن البخاري، عن أبي عبد الله بن عقبة،، عن دراج أبي السمح، عن أبي الهيثم، عنه به، بلفظ: «مَنْ قال: القرآن مخلوق. فهو كافر يلقاني يوم القيامة وهو لا يعرفني». قال ابن عراق في (تنزيه الشريعة) (١/ ١٣٥): في سنده صالح بن قطن البخاري، مجهول (١). قُلْتُ: جهله ابن الجوزي في (العلل المتناهية) ١/ ٤٥٣ (٧٧٦). وقال الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٢/ ٢٣٠): لم أجد مَنْ ترجمه. ودراج أبو السمح، هو دراج بن سمعان مولى عبد الله بن عمرو بن العاصي (٢)؛ راوية أبي الهيثم العتواري المصري، صاحب أبي سعيد الخدري، وكان في حجره. قال أحمد بن حنبل عن دراج: حديثه منكر. وقال أبو حاتم: في حديثه

стр. 41

ضعف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وضعفه الدارقطني، وقال مرة: متروك. وقال الحافظ البيهقي في «الأسماء والصفات» (١/ ٥٨٤): ونُقل إلينا عن أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا: «القرآن كلام الله غير مخلوق». وروي ذلك أيضًا عن معاذ بن جبل، وعبد الله بن مسعود، وجابر بنِ عبدِ اللَّهِ ﵃ مرفوعًا، ولا يصح شيء من ذلك، أسانيده مظلمة، لا ينبغي أن يُحتج بشيء منها، ولا أن يُستشهد بشيء منها. اهـ كلامه ﵀.

стр. 42

المبحث السابع: تخريج حديث معاذ بن جبل ﵁ - أخرجه أبو نصر السجزي (١) في «الإبانة» - كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٥) من طريق أبي داود، والديلمي في «مسند الفردوس» - كما في اللآلئ (١/ ١٥) - من طريق عيسى بن داود البغدادي، كلاهما عن الثوري، أنبأني معمر، عن هلال الوزان (٢) عن يزيد بن حسَّانَ، عنه به. قال السيوطي عقبه: أبو داود هو النخعي، أجمعوا على أنه كذاب يضعُ الحديث. - وأخرجه الحاكم في تاريخه - كما في اللآلئ المصنوعة (١/ ١٦) - من طريق إسماعيل بن عبد الله، عن أبي غانم يونس بن نافع، عن هلال الوزان، عن يزيد بن حسَّانَ، عن ربيعة الحرشي، عن معاذ به … فذكر الحديث مرفوعًا، بلفظ: «القرآن كلامُ اللهِ، وسائر الأشياءِ خَلْقُهُ».

стр. 43

قال السيوطي: إسماعيل متروك. قُلْتُ: زاد في الإسناد: ربيعة الحرشي بين يزيد بن حسَّانَ، ومعاذ. وقال ابن عراق في «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (١٣٦/ ١): وفي سنده - أي إسناد الحاكم - محمد بن العباس بن سهل؛ الراوي عن إسماعيل بن عبد الله. قُلْتُ: في سنده أيضًا: يونس بن نافع أبو غانم، ذكره ابن حبان في «الثقات» (٧/ ٦٥٠)، وقال: يخطئ. وقال في «مشاهير علماء الأمصار» ص ١٩٧: وكان يهم فى الأحايين.

стр. 44

المبحث الثامن: تخريج حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أخرجه ابن عدي في (الكامل) (٥/ ٢٥٠)، وأبو طاهر السلفي في (معجم الشَّفَرِ) (٣٧٣) - ومن طريقه ابن العديم في «بغية الطلب في تاريخ حلب» (١/ ١٦٩) (ترجمة أحمد بن سعيد بن الحسن الشيحي) - من طريق بقية قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، عن موسى بن أبي حبيب، عن الحكم ابن عمير، عنه به، مرفوعًا، بلفظ: «ينزل علي القرآن؛ كلام الله غيرُ مخلوق». ولم يذكر ابن عدي: أبا موسى الأشعري، وإنما جعله عن الحكم مرفوعا. قُلْتُ: في إسناده عيسى بن إبراهيم الهاشمي، وهو ذاهب الحديث، كما قاله أبو حاتم الرازي (١). وكذا موسى بن أبي حبيب، ضعيف الحديث (٢)، والحكم بن عمير، جاء ذكره في أحاديث منكرة، ولا صحبة له، كما قاله الذهبي في «الميزان» ١/ ٥٧٨، ٤/ ٢٠٢. وتعقبه الحافظ في اللسان

стр. 45

(٢/ ٣٣٧) بأنَّ كثيرًا من أهل العلم ذكروا له صحبة، منهم: الدارقطنيُّ، والباورديُّ، وابنُ عبد البر، وابنُ منده، وأبو نعيم. ثم قال: ووصفه بالصُّحبة الترمذيُّ، وابنُ أبي حاتم، والبرقيُّ، والعسكريُّ … وقد شرط المؤلفُ - يعني الذهبيُّ - ألا يذكر صحابيًّا، فناقض شرطه (١)؛ فإنَّ الآفة في نكارة الأحاديث المذكورة من الراوي عنه. اهـ كلامه ﵀.

стр. 46

المبحث التاسع: تخريج حديث أنس بن مالك ﵁ يرويه عن أنس اثنان؛ الحسن البصري، والزهري. فقد أخرجه الرافعي في «التدوين في أخبار قزوين» (١/ ٢٠١)، والخطيب في تاريخه (١٣/ ١٤١) - ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (١/ ١٠٧) من طريق محمد بن المسيب الأرغياني، عن محمد ابن يحيى بن رزين المصيصي، عن عثمان بن عمر بن فارس، عن كهمس، عن الحسن، عنه به، بلفظ: «كلُّ ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما فهو مخلوق غير الله والقرآن؛ وذلك أن كلامه منه بدأ وإليه يعود، وسيجيء أقوام من أمتي يقولون: القرآن مخلوق. فمن قاله منهم فقد كفر بالله العظيم … » فذكره مرفوعًا. قال الخطيب عقيبه: وابن رزين ذاهب الحديث. وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، والمتهم به محمد بن يحيى بن رزين، قال أبو حاتم البستي: كان دجالاً يضع الحديث، لا يحل ذكره إلا بالقدح فيه (١).

стр. 47

قُلْتُ: تابعه السيوطي في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٢) فحكم عليه بالوضع. - وأخرجه الديلمي في مسند الفردوس - كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٢) من طريق محمد بن محمد بن قنبرة الباراني، عن أبي هاشم عبد الله ابن أبي سفيان الشعراني، ثنا الربيع بن سليمان قال: ناظر الشافعي حفصا الفرد، وكان حفص من غلمان بشر المريسي، فقال في بعض كلامه: القرآن مخلوق. فقال له الشافعي: كفرت بالله العظيم، ثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال: مخلوق. فاقتلوه فإنه كافر». قال ابن عراق في «تنزيه الشريعة» (١/ ١٣٤): وفي سنده مجاهيل، وهو موضوع على الربيع بلا شك، والله أعلم. قُلْتُ: وقد رُوِيَ موقوفًا على أنس، أخرجه ابن عدي في الكامل ١/ ٣٨٣ عن العباس بن الوليد الترسي، عن يحيى بن سليم الطائفي، عن الأزور بن غالب، عن سليمان التيمي، عنه به، موقوفا، بنحوه. وقال ابن عدي: وهذا الحديث وإن كان موقوفًا على أنس فهو منكر؛ لأنه لا يُحفظ للصحابة الخوض في القرآن (١). وقال الذهبي في الميزان (١/ ١٧٣): الأزور منكر الحديث، أتى بما لا

стр. 48

يحتمل فكذب. ثم أورد له هذا الأثر السابق ذكره. - وأخرجه الديلمي - كما في اللآلئ المصنوعة (١/ ١٦) - والرافعي في أخبار قزوين (١/ ١٣٧) من طريق أبي بكر عبد الرحمن بن محمد بن علويه القاضي الأبهري، عن محمد بن عقيل البلخي، عن العباس بن محمد الدوري - راوية ابن معين الإمام المعروف - عن يزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن أنس رفعه، في قوله: ﴿قُرْآنَّا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجَ﴾ [الزمر: ٢٨] قال: «غير مخلوق». قال ابن عراق (١/ ١٣٤): في سنده عبد الرحمن بن محمدِ بنِ عَلُّويه الأبهري. وقال في موضع آخر (١/ ٧٩): عبد الرحمن بن محمد بن علويه الأبهري حدث بأحاديث موضوعة، كان يتهم بها. قُلْتُ: ذكَرَه السَّمعاني في «الأنساب» (١/ ٧٨) وقال: أبو بكر عبد الرحمن بن محمد بن علويه الأبهري كان على قضاء الشاش، روى عن أحمد بن محمد بن غالب البصري … وحدث بأحاديث مناكير عن إسماعيل بن أحمد والي خراسان، ذكره غُنجار فقال: الأبهري سكن بخارى، وكان يتولى عمل المظالم بخراسان، وكان كذابًا، ومات على باب الشاش في سنة اثنتين وأربعين وثلاثمائة. وقال الحافظ ابن حجر في «لسان الميزان» (٣/ ٤٣٠): وكان يرَكَّبُ الأسانيد على المتون … وحدث بأحاديث موضوعة.

стр. 49

المبحث العاشر: تخريج حديث عبد الله بن عباس ﵄ - ذكره أبو نصر السجزي في (الإبانة) (١) - كما في اللآلئ المصنوعة (١/ ١٥) فقال: ورُوي عن محمد بن المنكدر، عن عبد الله بن عباس قال: تساند رسول الله ﷺ فغطيناه بثوب، ثم أفاق، فقال: «كلُّ شيءٍ مِنْ دون الله مخلوق عدا القرآن فإنه كلامه، وليأتين على أمتي ناس يقولون: القرآن مخلوق. أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، خالدين في النار مخلَّدين، وغَضِبَ اللهُ عليهم ورسوله، والله منهم بريء، فإذا أدركتموهم فلا تقربوهم». قُلْتُ: لم أستطع الوقوف على إسناد الحافظ السجزي كاملا؛ وذلك لأن الكتاب في عداد المفقود إلى يومنا هذا، ولم أجد أحدًا ذكر الإسناد كاملا لأنظر فيه، ولا إخالُه يصح، وأيضًا هناك علة في هذا الإسناد المختصر، وهو

стр. 50

أن محمداً بن المنكدر لم يسمع من ابن عباس، فهو لم يسمع من أبي هريرة، بل لم يلقه، كما قاله أبو زرعة الرازي، وابن المنكدر إن أدرك ابن عباس فسيكون صغيراً؛ لأن مولده سنة ستين أو قبله بيسير، وابن عباس مات سنة ثمان وستين، وكما قال الحافظ ابن حجر في تهذيبه (٩/ ٤١٧): فتكون روايته عن عائشة (١)، وأبي هريرة، وعن أبي أيوب الأنصاري، وأبي قتادة، وسفينة ونحوهم، مرسلةً. قلت: فالظاهر أنه لم يسمع منه، ولم أجد روايةً صَرَّحَ فيها ابن المنكدر بسماعه من ابن عباس، بل يقول أحيانًا: حدثت عن ابن عباس (٢). وتارةً أخرى تكون بينه وبين ابن عباس مفاوز في الإسناد؛ رجل أو أكثر، فالذي يظهر أن الإسناد منقطع، وأما المتن ففيه نكارة وغرابة. والله أعلم.

стр. 51

المبحث الحادي عشر: تخريج حديث رافع بن خديج ﵁ أخرجه الديلمي في «مسنده» - كما في «اللآلئ المصنوعة» (١/ ١٢) - من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن رافع ابن خديج، وحذيفة بن اليمان، وعمران بن حصين، قالوا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: «القرآن كلامُ اللهِ غير مخلوق، فمن قال غير هذا فقد كفر». قُلْتُ: أخرجه الديلمي من نفس طريق حديث أنس السابق ذكره في مناظرة الشافعي مع حفص الفردِ غلام بشر المريسي. وذكرتُ هناك أن ابن عراقي قال: في سنده مجاهيل، وهو موضوع على الربيع بلا شك. وأزيد هنا فأقولُ: ذكره السخاوي في «المقاصد الحسنة» (ص ٤٨٧) وقال: والمناظرة دون الحديث وغيرهما من تأليفه (١)، ولكن الحديث من الوجهين، بل ومن جميع طرقه، باطل، والسندان مختلقان على الشافعي.

стр. 52

المبحث الثاني عشر: تخريج حديث أبي حكيم الشامي ﵁ - قال ابن النجار في تاريخه «ذيل تاريخ بغداد» (١/ ٢١٠): عبد الوهاب ابن أبي الفرج الأنصاري الواعظ، شيخ الحنابلة بدمشق، حدث عن والده بحديث منكر. ثم أخرج هذا الحديث من طريقه، عن والده، عن أبي العباس أحمد بن قيس المالكي، عن علي بن أبي الحسن الصوفي، عن أبي أحمد عبد الله بن عدي الحافظ، عن هَنْبَلِ (١) بن محمد السليحي، عن رؤبة بنِ عياش، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، عن أبي حكيم الشامي (٢)، به مرفوعًا، بلفظ: «خيركم من حفظ كتاب الله فعمل به وعلمه الناس، وهو كلامُ اللهِ المُنزل، غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، فمن قال: مخلوق. فهو كافر». قال ابن عراق (١/ ١٣٥) بعد أن نقل كلام ابن النجار أنه حدث بحديث منكر، قال: وهو هذا، وفي سنده هَنبَلُ بن محمد السليحي وغيره، لم أعرفهم. قُلْتُ: وضمضم مختلف فيه.

стр. 53

المبحث الثالث عشر: تخريج حديث عبد الله بن عبد الغافر ﵁ مولى النبي ﷺ - (١) أخرجه أبو موسى المديني في «ذيل معرفة الصحابة» - كما في «أسد الغابة» لابن الأثير (٣/ ٣٠٢)، و «جامع المسانيد» لابن كثير (٨/ ١١٢)، و «الإصابة» (٦/ ٢٥٨)، و «لسان الميزان» (٥/ ٣٠٣) من طريق محمد بن علي - فذكره بإسناد مظلم، كما قاله الحافظ ابن حجر - إلى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الله بن عبد الغافر به، مرفوعًا بلفظ: «إذا ذُكِرَ القرآن فقولوا: كلامُ اللهِ غير مخلوق. من قال غير هذا فهو كافر». قال الذهبي في التجريد (١/ ٣٢٢): هذا موضوع. وقال ابن حجر: وفي إسناده محمد بن علي الجباخاني، ذكره الحاكم فقال: أكثر أحاديثه مناكير، وأخرجه ابن منده من غير طريقه مختصرًا، لكنه قال: عبيد بن عبد الغافر. وقال ابن حجر في (اللسان): ومن مناكيره - أي محمد بن علي - ما

стр. 54

رواه … فذكر هذا الحديث. ووقع في مطبوع اللسان وقفه دون ذكر الرفع، وأظنه سقطا من المطبوع، وإلا فقد ذكره في «الإصابة» مرفوعًا، وهو كذلك في بقية المصادر، والله أعلم.

стр. 55

المبحث الرابع عشر: الخلاصة ونقل كلام السلف قُلْتُ: هذا ما تيسر لي جمعه والوقوف على طرقه، وكلام العلماء عليه، وتبين من خلال ما سبق أن الحديث باطل من حيث أسانيده، إلا أن معناه صحيح؛ وهو أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وعليه إجماعات من السلف والخلف، وسأنقل بعض هذه الإجماعات، بالرغم من شهرته بين العامة والخاصة من باب قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]. والله سبحانه هو الموفق إلى سبيل الرشاد. وأسأله أن ينفعني وإياكم بما عَلِمْنَاهُ، إِنَّه ولي ذلك ومولاه. ومعلوم أن الأدلة على أنَّ القرآن كلام الله غير مخلوق كثيرة، وعليه أطبق أهل السنة من السلف والخلف، ومحنة الإمام أحمد فيه مشهورة، وهي في مناقبه مذكورة معدودة. وإليك بعض النقولات عن الإجماع: قال الإمام اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» (٢/ ٢٢٧): فهو إجماع بإظهار وانتشار وانقراض عصر من غير اختلاف ولا إنكار. ثم ذكر ﵀ عن خمسمائة وخمسين رجلا من التابعين من شتى البلدان والأمصار، كلهم يقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق.

стр. 56

ويقول الإمام الإسماعيلي ﵀ في «اعتقاد أئمة الحديث» (ص ٥٧)، نقلا عن أئمة الدين: ويقولون: القرآن كلامُ اللهِ غيرُ مخلوق. ويقول الإمام الصابوني ﵀ في «عقيدة السلف أصحاب الحديث» (ص ٣٠): ويشهد أصحاب الحديث ويعتقدون أن القرآن كلامُ اللهِ وكتابه وخطابه ووحيه وتنزيله غير مخلوق، ومن قال بخلقه واعتقده فهو كافر عندهم. ثم ذكر بعض الأدلة على ذلك، وكلام أهل العلم. وقال الإمام الآجري ﵀ في «الشريعة» (١/ ٧٧): اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد، قديمًا وحديثًا أن القرآن كلامُ اللهِ ليس بمخلوق؛ لأن القرآن من علم الله تعالى، وعلم الله لا يكون مخلوقا، تعالى الله عن ذلك، دل على ذلك القرآن والسنة وقول الصحابة ﵃، وقولُ أئمةِ المسلمين رحمة الله تعالى عليهم، لا يُنكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمية عند العلماء كافرة. وقال الإمام الطحاوي ﵀ في عقيدته (ص ١٢٧): وإن القرآن كلامُ الله … ليس بمخلوق. وقال شارحه العلامة ابن أبي العز الحنفي ﵀: هذه قاعدة شريفة، وأصل كبير من أصول الدين. وقال أبو نصر السجزي ﵀ في «الرد على من أنكر الحرف والصوت»

стр. 57

(ص ١٠): لا خلاف بين المسلمين أجمع أنَّ القرآن كلام الله . قُلْتُ: ونقولات الإجماع مبسوطة في كتب أصول الدين، فمن شاء فليراجعها، فإنها كثيرة جدًا، ولله الحمد.

стр. 58

الفصل الثاني: تخريج حديث: «إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه» هذا الحديث بهذا التمام - أعني الاستثناء (١) - رُوِيَ مسندًا مرفوعًا من حديث أبي أمامة الباهلي، وثوبان، ومرسلًا عن راشد بن سعد مرفوعًا.

стр. 59

المبحث الأول فأما حديث أبي أمامة: فيرويه عنه راشدُ بن سعدٍ؛ ويرويه عن راشد ثلاثة؛ معاوية بن صالح، وثور بن يزيد، والأحوص بن حكيم. أما رواية معاوية بن صالح: فأخرجها ابن ماجه (٥٢١)، والطبري في تهذيب الآثار (١٠٧٦، ١٠٧٧ - مسند ابن عباس)، والطبراني في المعجم الكبير (٧٥٠٣)، وفي الأوسط (٧٤٤)، وابن عدي في الكامل (٣/ ١٥٦)، والدارقطني (٤٧) - ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (١٤) - والبيهقي (١/ ٢٥٩)، وفي معرفة السنن والآثار (٣٩١) كلهم من طريق رشدين بن سعد؛ أنبأنا معاوية بن صالح، به. واقتصر الطبري، والطبراني، وابن عدي، والدارقطني، والبيهقي على ذكر الريح والطعم دون ذكر اللون. وقال الدارقطني عقبه: لم يرفعه غير رشدين بن سعد، عن معاوية بن صالح، وليس بالقوي، والصواب من قول راشد. وقال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن معاوية بن صالح إلا رشدين. وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١/ ٩١): هذا إسناد فيه رشدين، وهو ضعيف، واختلف عليه مع ضعفه. وقال الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٩٧): وهذا الحديث ضعيف، فإنَّ

стр. 60

رشدين بن سعد جُرَّحه النسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وأبو حاتم. ومعاويةُ بنُ صالح، قال أبو حاتم: لا يُحتج به. قلتُ: رشدين بنُ سعد هو ابن مُفلح بن هلال المهريُّ، أبو الحجاج المصريُّ، ضعيفُ الحفظ، ضعفه أحمدُ بنُ حنبل - في رواية عنه - وقَدَّم ابن لهيعة عليه، وقال يحيى بن معين: لا يكتب حديثه. وفي رواية عنه قال: ليس من حُمَّال المحامل. وقال: ابن لهيعة أمثل من رشدين. وضعفه الفَلَّاسُ، وأبو زُرعة، وقال أبو حاتم: مُنكر الحديث، وفيه غَفلة، ويحدث بالمناكير عن الثقات، ضعيف الحديث. وقال ابن يونس: كان صالحًا في دينه فأدركته غفلةُ الصالحين، فَخَلَّطَ في الحديث. وقال النسائيُّ: متروك الحديث (١). وقال ابن الجوزي عقب الحديث: هذا لا يصح، أما معاوية بن صالح (٢)، فقال أبو حاتم: لا يُحتج به، وكان يحيى بن سعيد لا يرضاه، وأما

стр. 61

رشدين فهو ابنُ سعدٍ، قال يحيى بنُ معينٍ: ليس بشيءٍ … إلخ كلامه بحَطَّه. وأخرجه البيهقي (١/ ٢٥٩) من وجه آخر عن رشدين به، بلفظ: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيءٌ إلا ما غلبه ريحه أو طعمه». قال البيهقي عقبه: كذا وجدته، ولفظ القلتين فيه غريب.

стр. 62

المبحث الثاني حديث ثوبان ﵁ مولى رسولِ اللهِ ﷺ : أخرجه الدارقطني (٤٥) - ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق في أحاديث الخلاف» (١٣) عن محمد بن موسى البزاز، عن علي بن سراج، عن أبي شرحبيل عيسى بن خالد، عن مروان بن محمد، عن رشدين به، بنفس الإسناد السابق ذكره، إلا أنه قال: عن ثوبان (١). بدل: أبي أمامة. قلت: لعل ذلك وهم من علي بن سراج أو من محمد بن موسى البزاز، ولم أحكم بتوهيم أبي شرحبيل (٢)؛ لأن الطبري في «تهذيبه» في الموضع الأول أخرجه من طريقه فقال: عن أبي أمامة. فدل ذلك على أن أبا شرحبيل حفظ الرواية، وإنما الخطأ ممن دونه. أو أن يقال: رشدين - لضعفه - اضطرب (٣) فيه؛ فمرة يذكر أبا أمامة، ومرة يذكر ثوبان، ولعل ذلك هو الراجح، فحمل الخطأ على الضعيف أولى من تحميله على

стр. 63

الثقة، والله أعلم. أما عن رواية ثور بن يزيد، فرواها عنه اثنان؛ بقية بن الوليد، وحفص بن عمر. أخرجه البيهقي (١/ ٢٥٩) من طريق عطية بن بقية بن الوليد، عن أبيه، عن ثور بن يزيد به، مرفوعًا. قلت: في إسناده عطية بن بقية، قال عنه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» (٦/ ٣٨١): روي عن أبيه بقية بن الوليد، كتبت عنه، ومحله الصدق، وكانت فيه غفلة. وذكره ابن حبان في «الثقات» (٨/ ٥٢٧) وقال: يخطئ ويُغرب، يُعتبرُ حديثه إذا روى عن أبيه غير الأشياء المدلسة. وقال العلامة الألباني في الضعيفة (٢٦٤٤): فليس لهذا الإسناد علةٌ قادحة غير عنعنة بقية. قلت: أما طريق حفص بن عمر، عن ثور، فأخرجه ابن عدي في الكامل (٢/ ٣٨٩)، والبيهقي في الكبرى (١/ ٢٦٠). وقال ابن عدي: وهذا الحديث ليس يوصله عن ثور إلا حفص بن عمر (١) … إلخ. قال الألباني: حفص بن عمر - هو الأبلي (٢) - واه جدا، كذبه أبو حاتم.

стр. 64

وَغَيرُه (١)، فلا يَستَشهَدُ به، وإنّي لأخشى أن يَكونَ بَقيَّةٌ تَلقّاهُ عنه ثم دَلَّسَه. قُلتُ: قال ابنُ حِبّانَ في «المَجرُوحين» (١/ ٢٩٦): يَقلِبُ الأخبارَ ويلزِقُ الأسانيدَ الصَحيحةَ المُتُونَ الواهيةَ، ويعمدُ إلى خَبَرٍ يُعرَفُ من طريقٍ واحدٍ فيأتي بهِ من طريقٍ آخَرَ لا يُعرَفُ.

стр. 65

المبحث الثالث: أما المرسل: فهو من رواية الأحوص بن حكيم، أخرجه الدارقطني (٤٦، ٤٩) من طريق أبي إسماعيل المؤدب، وأبي معاوية محمد بن خازم الضرير، والطحاوي في شرح المعاني (١/ ١٢)، وابن عدي (٣/ ١٥٦)، ومُغلطاي في (شرح سنن ابن ماجه) (١/ ٥٥٠) من طريق عيسى بن يونس، وعبد الرزاق (٢٦٤) عن إبراهيم بن محمد؛ أربعتهم عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعد به، مرسلاً. ووقع عند عبد الرزاق: «عامر بن سعد» بدل: «راشد بن سعد». ولعله تحريف. واقتصر عبد الرزاق، وابن عدي، والدارقطني في الموضعين، ومُغلطاي على ذكر الطعم والريح. وقال الدارقطني عقيب الموضع الأول: لم يجاوز به راشد، وأسنده الغضيضي (١) عن أبي أمامة. وقال عقب الموضع الثاني: مرسل. وقال في العلل (١٢/ ٢٧٤): ولا يثبت الحديث. وقال الطحاوي: هذا منقطع. وقال أحمد بن حنبل - كما في المغني (١/ ٢٤)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ١٥): ليس فيه حديث. اهـ.

стр. 66

قلت: يشير إلى ضعفه وعدم ثبوته. وقال ابن عدي: ورواه الأحوص بن حكيم، مع ضعف فيه، عن راشد بن سعد عن النبي ﷺ مرسلاً … فذكره بإسناده. وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (١/ ٥٤٧) (١): وسألت أبي عن حديث رواه عيسى بن يونس، عن الأحوص بن حكيم، عن راشد بن سعدٍ؛ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ينجس الماء إلا ما غلب عليه، طعمه ولونه»؟ فقال أبي: يوصله رشدين بن سعدٍ؛ يقول: عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ ، ورشدين ليس بقوي، والصحيح مرسل. قُلْتُ: خالفهم أبو أسامة - كما ذكر البيهقي (١/ ٢٦٠) فرواه عن الأحوص، عن أبي عون وراشد بن سعد من قولهما. أما رواية أبي أسامة التي ذكرها البيهقي، فأخرجها الدارقطني (٥٠). ورواه مسدد - كما في «إتحاف الخيرة المهرة» للبوصيري (٦٢٤) عن عيسى - هو ابن يونس - عن الأحوص بن حكيم، عن رشدين (٢) بن سعد، من قوله.

стр. 67

المبحث الرابع خلاصة الحكم، ونقل كلام السلف هذا ومع ضعف الحديث باتفاق الحفاظ والنقاد، إلا أن معناه ومضمونه صحيح متفق عليه بين العلماء. قال العلامة المعلمي اليماني في «التنكيل» (٢/ ٧ - ٨): وقد جاءت عن النبي ﷺ أحاديث أن الماء طهور لا ينجسه شيء، وجاء في روايات استثناء أحد أوصافه، وهي ضعيفة من جهة الإسناد، لكن حكوا الإجماع على ذلك. وقال ابن الملقن في «البدر المنير» (١/ ٣٩٩): فتلخص أنَّ الاستثناء ضعيف، لا يحل الاحتجاج به؛ لأنه ما بين مرسل وضعيف، ونقل النووي في (شرح المهذب) (١) اتفاق المحدثين على تضعيفه، وقد أشار إمامنا الأعظم أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي إلى ضعفه، فقال (٢): وما قلتُ من أنه إذا تغير طعم الماء وريحه ولونه كان نجسا، يُروى عن النبي ﷺ من وجه لا يُثبِتُ أهل الحديث مثله، وهو قول العامة؛ لا أعلم بينهم خلافا. وتابعه على ذلك البيهقي، فقال في (سننه): هذا حديث غير قوي، إلا

стр. 68

أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير خلافًا. وقال ابن حبان البستي صاحب «الصحيح» عقب حديث (١٢٤٩): ويخص هذين الخبرين الإجماع على أن الماء، قليلًا كان أو كثيرًا، فغير طعمه أو لونه أو ريحه، نجاسة وقعت فيه، أن ذلك الماء نجس بهذا الإجماع … إلخ كلامه ﵀. وحكى الإجماع على صحة مضمونه أيضًا، ابن المنذر في كتابه «الإجماع» (ص ٣٣) (١). وكذا ابن حزم في «مراتب الإجماع» (ص ١٧)، وأقرَّهُ شيخ الإسلام ابن تيمية في «نقد مراتب الإجماع»؛ حيث لم يتعقبه بشيء. وقال العلامة صديق حسن خان في «الروضة الندية» (١/ ٥٥): وقد اتفق أهل الحديث على ضعف هذه الزيادة، لكنه وقع الإجماع على مضمونها، كما نقله ابن المنذر، وابن الملقن في «البدر المنير»، والمهدي في «البحر»، فمَنْ كانَ يقول بحجية الإجماع (٢) كان الدليل عندَهُ على ما أفادته تلك الزيادة هو الإجماع، ومَنْ كان لا يقول بحجية الإجماع كان هذا الإجماع مفيدًا لصحة تلك الزيادة؛ لكونها قد صارت مما أجمع على معناها وتلقي بالقبول، فالاستدلال بها لا بالإجماع (٣).

стр. 69

المبحث الخامس: تقنين لمسألة الإجماع وهنا مسألة: هل الإجماع لابد أن يستند إلى دليل شرعي من كتاب أو سنة؟ قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين، ﵀، في «شرح نظم الورقات» (ص ١٧٠): … . وهذا يدل على أن إجماع هذه الأمة حجةٌ (١). ولكن هل لابد لكل إجماع من دليل؟ (٢) نقول: نعم، لابد أن يكون لكل إجماع مستند من القرآن أو السنة أو تعليل؛ ولهذا أنكر بعض العلماء ﵏ الإجماع دليلاً رابعا، وقال: إن الإجماع لابد أن ينبني على دليل سابق. لكن قد يخفى مستند الإجماع على المستدل، ولا يكون أمامه إلا الإجماع، وقد لا يخفى على المستدل، لكن يأتي بالإجماع لقطع النزاع، يعني مثلاً … .. فلا يستطيع أحد أن ينازع، وإلا فكل إجماع له مستند، إما أن يكون ظاهرًا

стр. 70

بينا، وإما ألا يكون ظاهرًا. اهـ كلامه ﵀. وقال شيخ شيخنا العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي في رسالته اللطيفة الجامعة في أصول الفقه المهمة (ص ٩٥/ ٩٦): ولابد أن يكون هذا الإجماع مستندا إلى دلالة الكتاب والسنة. اهـ. كلامه ﵀. وذكر ذلك الإمام الشافعي في «الرسالة» (ص ٤٤١) فقال: أما ما اجتمعوا - أي الناس - فذكروا أنه حكاية عن رسول الله، فكما قالوا، إن شاء الله. وأما ما لم يَحْكُوهُ، فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله، واحتمل غيره، ولا يجوز أن نَعُدَّه له حكايةً؛ لأنه لا يجوز أن يحكي إلا مسموعًا، ولا يجوز أن يحكي شيئًا يتوهم، يمكن فيه غير ما قال. فكنا نقول بما قالوا به اتباعًا لهم، ونعلم أنهم إذا كانت سنة رسول الله لا تعرب عن عامتهم، وقد تعرب عن بعضهم، ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول الله، ولا على خطأ، إن شاء الله. وقال أبو الوليد الباجي في «إحكام الفصول في أحكام الأصول» (ص ٤٥٨): إذا ثبت أن إجماع الأمة حجة شرعية فإنه لا يصدر إلا عن دليل سمعي أو عقلي. قلت: قوله ﵀: سمعي أو عقلي. يتوافق مع قول شيخنا العلّامة ابن عثيمين السابق ذكره: لكل إجماع مستند من القرآن أو السنة أو تعليل. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في «مجموع الفتاوى»

стр. 71

(١٩/ ١٩٥): فلا يوجد قط مسألةٌ مجمع عليها إلا وفيها بيانٌ من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص … إلخ. ثم أخذ، ﵀، يضرب بعض الأمثلة، ثم قرر أنه ثبت باستقراء موارد الإجماع أن جميع الإجماعات منصوصة. ثم قال ﵀ (١٩/ ٢٠١): وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلابد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أنَّ ذلك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ، فهذا لا يوجد قط، وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه، وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك. اهـ. كلامه ﵀. وقال ابن حزم ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» (٤/ ٥٢٥): وكذلك إجماع أهل الإسلام كلهم جنّهم وإنسهم في كل زمان وكل مكان .. فنحن أهل السنة والجماعة حقا بالبرهان الضروري، وأننا أهل الإجماع كذلك، والحمد لله رب العالمين، ثم اتفقنا نحن وأكثر المخالفين لنا على أن الإجماع من علماء الإسلام حجة وحق مقطوع به في دين الله ، ثُمَّ اختلفنا، فقالت طائفة: هو شيء غير القرآن، وغير ما جاء به النبي ﷺ ، لكنه: أن يجتمع علماء المسلمين على حكم لا نص فيه، لكن برأي منهم، أو بقياس منهم عن منصوص، وقلنا نحن: هذا باطل، ولا يمكن البتة أن يكون إجماع من علماء الأمة على غير نص؛ من قرآن أو سنة عن رسولِ اللَّهِ ﷺ … إلخ.

стр. 72

قُلْتُ: لكن لو حصل الإجماع من خلال القياس أو غيره من أصول الشريعة فهو صحيح، خلافا لابن حزم والظاهرية، الذين ينكرون القياس ويرفضونه. وقد قال الزهري - في مسألة قضاء الصلاة والصيام للحائض - قال: تقضي الحائض الصوم، ولا تقضي الصلاة. قال معمر: عمن قال؟ قال: اجتمع الناس عليه، وليس في كل شيء نجد الإسناد (١). وقال الآمدي ﵀ في «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٢٠٣): ففيه تجويز وقوع الإجماع من غير دليل، وذلك محال مانع من صحة الإجماع .. وإن كان الإجماع لابد له من دليل فلا نسلم انحصار دليله في الكتاب والسنة ليصح ما ذكروه؛ لجواز أن يكون مستندهم في ذلك إنما هو القياس والاستنباط على ما يأتي بيانه. وقال الصنعاني ﵀ في «إجابة السائل شرح بغية الأمل» (ص ١٤٩): … والحالة أنه لابد للإجماع من دليل يستند إليه أهلُ الإجماع، فلا يقع إلا عن دليل شرعي؛ لما علم من أن الأحكام الشرعية لا تكون إلا عن مستند، فإنه لا يقدم مجتهد والأمة على حكم لا مستند له، ولكنه لا يلزمنا معرفة مستندهم؛ لأنه إنما يلزمنا معرفة دليل الحكم مثلا، وقد قام الإجماع على الحكم الواقع فيه الإجماع، وحينئذ فلا يلزمنا إلا معرفةُ الإجماع؛ لأنه قد صار الدليل في ذلك الحكم، ولذا قلنا: وإن جهلناه، ثم

стр. 73

المستند يكون من الكتاب العزيز، أو السنة النبوية، أو القياس … إلخ كلامه. وقال الشمعاني تخلله في «قواطع الأدلة» (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣) بعد أن نقل عن جماعة كالنظام وغيره أنهم لا يرون الإجماع إلا بدليل ومستند، وأن إجماع الصحابة ومن دونهم ليس بحجة بذاته - عندهم - وأنه يجوز الضلالة على الأمة - عندهم - وإذا جاز الضلالة عليهم لم يكن إجماعهم حجة! فأخذ يرد عليهم، إلى أن قال السمعاني: … وأما حجتنا فتتعلق أولا بالكتاب، وهو قوله : ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقوله: ﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. والشاهد أتم لمن يكون قوله حجة، فقد وصف الأمة بالعدالة والشهادة، فدل أن قبول قولهم واجب؛ لأنه لا يجوز أن يصفهم بالعدالة فيجعلهم شهداء على الناس، ثم لا يقبل قولهم ولا يجعله حجة. اهـ. قُلْتُ: هذا صحيح لا غبار عليه، وإجماع الصحابة يكون عن دليل؛ إما من كتاب، أو سنة، أو قياس صحيح معتبر عندهم، وعلى هذا فإجماعهم صحيح لا مطعن فيه؛ لأنهم لا يجتمعون على باطل وضلالة أبدا، فهم معصومون من الخطأ إذا اجتمعوا على حكم شرعي، كما سبق وأن بينتُ ذلك، والله أعلم. - أما عن حديثنا هذا: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب … ». فقد نقل الإجماع عير واحدٍ من أهل العلم على مضمونه ومعناه. وقال الصنعاني تخلله في «سبل السلام» (١/ ٢٢): ولكن هذه الزيادة قد

стр. 74

أجمع العلماء على القول بحكمها، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فعيرت له طعمًا أو لونًا أو ريحًا فهو نجس، فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه لا هذه الزيادة. وقال الطحاوي ﵀ في (شرح المعاني) (١/ ١٢): وكان من الحجة في ذلك أيضًا أنهم قد أجمعوا أن النجاسة إذا وقعت في البئر فغلبت على طعمِ مائها أو ريحه أو لونه أن ماءها قد فسد. وقال القاضي عياض ﵀ في (إكمال المُعْلِمِ شرح صحيح مسلم) (٢/ ٥٩): وأجمعوا أن ما تغير طعمه أو لونه أو ريحه بنجاسة أنه نجس لا يجوز استعماله. وقال ابن عبد البر ﵀ في «التمهيد» (١٨/ ٢٣٦): وقد أجمعوا معنا على أن ورود الماء على النجاسة لا يضره وأنه مطهر لها، وطاهر في ذاته، إن لم يتغير بها طعمه أو لونه أو ريحه. وقال في موضع آخر (١/ ٣٣٢): ومن ذلك أيضًا قوله ﷺ إذ سُئل عن بئر بضاعة … فقال: «الماء لا ينجسه شيء». يعني: ما لم يغيره أو يظهر فيه، والله أعلم؛ لأنه قد رُوي عنه ﷺ : «الماء طهور لا يُنجسه شيء، إلا ما غلب عليه فغير طعمه أو لونه أو ريحه». وهذا إجماع في الماء المتغير بالنجاسة، وإذا كان هذا هكذا، فقد زال عنه اسم الماء مطلقا. وقال ابن رشد ﵀ في «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» (١/ ٢٣): واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة، إما طعمه، أو لونه، أو ريحه، أو

стр. 75

أكثر من واحدة من هذه الأوصاف، أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور، واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغيّر أحد أوصافه، وأنه طاهر، فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب.
следующие страницы →