← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أحمده حمداً مترادفاً مستمراً، يقبله من عبده كلما ذكره، وأشكره شكراً متتابعاً متلازماً متواصلاً، ينوّر به للشاكر قبره. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أجرى الله بها للعبد أجره. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الذي بعثه بالإيمان، وعز بالفتح نصره، صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه، صلاة وسلاماً دائمين بكثرة، وبعد: فالعلم أفضل شيء يتبع، وأحسن ما به يتمتع وينتفع. وأجل العلوم شرفاً وقدراً، وأرفعها ذكراً وفخراً، وأظهرها عِلْماً وعلماً، وأكثرها حُكْماً وحكماً، وأبلغها ثواباً، وأربحها اكتساباً، وأرجحها فضيلةً، وأنجحها وسيلةً؛ علم الفقه الشريف، وأحكام الدين المنيف، والإشراف على سر المسائل الفقهية، والوقوف على الأقوال الشرعية. فعند ذلك وجبت إعانة قاصديه، وترغيب مجتهديه ومريديه. و لما رأيت «مختصر منتهى الإرادات» - أنزل الله تعالى على مؤلفه الرحمة والبركات - الموسوم ب «دليل الطالب لنيل المطالب» للشيخ العلامة الفريد، والعمدة الفهامة الوحيد، بحر الطالبين والمحققين، كنز العارفين والمدققين، الشيخ مرعي الحنبلي - تغمده الله المولى العلي بالرحمة والرضوان، وأسكنه فسيح الجنان، بمنه وكرمه وجوده وعِظَمِهِ وجدته مختصراً في غاية الاختصار، كثير المعاني، جليل الاعتبار، سبك فيه المسائل سبكاً، وفتك فيه بميادين البلاغة فتكاً. لكنه يحتاج إلى شرح يحل غوامض ألفاظه، ويوضح عباراته، ويعين قصاده وحُفَّاظه. فاستخرت الله الذي ما خاب من استخاره، ولا ندم

стр. 37

من التجأ إليه واستعانه واستجاره، وشمرت عن ساعد الاجتهاد بالإقدام، وانتصبت لفعل ذلك بأحسن قيام، مستعيناً بعون عناية المعين المنان، مستفيضاً من فيض فضل الفياض، مجزل الإحسان، متبعاً في ذلك سبيلاً سهلاً، وإن كنت لست لذلك أهلاً، وإنما ذلك حسب الطاقة والإمكان؛ لكوني لم أكن من فرسان هذا الميدان؛ وذلك لعجزي وتقصيري، وقلة جهدي وتبصيري، وإنما قصدت إعانة الطلاب، وإفادة ما تيسر من حل مشكلات هذا الكتاب. سائلاً من الله الإمداد بذوارف (١) الألطاف الخفية، والإعانة على تبيين أحكام المسائل بالإسعاف من رب البرية، وأن يعصمني من السهو والغلط والخطأ، ويمن علي من حسن البصيرة بمزيد العطاء، وأستغفر الله من خلل يصدر مني، ومن زلل يظهر عني، ومن عثرات تجلب الندم مما يطغى به القلم، ومن جهل يوجب العدم [عند] زلة القدم، راجياً فضل، فَمَنْ رأى شيئاً من عيوب تظهر الانفضاح، سده بتكرمه، وأسبل عليه ستر الإصلاح، ودفع بالتي هي أحسن، وإلى الخير هيأه، ليكن ممن أدرأ بالحسنة السيئة. وأستعيذ بالله من شر كل حاسد هالك، يحسد السالك لهذه المسالك، ويتغافل عما به من المحاسن والإفادة، ولا ينظر إلى قوله تعالى ويأبى الله إلا ما أراده (٢). والله المأمول أن يوفقني والمسلمين إلى سبيل الرشاد (٣)، ويمن

стр. 38

علي وعليهم بحسن السداد، وأن يكفينا شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، وحصائد ألسنتنا، وقبائح أفعالنا، بمنه وكرمه وجوده وفضله. وسميته: «مسلك الراغب لشرح دليل الطالب» راجياً من الله العظيم أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به بفضله، كما نفع بأصله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير. تنبيه في فضل الفقه والعلم، وفي الترغيب في طلب العلم، على ما يسره الله تعالى من مزيد لطفه، ومَنَّ بجمعه على عبده بجوده وعطفه فمن «تبصرة المبتدئ» للعلامة الفهامة الواعظ، صاحب الفوائد والفضائل والمواعظ، أبو الفرج عبد الرحمن ابن الجوزي البكري (١) - تغمده الله تعالى برحمته، وأسكنه غرف جنته - بسنده المتصل عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (٢)، عن رسول الله ﷺ أنه قال:

стр. 39

إِنَّ مثلَ العلماءِ في الأرضِ كمثلِ النجومِ في السماء، يُهتدى بها في ظلماتِ البَرِّ والبَحرِ، فإذا طُمِسَت - وفي نسخةٍ انطمَسَت - النجومُ أوشَكَ أن تَضِلَّ الهداةُ» (١). وروى ابن الحصين (٢)، عن صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب» (٣). وروى أبو داود، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «من سلك طريقاً يطلب فيهِ عِلمًا سلك اللهُ بهِ طريقاً إلى الجنةِ، وإنَّ العالمَ ليستغفرُ لهُ من في السماواتِ ومن في الأرضِ والحيتانِ في الماء، وإنَّ فضلَ العالمِ على العابدِ كفضلِ القمرِ ليلةَ البَدرِ على سائرِ الكواكبِ» (٤). وروي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «يوزَنُ مِدادُ العلماءِ مع دمِ الشهداء، فيرجحُ مِدادُ العلماءِ على دمِ الشهداء» (٥).

стр. 40

ومن كتاب «الترغيب» للعلامة القدوة الحافظ المنذري - تغمده الله تعالى برحمته الواسعة، وأسكنه جنته الفاسحة -. روى الطبراني، عن معاوية رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول ﷺ يقول: «يا أيها الناس! إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، وإنما يخشى الله من عباده العلماء» (١). ومن روايته أيضاً، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» (٢). ومن روايته أيضاً، عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قليل العلم خير من كثير العبادة، وخير دينكم الورع، وكفى بالمرء فقهاً إذا عبد الله، وكفى بالمرء جهلاً إذا أُعجب برأيه» (٣). وروى الترمذي، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له طريقاً إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر» (٤).

стр. 41

وروى ابن عبد البر النمري (١)، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلَّموا العلم؛ فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عباده، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع الله به أقواماً؛ فيجعلهم في الخير قادة وأئمة، تقتص آثارهم، ويُقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، يستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلغ العبد بالعلم منازل الأخيار، والدرجات العلا في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام، ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال والحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعه، يُلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء» (٢). وروى الإمام أحمد، عن صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنه، قال: «أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد، متكئ على بُرْدٍ له

стр. 42

أحمر، فقلت له: يا رسول الله! إني جئت أطلب العلم، فقال: مرحباً، إن طالب العلم لتحفه الملائكة بأجنحتها، ثم يركب بعضهم بعضاً، حتى يبلغوا السماء من محبتهم لما يطلب» (١). وروى الطبراني، عن عمر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اكتسب مكتسب مثل فضل علم يهدي صاحبه إلى هدى، أو يرده عن ردى، وما استقام دينه حتى يستقيم عمله» (٢). وروى ابن ماجه، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أبا ذر! لأن تغدو فتعلّم آيةً - وفي نسخة: تتعلم آيةً من كتاب الله - خير لك من أن تصلي مائة ركعة، ولأن تغدو فتُعَلِّم باباً من العلم - عُمل به، أو لم يعمل به خير من أن تصلي ألف ركعة» (٣). وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «من تعلم باباً من العلم ليعلم الناس، أعطي ثواب سبعين صديقاً» (٤). وروى أبو نعيم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من رجل تعلم كلمة أو كلمتين أو ثلاثاً

стр. 43

أو أربعاً أو خمساً، مما فرض الله ﷻ ، فيتعلمهن، ويعلمهن، إلا دخل الجنة» (١). وروى ابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علماً، ثم يعلمه أخاه المسلم» (٢). وروى ابن ماجه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «عليكم بهذا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يرفع، وجمع بين أصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام، هكذا، ثم قال: العالم والمتعلم شريكان في الخير، ولا خير في سائر الناس» (٣). وروى ابن ماجه، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه رضي الله تعالى عنهم، أن رسول الله ﷺ قال: «من علم علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل شيئاً» (٤). وروى الترمذي، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: «ذُكر لرسول الله ﷺ رجلان؛ أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم، ثم قال رسول الله ﷺ : إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرض،

стр. 44

حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت، ليصلُّون على معلمي الناس الخير» (١). وروى البزار، من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها - مختصراً قال: «معلم الخير يستغفر له كل شيء، حتى الحيتان في البحر» (٢). وروى الطبراني، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «يبعث الله العباد يوم القيامة، ثم يميز العلماء، فيقول: يا معشر العلماء! إني لم أضع علمي فيكم لأعذبكم، اذهبوا فقد غفرت لكم» (٣). وروى البيهقي، عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «يبعث العالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: اثبت حتى تشفع للناس بما أحسنت أدبهم» (٤). وروى الأصبهاني، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «يُجاء بالعالم والعابد، فيقال للعابد: ادخل الجنة، ويقال للعالم: قف حتى تشفع للناس» (٥).

стр. 45

ومن روايته أيضاً، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «فضل العالم على العابد سبعون درجة، ما بين كل درجتين حَضْرُ الفرس سبعين عاماً؛ وذلك لأن الشيطان يبتدع البدعة للناس، فيبصرها العالم، فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادة ربه، لا يتوجه لها، ولا يعرفها» (١). وَحَضْرُ - بحاء مهملة، وضاد معجمة - الفرس: عَدْوُه. وروى ابن ماجه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «فقيه واحدٌ أشد على الشيطان من ألف عابد» (٢). وروى الدارقطني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «ما عُبد الله بشيء أفضل من فقه في دين الله، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد، ولكل شيء عماد، وعماد هذا الدين الفقه» (٣). وقال أبو هريرة ﵁: «لأن أجلس ساعة فأفقه، أحب إلي من أن أحيي ليلة القدر» (٤)، وفي رواية البيهقي: «أحب إلي من أن أحيي ليلة إلى الصباح» (٥).

стр. 46

فصل فيما ورد في فضل التوجه لطلب العلم روى الترمذي، عن زر بن حبيش (١)، قال: «أتيت صفوان بن عسال رضي الله تعالى عنهما، قال: ما جاء بك؟ قال: أنبط العلم، قال: فإني سمعت من رسول الله ﷺ يقول: ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم إلا وضعت له الملائكة أجنحتها رضاً بما يصنع» (٢). وأنبط العلم: أي: أطلبه. وروى الإمام أحمد، عن قبيصة بن المخارق رضي الله تعالى عنه (٣)، قال: «أتيت النبي ﷺ فقال: يا قبيصة! ما جاء بك؟ قلت: كبر سني، ورق عظمي، فأتيتك لتعلمني ما ينفعني الله به، قال: يا قبيصة! ما مررت بحجر، ولا شجر، ولا مدر، إلا استغفر لك. يا قبيصة! إذا صليت الصبح فقل ثلاثاً: سبحان الله العظيم وبحمده،

стр. 47

تُعَافَى مِنَ العَمَى، وَالجُذَامِ، وَالفَالِجِ. يَا قَبِيصَةُ! قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْأَلُكَ مِمَّا عِنْدَكَ، وَأَفِضْ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ، وَانْشُرْ عَلَيَّ مِنْ رَحْمَتِكَ، وَأَنْزِلْ عَلَيَّ مِنْ بَرَكَاتِكَ» (١). وروى الطبراني، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيراً أو يعلّمه، كان له كأجر حاج تاماً حجته» (٢). وروى الطبراني، عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما انتعل عبد قط، ولا تخفّف، ولا لبس ثوباً في طلب علم، إلا غفر الله ذنوبه، حيث يخطو عتبة داره» (٣). والتخفف: هو لبس الخف. وروى الترمذي، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من خرج في طلب العلم، فهو في سبيل الله حتى يرجع» (٤). وروى أبو داود، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من غدا يريد العلم، يتعلمه الله، فتح الله له باباً إلى الجنة، وفرشت الملائكة أكنافها، وصلت عليه ملائكة السماوات، وحيتان البحر، وللعالم من الفضل كالقمر ليلة البدر على أصغر كوكب في السماء، والعلماء ورثة الأنبياء، إن

стр. 48

الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً، ولكنهم أورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظه، وموت العالم مصيبة لا تجبر، وثلمة لا تسد، وهو نجم طمس، موت قبيلة أيسر من موت عالم (١). وروى الطبراني، عن أبي الرُّدين رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من قوم يجتمعون على كتاب الله تعالى، يتعاطونه بينهم، إلا كانوا أضيافاً لله، وإلا حفتهم الملائكة، حتى يقوموا، أو يخوضوا في حديث غيره، وما من عالم يخرج في طلب علم مخافة أن يموت أو انْتِسَاخِه مخافة أن يَدْرُس (٢)، إلا كان كالغازي الرائح في سبيل الله تعالى الحديث (٣). فصل فيما ورد في اتصال أجر العلم بعد موت العالم روى مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٤). وروى أبو نعيم، عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال

стр. 49

رسول الله ﷺ : «سبع يجري للعبد أجرهن وهو في قبره بعد موته: علم علماً، أو كرى نهراً، أو حفر بئراً، أو غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو ورث مصحفاً، أو ترك ولداً يستغفر له بعد موته» (١). وكرى النهر: حفره. وروى مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: عِلْماً علَّمه ونشره، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلحقه من بعد موته» (٢). وروى الطبراني، عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما تصدق الناس بصدقة مثل علم ينتشر» (٣)، ونسخة: نشر. وروى ابن ماجه، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه رضي الله تعالى عنهم، أن رسول الله ﷺ قال: «من علَّم (٤) علماً فله أجر من عمل به، لا ينقص من أجر العامل شيئاً» (٥).

стр. 50

وروى مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، أن النبي ﷺ قال: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً» (١). فصل في مجالسة العلماء، وفي إكرام العلماء روى الطبراني، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا، قالوا: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: مجالس العلم» (٢). وروى أبو يعلى، عن ابن عباس - أيضاً - رضي الله تعالى عنهما قال: «قيل: يا رسول الله! أي جلسائنا خير؟ قال: من ذكركم الله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله» (٣). وروى البخاري، عن جابر رضي الله تعالى عنه: «أن النبي ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد - يعني: في القبر، ثم يقول: أيهما [أكثر] (٤) أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير إلى

стр. 51

أحدهما قدمه في اللحد» (١). وروى الطبراني، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مقسط» (٢). وروى أبو داود، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالي فيه ولا الجافي عنه» الحديث (٣). وروى الإمام أحمد، عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه». وروى الترمذي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنهم، أن رسول الله ﷺ قال: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» (٤). وروى الطبراني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «تعلّموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تَعَلَّمون منه» (٥).

стр. 52

فصل اعلم أنَّ العلمَ النَّافع: الَّذي في القلب، ويُراد به وجه الله تعالى، ولم يُقصد به رياء، ولا سُمعة، ولا دنيا، ولا مُجادلة النَّاس وتصغير وجوههم. روى ابنُ عبد البر النّمري، عن جابرٍ رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «العلم علمان: علمٌ في القلب؛ فذلك العلم النَّافع، وعلمٌ في اللسان؛ فذلك حُجَّةُ الله على ابن آدم» (١). وروى الدَّيلمي، عن أنسٍ رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «العلم علمان: فعلمٌ ثابتٌ في القلب؛ فذلك العلم النَّافع، وعلمٌ في اللسان؛ فذلك حُجَّةُ الله على عباده» (٢). ومن روايته - أيضاً - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا العلماء بالله، فإذا نطقوا به لا ينكره إلا أهل الغُرَّة بالله» (٣). فصل فيما ورد في تعلم العلم لغير وجه الله تعالى، وفي كتمه روى مسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من تعلَّم علماً ممَّا يُبتغى به وجه ، لا يتعلَّمه

стр. 53

إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة» (١)، يعني: ريحها. ومن روايته - أيضاً - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه - أيضاً في حديث، وفيه: «ورجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به، فَعَرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلمتُه، وقرأتُ فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت ليقال هو قارئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه، حتى ألقي في النار» الحديث (٢). وروى الترمذي، عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من طلب العلم ليجاري به العلماء، أو ليماري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار» (٣). وروى ابن ماجه، عن جابر رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تَعَلَّمُوا العلم لتباهوا به العلماء، ولا تماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار» (٤). وروى ابن ماجه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار» (٥)

стр. 54

وروى الطبراني، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في حديث، وفيه قال: «ورجل آتاه الله علماً، فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً، فذلك يلجم يوم القيامة بلجام من نار، وينادي مناد: هذا الذي آتاه الله علماً، فبخل به عن عباد الله، وأخذ عليه طمعاً، واشترى به ثمناً، وكذلك حتى يفرغ الحساب» (١). وروى ابن ماجه، عن النبي ﷺ قال: «ما من رجل يحفظ علماً، فيكتمه، إلا أتي يوم القيامة ملجوماً بلجام من نار» (٢). وروى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم، فكتمه، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار، ومن قال في القرآن بغير ما يعلم، جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار» (٣). وروى ابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين، الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» (٤). وروى الترمذي، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «من تعلم علماً لغير الله، أو أراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار» (٥).

стр. 55

وروى ابن ماجه، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «طلب العلم فريضة على كل مسلم، وواضع العلم عند غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب» (١). فصل في موت طالب العلم وروى الطبراني، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ : «من جاء أجله وهو يطلب العلم، لقي الله ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة» (٢). ومن روايته - أيضاً - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا جاء الموتُ طالب العلم وهو على هذه الحالة، مات وهو شهيد» (٣). فصل فيما ورد في من لم يعمل بعلمه، ونحوه روى الترمذي، عن صهيب، قال: قال رسول الله ﷺ : «ما

стр. 56

آمن بالقرآن من استحل محارمه» (١). وروى الترمذي، عن أبي برزة الأسلمي، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد [يوم القيامة] حتى يُسأل عن عمره فيما أفناه؟ وعن علمه فيما فعل فيه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن جسمه فيما أبلاه؟» (٢). وروى البيهقي، من حديث معاذ بن جبل، عن النبي ﷺ قال: «ما تزال (٣) قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه؟ وفيما أنفقه؟ وعن علمه ماذا عمل فيه؟» (٤).

стр. 57

قال المؤلف رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ افتتح كتابه بهذا الاسم الأعظم، الموصوف بكمال المبالغة في الرحمة (١)؛ اقتداءً بالفرقان المنزل على رسوله المفضل ﷺ وعَظَّم وكرَّم، وتبركاً بذكر اسم الباري ﷻ . والباء للملابسة، أو للاستعانة. وقيل: للتعدية (٢)؛ وعملاً بالحديث الشريف، من رواية الخطيب (٣)، من قوله ﷺ : «كل أمر ذي بال لا يُبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر» (٤)، أي: ذاهب البركة (٥). والرحمن أبلغ من الرحيم (٦)؛

стр. 58

لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى. وقدّم (١)؛ لأنه كالعلم، من حيث إنه لا يوصف به غيره تعالى؛ لأن معناه: المنعم الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها، وهو لا يصدق على غيره تعالى. (الحمد لله) الحمد في اللغة: الوصف الجميل الاختياري، على جهة التبجيل والتعظيم. وفي العرف: فعل ينبئ عن تعظيم المنعم، من حيث إنه منعم على الحامد، أو غيره. ابتدأ المصنف بذلك؛ تأسياً بالكتاب العزيز، ولقوله ﷺ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع» (٢). ومعنى ذي بال: أي: حال يهتم به. ومعنى أقطع: أي: ناقص البركة. وأل في الحمد: للجنس، أو الاستغراق، أو العهد. واللام في الله: للملك. واختير لفظ الجلالة دون بقية الأسماء؛ لأنه علم للذات، ومختص به، فيعم جميع أسمائه الحسنى، ولأنه اسم الله الأعظم عند أكثر العلماء. (رب) أي: المالك (العالمين) جمع عالم، وهو: كل ذي روح. وقيل: كل من كان له عقل يخاطب، مثل: بني آدم، والملائكة، والجن. (وأشهد) أي: أقر، وأعلم (أن لا إله) أي: لا معبود في الوجود بحق (إلا الله وحده) أي: المنفرد في ذاته (لا شريك له).

стр. 59

في ذاته، ولا صفاته، ولا أفعاله. وذكر التشهد؛ لخبر أبي داود من قوله ﷺ : «كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء» (١)، أي: قليلة البركة (مالك) قال - في التفسير - الليث السمرقندي (٢): «مالك الملوك، وأيضاً يعني: قاضي، وحاكم (يوم الدين) أي: يوم الحساب». و (أشهد أن محمداً) سُمي به ﷺ ؛ لكثرة خصاله المحمودة. ونقل عن بعض الحفاظ أنه سمي بهذا الاسم قبل النبي صلى الله عليه سبعة عشر إنسان (٣) (عبده) وهو القائم بحقيقة العبودية (ورسوله) هو: إنسان أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، وهو أخص من النبي (المُبَيِّن) أي: المظهر (لأحكام) جمع حكم، وهو في اللغة: القضاء، والحكمة. وفي الاصطلاح: خطاب الله تعالى المفيد فائدة شرعية (شرائع) جمع شرع، وهو ما شرعه الله تعالى من الأحكام (الدين) هو - أيضاً - ما شرعه الله تعالى من الأحكام، ويطلق على الإسلام، والملة (الفائز) أي: الظافر (بمنتهى) أي: بغاية (الإرادات) أي: المقاصد (من ربه) أي: من مالكه، كما تقدم (٤) (فمن تمسك) أي: استعصم (بشريعته) أي: بأحكامه (فهو من الفائزين) أي: من الظافرين:

стр. 60

(صلى الله) قال الأزهري (١): «الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التضرع والدعاء». واختار ابن القيم رحمه الله تعالى في «جلاء الأفهام» (٢) أن صلاة الله تعالى عليه: ثناؤه عليه، وإرادة إكرامه، برفع ذكره ومنزلته، وتقريبه. وأن صلاتنا نحن عليه: سؤالنا الله تعالى أن يفعل ذلك به. ورد قول من قال صلاته عليه: رحمته ومغفرته من خمسة عشر وجهاً. وتستحب الصلاة عليه ﷺ وتتأكد كلما ذكر اسمه. وقيل: تجب (٣). وكذا في ليلة الجمعة ويومها. وهي ركن في التشهد الأخير في الصلاة، وخطبتي الجمعة. روى الطبراني، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى عليَّ في كتاب، لم تزل الملائكة تستغفر له، ما دام اسمي في ذلك الكتاب» (٤). (وسلم عليه) من السلام، وهو التحية، أو السلامة من النقائص والرذائل. نقل شيخنا قدوة المحققين، وكنز المدققين، الشيخ منصور

стр. 61

البهوتي الحنبلي - تغمده برحمته (١) في «حاشيته على الإقناع»: «تجوز الصلاة على غير الأنبياء منفرداً على الصحيح، نص عليه (٢). قاله في «شرح التحرير»، قال: وظاهر سياقه فيه لا يكره إفراد الصلاة عن السلام عندنا. وفي «المبدع»: مكروه» (٣). (وعلى جميع الأنبياء) جمع نبي، وهو إنسان أوحي إليه بشرع، ولم يؤمر بتبليغه (٤). (والمرسلين) جمع مرسل، ومعناه تقدم (٥)، (وعلى آل كل) أي: آل كل نبي ومرسل. والآل على الصحيح من المذهب: الأتباع على الدين. وقيل: مؤمنو بني هاشم، وبني المطلب، وبني عبد مناف. وقيل: أهله. (وصحبه أجمعين) أي: صحب كل. والصحب: اسم.

стр. 62

جمع. والصحابي هو: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمناً، ومات على ذلك، أو رآه بعد البعثة. وعطفه على الآل من عطف الخاص على العام. والجمع بينهما ردّاً على الشيعة؛ لكونهم يوالون الآل دون الصحب. وقدم الآل؛ لما ورد من قوله ﷺ في حديث كعب: «نصلي عليك؟» (١)، كما يأتي الحديث في كتاب الصلاة في أحكام التشهد الأخير (٢). (وبعد) كلمة يؤتى بها للانتقال من أسلوب إلى أسلوب آخر استحباباً في الخطب والمكاتبات؛ لفعله ﷺ في خطبه، وشبهها. وهي ظرف زمان، وقد تستعمل ظرف مكان. (فهذا) إشارة إلى ما استحضره المؤلف في ذهنه، وأقامه مقام الموجود بالعيان، (مختصر) وهو: ما قل لفظه، وكثر معناه، (في الفقه) هو في اللغة: الفهم. وفي الاصطلاح: معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بالفعل، أو القوة القريبة. وقيل: هو الأحكام المذكورة نفسها، (على المذهب) هو في الأصل مصدر، أو اسم

стр. 63

مكان، أو زمان، بمعنى: الذهاب، أو مكانه، أو زمانه، ثم نقل إلى ما قاله الإنسان بدليل (١)، ومات قائلاً به، وكذا ما أجري مجرى ما قاله (٢)، (الأحمد) أي: الأرضى الله تعالى ﷻ ، (مذهب الإمام) أي: المقتدى به، هو: أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان - بالياء المثناة من تحت - بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هِنْب - بكسر الهاء وإسكان النون وبعدها موحدة - بن أفصى - بالفاء والصاد المهملة - بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان الشيباني المروزي البغدادي. هكذا ذكره الحافظ الخطيب وغيره (٣). ولد في بغداد سنة أربع وستين ومائة. وتوفي ببغداد يوم الجمعة، ثاني عشر ربيع الأول، والأشهر ربيع الآخر، سنة إحدى وأربعين ومائتين، وسنه سبع وسبعون سنة، أسلم يوم موته عشرون ألفاً من اليهود والنصارى والمجوس. ومناقبه كثيرة ومصنفاته: «المسند» ثلاثون ألف حديث، و «التفسير» مائة وخمسون ألفاً، و «الناسخ والمنسوخ»، و «التاريخ»، و «المقدم والمؤخر في القرآن»، و «جوابات القرآن»، و «المناسك الكبرى، والصغرى» (٤).

стр. 64

(بالغت) المبالغة: ضد التقصير، أي: ما قصرت (في إيضاحه) أي: في بيانه (رجاء) أي: مؤملاً من الله تعالى (الغفران) أي: تغطية الذنب، وستره (وبينت) أي: أظهرت (فيه) أي: في المختصر (الأحكام) جمع حكم، وتقدم معناه (١) (أحسن بيان) أي: أظهر بيان. (لم أذكر) الذكر بمعنى: التلفظ، وهنا بمعنى الوضع (فيه إلا ما جزم) أي: قطع الأصحاب (بصحته) من الأقوال الصحيحة، مع ترك الضعيف، وذلك ما صححه (أهل التصحيح) للمذهب (والعرفان) قال في الصحاح: «العارف بمعنى: عليم، وعالم (وعليه الفتوى) أي: المفتى به (فيما بين) أي: عند (أهل الترجيح) قال في الصحاح: «رجح» أي: مال، وهو ما مال إليه الأصحاب في الصحة من الفتوى به (٢)، على قول واحد (والإتقان) قال في الصحاح: «إتقان الأمر: إحكامه» (وسميته) من الوسم، وهو العلامة (بدليل) وهو ما يستدل به (الطالب) أي: القاصد (لنيل) أي: لإصابة (المطالب) جمع مطلب، وهو الشيء المتباعد، الذي لم ينل (٣) إلا بطلب (والله أسأل) أي: أطلب من الله تعالى (أن ينفع به من اشتغل) أي: من تلبس بطل (به، وأن يرحمني) أي: يجعلني في رحمته الواسعة التي

стр. 65

وسعت كل شيء (والمسلمين، إنه أرحم الراحمين) أي: أرحم من كل راحم.

стр. 66

[كتاب الطهارة] (كتاب) هو خبر لمبتدأ محذوف، تقديره هذا كتاب، وهو مصدر كالكتب، والكتابة بمعنى الجمع، ومنه الكتيبة - بالمثناة من فوق - للجيش، والكتابة بالقلم بجمع الكلمات والحروف. والقصد به هنا: المكتوب، الجامع لمسائل الطهارة؛ من بيان أحكامها، وما يوجبها، وما يتطهر به، ونحو ذلك. بداءة المصنف به اقتداءً بالأئمة؛ كالشافعي رضي الله تعالى عنه؛ لأن أكد أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة، والطهارة شرطها، والشرط مقدم على المشروط. وقد يقال: حيث إن من الأولوية البداءة بما هو آكد، فالبداءة بأحكام الشهادتين أولى؟ الجواب: أن الشهادتين مندرجتان (١) في ضمن الطهارة معنى؛ لأنهما طهارة الباطن، فحصلت البداءة بهما ضمناً. وبدأوا أيضاً بربع العبادات؛ اهتماماً بالأمور الدينية، والمعاملات على النكاح؛ لأنه سبب ضروري يتساوى فيه الكبير والصغير، وشهوة الأكل والشرب مقدم على شهوة النكاح، والنكاح على المخاصمات والجنايات؛ لأن وقوعها لا يكون إلا بعد فراغ شهوة البطن والفرج.

стр. 67

(الطهارة) مصدر طَهُر، وهو فعل لازم يتعدى بالتضعيف، فيقال: طَهَّرتُ الثوب. وهي لغةً: النظافة، والنزاهة عن الأقذار، حسية كانت كالنجاسات أو معنوية كالحسد، ونحوه (١)؛ لأنه روي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه: «كان النبي ﷺ إذا دخل على مريض قال: لا بأس طهور إن شاء الله» (٢) أي: مطهر من الذنوب. (وهي) أي: الطهارة (رفع) أي: زوال (الحدث) هو وصف حال بالبدن، مانع لصحة الصلاة، والطواف، ومس المصحف، والقراءة، واللبث في المسجد، إن كان أكبر. وما في معنى الحدث: الحادث بغسل الميت، والوضوء والغسل المستحبين، وغسل يدي القائم من نوم الليل، وما زاد على المرة الأولى في الوضوء، ونحو ذلك؛ وهو ما يوجب وضوءاً، ويوصف بالأصغر، وما يوجب غسلاً، ويوصف بالأكبر. والحدث ليس بنجاسة. (وزوال الخبث) أي: النجاسة الطارئة على محل طاهر، أو حكمها، بالاستجمار، أو التيمم، سواء كان بفعل؛ كغسل المتنجس، أو بنفسه؛ كزوال تغير الماء، وانقلاب الخمرة خلاً. (وأقسام الماء ثلاثة) باعتبار ما نوعه الشرع (أحدها) (طهور) أي: مطهر (وهو) أي: الماء (الباقي على خلقته) أي: صفته التي خلق عليها حقيقة (٣)؛ وهو الذي لا يطرأ عليه شيء،

стр. 68

أو حكماً؛ وهو الذي يطرأ عليه، لكن لا يسلبه الطهورية؛ كالمتغير بطول المكث، والطحلب (١)، ونحوه. (وهو) أي: الماء الطهور (أربعة أنواع): أحدها: ال (ماء) الذي (يحرم) أي: لا يجوز استعماله، ولا يرفع الحدث، ويزيل الخبث، وهو ال (ماء) المغصوب، أو ثمنه (ليس) ب (مباح) وكذا المُسَبَّل، لا يرفع الحدث. الثاني: (و) هو بقية ال (ماء) الذي (يرفع حدث الأنثى، لا) يرفع حدث (الرجل) البالغ، و) لا حدث (الخنثى، وهو ما) كان دون القلتين، الذي خلت به المرأة المكلفة ولو كافرة، حيث لم يشاهدها أحد (الطهارة كاملة عن حدث) لنهي النبي ﷺ «أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» رواه أبو داود (٢). وهو أمر تعبدي؛ لامتثال أمر الشارع، ولكن لم يعقل معناه؛ لأنه لا يظهر وجهه، لا أنه الذي لا وجه له؛ لأن لكل حكم وجهاً. وأما الخبث، فيزيله، وأيضاً يرفع حدث المرأة، والصبي. والرجل إذا لم يجد غيره، استعمله، وتيمم. الثالث: (و) هو (ما يكره استعماله مع عدم الاحتياج إليه) وأما مع الحاجة، فلا يكره (وهو ماء بئر بمقبرة) لما كرهه الإمام. قاله في «الفروع» في الأطعمة (و) يكره أيضاً استعمال (ما اشتد حره، أو) اشتد (برده) لعدم كمال الطهارة به (أو سخن الماء (بنجاسة) ما لم يتحقق وصول دخان النجاسة إلى الماء، فإنه ينجس

стр. 69

به. ذكره في «شرح المقنع»؛ لأن الاستحالة لا تطهر على المذهب (أو سخن) الماء (ب) شيء (مغصوب. و) يكره أيضاً استعمال قليل ما (استعمل في طهارة لم تجب كتجديد وضوء، والغسلة الثانية والثالثة في الوضوء، والأغسال المستحبة؛ للخلاف في سلبه الطهورية (١)، (و) يكره أيضاً ما استعمل في غسل كافر) لأن الكافر ليس له نية (و) كذا يكره استعمال الماء الم (تغير ب) ال (ملح) ال (مائي) وأما المتغير بالملح المعدني، يصير طاهراً غير مطهر (و) يكره أيضاً استعمال الماء المتغير (بما لا يمازجه) أي: بما لا تختلط أجزاؤه في الماء (كتغيره بالعود القماري) نسبة إلى قمار، بلدة بالهند (٢) (و) ب (قِطَع الكافور (٣)، و) ب (الدهن) والسمن، والزيت، ونحوه؛ لأنه لا يمازج الماء، وكراهيته؛ خروجاً من الخلاف (٤).

стр. 70

(ولا يكره) استعمال (ماء زمزم) في رفع الحدث؛ لفعله ﷺ (١) (إلا) أي: لكن يكره استعماله (في إزالة الخبث). الرابع: (و) هو (ما لا يكره) استعماله (كماء البحر، والآبار، والعيون، والأنهار، والحمام)؛ لأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم دخلوا الحمام، ورخصوا فيه (٢). قال في «المبدع»: «الرخصة تشتمل الموقودة بالطاهر والنجس» (و) لا يكره استعمال الماء المسخن بالشمس، و (لا يكره استعمال الماء المتغير بطول المكث) أي: بطول الإقامة في مقره (أو) بتغير الماء (ب) مرور (الريح) عليه (من نحو ميتة) بجانبه (أو بما) أي: بشيء (يشق صون) أي: احتراز (الماء عنه، كـ) ــال (طحلب، وورق) ال (شجر) إذا سقط بنفسه (ما لم يوضع) ذلك قصداً، فيصير بتغيره طاهراً. القسم (الثاني) من أقسام الماء: ال (طاهر) غير المطهر (يجوز استعماله في) شرب، وطبخ، وعجن، ونحوه (غير رفع الحدث، وزوال الخبث) لأنه لا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث (وهو) أي: الطاهر: (ما تغير كثير من لونه، أو طعمه، أو ريحه ب) مخالطة (شيء طاهر) مطبوخ فيه، أو لا؛ كباقلاء (٣)، وحمص، وزعفران، ولبن، ونحوه. لا يسير من أحد هذه الأوصاف، فإنه لا يضر. وأما اليسير من الأوصاف الثلاث، فيضر.

стр. 71

(فإن زال تغير الماء منه بنفسه، عاد) أي: رجع إلى طهوريته فيرفع الحدث، ويزيل الخبث. (ومن) الماء (الطاهر) أيضاً (ما كان قليلاً، واستعمل في رفع) ال (حدث، أو انغمست فيه) أي: في الماء القليل (كل) أي: جميع (يد المسلم) غير الكافر (المكلف) غير البالغ، والمجنون (النائم ليلاً) غير النائم نهاراً (نوماً كثيراً ينقض الوضوء) لا يسيراً، من قائم، أو جالس (قبل غسلها) أي: اليد (ثلاثاً) لحديث: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثاً» (١) (بنية، وتسمية، وذلك) أي: المذكور من التسمية، وغسل اليد (واجب)، وأما النية فشرط فيه، وتسقط التسمية سهواً، قال شيخنا في «شرحه على المنتهى»: «قلت: وجهلاً، وأما النية فهي شرط في غسل اليدين». القسم (الثالث) من أقسام الماء: (نجس) النجس لغةً: ما يستقذره ذو طبع سليم. وعُرفاً: كل عين حرم تناولها لذاتها، لا لحرمتها - كصيد الحرم، وكالطيب، ونحوه للمحرم - ولا لضررها - كالسمِّيَّات للبدن، والبنج، ونحوه للعقل .. والنجاسة قسمان: قسم نجاسته عين: فلا يطهر بحال. وقسم حكمي وهو: الطارئ على محل طاهر، يطهر بتطهيره. (يحرم استعماله) أي: استعمال الماء النجس (إلا لضرورة) كلقمة (٢) غص بها، أو لعطش محترم (ولا يرفع الحدث، ولا يزيل الخبث وهو) أي: ال (ماء الذي وقعت فيه) ال (نجاسة، وهو) ال (قليل) الذي دون (١) لقلتين.

стр. 72

(و) أما لو (كان) الماء (كثيراً) يبلغ القلتين (وتغير بها) أي: بالنجاسة (أحد أوصافه) الثلاثة؛ اللون، والطعم، والريح (فإن زال تغير) النجاسة منه بنفسه، أو بإضافة ماء (طهور) كثير (إليه) أي: إلى المتغير بالنجاسة بحسب الإمكان عرفاً، بصب الماء الكبير (١)، وإن لم يتصل الصب (أو) زال تغيره (بالنزح منه، ويبقى بعد النزح منه كثير) يبلغ قلتين (طهر) أي: طهر به ولا يجب تطهير جوانب بئر نزحت؛ للمشقة. (والكثير قلتان تقريباً) لا تحديداً، فلا يضر نقص كرطل، ورطلين. وهما تثنية قُلَّة، وهي: اسم لكل ما ارتفع وعلا. والمراد هنا: الجرة الكبيرة، وسميت قُلَّة؛ لارتفاعها وعلوها، أو لأن الرجل العظيم يقلها بيده، أي: يرفعها. والتحديد وقع بقلال هجر - قرية كانت قرب المدينة (٢)؛ لما روى الخطابي (٣)، عن ابن هرمز، عن النبي ﷺ مرسلاً: «إذا كان الماء قلتين بقلال هجر» (٤). (واليسير ما دونهما) أي: ما دون القلتين (وهما خمسمائة

стр. 73

رطل بـ) ـالرطل (العراقي (١)، وثمانون رطل وسبعان) من رطل (ونصف سبع رطل با) لأرطال القدسية (٢)، وما وافق ذلك من البلدان، وأربعمائة وستة وأربعون رطلاً وثلاثة أسباع رطل بالأرطال المصرية (٣)، وما وافق ذلك من البلدان. (ومساحتهما) أي: القلتين مما يسعهما مربعاً: (ذراع (٤) وربع طولاً، و) ذراع وربع (عرضاً، و) ذراع وربع (عمقاً) وذلك بذراع اليد من المعتدل. (فإذا كان الماء الطهور كثيراً) يبلغ قلتين (ولم يتغير بالنجاسة) لأن حكم المتغير تقدم (فهو) أي: الذي لم يتغير (طهور، ولو مع بقائها) أي: النجاسة (فيه) أي: في الماء الكثير (وإن شك) أي: تردد (في كثرته) أي: كثرة الماء الذي فيه النجاسة (فهو نجس) لأن اليقين كونه دون القلتين (وإن اشتبه ما) ء طهور

стр. 74

(تجوز به الطهارة بماء) نجس، أو مغصوب (لا تجوز) به الطهارة (لم يتحر) أي: لم يجتهد (و) يعدل إلى الـ (ـتيمم بلا إراقتـ) ـــهما، وإن صلى لم يعد. وإن شك في نجاسة الساقط في الماء القليل، فهو طاهر؛ لعدم التنجيس بالشك. وإن شك في طهور وطاهر، توضأ من كل واحد منهما غرفة. وكذا حكم الاغتسال. (ويلزم من علم بنجاسة شيء) من ماء، وغيره (إعلام من أراد أن يستعمله) ومن أصابه ماء، ولا أمارة على نجاسته، كره سؤاله عنه. نقله صالح (١).

стр. 75

باب [الآنية] (باب) الباب هو: ما يدخل منه إلى المقصود، ويتوصل منه إليه. وهو قسمان: حسي، ومعنوي؛ فالحسي: كباب الدار، والمسجد، وما يدرك بالحواس. والمعنوي: كباب (الآنية) ونحوها. والآنية لغة، وعرفًا: الأوعية، وهي ظرفًا للماء، ونحوه. يباح اتخاذ كل إناء طاهر، و يباح (استعماله، ولو) كان الإناء (ثميناً) كجوهر، وياقوت (١)، ونحوه؛ لأنه لا يعرفه إلا خواص الناس، فلا يؤدي إلى الخيلاء، وكسر قلوب الفقراء (إلا آنية الذهب والفضة) حتى الميل (٢)، ونحوه، فيحرم استعمالها، واتخاذها على هيئة الاستعمال، للذكر والأنثى. بخلاف الحلي، فيباح للأنثى؛ لما روي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة» (٣)، وروت
следующие страницы →