← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الحرث، وآلة الحداد، والحصَّادِ، ونحوه، والعارضة لسقف المَحْمَل (١)، والمسانِدِ من القائمتين التي تُنصَبُ البكرة عليهما، والعارضة بين القائمتين والمسند (٢)؛ لحديث أحمد، عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبيَّ ﷺ لما حَرَّم المدينة قالُوا: إِنَّا أصحاب عمل وأصحاب نضْحٍ، وإنا لا نستطيعُ أرضاً غير أرضنا، فرخّصْ لَنا! فقال: «القَائِمَتَانِ، والوِسَادَةُ (٣)، وَالعَارِضَةُ، وَالمَسْنَدُ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» (٤). والمسند: عود البكرة. ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها للعلف؛ لحديث علي مرفوعاً: «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عِيْرِ إِلَى ثَوْرٍ لَا يُخْتَلَى خَلَالُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ

стр. 597

«بَعِيرَهُ» (١)، رواهُ أبو داودَ - و «عِيْرٌ» و «ثَوْرٌ» جبلان بالمدينة. ومن أدخل إلى المدينة صيداً فلهُ إمساكهُ، وذبحه، نص عليه؛ لقول أنس (٢). ولا جزاء في صيدها، وشجرها، وحشيشها. قالَ الإمامُ أحمد: «لم يبلغنا أنَّ النبيَّ ﷺ ، ولا أحداً من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء نسك، ولا لذبح الهدايا» (٣). تنبيه: حدُّ حرمها ما بين «جبل ثور (٤)» إلى «جَبل عير (٥)»؛ لحديث عليٍّ المتقدم: «حَرَمُ المَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عِيْرٍ». متفق عليه. وهو: ما بين لابتيها؛ لحديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». متفق عليهِ (٦). واللابةُ: الحرة، أي: أرضٌ تركبها حِجارةٌ سُودٌ. وَقَدْرُه: بريد في

стр. 598

بريد (١)، نصاً (٢)، وجعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى. رواه مسلم عن أبي هريرة (٣). والحمى: المكانُ الممنوع من الرعي. (ويجزئ) في الفدية، وفي جزاء الصيد، وفي النذر، (عن البدنة بقرة)؛ لقول جابر: «كنا ننحر البدنة عن سبعة»، فقيل له: والبقرة؟ فقال: «وهل هي إلا من البدن». رواه مسلم (٤). (كعكسه) أي: كما أن البدنة تجزئ عن البقرة. (ويجزئ) عن كل واحدة منهما سبع شياءٍ، و (عن سبع شياه بدنة أو بقرة)، سواء وجد الشياه، أو عدمها؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمتعون، فيذبحون البقرة عن سبعة، قال جابر: «أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلَّ سبعة منَّا في بدنة». رواه مسلم. وذكر جماعة: أن البدنة لا يجزئ عن البقرة، ولا عن سبع شياه. (والمراد بالدم الواجب) المطلق غير المقيد، وهوَ: (ما يجزئ في الأضحية)، فإن قيد بنحر بدنة، أو بقرة تقيد. والمجزئ في الأضحية: (جذع ضأن) له ستة أشهرٍ (أو ثني معز) له سنةٌ، أو سُبُعُ بدنةٍ، أو سبع (بقرة)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ

стр. 599

الْهَدْيُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابن عباس: «شاة، أو شرك في دم» (١)، وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فسَّرَ ﵊ النسك في حديث كعب بن عُجرةَ بذبح شاة، وقيس على ما في الآيتين - من دم التمتع، ومن دم تغطية الرأس - الباقي من فدية الطيب، واللبس، ونحوه. (فَإِنْ ذَبَحَ) من وجب عليه الدم المطلقُ (إِحْدَاهُمَا) أي: البدنة، أو البقرة، عن الدم المطلق فَهو (أَفْضَلُ)؛ لأنها أوفر لحماً، وأنفع للفقراء. (وَتَجِبُ كُلُّهَا) أي: البدنة أو البقرة؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه، فكان كله واجباً. تتمة: كل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام - كجزاء صيد، وما وجب من فدية لترك واجب، أو لفوات حجّ، أو وجب بفعل محظور - يكونُ ذبحه في الحرم، وكذا هدي تمتع، وقران، ومنذور. أما الهدي؛ فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وأما جزاء الصيد؛ فلقوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما ما وجب لترك واجب، أو فواتِ حجّ؛ فلأنه هدي وجبَ لترك نسكٍ، أشبه دم القران والإطعام في معنى الهدي؛ يلزم ذبحه في الحرم. ويجزئه الذبح في جميع الحرم، وروي عن جابر مرفوعاً: «كُلُّ فِجَاج مكة طَرِيقٌ وَمَنْحَرُ». رواه أحمد (٢). ورواه مسلم بلفظ: «مِنّى (٣)

стр. 600

كُلُّهَا مَنْحَرٌ» (١)، وإنما أرادَ: الحرم؛ لأنه كلُّه طريقٌ إليها. والفج: الطريق. قال الإمام أحمد: «مكة ومنى واحد» (٢). ويلزم تفرقة لحمه في الحرم، أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكين الحرم من المسلمين، إن قدر على إيصاله إليهم بنفسه، أو بمن يرسله معه؛ لأن المقصود من ذبحه بالحرم: التوسعة عليهم، ولا يحصل ذلك بإعطاء غيرهم. وكذا الإطعام. قال ابن عباس: «الهدي والإطعام بمكة (٣)، ولأنه ينفعهم؛ كالهدي. ومساكين الحرم: من كان مقيماً به، أو وارداً إليه، من حاج وغيره، ممن له أخذُ زكاة لحاجة، ولو بانَ غَناؤه بعد دفعه ظاناً أنه فقير؛ كزكاة. والأفضل: أن يذبح ما وجب بحجّ بمنى، وينحر ما وجب بعمرة بالمروة، خروجاً من خلافِ الإمام مالك ومن تبعه (٤). وإن سلم الهدي حيّاً لمساكين الحرم، فإن نحروه أجزاً، وإلا استرده ونحره؛ لوجوب نحره. فإن أبى أن يسترده، أو عجز عن استرداده منهم ضمنه

стр. 601

لمساكين الحرم. ومن لزمه هدي، فتعذَّر إيصاله لمساكين الحرم بنفسه، أو بمن يرسله معه، نحره حيثُ قدر، ويفرّقه بمحل منحره؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وفدية الأذى عن حلق رأس، وفدية طيب، ولبس، وتغطية رأس، وسائر ما وجبَ بفعل محظور فعله خارج الحرم - ولو لغير عذر - يفرِّقُها - من هدي وطعام - حيثُ وُجِدَ السبب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ أمر كعب بن عجرة بالفدية بالحديبية (١)، وهي من الحلّ، واشتكى الحسين ابن الإمام عليٍّ رأسه، فحلقه عليٌّ، ونحر عنه جَزُوراً بالسُّقْيَا. رواه مالك (٢)، وله تفرقتها بالحرم؛ كسائر الهدايا. ووقت ذبح فدية الأذى، واللبس، ونحوهما، حينَ فِعْلِه، وله الذبح قبله إذا أراد فعله لعذر. وكذلك ما وجب من الفدية لترك واجب. ودم الإحصار يخرجه حيثُ أحصر، من حلّ أو حرم؛ لقوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. والصوم وحلق الرأس يجزئ بكل مكان؛ لقول ابن عباس: «الهدي والإطعام بمكةَ، والصومُ حيثُ شَاء»، ولأنه لا يتعدى نفعه لأحد، فلا فائدة بتخصيصه بالحرم، ولعدم الدليل عليه.

стр. 602

(بَابٌ) (أَرْكَانُ الحَجِّ وَوَاجِبَاتِهِ) أي: واجبات الحج. (أَرْكَانُ الحَجِّ أَرْبَعَةٌ): (الأَوَّلُ) منها: (الإِحْرَامُ) من الميقات المعتد له (١)، غير من أحرم متمتعاً؛ لأن المتمتع يحرم بالحج من موضعه. (وَهُوَ: مُجَرَّدُ النِّيَّةِ) أي: نيةُ النُّسكِ، وإن لم يتجرد من ثيابه المحرَّمة على المحرمِ (فَمَنْ تَرَكَهُ) أي: ترك نيةَ الإِحْرَامِ (لَمْ يَنْعَقِدْ حَجَّهُ)؛ لتركه الركن. (الثَّانِي: الوُقُوفُ بعرفة)؛ لحديث: «الحَج عرفةَ، فَمَنْ جَاءَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعِ فَقَدْ تَمَّ حَجَّهُ». رواه أبو داود (٢) (وَوَقْتُهُ) أي: وقت الوقوف بعرفة (مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ عرفةَ، إِلَى طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ النَّحْرِ)؛ لما تقدم من الحديث المذكور. (فَمَنْ حَصَلَ فِي هَذَا الوَقْتِ بعرفة) ولَو (لَحْظَةً وَاحِدَةً وَ) كان (هُوَ) من (أَهْلِ) الوقوفِ مسلماً، عاقلاً، محرماً بالحج (وَلَوْ) كَانَ (مَارًّا) بها، (أَوْ نَائِماً، أَوْ حَائِضاً، أَوْ جَاهِلاً) ب (أَنَّهَا عَرَفَةُ صَحَ حَجُّهُ) وأجزأه عن

стр. 603

حجة الإسلام إن كان حراً بالغاً، وإلا فنفل؛ لعموم قوله ﷺ : «وَقَدْ أَتَى عرفة قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً» (١) (لَا) أي: لا يصح الوقوف (إنْ كَانَ سَكْرَاناً، أَوْ مَجْنُوناً، أَوْ مُغْمَى عَلَيْهِ) لعدم العقل، إلا أن يفيقوا وهم بعرفة قبل خروج وقت الوقوف. (وَلَوْ وَقَفَ النَّاسُ كُلُّهُمْ) أي: كلُّ الحجيج، (أَوْ) وقف الحجيج (كُلُّهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) منهم (فِي الْيَوْمِ الثَّامِنِ) من ذي الحِجَّة (أق) اليوم (العَاشِرِ خَطَأً) لظنّهم أنه يوم عرفة (أَجْزَأَهُمْ) ذلك الوقوف، نصاً (٢)؛ لما رواه الدارقطني عن عبد العزيز بن جابر بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : «يَوْمُ عرفةَ اليَوْمُ الَّذِي يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ» (٣). ومن روايته أيضاً عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «فِطْرُكُمْ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَأَضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ» (٤). وإن أخطأ دون الأكثر فاتهم الحج؛ لأنهم لم يقفُوا في وقته، وأما الأكثر فقد ألحق بالكُلِّ في مواضع (٥)، فكذا هنا، على ظاهر كلام «الانتصار» (٦)

стр. 604

وغيره (١). وفي «المقنع»: «وإن أخطأ بعضُهم فقد فاتهم الحج»، قال في «الإنصاف»: «هذا المذهب، وعليه الجمهور»، ولم يخالفه في التنقيح (٢)، وجزَمَ به في «الإقناع» (٣)، قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «وهل هو يوم عرفة باطناً؟ فيه خلاف في مذهب الإمام أحمد بناءً على أن الهلال اسم لما يطلع في السماء أو لما يراه الناس ويعلمونه؟ وفيه خلاف مشهور في مذهب الإمام أحمد وغيره»، قال: «والثاني هو الصواب» (٤). تنبيه: قال الشيخ تقي الدين: «لا يستحبُّ الوقوف مرتين، وهو بدعة لم يفعله السلف، فعلم أنه لا خطأ». وقال: «فلو رآه طائفة قليلة لم ينفردوا بالوقوف، بل الوقوف مع الجمهور». قال في «الفروع»: «ويتوجه وقوف مرتين إن وقف بعضهم، لا سيما من رآه. وصرح جماعة: إن أخطؤوا لغَلَط في العدد، أو في الرؤية، أو في الاجتهاد في الإغمام - أي: الغيم - أجزأه، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وغيره». (الثَّالِثُ: طَوَافُ الإِفَاضَةِ) سُمي بالإفاضة؛ لأنه يُفعَلُ بعد الإفاضة من منى، ويسمى: «طواف الزيارة» أيضاً، وسمي بالزيارة؛ لأنه يأتي [من] منى فيزور البيت، ولا يقيم بمكة، بل يرجع إلى

стр. 605

منى. قال ابن عبد البر (١): «هو من فرائض الحج، لا خلاف في ذلك بين العلماء» لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. ويعيّنُه بِنِيَّةٍ (وَأَوَّلُ وَقْتِهِ) أي: وقت طواف الإفاضة (مِنْ) بعد (نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ)؛ لما تقدم من حديث أبي داود (٢) (لِمَنْ وَقَفَ) بعرفة؛ لفعله ﷺ ذلك بعد الوقوف. (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكُنْ وَقفَ فوقتُه (بَعْدَ الوُقُوفِ) بعرفة، فإن فعله قبله فلا يعتد به. وفعله يوم النحر أفضل؛ لفعله ﷺ (وَلَا حَدَّ) أي: لا انتهاء (لآخِرِهِ) أي: آخر وقته (٣). (الرَّابِعُ: السَّعْيُ) لحديث أبي هريرة: «أن النبي ﷺ لما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه .. » الحديث (٤). فيسعى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ لأنه يجب استيعاب ما بينهما؛ لفعله ﵊ (٥). (وَوَاجِبَاتُهُ) أي: واجبات الحج (سَبْعَةٌ): الأول: (الإِحْرَامُ مِنَ المِيْقَاتِ) كما تقدم في باب الإحرام. (و) الثاني: (الوُقُوفُ) بعرفة (إِلَى الغُرُوبِ) أي: غروب

стр. 606

الشمس؛ لحديث: «مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَاتٍ بِلَيْلٍ فَقَدْ أَدْرَكَ الحَجَّ» (١) (لِمَنْ وَقَفَ نَهَاراً ولم يقف ليلاً. فعليه لعدم وقوفه ليلاً دم؛ لتركه الواجب. بخلاف من وقف ليلاً فقط، فلا دم عليه. (وَ) الثالث: (المَبِيْتُ لَيْلَةَ النَّحْرِ بِمُزْدَلِفَةَ)، وسميت مزدلفة من الزَّلَفِ، وهو التقرب؛ لأن الحاج يتقرب إليها. (إِلَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ)؛ لخبر ابن عباس (٢). (وَ) الرابع: (المَبِيْتُ بِمِنّى فِي لَيَالِي) أيام التشريق)؛ لحديث ابن عباس قال: «لم يرخص النبي ﷺ الأحد يبيتُ بمكة إلا للعباس؛ لأجل سقايته» (٣). رواه ابن ماجه. (وَ) الخامس: (رَمِّيُّ الجِمَارِ)؛ لقول جابر: «رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة ضحى يوم النحر، ورمى بعد ذلك بعد زوال الشمس» (٤)، وقد قال ﷺ : «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٥) (مُرَتَّباً)؛ لفعله ﷺ كذلك (٦). فلو نكس لم يحتسب إلا الأولى، ويعيد الأخريين مرتبتين. (وَ) السادس: (الحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرُ)؛ لقوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ

стр. 607

﴿رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. الواو في ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ بمعنى (أو). والحلق أو التقصير نسك؛ للآية، ولقوله ﷺ : «فَيُقَصِّرُ ثُمَّ لِيُحِلَّ» (١)، ولو لم يكُنْ نُسُكاً لم يتوقف الحلُّ عليه. وهو عام في جميع شعر الرأس. وقد حلق ﷺ جميع رأسه (٢)، فكان ذلك تفسيراً لمطلق الأمر بالحلق أو التقصير. (وَطَوَافُ الوَدَاعِ)، سُمي به؛ لتوديعه البيت الشريف؛ لحديث ابن عباس: «أُمر الناسُ أن يكونَ آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خُفف عن المرأة الحائض». متفق عليه (٣). وفي معناها: النفساء. (وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ ثَلَاثَةٌ): الأول: (الإِحْرَامُ)، وهو مجرد النية. (وَ) الثاني: (الطَّوَافُ) بالبيت الشريف. (وَ) الثالث: (السَّعْي) بين الصفا إلى المروة؛ لفعله ﵊ بعد الطواف (٤). (وَوَاجِبَاتُهَا) أي: واجبات العمرة (شَيْئَانِ): أحدهما: (الإِحْرَامُ بِهَا) أي: بالعمرة (مِنَ الحِلِّ)، فمن مرَّ بميقات أحرم منه؛ لأنه محل حلّهِ. ومن كان مقيماً بمكة فمن الحل.

стр. 608

(وَ) الثاني: (الحَلْقُ) أي: حلق رأس ذكرٍ (أَوِ التَّقْصِيرُ) من جميع الرأس من ذكر وأنثى. (والمَسْنُونُ) من أفعال الحج وأقواله: (كَالمَبِيْتِ بِمِنّى لَيْلَةَ عرفة، لقول جابر: «وركب رسُولُ الله ﷺ إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث قليلاً حتى طلَعَتِ الشمسُ» (١). (وَطَوَافِ القُدُومِ)، لقول عائشةَ: «أنَّ النبيَّ ﷺ حين قدم مكة توضأ، ثم طاف بالبيت». متفق عليه (٢). (وَالرَّمَلِ) وهو: إسراع المشي، مع تقارب الخطا؛ لحديث ابن عباس: «رمل النبي ﷺ في عمرته كلها وفي حجه» (٣). وكان أصلُ الرمل لإظهار الجلد للمشركين، فبقي الحكم بعد زوال علته (فِي الثَّلَاثَةِ أَشْوَاطِ الْأُوَلِ مِنْهُ) أي: من الطواف (وَالاضْطِبَاعِ) وهو: جعلُ وسط الرداء تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر (فِيهِ) أي: في أسبوع الطواف جميعه؛ روي عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرَمَلُوا بالبيت، وجَعَلُوا أرديَتَهم تحت آباطهم، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى». رواه أبو داود (٤). (وَتَجَرُّدِ الرَّجُلِ مِنَ المَخِيْطِ) بأن يخلع ما عليه من الثياب (عِنْدَ الإِحْرَامِ) قبل أن يُحرم؛ لأنه ﷺ تجرد لإهلاله، رواه الترمذي (٥). فإنْ أحرَمَ قبل التجرُّدِ نزعه في

стр. 609

الحال على عادته، من غير تأخير، فإن أخَّرَه لزمه الفدَى، كما تقدم (١). (وَلُبْسِ إزارٍ وَرِدَاءٍ)؛ لما روى الإمام أحمد عن ابن عمر مرفوعاً: «لِيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزارٍ وَرِدَاءِ وَنَعْلَيْنِ» (٢) - وذكر الحَلْوَاني (٣): «الأولى إخراج كتفه الأيمن من الرِّداء» - (أَبْيَضَيْنِ)؛ لأن في الحديث: «الْبَسُوا الثَّيَابَ البِيضَ؛ فَإِنَّهَا أَطْيَبُ وَأَطْهَرُ»، رواه أحمد (٤) عن سَمُرَة، (نَظِيْفَيْنِ)؛ لأن في حديث جابر: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ النَّاسِكَ النَّظِيْفَ»، رواه الخطيب (٥). ويسن أن يكونا جديدين. (وَالتَّلْبِيَةِ مِنْ حِيْنِ) أن يتلبَّسَ ب (الإِحْرَامِ إِلَى) عند (أَوَّلِ الرَّمْيِ) من جمرة العقبة؛ لقول جابر: «فأَهَلَّ رسولُ الله ﷺ » بِالتَّوحِيدِ «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ». الحديث متفق عليه (٦). (فَمَنَ تَرَكَ رُكْناً) من أركان الحج أو العمرة (لَمْ يَتِمَّ حَجُّهُ) ولا عمرته (إِلَّا بِهِ). (وَمَنْ تَرَكَ وَاجِباً) من واجبات الحج أو العمرة، سواء كان سهواً أو جهلاً (فَعَلَيْهِ دَمٌ) شاةٌ؛ لتركه

стр. 610

الواجب، (وَحَجُّهُ صَحِيحٌ)، وكذا عمرتُه. (وَمَنْ تَرَكَ مَسْنُوناً) ولو عمداً (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ). قال في الفصول (١) وغيره: «ولم يشرع الدم عنها - أي: عن السنة» (٢). تتمة: من ترك طواف الإفاضة رجع إلى مكة معتمراً، فأتى به؛ لأنَّهُ على بقيَّة إحرامه. فإن وطئ أحرم من التنعيم، على حديث ابن عباس (٣)، وعليه دم. (فصل) (وَشُرُوطُ صِحَةِ الطَّوَافِ أَحَدَ عَشَرَ) شرطاً: (النِّيَّةُ، وَالإِسْلَامُ، وَالعَقْلُ)، فهذه الثلاثة كسائر العبادات (وَ) الرابع: (دُخُولُ وَقْتِهِ) أي: وقت الطواف المقيد؛ كطواف الحج فإنه بعد الوقوف من بعد نصف ليلة النحر، - كما تقدم (٤) -، وطواف العمرة بعد التلبس بالإحرام. (وَ) الخامس: (سَتْرُ العَوْرَةِ)؛ لما ورد من حديث أبي هريرة: «لَا يَحُجُّ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَان». متفق عليه (٥). (وَ) السادس: (اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ) قال شيخنا «في شرح الإقناع»: «وظاهره حتى للطفل»؛ لحديث: «الطَّوَافُ بِالبَيْتِ صَلَاةٌ».

стр. 611

إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيْهِ» (١). (وَ) السابعُ: (الطَّهَارَةُ مِنَ الحَدَثَـ) ـينِ؛ لأنه صلاة. ولا تشترط لطفل دون التمييز؛ لعدم إمكانها منه. (وَ) الثامن: (تَكْمِيلُ السَّبْعِ)، فلو قَطعَ من السبع شيئاً بطل الطواف. (و) التاسع: (جَعْلُ) جميع (البَيْتِ) الشَّريف (عَنْ يَسَارِهِ) في طوافه، فلا يطوف على جدار الحِجْر، ولا على شَاذَرْوانِ (٢) الكعبة؛ لأن النبي ﷺ لما قدم مكة أتى الحَجَرَ فاستلمه، ثم مشى على يمينه، فرمل ثلاثاً، ومشى أربعاً. رواه مسلم عن جابر (٣). فلو نكس لم يصح. (وَ) العاشر: (كَوْنُهُ) يطوف (مَاشِياً، مَعَ القُدْرَةِ) على المشي، فلا يصح الطواف راكباً، ولا محمولاً لغير عذر. (و) الحادي عشر: (المُوَالَاةُ)، وهو: أن لا يفرق بين الطوفات بقطع طويل. (فَيَسْتَأْنِفُهُ) أي: الطواف (لِحَدَثٍ) حصل (فِيهِ) أي: في الطواف بعد الطهارة. (وَكَذَا) يستأنفُ الطواف (لِقَطْعِ طَوِيلٍ) حصل بين الطوفات. (وَإِنْ) كان القطعُ (يَسِيراً) - ولو في أثناء شوط - بنى لبقية طوافه من الحجر الأسود، ولغَى ما طافه من بعض الشوط. (أو) كان القطعُ عندما (أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ) المكتوبةُ؛ لحديث: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا المَكْتُوبَةُ» (٤). (أَوْ) عندما (حَضَرَتِ)

стр. 612

الـ (جَنَازَةُ)؛ لأنها تفوتُ بالاشتغال عنها (صَلَّى) أي: المكتوبة أو الجنازة، (وَ) بعد الصلاة (بَنَى) لبقية طوافه (مِنَ عِنْدِ الحَجَرِ الأَسْوَدِ). ويشترط: أن يكون الطواف في المسجد، فلا يصح خارجه، وأن يبتدئ بالطواف من الحَجَرِ الأسود؛ لفعله ﷺ من حديث جابر: «لما قدم مكة أتى إلى الحَجَرِ واستلمه» (١). (وَسُنَنُهُ) أي: سننُ الطوافِ: (اسْتِلَامُ) أي: مسح (الركن اليَمَانِي بِيَدِهِ اليُمْنَى) (٢)؛ لحديث ابن عمر: «كان رسولُ الله ﷺ لا يدع أن يستلم الركن اليماني وَالحَجَرِ فِي طَوَافِهِ». قال نافع: وكان ابن عمر يفعله. رواه أبو داود (٣). وقوله في الحديث: «لا يدَعُ» أي: لا يترك. (وَكَذَا) استلامُ (الحَجَرِ الأَسْوَدِ)؛ لقول جابر: «إن رسول الله ﷺ لما قدم مكة أتَى الحَجَرِ فَاسْتَلَمَه .. » الحديث، رواهُ مُسلِم (٤). (وَتَقْبِيلُهُ) أي: يُسن تقبيل الحجر الأسود من غير صوت يظهر للقبلة؛ لحديث ابن عمر: «أن النبي ﷺ استقبل الحجر، ووضَعَ شَفَتَيْهِ عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بِعُمَرَ يبكي، فقال: «يَا عمرُ، هَاهُنَا تُسْكَبُ العَبَرَاتُ»». رواه ابن ماجه (٥). فإن شق تقبيله استلمه، وقبَّل يده؛ لما روي عن ابن عباس: «أن النبي ﷺ

стр. 613

استلمه وقبَّلَ يدَهُ (١). فإن شقَّ استلمهُ بِشَيء وقبله؛ روي عن ابن عباس موقوفاً (٢). ويُسنُّ أن يسجد عليه؛ فعله ابن عمر، وابن عباس (٣). (والدُّعَاءُ) فيهِ - على ما يأتي في صفة الحج - (وَالذَّكْرُ) فيه - على ما يأتي أيضاً .. (وَالدُّنُو مِنَ البَيْتِ) أي: القرب منه. ولكن إن لم يمكنه الدنُو معَ الرَّمَل كان تقديمُ الرَّمَلِ أولى؛ لأن المحافظة على فضيلة تتعلق بذاتِ العبادة أهم من فضيلة تتعلق بمكانها. (وَالرَّكْعَتَانِ بَعْدَهُ) أي: بعد الطواف. والأفضل كونهما خلف المقام؛ لفعله ﵊ من حديث جابر، وفيه: «ثُمَّ تقدَّمَ إِلى مقامِ إِبْرَاهِيمِ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، فجعل المقام بينه وبينَ البَيْتَ فصلَّى ركعتين .. » الحديث. رواه مسلم (٤).

стр. 614

(فصل) (وَشُرُوطُ صِحَةِ السَّعْيِ ثَمَانِيَةٌ: النِّيَّةُ، وَالإِسْلَامُ، وَالعَقْلُ)، فهذه الثلاثة كسائر العبادات، كما تقدم. (وَ) الرابع: (المُوَالَاةُ) قياساً على الطواف. قاله القاضي. (وَ) الخامس: (المَشْيُ مَعَ القُدْرَةِ)؛ كالطواف، فلا يصح راكباً، ولا محمولاً لغير عذر. (وَ) السادس: (كَوْنُهُ) أي: السعي (بَعْدَ طَوَافِ) نُسُكِ، (وَلَوْ) كَانَ الطوافُ (مَسْنُوناً؛ كَطَوافِ القُدُومِ)؛ لأن النبي ﷺ سَعى بعد الطوافِ وقال: ﴿لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ﴾ (١). فلو سعَى بعدَ طَوَافِهِ ثُمَّ عَلِمَ أن طوافه كان بلا طهارةٍ أَعَادَ السَّعْيَ. ولا يسن أن يسعى بعد كل طواف. (وَ) السابع: (تَكْمِيلُ السَّبْعِ)، فلو نقص عن السبع لم يُعتَدَّ به. (وَ) الثامن: (اسْتِيْعَابُ مَا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ)، فيلصِقُ عقبه بأصلهما في ابتدائه بكل منهما، ويلصق أيضاً أصابعه بما يُقبلُ إليه من كل منهما. والراكب يفعل ذلك بدايته. فمن ترك شيئاً مما بينهما لم يجزئه سعيه. (وَإِنْ بَدَأَهُ بِالمَرْوَةِ) في سعيه (لَمْ يعتد بِذَلِكَ الشَّوْطِ)؛ لمخالفته لفعله ﷺ (٢)، ولمخالفته لقوله ﵊: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» (٣). (وَسُنَنُهُ) أي: سنن السَّعْيِ: (الطَّهَارَةُ) من الحدثين،

стр. 615

ومن النجاسة في بدنه، وثوبه. (وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ) فَلَو سعى عُرياناً، أو محدثاً أجزأه، لكنَّ ستر العورة واجب مطلقاً. (وَالمُوَالَاةُ بَيْنَهُ) أي: بين السعي (وَبَيْنَ الطَّوَافِ) بحيث لا يفرّق بينهما طويلاً. (وَسُنَّ أَنْ يَشْرَبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ لِمَا يريده مما (يُحِبُّ)، ويتضلع (١)؛ لحديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر قال:) كنتُ جالساً عند ابن عبّاسٍ، فجاءه رجُلٌ فقال: من أين جئتَ؟ قَال: من زَمْزَم. قال: فشربْتَ منْهَا كما ينبَغِي؟ قال: فكَيْف؟ قال: إذا شَربْتَ مِنهَا فَاستقبل الكعبَةَ، واذكُرِ اسْمَ الله، وتَنَفَّسْ ثلاثاً، مِنْ زَمزَمَ، وتضَلَّع مِنهَا، فإذا فَرَغْتَ مِنْهَا فاحمد الله؛ فإن رسول الله ﷺ قال: «آيَةُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ». رواه ابن ماجه (٢). وزاد في التبصرة (٣): (وَيَرُشُ عَلَى بَدَنِه وَثَوْبِهِ، وَيَقُولُ: «بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْماً نَافِعاً، وَرِزْقاً وَاسِعاً (٤)، وشَبَعاً، وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ، وَاغْسِلْ بِهِ قَلْبِي وَامْلَاهُ

стр. 616

مِنْ خَشْيَتِكَ»). زاد بعضهم: «وحكمتك» (١). روي عن عكرمة (٢) قال: «كان ابن عباس إذا شرب من ماء زمزم قال: «اللَّهُمَّ إني أسألُكَ عِلْماً نَافِعاً وَرِزْقاً واسعاً وشِفَاءٌ من كل داء». رواه الدارقطني (٣). وهذا الدعاء شامل لخيري الدنيا والآخرة. تنبيه: يسن أن يدخل البيت حافياً بلا خُفٌ، ولا نعل، ولا سلاح، ويكبر، [ويدعو] في نواحيه، ويصلي فيه ركعتين؛ كصلاته ﷺ فيه بين العامودين (٤)، ويكثر النظر؛ لأنه عبادة. ولا بأس عدم الدخول.

стр. 617

(بَابٌ) (في دخول مكة) وتسمى «بكة» و «أم القرى» (١). يُسَنُّ الاغتسالُ لدخولها، ولو لحائض ونفساء. ويدخلها نهاراً، قال في «الفروع»: «وقيل ليلاً، وإنما كره ليلاً خوفاً من السُّراقِ». ويكون الدخول من ثنية كَدَاء (٢) - بفتح الكاف، ممدودة .. وأن يخرج من ثنية كُدّى (٣) - بضم الكاف، مع القصر .. وسُنَّ أن يدخل المسجد من باب «بني شيبة» (٤). فإذا رأى البيت رفع يديهِ (٥)، نصاً، وكبر، وقال: «اللَّهُمَّ

стр. 618

أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْكَ السَّلَامُ حَيَّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ» (١)، «اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَعْظِيمًا، وَتَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَبِرًّا، وَزِدْ مَنْ عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ وَاعْتَمَرَهُ تَعْظِيمًا، وَتَشْرِيفًا، وَتَكْرِيمًا، وَمَهَابَةً، وَبِرًّا»، «الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ كَثِيرًا كَمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَكَمَا يَنْبَغِيْ لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزّ جَلَالِهِ، وَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي بَلَّغَنِي بَيْتَهُ وَرَآنِي لِذَلِكَ أَهْلًا، وَالْحَمْدُ لله عَلَى كُلِّ حَالٍ. اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إِلَى حَجٌ بَيْتِكَ الْحَرَامِ، وَقَدْ جِئْتُكَ لِذَلِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ. يرفع بذلك صوته إن كان ذكرًا، وإن زادَ في الدُّعاءِ حسن. ثمَّ يطوفُ متمتع لعمرته، ومفرد وقارن لقدومهما، وطوافهما هذا يسمى «طواف الورود» وهو تحية الكعبة. وتحية المسجد الحرام الصلاة، وتجزئ عنها الركعتان بعدَ الطوافِ. والمرأة الأولى أن تؤخره إلى الليل، إن أمنت الحيض أو النفاس، ولا تزاحم الرّجال لتستلم الحجر، لكن تشير إليه. ويسن الاضطباع في جميع الأسبوع - لغير حامل معذور - في ردائه، وهو: جعل وسط الرداء تحتَ عاتقه الأيمن، وطرفَيهِ على عاتقه الأيسر - كما تقدم (٢). ويبتدئ الطواف من الحجر الأسود، فيحاذيه أو بعضه بجميع بدنه، فإن لم يفعل أو بدأ بدونِهِ لم يعتد بالشوط. ثم يستلمه بيده اليُمْنَى، ويقبله، ويسجد عليه، فإن شقّ استلمه بيده وقبلها، فإن شق فبِشَيء، وقبله، فإن شقّ أشار إليه بيده، أو بشيء، ولم يقبله.

стр. 619

واستقبله بوجهه، وقال: «بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ» (١)، «اللَّهُمَّ إِيْمَاناً بِكَ، وَتَصْدِيقاً بِكِتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ، وَاتِّبَاعاً لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ» (٢)، ويَقُولُ ذلكَ كُلَّمَا اسْتَلَمَهُ. وزاد جماعة: «اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، والله أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَاللهِ الحَمْدُ» (٣). فإن لم يكن الحَجَرُ موجوداً (٤) - والعياذ بالله تعالى - وقَفَ مُقابلاً لمكانه. ثمَّ يجعل البيت على يساره؛ لفعله ﷺ (٥)، وليقرب جانبه الأيسر - الذي هو مقر القلب - إلى البيت. ثم يمر على الركن الشامي، والعراقي (٦)، ثم على الركن اليماني، فإذا مرَّ بِهِ استلمه من غير تقبيل. ويطوف سبعاً، يرمُلُ في الثلاثة الأولِ مِنْهَا ماش، غيرُ: حامل معذور، ونساء، ومُحرِمٌ من مكة أو قربها. وهو: إسراع المشي، مع

стр. 620

تَقاربُ الخُطا والرَّمَلُ أولى من الدنو من البيت بدونه لعدم تمكنه (١)، فإن لم يمكنه الرمَلُ طافَ حسب إمكانه، ويرمُلُ إن وجَدَ فُرجَةً ما دامَ في الثَّلَاثَةِ الأول. وتأخيرُ الطواف لهما (٢) أو لأحد منهما أولى من تقديمه (٣). ثم يمشي الأربعة أشواط بلا رمل، ولا يقْضِي رَمَلٌ فَاتَه. وكلَّما حاذى الحجر الأسود والركن اليماني استلمهما، وإن شق أشار إليهما - كما مرَّ (٤). ويقولُ كلما حاذى الحجر الأسود: «الله أكبر» فقط، من غير إجهار بها. ويقول بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٥). ويقول في بقية طوافه: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجَّاً مَبْرُوراً، وَسَعْياً مَشْكُوراً، وَذَنْباً مَغْفُوراً. رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاهْدِنِي السَّبِيلَ الأَقْوَمَ، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ وَالأَكْرَمُ (٦). ويصلِّي صلى الله على النبي ﷺ (٧).

стр. 621

ويجوز الطواف والسعي راكباً لعذر، ولا يجزئ لغير عذر (١). وإن نوى الطواف المحمول عن نفسه، ونواه عنْهُ الحامل وقع عن المحمول، وكذا عكسه، وإن نوى كل منهما عن نفسه وقع عنه (٢)، وإن نوى كل منهما عن الآخر لم يصح (٣). ويجزئ الطواف بالمسجد من وراء حائل، لا خارج المسجد، ولا منكساً - بأن يجعل البيت عن يمينه -، أو على جدَارِ الحِجْرِ، أو شاذَرْوَانِ الكعبة - بفتح الذال المعجمة، وهو من الكعبة؛ لأنه من البيت (٤) -. ولا يضر مس الشاذروان، ولا وضْعُ يدِهِ عليه. وعند الشيخ - يعني: الشيخ تقي الدين ابن تيمية -: الشاذَرْوانُ ليسَ من الكعبة (٥). ولا يصح إن طاف بثوب نجس، أو ببدنه نجاسة، أو ببقعته. وكذا عُريان، ومحدِثُ، ولو سهواً، أو لعذر. وإن أحدث في طوافه، أو قطعه في أثنائِهِ، أو قطعه قطعاً طويلاً ابتدأ. لا إن أقيمت صلاة، أو حضرت جنازة صلَّى، وبنى من الحَجَر - كما تقدم (٦). وإن شك في عدد الأشواط بنى على اليقين. ثم بعد تمام الطوافِ صلَّى ركعتين، والأفضل كونهما خلف المقام - كما

стр. 622

تقدم (١)، يقرأ في الأولى - بعد الفاتحة -: ﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون]، وفي الثانية - بعد الفاتحة -: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُ﴾ [الإخلاص] (٢). وتكفي عنهما صلاة مكتوبة، أو سنة راتبة. ويسنُّ عَود بعد الصلاة إلى الحَجَرِ، فيستلمه، نصاً؛ لفعله ﵊ (٣). ويسن الإكثار من الطواف كل وقت. فرع: إذا فَرَغَ المتمتعُ، ثم علِمَ أنه كان أحد طوافيه على غير طهارة، وجهله لزمَهُ الأشدُّ، وهو جعلُ الطواف - الذي بلا طهارة - للعمرة، فلا يحلُّ من العمرة بالحلق؛ لفساد الطواف؛ فيلزمه دم للحلْقِ، ويكون قد أدخل الحج على العمرة فيصير قارناً، ويجزئه الطوافُ الثاني عن الحج والعمرة. قال شيخنا في شرحيه: «قلتُ: الذي يظهرُ لُزُومُ إعادةِ الطوافِ؛ لاحتمال أن يكون المتروك فيه الطهارة هو طواف الحج، فلا يبرأ بيقين إلا بإعادته». ويؤيد قول شيخنا ما قاله في «الإقناع»: «ولَو قَدَّرْنَاه أي: الطواف بلا طهارة من الحج لزمه إعادة الطواف؛ لوقوعه غير صحيح». انتهى. ويلزمه إعادةُ السَّعْيِ على التقديرين (٤)، لوقوعه بعد طواف غير معتد به. وإن كان وطئ المتمتع بعدَ حِلِّهِ من العمرةِ وفَرَضَ أنه كان طاف بلا

стр. 623

طهارة (١)، حكمْنَا بأنه أدخل حجاً على عمرة فاسدة، فلا يصح إدخال الحج عليها، ويلغو ما فعله من أفعال الحج، ويتحلل بطوافه - الذي نواه لحجه - من عمرته الفاسدة، وعليه دمان، دم للحلق، ودم للوطء في عمرته، ولا يحصل له حج ولا عمرة. ولو قَدَّرَ الطواف بلا طهارة من الحج لم يلزمه أكثر من إعادة الطواف والسعي للحج، ويحصل له الحج والعمرة؛ لحصول الوطء زمن الإحلال. فصل ثم يخرجُ للسَّعْي من باب الصفا فيرقى الصفا؛ ليرى البيت، فيستقبله، ويكبر ثلاثاً، ويقول ثلاثاً: «الحَمْدُ للهِ عَلَى مَا هَدَانَا، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، [لَهُ] المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» (٢). قال في «الإقناع»: «ويقول: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِيْنِكَ، وَطَوَاعِيَتِكَ، وَطَوَاعِيَةِ رَسُولِكَ. اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، وَيُحِبُّ مَلَائِكَتَكَ، وَأَنْبِيَاءَكَ، وَرُسُلَكَ، وَعِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ. اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ، وَإِلَى مَلَائِكَتِكَ، وَإِلَى رُسُلِكَ، وَإِلَى عِبَادَكَ الصَّالِحِيْنَ. اللَّهُمَّ يَسِّرْ لِي اليُسْرَى، وَجَنِّبْنِي العُسْرَى، وَاغْفِرْ لِي فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى، وَاجْعَلْنِي مِنَ أَئِمَّةِ المُتَّقِينَ، وَاجْعَلْنِي

стр. 624

مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، وَاغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ. اللَّهُمَّ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وَإِنَّكَ لَا تُخْلِفُ المِيْعَادَ. اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي لِلإِسْلَامِ، فَلَا تَنْزِعْنِي مِنْهُ وَلَا تَنْزِعْهُ مِنِّي حَتَّى تَتَوَفَّانِي عَلَى الإِسْلَامِ. اللَّهُمَّ لَا تُقَدِّمْنِي لِلْعَذَابِ، وَلَا تُؤَخِّرْنِي لِسُوْءِ الفِتَنِ». هذا دُعَاءُ ابن عمر (١). ويدعو بما أحب. ثم ينزل منَ الصَّفَا، فيمشي حَتَّى يبقى بينه وبين العلم (٢) ستة أذرع، فيسعى ماش سعياً شديداً ندباً إلى الميل الأخضر (٣)، ثمَّ يمشي حَتَّى يرقى المروة - ندباً -، فيستقبل القبلة، ويقول ما قاله على الصَّفَا. ويجب استيعاب ما بين الصفا والمروة، فيلصِقُ عقبه بأصْلِهِما (٤). ثم ينزلُ، فيمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه إلى الصفا، يفعله سبعاً، ذهابه سعيةً، ورجوعه أخرى. فإن بدأ

стр. 625

بالمروة لم يحتسب الشوط. ويكثر من الدعاء والذكر بين سعيه، ومنه: «رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، وَاعْفُ عَمَّا تَعْلَمْ، وَأَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ» (١). ويسن أن يكون السعي عقب الطواف، ويشترط تقدم الطواف عليه، ولو كان مسنوناً - كما تقدم (٢). والمرأة لا ترقى الصَّفَا، ولا المروة، ولا تسعى شديداً؛ لأنها عورة. والسعي على غير طهارة مكروه. ويسن مبادرة معتمر بالحج والسعي. فإذا فرَغَ مِنَ السعي: فإن كان متمتعاً ولم يكن معه هدي حَلَقَ أو قصر - ولو كان رأسه ملبداً (٣) -، والأفضل هنا التقصير؛ ليتوفر الحلق للحج. وبتمام ذلك يتحلل لإتمام مناسك عمرته. فإن كان المتمتع معه هدي فلا يحلق ولا يقصر، ولا يتحلل، ويبقى على إحرامه، ويُدخِلُ الحجَّ على العمرة، فيحرم بالحج بعد طوافه وسعيه لعمرته، ثم يَحِلُّ يوم النحر بعد نحرِ الهدي الذي معه، وبعد فراغه من أفعال الحج. وأما إن كان المعتمر غير متمتع، فيَحِلُّ بعد الطواف والسعي والحلق أو التقصير، ولو كان معه هدي، سواء كان في أشهر الحج أو في غيرها. ومن كان متمتعاً أو معتمراً قطع التلبية إذا شرع في الطواف، نصاً. ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم سراً.

стр. 626

(باب) صفة الحج والعمرة، وما يتعلق بذلك يسنُّ لمُحِلّ بمكة وقربها، ولمتمتع حَلَّ من عمرته الإحرام بالحجّ يوم التروية، وهو: اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بالتروية؛ لتروّيهم بالماء. والمتمتعُ الَّذي لم يجد هذياً يسنُّ لهُ أنْ يحرم يوم السابع من ذي الحِجَّةِ؛ لأجل صيامه؛ ليكون آخر الثلاثة أيام في إحرام الحج. ويسن أن يفعل عند إحرامه بالحج ما ذكر بباب الإحرام - من غُسل، وتطيب، وغيرِه، وأن يكون بعد طواف، وصلاة ركعتين، ولا يطوف بعده لوداعِهِ، نصاً (١). والأفضل أن يحرم من المسجدِ من تحتِ الميزاب (٢)، ويجوز منْ غيرِه (٣). ثمَّ يَخرجُ يومَ الثَّامن إلى منى قبل الزوال ندباً، فيصلي بها الظهر مع الإمامِ، ثمَّ يبيتُ إلى أن يصلي الفجر مع الإمام، وإن كان يوم جمعة وتأخر لبعد الزوال وجب عليه صلاة الجمعة، فلا يخرج قبل صلاتها.

стр. 627

فإذا طلعت الشمس سار إلى نمرة - موضع بعرفة - وأقام إلى الزوال، يخطب بها إمام أو نائبه - ندباً - خطبة قصيرة، يفتتحها بالتَّكبيرِ، يعلِّمُهم فيها الوقوف، ووقته، والدفع منه، والمبيت بمزدلفة، وغير ذلك. ثمَّ يصلّي الظهر والعصر جمعاً من يباح له الجمع (١)، بأذان وإقامتين؛ لفعله ﷺ (٢). ثم يأتي عرفة للموقف، ويغتسل له استحباباً، ويقف مستقبل القبلة، راكباً، ندباً لفعله ﷺ (٣)، وفي الانتصار ومفردات أبي يعلى الصغير (٤): أفضلية المشي في الحج على الركوب. وهو ظاهر كلام ابن الجوزي (٥) في

стр. 628

مثير عزم الساكن (١). ويكثر من الدعاء، والاستغفار، والافتقار، ويلح في الدعاء - بأن يكرّر الدعاء ثلاثاً، ولا يستبطئ الإجابة، ويكثر من قول: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيْتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُوْراً، وَفِي بَصَرِي نُوْراً، وَفِي سَمْعِي نُوْراً، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (٢). ويدعو بما أحب؛ لحديث: «أَفْضَلُ الدُّعَاءِ يَوْمُ عرفةَ، وَأَفْضَلُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ». رواه مالك في الموطأ (٣). وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: «كَانَ أَكْثَرُ دعاءِ النَّبِي ﷺ يومَ عَرَفَة: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» (٤). ووقت الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر - كما تقدم (٥)، وحكى الشيخ تقي الدين وغيره: من زوال يوم عرفة إلى فجر يوم النحر. فمن فاته ذلك فاته الحج. ويستحبُّ

стр. 629

أن يقف طاهرا من الحدثين، ومن نجاسة بدن، وثوب. ويصح وقوف الحائض والنفساء. ومن وقف بعرفة نهارا ودفع قبل الغروب ولم يرجع ويقف ليلا فعليه دم؛ لتركه الواجب، بخلاف واقف ليلا فقط ليس عليه دم. ووقفة الجمعة لها مزية على غيرها؛ لاجتماع فضل يوم الجمعة ويوم عرفة. ولهذا اشتهر وصف حجها ب «الأكبر»؛ لأنها موافقة لحجة وداع النبي ﷺ . أخرج رزين (١) مرفوعا: «يوم الجمعة أفضل الأيام إلا يوم عرفة، وإن وافق يوم الجمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم جمعة». ذكره ابن جماعة (٢) في مناسكه (٣)، والكازروني (٤) في تفسيره المعروف.

стр. 630

ب «الأخوَيْنِ» (١)، والشيخ نورُ الدِّينِ عَلي الزيادي (٢) في حاشيته. وحديث: «إِذَا كَانَ يَوْمُ عرفةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غَفَرَ اللَّهُ لِجَمِيعِ أَهْلِ المَوْقِفِ» (٣)، قد يُستَشْكَلُ بأنه قد ورد مثل هذا الحديث في مطلق الحج؟! قال العلماء: «يمكن حمل هذا الحديث على مغفرة الله لهم بلا واسِطَةِ، وحَمْلُ غيرهِ علَى أنهُ يهَبُ قوماً لقوم». ذكره الكازروني (٤)، وهو معنى كلام ابن جماعة في مناسكه عن أبيه. فصل ثم يدفع بعد الغروب بسكينة مستغفراً إلى مزدلفة من طريق المأزمين (٥)، مع إمام أو نائبه، ويكره قبل الإمام، يسرع في المشي عند وجودِ الفُرجَةِ. فَإِذا بلغَهَا جَمَعَ بينَ المغرب والعشاء قبل حطّ رحله استحباباً - بأذان وإقامتين، ولا يتطوَّعُ بينهما. ثم يبيتُ بها

стр. 631

حتى يصلي الفجر، وإنْ جاءَ مزدلفة بعد الفجر فعليه دم؛ لتركه الواجب. وإن دفع - غيرُ رعاةٍ وسُقاة - قبل نصف الليل فعليه دم إن لم يعد إليها قبل الفجر. فإذا أصبح صلى الصبح بغلس (١) أول وقتها، ثم يأتي المشعر الحرام (٢)، فيرقى عليه مع الإمكان، وإلا وقف عنده، ويحمد الله تعالى، ويهلِّلُه، ويكبره، ويدعو، ويقول: «اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنَا فِيْهِ وَأَرَيْتَنَا إِيَّاهُ فَوَفِّقْنَا لِذِكْرِكَ كَمَا هَدَيْتَنَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا كَمَا وَعَدْتَنَا بِقَوْلِكَ - وَقَوْلُكَ الحَقُّ -: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ * ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. ثم لا يزال يدعو إلى أنْ يُسْفِرَ جداً. فصل ثم يدفع قبل طلوع الشمس إلى منى بسكينة فإذا بلغ وادي مُحَسِّر أسرع قدر رمية حجر؛ لفعله ﷺ (٣). ويكون ملبياً إلى أن

стр. 632

يرمي جمرة العقبة. ويأخذُ حصَى الجمار سبعين حصاةً، من حيثُ شاء، أكبر منَ الحمص، ودونَ البُندقِ (١)؛ كحصَى الخذْفِ (٢). ويكره أخذه من: منى، ومن سائر الحرم، ومن الحُش - وهو محل قضاء الحاجةِ -، وكرِهَ أيضاً تكسيره. ولا يُسنُّ غسله. وتجزئ مع الكراهة حصاة متنجسة، فإن غسلها زالت وتجزى الحصاة من: مِسَنٌ (٣)، وبِرَام (٤)، ومَرمَر (٥)، وكِدَّان (٦). ولا تجزئ صغيرة جداً، ولا كبيرة؛ لظاهر الخبر (٧)، ولا ما رُمِي بالجمرة؛ لأنها استُعمِلَتْ

стр. 633

في عبادة، ولا بغير الحصا - كجوهر، وفضَّةٍ ونحوهما -. فإذا وصل منى - وحدُّهَا: من وادِي مُحَسِّر (١)، إلى جمرة العَقَبَةِ (٢) - بدأ بها فرماها بسبع حصيات. ويسن أن يرميها راكباً، بعد طلوع الشمس، فإنْ رمَى بعد نصف ليلة النحر أجزأه. ويشترط الرمي، فلا يجزئ الوضع. ويشترط أن يرمي واحدةً بعد واحدة، فلو رمى دفعة فتعد واحدةً، ثم يُتِمُّ عليها، ويؤدب فاعله. ويشترط علم الحصول بالمرمى، فلو رماها فوقعَتْ خارجه، ثم تدحرجَتْ فِيهِ، أو وقعَتْ على ثوب إنسان ثم صارَتْ فيهِ ولو بنفض غيره أجزأته، وقيل: لا تجزئ. ولو رمى حصاةً فالتقطها طائر، أو ذهب بها الريحُ قبل وقوعها بالمرمى لم تجزئه. وعُلِمَ أَنَّ المرمى مجتمع الحصا، لا الشاخص نفسه. ووقتُ الرمي من نصف ليلةِ النَّحرِ، فإن غربَتِ الشمسُ ولم يرْمِهَا فيرميها بعد الزوال من الغد. ويسنُّ أن يستبطن الوادي في رميه، ويستقبل القبلة ويرمي على حاجِبِهِ الأيْمَنِ، رافعاً يُمنَاهُ إلى أن يرى بياض إبطِهِ. ولا يقفُ عندَها بعدَ الرَّمْيِ؛ لضيق المكان. وله رميها من فوقها. ويقطعُ التلبية بأول الرمْيِ.

стр. 634

ثم ينحر هَدْياً معه، واجباً كان أو تطوعاً. ثم يحلق رأسهُ مستقبلاً القبلة - ندباً -، مع البداءة بشقه الأيمن، أو يقصر من جميع شعر رأسه قدرَ أُنْمُلَةٍ فأقلّ، لا من كلِّ شعرة بعينها، والمرأة تقصر كذلك. والعبد يقصِّرُ، ولا يحلقُ إلا بإذنِ سيّدِه؛ لأنه يُنقِصُ قيمته. ويسن لمن حلق قص أظفار، وتنظيف شعرِ شارب، ونحوه. وسُنَّ إمرار الموسى على من عَدِمَ الشعر. ثمَّ قد حلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إلا النساء: من وطء، ومُباشرة، وقُبلة، ولمس بشهوة، وعقد نكاح (١)؛ للخبر (٢). وهذا هو التحلل الأول؛ لأنه يحصل بفعل اثنين من ثلاثة: من رمي وحلق أو تقصير، أو من رمي وطوافِ إفاضة، أو حلق وطوافِ إفاضة (٣). ويحصل التحلل الثاني بفعل الثالث مع السعي. فإن ترك الحلق أو التقصير لزمَهُ دم؛ لتركه نسكاً واجباً، ولا شيء عليهِ إن أخره عن أيام منّى، وكذا لا شيء عليهِ لو قدَّمَ الحلق على الرمي أو على النحر، أو نحر أو طاف للإفاضة قبل رميه جمرة العقبة، ولو كان عامداً؛ لإطلاق الخبر (٤). لكن يُكره للعامد ذلك.

стр. 635

ثم يخطب الإمام أو نائبه يوم النحر بمنىً خطبةً يفتَتِحُها بالتكبير، يعلِّمُهم فيها: النحر، والإفاضة، والرمي. ثمَّ يُفيضُ إلى مكة، فيطوف مفرد وقارنٌ لم يدخُلَا مكة قبل وقوفهما طواف القدوم - نصاً -، برَمَلٍ واضطباع، ثمَّ يطوف للزيارة، وكذا يطوف متمتّع لقدومه، لكن بلا رمل ولا اضطباع؛ لما تقدم ذلك منه في طوافِ عمرته، ثم يطوف للزيارة - نصاً (١)؛ لحديث عائشة: «فَطَافَ الذِينَ أهلُّوا بِالعُمْرَة، وبَينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلَقَ، ثم طافَ طَوَافاً آخر بعد أنْ رجَعُوا مِنْ منّى لحجهم، وأمَّا الَّذينَ جَمَعُوا الحج والعُمْرَة فإِنَّما طَافُوا طوافاً واحداً» (٢)، فحمَلَ الإمام أحمد على أنَّ طوافهم لحجهم هو طواف القدوم، ولأنه مشروع فلا يسقط بطوافِ الزيارة كتحية المسجد عند دخوله قبل التلبس بالفرض. واختار ذلك الخرقي (٣)، وأكثر الأصحاب، وردَّهُ الموفق، وقال: «لا أَعْلَمُ أَحَداً وافق أبا عبد الله عَلَى هَذَا الطَّوافِ، بل المشروع طواف واحِدٌ للزيارة؛ كمنْ دخَلَ المسجِدَ وأُقيمَتِ الصَّلاةُ، وحديث عائشة دليل هذا فلم تذكر طوافاً آخر، ولو كانَ الذي ذكرته طواف القدوم لكانَتْ قد أخَلَتْ بذكرِ الركنِ الَّذي لا يتم الحجُّ إِلا بِهِ وذكرَتْ مَا يُسْتَغْنَى
следующие страницы →