← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

النمل، إلا من أذيَّةٍ شديدة، فإنه يجوز قتلهنَّ، وقتل القمل بغير النار، ويكره قتل الضفادع. ذكره في «المستوعب» (١). وقال في «الرعاية»: «لا يقتل بنارٍ نمل، ولا قمل، ولا بُرْغُوثُ (٢)، ولا غيرها. ولا يقتل ضفدع بحال» (٣). قال: «فظاهره: التحريم»، وصححه في تصحيح «الفروع» (٤). وقال صاحب «النظم» (٥): «إلَّا أَنه يحرم إحراق كل ذي روح بالنار، وأنه يجوز إحراق ما يؤذيه بلا كراهة، إذا لم يزل ضرره دون مشقة غالبة إلا بالنار» (٦). و (لا) يحرم قتل (الْبَرَاغِيثِ)، والقُرادِ (٧)، والدَّلَم (٨)،

стр. 562

والبق (١)، والبعوض؛ لأنَّ ابن عمر قرَدَ بعيره بالسُّقْيَا (٢) (٣) (بَلْ يُسَنُ قَتْلُ كُلِّ مُؤَذٍ)، غير آدمي، (مُطْلَقَاً) أي: سواء كان في الحلّ، أو الحرم؛ لحديث عائشة: «أَمَرَ رسولُ الله ﷺ بقتل خمس فَوَاسقَ في الحرم: الحِدَاءةِ (٤)، والغُرَابِ، والفأرة، والعقربِ، وَالكَلبِ العَقُورِ». متفق عليه (٥). وفي بعض ألفاظ الحديث: «الحية» بدلَ: «العَقرَبِ». وفي معناه - يعني: معنى الحديث -: كل مؤذ. وما يباح أكله من الغربان - وهو غراب الزرع - لا يجوز قتله؛ لأنه من الصيد. قال في «المستوعب»: «دخَلَ فِيهِ الطَّبوع» (٦). وأما الآدمي غير الحربي، فلا يحلُّ قتله إلا بإحدى

стр. 563

ثلاث: الزاني المحصن، والمرتد، وما كان للقصاص (١). تتمة: يباح لمُحْرِمٍ وغيره - لا بالحرم -، صيد ما يعيش في الماء؛ كسمك، ولو كان ممَّن يعيش في البر؛ كسلحفاة، و سرطان (٢). (السَّادِسُ: عَقْدُ النِّكَاحِ)، فيحرمُ، (وَلَا يَصِحُّ) تزوجه، ولا تزويجه؛ لما رواه مسلم عن عثمان مرفوعاً: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ» (٣). إلَّا في حقّ النبي ﷺ ، فليس بمحظور؛ لأنه تزوج ميمونة وهو محرم (٤). ولا فدية فيه؛ لأنه عقد فاسد. وسواء كان الإحرام صحيحاً أو فاسداً. تتمةٌ: متى أحرم الإمام الأعظمُ، أو نائبه، امتنعت مباشرته للنكاح لنفسه، أو لغيره، بالولاية العامة، و (٥) بالخاصة لأقاربه

стр. 564

ولا تمتنع مباشرة نوابه للنكاح بالولاية العامة بإحرام الإمام. وتكره خطبةُ مُحرم؛ للحديث (١)، كما يكره خُطبة بضم - الخاء - عقد النكاح، وحضوره، وشهادته فيه. ولا تكره رجعة المحرم المطلقته الرجعية، ولا شراء أمةٍ لوطء. السابع: الوطء في الفرج الموجب للغُسل؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال ابن عباس: «هو الجماع» (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والوطء يفسد النسك قبل التحلل الأول، ولو بعد الوقوف بعرفة؛ لأن بعض الصحابة قضوا بفساد الحج، ولم يستفصلوا. وحديث: «مَنْ وَقَفَ بعرفة فقد تَمَّ حَجُّه» (٣) أي: قَارَبَه، وأمِنَ فواته. ولا فرق بين العامد، والناسِي، والجاهل، والمكره، وغيره. ويجب به بدنة؛ لقول ابن عباس: «اهْدِ نَاقَةً» (٤). ولا يفسد الإحرام بشيء من المحظورات غير الجماع. وعلى من وطئ ووُطِئ المضي في فاسده؛ لأنه لا يخرج منه بالوطء. وحكم هذا الإحرام الفاسد كالإحرام الصحيح؛ فيفعل ما كان يفعله قبل، من وقوف وغيره، ويتجنب ما يتجنبه قبل الفساد، من وطء وغيره. ويلزمه الفدية إن فعل محظوراً بعده. لما روى الدارقطني

стр. 565

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه: «أَنَّ رجُلاً أتى عبد الله بن عمرو فسألَهُ عَنْ مُحرم وقع بامرأة؟ فأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال: اذهَبْ إلى ذلك، واسأله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر، فقالَ: «بَطلَ حَجُّكَ». فقال الرجلُ: أَفَأَقْعُدُ؟ قالَ: «لَا، بَلْ تَخْرُجُ معَ النَّاسِ، وتصنعُ ما يصنعونَ، فإذا أدركت قابلاً فحُجَّ واهْدِ». فرجع إلى عبد الله بن عمرو، فأخبره ثم قال: اذهب إلى ابن عباس، فاسأله. فقال شعيب: فذهبت معه، فسأله، فقال له مثل ما قالَ ابنُ عمر. فرجع إلى عبد الله بن عمرو فأخبره، ثم قال: ما تقول أنت؟ قال: «أقولُ مثل ما قَالَا» (١). رواه الأثرم» (٢). وزادَ: «وحُلَّ إِذا حَلُّوا، فَإِذَا كَانَ العام المقبل فاحجج أنتَ وامرأتُكَ، واهْدِيَا هدياً، فإن لم تجدا فصُومَا ثَلاثَةَ أيام في الحجّ وسَبعةٌ إِذا رَجَعتُما» (٣). إن كان المفسد نسكه مكلفاً؛ لأنه لا عذر له في التأخير. وإن لم يكن مكلفاً، بل بلغ بعد انقضاءِ الحِجَّةِ الفاسدة، قضى ذلك. فوراً، - ولو نذراً، أو نفلاً -، بعد أن يحجَّ حِجَّةَ الإسلامِ إنْ كانَ ما حجَّها، حيثُ لا عذر في التأخير. قال في «الفروع»: «والمراد - أي: في النفل -: وجوب إتمامه، لا وجوبه في نفسه؛ لقولهم: إنه تطوع؛ فيثاب عليه

стр. 566

ثوابَ النَّفل». ويصح قضاء الرقيق في رقه إذا كان مكلفاً. ويُحرم من أفسد نسكه من حيثُ أحرم أولاً، إن كان إحرامه به قبل الميقات (١)؛ لأنَّ القضاء يحكي الأداء. ومن لم يكن إحرامه الذي أفسده قبل الميقات، وإنما أحرم منه، أو من دونه إلى مكة، فإنه يحرِمُ من الميقات؛ لأنه لا يجوز مجاوزته بلا إحرام. ومن أفسد حج القضاء بالوطء فيه قبل التحلل الأولِ، قضى الواجب، ولا يلزمه أن يقضي القضاءَ. ومَنْ طاوعَتْ على الوطء فنفقة القضاء عليها. ونفقة قضاء مكرهة على الوطء على المكره. قال شيخُنا في «شرحه على المنتهى» (٢): وقياسه: لو استدخَلَتْ ذكر نائم، فعليها نفقة قضائه. والوطء بعد التحلل الأول لا يُفسد النسك؛ لقول ابن عباس في رجل أصابَ أهله قبل أن يفيض يوم النحر: «ينحَرَانِ جَزُوراً بينهما، وليس عليه الحج منَ القَابل» (٣). رواه مالك، ولا يُعرَفُ له مخالف في الصحابة. وإنما يفسد الإحرام؛ فعليه لفساد الإحرام شاةٌ، ويمضي للحل، فيحرم منه؛ ليطوف للزيارة محرماً، ثم يسعى إن لم يكن سعى لحجه، ثم قد تحلل.

стр. 567

والوطء في العمرة كالوطء في الحجّ، فيفسدها قبل تمامِ السعي وقبل الحلق، لا بعد تمام السعي؛ لأنه بعد التحلل الأول. وعليه لوطئه في العمرة شاةٌ؛ لنقص حُرمةِ إحرامها عن الحج؛ لنقص أركانها، ودخولها فيه - أي: في الحج - إذا جامَعَتْهُ. سواء وطئ قبل تمام السعي، أو بعده قبل الحلق. ولا فدية على مكرهةٍ في وطءٍ في حجّ، أو عمرة (١)؛ لحديث: «وَعَمَّا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (٢)، ومثلها: النائمة. ولا يلزم الواطئ أن يفدي عنها. (وَدَوَاعِيهِ) أي: دواعي (٣) الوطء، مِنْ قُبلة، أو لمس، ونحوه حرام. فإن أنزل بذلك فعليه بدنةٌ. (وَ) كذَا (المُبَاشَرَةُ دُونَ الفَرْجِ)، (والاسْتِمْنَاءُ). ولم يَفْسُدِ النسك؛ لأنه لم يرد فيه نص ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الوطء في الفرج؛ لأنَّ نوعه يوجب الحد. (وَفِي جَمِيعِ المَحْظُورَاتِ) المتقدم ذكرُهَا (الفِدْيَةُ)، كما بينا كل شيء في محلّه. (إِلَّا قَتْلَ القَمْلِ، وَعَقْدَ النِّكَاحِ)، فيحرم فعله، ولا فدية فيه، كما تقدم (٤). (وَفِي البَيْضِ) - أي: بيض الصيد - قيمته مكانه. (وَ) في (الجَرَادِ) أيضاً قيمتُه مَكَانُه؛ لأنه طير بري. وعن الإمام:

стр. 568

يتصدق عن الجرادة بتمرة (١). (وَفِي) إزالةِ (شَعْرَةٍ) واحدةٍ، (أَوْ) بعضها من أي مكان كان من (ا) لبدن [إطعام مسكين واحد]. وفي تقليم (ظُفُرٍ) واحدٍ، أو بعضه (إِطْعَامُ مِسْكِينٍ) واحدٍ أيضاً. وفي إزالة شعرتينِ (اثْنَيْنِ)، أو تقليم ظفرين اثنين (إِطْعَامُ) مسكينين (اثْنَيْنِ). (وَفِيمَا زَادَ) عن شعرتين، أو ظفرَينِ (فِدْيَةٌ) شاةٌ، أو صيامُ ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، كما يأتي (٢). (وَالضَّرُورَاتُ) مما يُضطّرُ إليهِ (تُبِيحُ لِلْمُحْرِمِ) فعل (المَحْظُورَاتِ). (وَيَفْدِي) إن فعل محظوراً؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولحديث كعب بن عجرة (٣)؛ لأنه لما احتاج إلى حلق رأسه أباحه له الشارع، وأوجب عليه الفدية. وأُلحِقَ بالحلق باقي المحظورات. ومن ببدنه شيء لا يحبُّ أن يُطلع عليه، لبس، وفدى، نصاً (٤).

стр. 569

(بَابُ) (الفِدْيَةُ) وبيان أقسامها وأحكامها. وهي مصدرُ فَدَى يفدي فِدًى (١). (وَهِيَ) أي: الفديةُ: (مَا يَجِبُ بِسَبَبِ الإِحْرَامِ) من دم تمتع، أو قران، وما وجب لترك واجب، أو إحصار، أو لفعل محظور، (أو) ما يجب بسبب (الحَرَمِ) المكيّ؛ كالواجب في صيده ونباته. ويجوز تقديمها على فعل المحظور بعد وجودِ العذر المبيح لفعل المحظور. (وَهِيَ) أي: الفدية (قِسْمَانِ): ال (قِسْمُ) الأول: ما يجبُ (عَلَى التَّخْيِيرِ) (٢). وَال (قِسْمُ) الثاني: ما يجبُ عَلَى التَّرْتِيبِ. فَالقِسْمُ الأول الذي يجب على (التَّخْيِيرِ) هو نوعان، (ك) ما يتبين لك:

стр. 570

النوع الأولُ: (فِدْيَةُ اللُّبْسِ، وَالطَّيْبِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ) مِنْ ذكر، والوجه من أنثَى، (وَإِزَالَةِ أَكْثَرَ مِنْ شَعْرَتَيْنِ)؛ كثلاث فأكثر، (أَوْ أكثر من (ظُفْرَيْنِ)) كثلاث فأكثرَ، (وَالإِمْنَاءِ) أي: إنزال المنيّ، (بِنَظْرَةٍ) واحدةٍ، (وَالمُبَاشَرَةِ) دونَ الفرجِ (بِغَيْرِ إِنْزَالِ مَنِيَّ)؛ (يُخَيَّرُ) فِيهِ المخرِجُ (بَيْنَ ذَبْحِ شَاةٍ، أَوْ صِيَامٍ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إِطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينٍ) (لِكُلِّ مِسْكِينٍ) منهُم (مُدُّ (١) بُرَّ، أَوْ نِصْفُ صَاعٍ (٢) مِنْ غَيْرِهِ)؛ كتمرٍ، وشعير، وزبيب، وأقط (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولحديثِ كعب بن عُجرَةَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ»؟ قال: نعم يا رَسُولَ اللهِ، فقال: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِيْنٍ، أَوِ انْسُكْ شَاةٌ» متفق عليه (٤). وفي لفظ: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ» (٥).

стр. 571

ولفظة «أو» في الآية والخبر دالة على وجوب الفدية على التخيير. ومدلول الآية والخبر على حلق الرأس، فقيس عليه تقليم الأظفار، واللبس، والطيب؛ لأنه يحرم في الإحرام لأجل الترفه، فأشبه حلق الرأس. وغير المعذور ثبت الحكم فيه بطريق التنبيه (١)، تبعاً له. النوع الثاني: (وَ) هوَ (مِنَ التَّخْيِيرِ: جَزَاءُ الصَّيدِ). (يُخَيَّرُ فِيهِ) مَنْ وجب عليهِ (بَينَ) ذبحِ المِثْلِ مِنَ النَّعَمِ أَيَّ وقت شاء، وإعطائه لفقراء الحرم. ولا يجزي أن يتصدق به حياً. (أو) بينَ (تَقْوِيمِ المِثْلِ) بدراهمَ (بِمَحَلَّ التَّلَفِ) أي: بالموضع الذي تلف فيه، أو بقرب موضعِ التلفِ (وَيَشْتَرِي بِقِيمَتِهِ) أي: قيمة المثل (طَعَاماً يُجزئ) إخراجه (فِي الفِطْرَةِ) والكفارة ونحوه. والمجزئ: البر، والشعير، والتمرُ، والزبيب، والأقط. وله أن يخرج من طعام عنده يملكه يعدل الطعام. ولا يجوز أن يتصدق بدراهم (٢)؛ لأنه ليس من المذكورات في الآيةِ. (فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرَّ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ غَيْرِهِ) وهوَ الشعير ونحوه. (أَوْ) بينَ أَنْ (يَصُومَ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْماً) (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَرَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥].

стр. 572

وإن بقي دون إطعام مسكين، صام عنه يوماً كاملاً؛ لأنَّ الصوم لا يتبعَّضُ. ولا يجب تتابع الصوم. ولا يجوز أن يصوم عن بعض الجزاء، ويطعم عن بعضه، نصاً؛ لأنه كفارة واحدة كباقي الكفارات. وإن كان الصيد ممَّا لا مثلَ لهُ خُيِّر بين أن يشتري بقيمته طعاماً ويطعمه لمساكين الحرم، وبين أن يصوم عن كلِّ طعام مسكين يوماً. وَالقِسْمُ الثاني من الفدية: ما يجب على (التَّرْتِيبِ). وهو ثلاثة أنواع: النوع الأول: (كَدَمِ المَتْعَةِ وَالْقِرَانِ)، فيجب هدي، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [المائدة: ٩٥]، وقيس عليه القارن - كما تقدم. (وَ) كالدم ل (تَرْكِ الوَاجِبِ) مِنَ المناسكِ من واجبات الحج أو العمرة. (وَ) كالدم (للإِحْصَارِ) ونحوه؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾ [البقرة: ١٩٦]، ينحره بنية التحلل مكان الإحصارِ. (وَ) كالدم لحصول (الوَطْءِ، وَنَحْوِهِ)، أي: نحو الوطء، منَ الإنزال بالمباشرة دون الفرج، أو الإنزال بالاستمناء، أو بتقبيل، أو لمس لشهوة، أو تكرار نظر. (فَيَجِبُ عَلى مُتَمَتَّعٍ، وَقَارِنٍ، وَتَارِكِ وَاجِبِ) من مناسك الحج عن وقته، (دَم) شاةٌ - كما تقدم .. وكذا على من أخر الهدي عَنْ أيام النحر لغير عذر دم. (فَإِنْ عَدِمَهُ) أي: الدم موضعَه (أَوْ) عدِمَ

стр. 573

(ثَمَنَهُ، صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ)، قيل معناه: في أشهر الحج (١). وقيل معناه: في وقتِ الحجِّ؛ لأنهُ لا بدَّ من إضمار؛ لأن الحج أفعال لا يُصامُ فِيهَا. (وَالأَفْضَلُ كَوْنُ آخِرِهَا) أي: آخرِ الثلاثةِ أيامٍ (يَوْمَ عرفة) نص عليه، فيصوم يوم عرفة استحباباً؛ لموضع الحاجة، فيقدم الإحرام بالحج قبل يوم التروية؛ ليصوم الثلاثة أيام في إحرام الحج. ويجوز له تقديم صوم الثلاثةِ أيام قبل إحرامه بالحجّ، بعد أن يحرم بالعمرة؛ لأنَّ إحرام العمرة أحد إحرامي التمتع، فجازَ الصوم فيه، ولجواز تقديم الواجب على وقتِ وجوبِه إِذَا وُجِدَ سبب الوجوب، وسبب الوجوب هنا: إحرامه بالعمرة في أشهر الحج؛ كتقديم الكفارة على الحنث بعد اليمين. ووقت وجوبِ صوم الثلاثةِ أيام وقتُ وجوبِ الهدي. وهوَ: طلوع فجر يوم النحر - على ما تقدم -؛ لأنها بدل الهدي. (وَيَصِحُ) صومُ الثلاثةِ أيامٍ فِي (أَيَّامِ التشريق)؛ لقول ابن عمر، وعائشة: «لم يرخّص في أيام التشريق إلا لمن لم يجدِ الهَدْيَ» رواه البخاري (٢)، ولأنَّ الله تعالى أمر بصيام الأيام الثلاثة في الحجّ، ولم يبق من الحج إلا هذه الأيامُ، فتعينَ فيها الصوم. ولا دم عليه؛ لأنه صامها في الحج. وسمِّيت هذه الأيامُ بِ «التشريق» (٣)، وتسمى أيضاً

стр. 574

ب «أيام منى»، أضيف ذلك إليها؛ لإقامة الحاج فيها بها. (وَ) يصومُ (سَبْعَةَ) أيامٍ (إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ)؛ للآية. ولا يصح صومُ السبعة أيام بعد الإحرام بالحج قبل فراغه من أفعاله؛ لأنهم قالُوا: المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا رَجَعْتُم﴾ يعني: من عمل الحج (١)؛ لأنه المذكورُ؛ كرمي الجمار. ولا يصح صومها في أيام منى؛ لبقاء أعمال الحج. ولا يصح بعد أيام منى قبل طوافِ الزيارة. قال شيخُنا: «وكذا بعد طوافِ الزيارة، وقبل السعي». والاختيارُ: أن يصومها إذا رجع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر: أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». متفقٌ عليه (٢). وإن لم يصم الثلاثة أيام في الحج - ولو لعذر - صام بعد ذلك عشرة أيام كاملة؛ استدراكاً للواجب، وعليه دم؛ لتأخيره الواجب عن وقته. ولا يجب تتابع، ولا تفريق في صوم الثلاثة أيام، ولا في صوم السبعة أيام، ولا بين الثلاثة والسبعة، إذا قضى الثلاثة أيام أو صَامَهَا أيام منى؛ لأنَّ الأمر وردَ بهَا مطلقاً، وذلك لا يقتضي جمعاً، ولا تفريقاً. ومتى وجب صومٌ لعجز عن الهدي وقت الوجوب، وشرع فيه، أو لم يشرع، ثمَّ قدِرَ على الهدي، لم يلزمه الانتقال إليه؛ اعتباراً

стр. 575

بوقتِ الوجوبِ؛ كسائر الكفاراتِ. وإن شاء انتقل عن الصوم إلى الهدي؛ لأنه الأصلُ. وإن صام قبل الوجوب، ثمَّ قدِرَ على الهدي وقت الوجوبِ، فصرَّحَ ابنُ الزاغُونِي بأنه لا يجزئه الصومُ (١)، وإطلاق الأكثرين يخالفه (٢)، وفي كلام بعضهم تصريح به. قاله في القواعد (٣)، في القاعدة الخامسة، واقتصر عليهِ في «الإنصاف». (وَيجِبُ عَلَى مُحْصَرٍ دَمٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُ)؛ أي: الدمَ (صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ) بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ؛ قياساً على دم المتمتع، (ثُمَّ حَلَّ). وليس لهُ التحلل قبل الذبح أو الصوم. (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَطِئَ فِي الحَجِّ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، أَوْ أَنْزَلَ مَنِيّاً بِمُبَاشَرَةٍ) دون الوطء، (أق) أنزلَ منياً (بِاسْتِمْنَاءٍ، أَوْ) أُنْزِلَ بِتَقْبِيلٍ، أَوْ أنزلَ ب (لَمْسِ لِشَهْوَةٍ)، (أَوْ) أنزلَ ب (تِكْرَارِ نَظَرٍ، بَدَنَةٌ). (فَإِنْ لَمْ يَجِدُهَا) أي: البدنة (صَامَ عَشَرَةً، ثَلَاثَةً فِي الحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ) أي: فرغ من أفعال الحج؛ كدم المتعة؛ لأنَّ الصحابة قضت به، ولم يظهر لهم مخالف، فكان إجماعاً. (وَ) يجب (فِي العُمْرَةِ إِذَا أَفْسَدَهَا) بالوطء (قَبْلَ تَمَامِ السَّعْيِ) الفِدية (شَاةٌ). وكذا يلزمُ مَنْ أمذَى بالمباشرة دون الفرج، أو أمدى بتكرار النظر، أو بالتقبيل، أو باللمس لشهوة، أو بالمباشرة دون الفرج، ولم يُنزِل، أو أمنى بنظرة، الفدية، شاة. حكم ذلك حكم فدية الأذى؛ لما فيه من الترفه والمرأة المطاوعة كالرجل في جميع

стр. 576

ما ذكر. لا: المكرهة والنائمة؛ لقوله ﵊: «عُفِيَ لأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (١). ولا يجب على الواطئ أن يفدي عنها. (وَالتَّحَلُّلُ الأَوَّلُ يَحْصُلُ بِأ) مرينِ (اثْنَيْنِ مِنْ) ثلاثة: إِمَّا ب (رَمْي) جمارٍ (وَحَلْقٍ)، أ (و) رمي جمارٍ (وَطَوَافٍ)، أو حلق وطواف. (وَ) بعد هذا التحلل (يَحِلُّ لَهُ كُلَّ شَيْءٍ) من الطيب، واللبس، وأخذ الشعر، والظفر، ونحوه من المحظورات. (إِلَّا النِّسَاءَ) أي: إلا الوطء. (وَ) التحللُ (الثَّانِي يَحْصُلُ بِمَا بَقِيَ) من الثلاثةِ (مَعَ السَّعْيِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى قَبْلُ) أي: قبل التحلل الأول. تتمة: ومن الدماء الواجبة: الدم لفوات الحج، إن لم يكن اشترط في ابتداء إحرامه بقوله: «إِنْ حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيْثُ حبستني». وكذا من وطئ بعد التحلل الأول قبل التحلل الثاني، يلزمه دم. فإن لم يجد صامَ عشرة أيام. لكن لا يمكن في الفوات صوم ثلاثة أيام قبل يوم النحر؛ لأنَّ الفوات إنما يكون بطلوع فجر يوم النحر قبل الوقوف. والخطأُ في كلّ ما ذُكر (٢) كالعمد في حكم الفدية (٣). ولا شيء

стр. 577

على من فكر فأنزلَ؛ لحديثِ: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الخَطَأَ وَالنِّسْيانِ وَمَا حَدَّثَتْ بِهَا أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ بِهِ أَوْ تَتَكَلَّمْ» متفق عليهِ (١). ولا يقاس على تكرار النظرِ؛ لأنه دونه في استدعاء الشهوة وإفضائه إلى الإنزال. فصل في جزاء الصيد تفصيلاً وهو ما يُستحَقُّ بدله على متلفه - بفعل، أو سبب - من مثله، ومقاربه، وشبهه - ولو أدنى مشابهة -، أو مِنْ قيمة ما لا مثلَ لهُ. ويجتمع على متلِفِ الصيد الضمان - إذا كان مملوكاً، بقيمته لمالكه -، وجزاؤه لمساكين الحرم؛ لأنه حيوان مضمون كالكفارة، فجاز اجتماعهما فيه؛ كالصيد. والصيد ضربان: * أحدهما: ما له مثل، أي: شبيه من النعم خِلْقةً، لا قيمةً. فيجب فيه مثله؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وهذا الذي له مثل نوعان: أحدهما: ما قضت فيه من الصحابة، ففيه ما قضت به من الصحابة، وقد قالَ: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» (٢)، وقال ﵊:

стр. 578

«عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» رواه أحمد (١)، ولأنهم أقرب إلى الصواب، وأعرفُ بمواقع الخطابِ، فكان حكمهم حجةً على غيرهم؛ كالعالم مع العامي. قال المصنف - رحمه الله تعالى -: (وَالصَّيْدُ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ: كَالنَّعَامَةِ، وَفِيْهَا) أي: النعامة (بَدَنَةٌ)، حكم به عمر، وبعض الصحابة (٢)؛ لأنها تشبه البعير في خلقه، فكان مثلاً لها. (وَفِي حِمَارِ الوَحْشِ) بقرَةٌ، قضَى به عمر وغيره (٣). (وَ) في (بَقَرِهِ) أي: بقر الوحش (٤) (بَقَرَةٌ)، قضى به ابن مسعود، وغيره (٥). وفي وَعِلٍ - بفتح الواو والعين، وبكسر العين، وسكونها - وهو تيس الجبل. قاله في «القاموس» (٦). وفي «الصحاح» (٧): «هو الأَرْوَى» (٨). يُروى عن ابن عمر: أنه قال:

стр. 579

«فِي الأَرْوَى بقرَةٌ» (١). وفي إِيِّل بقرة، وهو ذكر الأوعال، قاله في «الإنصاف»؛ لقول ابن عباس: «وفي تَيْتَل بقرة» (٢)، قال الجوهري (٣): هو الوعل المسن؛ لما رُوي عن ابن عمر (٤). (وَفِي الضَّبْعِ (٥) كَبْسٌ) وهو: فحل الضأن؛ لحكمه ﷺ بذلك (٦). (وَفِي الغَزَالِ شَاةٌ)؛ لما روي عن عليّ، وابن عمر (٧). (وَفِي الوَبْرِ) - بسكون الباء: الذكر والأنثى: الوَبْرَةُ - وهي دُوَيبَةٌ كَحْلاء (٨)،

стр. 580

دون السنور (١)، لا ذَنَبَ لها (٢)، جدي. (وَ) في الضَّبِّ جَدي) وهو من ذكر المعز (لَهُ نِصْفُ سَنَةٍ) قضَى به عمر (٣). (وَفِي اليَرْبُوعِ) (٤) (جَفْرَةٌ) من المعزِ لَهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، قضى به عمر، وغيره (٥). (وَفِي الأَرْنَبِ عَنَاقٌ)، أنثَى المعز أصغر من الجفرة، قضى به عمر (٦). (وَفِي) واحدةِ (الحَمَامِ، وَهُوَ: كُلُّ مَا عَبَّ المَاءَ) أي: وضع منقاره فيهِ وَكَرَعَ كما تكرعُ الشاةُ (٧)، ولا يأخذ قطرة قطرة؛ كالدَّجاج

стр. 581

والعصافير، وَهَدَرَ، أي: صوَّتَ، كَالقَطَا (١)، (وَالوَرَشِ) (٢)، (وَالفَوَاخِتِ) (٣)، والقَمَارِي (٤) ونحوه (شَاةٌ) أي: جزاؤه شاة. * والنوع الثاني: ما لم تقض فيه الصحابةُ، وله مثل من النعم، فيرجع فيه إلى قول عَدْلين لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥] خبيرين، فيحكمان فيه بأشبه الأشياء به من حيث الخلقة، لا القيمة؛ كقضاء الصحابة، ويجوز أن يكون أحدهما - أي: العدلين - القاتل، أو هما - أي: القاتلين -، فيحكمان على أنفسهما بالمثل؛ لعموم الآية. قال ابن عقيل: «إنَّما يحكم القاتل إذا قتله خطأ، أو لحاجة أكله، أو قتله جاهلاً بتحريمه» (٥). قال المنقح (٦):

стр. 582

«ما ذكره ابن عقيل قوي، ولعله مراد الأصحاب؛ أن قتل العدل ينافي العدالة». ويُضمنُ: الصحيحُ، والكبير، والصغير، والمعيب من جنس عيبه، والحامل، والحائل (١)، بمثله. ويجوز فداء ذكر بأنثى، وعكسه، وإن فدى بأنثى كان أفضل. تتمة: إن جنى على حامل فألقت جنينها ميتاً، ضمن نقص الأم فقط، كما لو جرحها. وإن ألقته حياً لوقت يعيش لمثله، ثم مات، ففيه جزاؤه. وإن كان لوقتٍ لا يعيش لمثله، فكالميت، جزم به في الشرح (٢)، والمغني (٣). ويجوز فداء أعور عين يمنى بأعور عينٍ يسرى. وكذا عرج، ونحوه. (و) الضرب الثاني: (مَا لَا مِثْلَ لَهُ) مِنَ النَّعم، وهو باقي الطير، (كالإوز، والحُبَارَى) (٤)، (والحَجَلِ) (٥)،

стр. 583

(وَالكُرْكِي) (١)، فيجب (فِيْهِ قِيمَتُهُ مَكَانَهُ) أي: محل إتلافه. تتمة: إن أتلف جزءاً من صيد، واندمل، والصيد ممتنع - أي: من قاصده، وله مثل من النعم، ضمن الجزء بمثله لحماً من مثله من النعم. وما لا مثل له يضمن ما نقص من قيمته. وإن نفر صيداً فتلف بشيء ولو بآفة سماوية، أو نقص في حال نفوره، ضمنه. لا إن تلف بعد نفوره في مكانه بعد أمنه. وإن رمَى صيداً فأصابه، ثم سقط على آخر، فماتا، ضمنهما. فلو مشى المجروح قليلاً، ثم سقط على آخر، ضمن المجروح فقط. وإن جرحه جرحاً غير مُوحٍ لا تبقى معه الحياة غالباً، فغاب ولم يُعلَم خبره، فعليهِ ما نقصه؛ فيقوم صحيحاً وجريحاً غير مندمِلٍ، ثم يُخرَجُ بقسطه من مثله إن كان مثلياً، وإلا ما نقصه، كما تقدم. وكذا إن وجده ميتاً، ولم يعلم موته بجرحه. وإن وقع في ماء، أو تردَّى مِنْ علوّ، فمات، ضمنه. وإن اندمل الجرحُ، وصارَ الصيد غير ممتنع، فعليه جزاء جميعه. أو جرحه جرحاً موحياً، فعليه جزاء جميعه. وكلُّ مَا يُضمن به الآدمي يضمن به الصيد في الإحرام، والحرم، من مباشرة، أو سببٍ؛ كدلالةٍ، وإشارة، وإعارة. وكذلك ما جنّت دابته بيدها، أو دفعها، فأتلفت صيداً، فالضمان على راكبها، أو قائدها، أو سائقها المتصرف فيها.

стр. 584

وما جنته برجلها، فلا ضمان عليهِ. وكذا إذا انفلتت وأتلفت. وإن نصب المحرم شبكةً، أو حفر حفيرةً بغير حقّ - كغصب -، أو بطريق، فوقع صيد، ضمنه. لا إن فعله غير محرم، فوقع فيه وهو محرم، لم يضمنه. وإن نتف ريشه أو شعره، أو وبرَهُ، فعاد، فلا شيء عليه. فإن صار به غير ممتنع، فكالمجروح. فإن غاب ولم يعلم خبره، فعليه ما نقصه (١). وإن اشترك جماعة في قتل صيد - ولو بعضُهم متسبباً، فعليهم جزاء واحدٌ. ولو كفَرُوا بالصوم فكفارة واحدة. وكذا إن فعله حلال ومحرم، إن وقع فعلهما معاً، فإن جرحه أحدهما، وقتله الآخر، فعلى الجارح ما نقصه، وعلى القاتل جزاؤه مجروحاً. تنبيه: لا شيء في الثعلب؛ لأنه مفترس. وكذا كل مفترس (٢). (فصل) (وَيَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مكةَ) على الحلال والمحرم - كما يأتي في المتن (٣) إجماعاً (٤)، ولو كان صغيراً، أو كافراً؛ لما روي عن ابن عباس مرفوعاً، أنه قال يوم فتح مكة: «إِنَّ هَذَا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ

стр. 585

يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا (١)، وَلَا يُعْضَدُ (٢) شَوْكُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا». فقال العباس: إِلَّا الإذخر (٣)؛ فإِنَّهُ لِقَيْنِهِم (٤) وبُيُوتِهم؟! فقال: «إِلَّا الإِذْخِر». متفق عليه (٥). فائدةٌ: عُلِمَ من هذا: أن مكة كانت حراماً قبل خليل الله إبراهيم ﵊، وعليه أكثر العلماء، وقيل: إنما حرمت بسؤال إبراهيم. وفي الصحيحين من غير وجهِ: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَهَا (٦)»، أي: أظهر تحريمها. (وَحُكْمُهُ) أي: حكم صيد الحرمِ

стр. 586

(حُكْمُ صَيْدِ الإِحْرَامِ) أي: في التحريم، ووجوب الجزاء، وإجزاء الصوم، وتملكه، وضمانه بالدلالة ونحوها، سواء كان الدال في الحل أو الحرم، خلافاً للقاضي (١). إلا القمل فإنه لا يحرم، ولا يكره قتله في الحرم. فعليه في صيد البرِّ ما على المحرم في مثله إن كان مثلياً، أو قيمته إن كان غير مثلي. ويحرم صيد البحر في الحرم؛ لعموم الخبر (٢)، ولا جزاء فيه. (وَيَحْرُمُ قَطْعُ شَجَرِهِ) أي: شجر حرم مكة الذي لم يزرعه آدمي؛ لحديث: «وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» (٣). (وَ) يحرم قطعُ (حَشِيشِهِ) الأخضرين؛ لقوله: «وَلَا يُحَقُّ حَشِيْشُهَا» (٤)، حتّى الشوك، ولو ضر؛ لعموم الخبرِ مِنْ قوله: «وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا» (٥)، وحتى السواك، ونحوه، والورق؛ للعموم أيضاً. إِلَّا اليابس من شجر، وحشيش، وإلا الإذخر؛ للخبر، وإلا ما قلعه غير الآدمي، أو ما انكسر (٦)، وإلا الكمأة (٧)،

стр. 587

والفَقْعُ (١)؛ لعدم دخولِهما في الشَّجَرِ والحشيش، وإلا الثَّمَرَةُ؛ لأنها تُخلَفُ، وإلاَّ ما زَرَعَهُ آدَمِيٌّ مِنْ بَقْلٍ (٢)، ورياحين، وزروع، وشجر غُرِسَ من غير شجر الحرم، وإلاَّ الورق السَّاقِط. ويجوزُ رعي حشيش الحرم. وفي «تعليقات القاضي» (٣): «إن أَدْخَلَها للرَّعي ضَمِنَ، وإلاَّ إنْ كان لحاجة فلا». وإذا قطع الآدميُّ ما يَحْرُمُ قَطْعُهُ حَرُمَ انتفاعُه، وانتفاع غيره به. (فَتُضْمَنُ الشَّجَرَةُ الصَّغِيرَةُ) عُرفاً بشاةٍ (وَمَا فَوْقَهَا) من متوسطة وكبيرة (بِبَقَرَةٍ)؛ لِما رُوي عن ابن عباس: «في الدُّوحة

стр. 588

بقرَةٌ، وفي الجزْلَةِ شَاةٌ» (١). والدَّوحةُ: الشجرة العظيمة (٢)، والجَزْلَةُ: الشجرةُ الصغيرةُ. (ويُضْمَنُ الحَشِيشُ بِقِيمَتِهِ)، نصَّ عليهِ (٣)؛ لأنَّ الأصل وجوب القيمة. ويُفعلُ بالقيمة كما سبق (٤)؛ لقضاء الصحابة، فبقي ما عداه على مقتضى الأصل. ويُضمَنُ الغصنُ بما نقص، وإنِ استُخلِفَ الغصنُ والحشيش سقط الضمان. ويُضمَنُ النقص إن نبتَتْ ناقصةً. وإن قلع شجراً من الحرم فغرسه في الحلّ لزمه ردُّه، فإن تعذر ردُّها، أو يبسَتْ، أو ردَّهَا فيبستْ، أو قلعها من الحرم ثم غرسها في الحرم فيبست، ضمنها. فإنْ قلعها غيره من الحلّ بعد أن غرسها هو، ضمنها قالعُها، بخلاف من نفر صيداً فخرج إلى الحلّ فقتله غيره لم يضمنه؛ لتفويته حرمته بإخراجه. وكذا يضمن من أخرج صيداً إلى الحل، فقتله غيره، ما لم يردُّه إلى الحرم. والفرق: أنَّ الشجر لا ينتقِلُ بنفسه، ولا تزول حرمته بإخراجه، ولهذا وجب على مخرجه رده، فكان جزاؤه على متلفه، والصيد تارةً يكون في الحرم، وتارة يكون في الحل، فمن نفره فقد فوت حرمته بإخراجه، فلزمه جزاؤه. ويُضمَنُ غصن

стр. 589

خارج الحرم، إذا كان أصله بالحرم، أو كان بعض أصله بالحل؛ لتبعيته لأصله. ويخيرُ مَنْ وجب عليه جزاء صيد الحرم وشجره وحشيشه بين ذبح الجزاء وتفرقته، أو إطلاقه لمساكين الحرمِ مذبوحاً، وبين تقويم الجزاء بدراهم، ويفعل بالثمن كجزاء الصيد، بأن يشتري به طعاماً يجزئ في فطرة، فيطعمه للمساكين، كلُّ مسكين مد برّ، أو نصف صاع من غيره. وما لا مثل له كقيمة الحشيش - يخير فيها؛ كجزاء الصيد الذي لا مثل له، حكم ما سبق قريباً. تتمة: يكره إخراج تراب الحرم، وحجارته إلى الحلّ، نص عليه الإمام؛ لأنهُ قالَ: «لَا يُخرَجُ من تراب الحرم ولا يُدخل مِنْ الحِلِّ، وهو قول ابن عمر، وابن عباس (١). ولا يُخرَجُ من حجارة مكةَ إلى الحلّ. والخروج أشدُّ» - يعني: أشدُّ كراهة -. قال الإمام أحمد: «فإن أراد أن يستشفي بطيب الكعبة لم يأخذ منه شيئاً، ويلزقُ عليها طيباً من عنده ثم يأخذه» (٢). قال في «المنتهى»: «لَا وضع الحصا في المساجد أي: لا يكره. ويحرم إخراج ترابها وطينها». انتهى. ولا يكره إخراج ماء زمزم (٣)، ولا حمله إلى

стр. 590

البلاد؛ لأنه يُستخلَف؛ كالثمرة. قال الإمام أحمد: «أخرجه كعب الأحبار» انتهى. وروي عن عائشة: أنها كانت تحمل من ماء زمزم، وتخبر أن رسول الله ﷺ كان يحمله. رواه الترمذي، وقال: «حسن غريب» (١). فَصْل (مكة أفضل من المدينة) لحديث عبد الله بنِ عَدِيٌّ بنِ الحَمْرَاء: أنه سمع النبي ﷺ يقول - وهو واقفٌ بِالحَزْوَرَة في سوق مكة -: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ الله، وَأَحَبُّ أَرْضِ الله إلى الله، وَلَولَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» رواه أحمد، والترمذي، وقال: «حسن صحيح» (٢)، ولمضاعفة الصَّلاةِ فيهِ أكثرُ (٣). وأما حديثُ: «المَدِينَةُ خَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ» (٤)، فلم يصح، وعلى فرض صحتِه فيُحتمل على ما قبل الفتح ونحوه. وحديثُ: «اللَّهُمَّ إِنَّهُمْ أَخْرَجُونِي مِنْ أَحَبِّ البِقَاعِ إِلَيَّ،

стр. 591

فَأَسْكِنِّي فِي أَحَبِّ البِقَاعِ إِلَيْكَ» (١)، يُردُّ أيضا: بأنه لا يُعرَفُ، وعلى تقدير صحته فمعناه: أحب البقاع إليك بعد مكة. وتُستحبُّ المجاورة بمكةَ؛ لأفضليتها. وجزم في المغني، وغيره: بأن فضل مكة أفضلُ، وأنَّ المجاورة بالمدينة أفضل، وذكر قول الإمام أحمد: «المقَامُ بالمدينة أحب إليَّ من المقام بمكة لمن قوي عليها؛ لأنها مهاجر المسلمين» (٢). وأما نفس تراب تربته ﷺ (٣)، فلَيسَ هو أفضلُ منَ الكعبة، بل الكعبة أفضل منه. قال في «الفنون» (٤): الكعبة أفضل من مجرد الحجرة (٥)، فأما والنبي ﷺ

стр. 592

فيها، فلا والله، ولا العرش، وحملته، والجنة؛ لأنَّ بالحجرة جسداً لو وُزِنَ بِهِ لرَجَحَ (١). قال في «الفروع»: «قد دلَّ كلام الإمام أحمد، والأصحاب، على أنَّ التربة على الخلافِ». قال في «الإقناع»: «ولا يُعرَفُ أحد من العلماء فضَّلَ تراب القبرِ الشريف على الكعبة، إلا القاضي عياض (٢)، ولم يسبقه أحدٌ إليه، ولا وافقه أحد قط عليه» (٣). هذا معنى كلام الشيخ تقي الدين (٤)، وقال: «المجاورة بمكان يكثر فيه إيمانه وتقواه أفضل حيثُ كانَ (٥). * تنبيه: و حد الحرم المكي: من طريق المدينة: ثلاثة أميال، عند «بُيوتِ السُّقيا»، وهي دون التنعيم، ويعرف الآن ب «مسجد عائشة». وحده من طريق اليمن: سبعة أميال، عندَ «أَضَاءَةِ لِبْن» - «أَضَاةِ» بضادٍ معجمةٍ، و «لبن» بكسر اللام، وسكون الباء الموحدة (٦). وحده من طريق

стр. 593

العراق: سبعة أميال أيضاً، على «ثَنِيَّة خَل» - بخاء معجمة مفتوحة، ولام مشددة (١) - كما ضبطه صاحب «الإقناع» (٢). وفي «المنتهى» تبعاً لغيره (٣): «رَجُل» - بكسر الراء، وسكون الجيم وهو جبل بالمقْطَعِ - بقافٍ ساكنة، وطاء مفتوحة (٤)، كما ضبطه صاحب «الإقناع». والمنتهى تبعاً لغيره (٥): بالمنْقَطِع بنونٍ قبل القافِ - وحده من الجِعرانة (٦) - بسكون العين -: تسعة أميال، في «شِعب

стр. 594

عبد الله بنِ خَالِدٍ» (١). وحده من طريقِ جُدَّة: عشرة أميال، عند «مُنقَطَعِ الأَعْشَاشِ» (٢). وحده من طريق الطائف على عرفات: من بطنِ عُرَنَة (٣)، أحد عشر ميلاً. فصل ويحرم صيدُ المَدِينَةِ وقطعُ شجَرِهَا، وحشيشها ؛ لحديث عامر بن سعد، عن أبيه مرفوعاً: «إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَي المَدِينَةِ أَنْ يُقْطَعَ عِضَاضُهَا (٤)، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا». رواه مسلم (٥)، ولحديث: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مكة وَدَعَا لِأَهْلِهَا. وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ

стр. 595

إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلَيْ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ». متفق عليه (١)، ولحديث أنس: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «المَدِينَةُ حَرَمٌ مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا». متفق عليه (٢)، ولحديث مسلم (٣): «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». و «المدينة»: من الدِّينِ، بمعنى الطاعة، أو بمعنى الملكِ؛ لأنه دينُ أهْلِهَا، أي: ملكهم، يقال: فلان في دين فلان، أي: ملكه وطاعته. وتسمى أيضاً «طابة» و «طيبة». والأولى: أن لا تسمى «يثرب»؛ لما فيه من التثريب، وهو التغيير والاستقصاء في اللوم. وما وقع في القرآن العزيز فهو حكايةٌ لمقال المنافقين. و «يثرب» في الاسم: اسم لرجل من العمالقة بنى المدينة، فسميت به، وقيل: اسم أرضها. ذكره في حاشية «الإقناع» (٤). فلو صاد بين حرم المدينة صيداً، فذبحه، صحت تذكيته. جزم به في «الإقناع». قال القاضي: «تحريم صيدها يدلُّ على أنه لا يصح ذكاته» (٥). ويجوز أخذُ ما تدعو الحاجة إليه من شجرها لرحل البعير - وهو أصغر من القَتبِ -، وللقتب، وعوارضه (٦)، ولآلة

стр. 596

الحرث، وآلة الحداد، والحصَّادِ، ونحوه، والعارضة لسقف المَحْمَل (١)، والمسانِدِ من القائمتين التي تُنصَبُ البكرة عليهما، والعارضة بين القائمتين والمسند (٢)؛ لحديث أحمد، عن جابر بن عبد الله: أنَّ النبيَّ ﷺ لما حَرَّم المدينة قالُوا: إِنَّا أصحاب عمل وأصحاب نضْحٍ، وإنا لا نستطيعُ أرضاً غير أرضنا، فرخّصْ لَنا! فقال: «القَائِمَتَانِ، والوِسَادَةُ (٣)، وَالعَارِضَةُ، وَالمَسْنَدُ، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُعْضَدُ، وَلَا يُخْبَطُ مِنْهَا شَيْءٌ» (٤). والمسند: عود البكرة. ويجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها للعلف؛ لحديث علي مرفوعاً: «المَدِينَةُ حَرَامٌ مَا بَيْنَ عِيْرِ إِلَى ثَوْرٍ لَا يُخْتَلَى خَلَالُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تُقْطَعَ مِنْهَا شَجَرَةٌ إِلَّا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ

стр. 597

«بَعِيرَهُ» (١)، رواهُ أبو داودَ - و «عِيْرٌ» و «ثَوْرٌ» جبلان بالمدينة. ومن أدخل إلى المدينة صيداً فلهُ إمساكهُ، وذبحه، نص عليه؛ لقول أنس (٢). ولا جزاء في صيدها، وشجرها، وحشيشها. قالَ الإمامُ أحمد: «لم يبلغنا أنَّ النبيَّ ﷺ ، ولا أحداً من أصحابه حكموا فيه بجزاء؛ لأنه يجوز دخولها بغير إحرام، ولا تصلح لأداء نسك، ولا لذبح الهدايا» (٣). تنبيه: حدُّ حرمها ما بين «جبل ثور (٤)» إلى «جَبل عير (٥)»؛ لحديث عليٍّ المتقدم: «حَرَمُ المَدِينَةِ مَا بَيْنَ ثَوْرٍ إِلَى عِيْرٍ». متفق عليه. وهو: ما بين لابتيها؛ لحديث أبي هريرة قال رسول الله ﷺ : «مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حَرَامٌ». متفق عليهِ (٦). واللابةُ: الحرة، أي: أرضٌ تركبها حِجارةٌ سُودٌ. وَقَدْرُه: بريد في

стр. 598

بريد (١)، نصاً (٢)، وجعل النبي ﷺ حول المدينة اثني عشر ميلاً حمى. رواه مسلم عن أبي هريرة (٣). والحمى: المكانُ الممنوع من الرعي. (ويجزئ) في الفدية، وفي جزاء الصيد، وفي النذر، (عن البدنة بقرة)؛ لقول جابر: «كنا ننحر البدنة عن سبعة»، فقيل له: والبقرة؟ فقال: «وهل هي إلا من البدن». رواه مسلم (٤). (كعكسه) أي: كما أن البدنة تجزئ عن البقرة. (ويجزئ) عن كل واحدة منهما سبع شياءٍ، و (عن سبع شياه بدنة أو بقرة)، سواء وجد الشياه، أو عدمها؛ لأن أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يتمتعون، فيذبحون البقرة عن سبعة، قال جابر: «أمرنا رسولُ الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كلَّ سبعة منَّا في بدنة». رواه مسلم. وذكر جماعة: أن البدنة لا يجزئ عن البقرة، ولا عن سبع شياه. (والمراد بالدم الواجب) المطلق غير المقيد، وهوَ: (ما يجزئ في الأضحية)، فإن قيد بنحر بدنة، أو بقرة تقيد. والمجزئ في الأضحية: (جذع ضأن) له ستة أشهرٍ (أو ثني معز) له سنةٌ، أو سُبُعُ بدنةٍ، أو سبع (بقرة)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ

стр. 599

الْهَدْيُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابن عباس: «شاة، أو شرك في دم» (١)، وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فسَّرَ ﵊ النسك في حديث كعب بن عُجرةَ بذبح شاة، وقيس على ما في الآيتين - من دم التمتع، ومن دم تغطية الرأس - الباقي من فدية الطيب، واللبس، ونحوه. (فَإِنْ ذَبَحَ) من وجب عليه الدم المطلقُ (إِحْدَاهُمَا) أي: البدنة، أو البقرة، عن الدم المطلق فَهو (أَفْضَلُ)؛ لأنها أوفر لحماً، وأنفع للفقراء. (وَتَجِبُ كُلُّهَا) أي: البدنة أو البقرة؛ لأنه اختار الأعلى لأداء فرضه، فكان كله واجباً. تتمة: كل هدي أو إطعام يتعلق بحرم أو إحرام - كجزاء صيد، وما وجب من فدية لترك واجب، أو لفوات حجّ، أو وجب بفعل محظور - يكونُ ذبحه في الحرم، وكذا هدي تمتع، وقران، ومنذور. أما الهدي؛ فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]. وأما جزاء الصيد؛ فلقوله تعالى: ﴿هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما ما وجب لترك واجب، أو فواتِ حجّ؛ فلأنه هدي وجبَ لترك نسكٍ، أشبه دم القران والإطعام في معنى الهدي؛ يلزم ذبحه في الحرم. ويجزئه الذبح في جميع الحرم، وروي عن جابر مرفوعاً: «كُلُّ فِجَاج مكة طَرِيقٌ وَمَنْحَرُ». رواه أحمد (٢). ورواه مسلم بلفظ: «مِنّى (٣)

стр. 600

كُلُّهَا مَنْحَرٌ» (١)، وإنما أرادَ: الحرم؛ لأنه كلُّه طريقٌ إليها. والفج: الطريق. قال الإمام أحمد: «مكة ومنى واحد» (٢). ويلزم تفرقة لحمه في الحرم، أو إطلاقه بعد ذبحه لمساكين الحرم من المسلمين، إن قدر على إيصاله إليهم بنفسه، أو بمن يرسله معه؛ لأن المقصود من ذبحه بالحرم: التوسعة عليهم، ولا يحصل ذلك بإعطاء غيرهم. وكذا الإطعام. قال ابن عباس: «الهدي والإطعام بمكة (٣)، ولأنه ينفعهم؛ كالهدي. ومساكين الحرم: من كان مقيماً به، أو وارداً إليه، من حاج وغيره، ممن له أخذُ زكاة لحاجة، ولو بانَ غَناؤه بعد دفعه ظاناً أنه فقير؛ كزكاة. والأفضل: أن يذبح ما وجب بحجّ بمنى، وينحر ما وجب بعمرة بالمروة، خروجاً من خلافِ الإمام مالك ومن تبعه (٤). وإن سلم الهدي حيّاً لمساكين الحرم، فإن نحروه أجزاً، وإلا استرده ونحره؛ لوجوب نحره. فإن أبى أن يسترده، أو عجز عن استرداده منهم ضمنه
следующие страницы →