← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 30147

مسلك الراغب لشرح دليل الطالب - ت تركي النصر

إبراهيم العوفي الصالحي

Полный текст (944 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

قتلهم، ولأجل إقامتهم بدارنا؛ لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ [التوبة: ٢٩]. (الثاني) من الأحكام: (أن) أهل الذمة (لا يذكروا دين الإسلام إلا بخير)، ولا يذكروه بسوء. (الثالث) من الأحكام: (أن لا يفعلوا ما فيه ضرر على المسلمين) من غش، وتدليس، وسب، وشتم، ونحو ذلك. (الرابع) من الأحكام: (أن تجري عليهم أحكام الإسلام في) ضمان (نفس)؛ فمن قتل أو قطع طرفا أخذ بموجب ذلك؛ كالمسلم. (و) في ضمان (مال) أتلفه لغيره: (و) في تعرض ل (عرض) بقذف أو سب ونحوه، فيقام عليه ما يقام على المسلم في ذلك. (و) في (إقامة حد) عليهم (فيما يحرمونه) في ملتهم، (كالزنا) والسرقة. (لا) أي: لا يقام عليهم الحد (فيما يحلونه كـ) ـشرب (الخمر) والنكاح المحرم. قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «واليهودي إذا تزوج ببنت أخيه أو بنت أخته، كان ولده منها يلحقه، ويرثه، باتفاق المسلمين؛ لأنه وطء شبهة؛ لاعتقادهم حله». (ولا تؤخذ الجزية من امرأة، وخنثى) مشكل، فإن بان ذكوريته أخذ للمستقبل دون الماضي. (و) لا من (صبي)؛ لأن الجزية بدل القتل، وهما لا يقتلان. (و) لا من (مجنون، و) لا من قن، و لا من (زمن، و) لا من (أعمى، و) لا من (شيخ فان، و) لا من (راهب بصومعة)؛ لأنهم لا يقتلون. ويؤخذ من راهب بصومعة ما زاد على بلغته. والرهبان الذين يتجرون، حكمهم حكم

стр. 737

من تؤخذ منه الجزية. ولا تؤخذ من فقير غير معتمل يعجز عنها. والغني من عده الناسُ غنياً عرفاً. ومتى بذلوا الجزية لزم قبولها. وتجب على معتق، ولو لمسلم، وعلى مبعض بحسابه (١). ومن صار أهلاً للجزية - بأن عقل المجنون، أو بلغ الصغير، أو عتق القن، أو استغنى الفقير - بأثناء حول، أخذ منه إذا تم الحول بقسطه. ومن كان يجن تارة ويَفيقُ أخرى لُفَقَتْ إفاقته، فإذا بلغتْ إفاقته حولاً أخذت منه الجزية. ولا تسقط إن مات، أو جُنَّ، أو عمي بعد الحول، وفي أثنائه تسقط (٢). (وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ) أي: من أهل الذمَّةِ (بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ)؛ لأنها عقوبة سببها الكفر، فسقطت بالإسلام؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولقوله ﷺ : «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» (٣)، وعن ابن عباس: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ جِزْيَةٌ». رواه الترمذي (٤). ويمتهنون عند أخذ الجزية، ويُطالُ وقوفهم حتى يألموا، وتُجرُّ أيديهم وجوباً، وتؤخذ منهم وهم قيام والآخذُ جالس؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ولا يُقبل منهم إرسالها مع أحد، ولا بحوالة.

стр. 738

تتمة: لا تؤخذ الجزية من نصارى العرب ويهودهم ومجوسهم، من بني تغلب بن وائل من ولد ربيعة بن نزار (١)، فإنهم انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية، فدعاهم أمير المؤمنين سيدنا عمر بن الخطاب إلى الجزية، فأبوا، وقال: خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض باسم الصدقة. فقال: «لا آخذ من مشرك صدقة». فلحق بعضهم بالروم. فقال النعمان بن زرقة: يا أمير المؤمنين إن القوم لهم بأس وشدة، خذ منهم الجزية باسم الصدقة. فبعث أمير المؤمنين في طلبهم، وردهم، وضعف عليهم الزكاة (٢). قال في «المبدع»: «الأولى أن يُقال: ويؤخذ عوض الجزية منهم». انتهى؛ لأن الزكاة لا تؤخذ من كافر. وتؤخذ من مال نسائهم وصغارهم ومجانينهم وعميانهم ونحوهم ممن لم تؤخذ منه الجزية، ولا تؤخذ منهم جزية وإن بذلوها؛ لأن أمير المؤمنين عقد الذمة على ذلك، وعقد الذمة مؤبد ليس لأحد نقضه. (فصل) (وَيَحْرُمُ قَتْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَأَخْذُ مَالِهِمْ) بعد إعطاء الجزية (وَيَجِبُّ عَلَى الإِمَامِ حِفْظُهُمْ) منَ العدوِّ، (وَمَنْعِ مَنْ يُؤْذِيهِمْ) من أخذ مالهم وظلمهم؛ لأنهم بذلوا الجزية على ذلك، ما لم

стр. 739

يكونوا بدار حربٍ (وَيُمْنَعُونَ) أي: أهلُ الذمة (مِنْ رُكُوبِ الخَيْلِ)؛ لأنَّ الخيول معدَّةٌ للغزو، والمقصود إذلالهم. وإطلاق الخيل يدخل فيه البغال. قال شيخُنا في «شرحه على الإقناع»: «قلتُ: ولعلَّ المراد: إذا لم ترد للغزو، أو لأنها إذاً كالخيل». (وَ) يُمنعونَ من (حَمْلِ السَّلَاحِ) ومن الرمي بالنبل أو اللعب بالرمح والدبوس (١)؛ لأن في ذلك معونةً لهم علينا. (وَ) يُمنعُونَ مِنْ (إِحْدَاثِ الْكَنَائِسِ) والبيع في دار الإسلام، ومن بناء صومعة لراهب، ومن مجمع لصلاة. (وَ) يمنعون (مِنْ) ترميم (وبِنَاءِ مَا انْهَدَمَ مِنْهَا) أي: من الكنائس ونحوها (٢). (وَ) يُمنعونَ (مِنْ إِظْهَارِ الْمُنْكَرِ) كَنكَاحِ المحارم. (وَ) من إظهارِ الْعِيدِ، وَ إظهارِ (الصَّلِيبِ)؛ لأن ذلك في شروطهم لعبد الرحمن بن غَنْم (٣) الذي أرسلوها إليه (٤)، (وَ) من إظهارِ (ضَرْبِ النَّاقُوسِ). (وَ) يمنعون من (الْجَهْرِ بِ) قراءة (كِتَابِهِمْ). (وَ) يُمنعونَ (مِنْ) إظهارِ (الأَكْلِ وَالشَّرْبِ) بِـ (ـنَهَارِ رَمَضَانَ). (وَ) يُمنعون (مِنْ) إظهارِ (شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ)؛

стр. 740

لما فيه من الأذية لنا، فإن فعلوا [أتلفناهما] (١). وإن صولحوا على أنَّ البلاد لهم وعليهم الجزية أو الخراج، لم يمنعوا شيئاً من ذلك. (وَيُمْنَعُونَ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَ) يُمنعونَ منْ (شِرَاءِ المُصْحَفِ، وَ) مِنْ (شَراءِ كُتُبِ الْفِقْهِ، وَ) كتب (الْحَدِيثِ)، (وَ) يُمنعونَ (مِنْ تَعْلِيَةِ الْبِنَاءِ عَلَى) بناء (المُسْلِمِينَ) ولو كان مشتركاً بين مسلم وذمي، ولو رضي المسلم بذلك؛ لقوله ﷺ : «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ» (٢). ولا يضرُّ مساواة بناء المسلم. ويجب نقض ما زاد، ويضمن ما تلف من بناء جاره المسلم به. ولا يهدم بناء عال ملكوه من مسلم، ولا يعاد عالياً لو انهدم. ولا ينقض بناؤهم إِنْ بَنَى مسلم داراً عندهم دون بنائهم. ويمنعون من دخول مكة المشرفة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. والمراد بالمسجد: الحرم. ولا يمنعون من المدينة المنورة. والمنع لكبيرهم وصغيرهم، ومجنونهم، ورسولهم. ويعزر من دخله عالماً. والإمام يخرج للرسول إن جاءه (٣). ويُخرَجُ من دخله، ولو ميتاً، وينبش قبره، ما لم يَبْلُ. ويمنعون من الإقامة بالحجاز؛ كالمدينة، ....

стр. 741

واليمامة (١)، والينبع (٢). ولا يدخلونها إلا بإذن الإمام. ولا يقيمُونَ لتجارةٍ أكثر من ثلاثة أيام، ويوكلون في دين مؤجل، وإن كان حالاً وُفِّيَ، فإن تعذر جازَتْ إقامتهم له. وسُمي الحجاز حجازاً؛ لأنه حجز بين تهامة (٣) ونجد. وليس لكافر دخول مسجد، ولو أذِنَ له مسلم، وصحح في الشرح وغيره: أنه يجوز الدخول بإذن مسلم (٤)؛ لأنه ﵊ قدِمَ عليه وفد أهل الطائف، فأنزلهم المسجد قبل إسلامهم (٥). وأجيب عنه وعن نظائره: بأنه كان بالمسلمين حاجة، وغير ذلك من الأجوبة. ويجوز استئجار كافر لبناء مسجد. (وَيَلْزَمُهُمُ التَّمْيِيزُ عَنَّا) - معشر الإسلام -، فيشترطه الإمامُ عليهم؛ لاشتراط أهل الجزيرة على أنفسهم ذلك (٦)، فيكون التمييز في شعورهم بحلق مقَادِمِ رؤوسهم بأن يَجرُّوا نواصيهم مقدار الربع من الرأس، ولا يجعلونه كعادة الأشراف، وأن لا يفرِقُوا شعورهم، بل تكونُ جُمةٌ (٧)؛ لأن التفريق من سنة المسلمين.

стр. 742

ويمنعون من التكنّي بكنى المسلمين، كـ «ـأبي القاسم»، وبألقابهم، ك «فخر الدين» ونحوه، ولا يمنعون من التكني بالكلية. ويلزمهم التمييز عنا في الركوب، بأن يركبوا عرضاً على الأكف (١) - جمع إكاف وهو البَرْدَعَةُ (٢) -. ويلزمهم أيضاً التمييز عنا (بِلُبْسِهِمْ) كثوب عَسَلي ليهودي، وفَاخِتِيّ - وهو ما يُضرب إلى السواد - النصراني، وذلك في ثوب واحد، لا في جميع الثياب؛ لحصول المقصود بواحد منها. والمرأة بالخفين مختلفي اللون؛ كأبيض وأحمر ونحوهما، إن خرجت بخف. ويلزمهم التمييز في شدّ خِرَقٍ زُرْقٍ أو صُفْرٍ ونحوها بقَلانِسِهِم (٣) وعَمائِمِهم، مخالفة للونها، وشدّ زُنَّارٍ (٤) فوق ثياب نصراني وتحت ثياب نصرانية. ولا يمنعون فاخر الثياب، ولا العمائم، والطَّيْلَسَانَ (٥)؛ لحصول التمييز بالغيار المذكور من اللباس والزُّنَّارِ، ويلزمهم لدخول حمَّامِنَا جُلْجُلٌ (٦) أو طوق من رصاص أو حديد برقابهم، أو خاتم من ذلك برقابهم، لا من ذهب ونحوه. ويلزمهم تمييز قبورهم عن قبورنا، وينبغي مباعدة مقابرهم

стр. 743

عن مقابرنا. وظاهره: وجوباً، كما صرح به في «الإقناع». وإن تحاكموا إلينا فلنا أن نحكم بينهم أو نتركهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، وإن اتجر إلينا حربي أخذ منه العشر، وإن كان ذمياً أخذ منه نصف العشر؛ لفعل عمر - رضي الله تعالى [عنه] (١) -، مرةً في السنة فقط. ولا تعشر أموال المسلمين بوجه من الوجوه، ويحرم أخذه، وكذا الكُلَفُ التي ضربها الملوك على الناس بغير طريق شرعي، إجماعاً (٢). قال القاضي: «لَا يسُوغُ فِيهَا اجْتِهَادٌ» (٣). (ويكره لَنَا التَّشَبُّهُ بِهِمْ) في اللبس ونحوه؛ لأنه منهي عنه (٤) إجماعاً (٥). ويجب عقوبة فاعله (٦). (وَيَحْرُمُ الْقِيَامُ لَهُمْ) أي: لأهل الذمة؛ لأنه تعظيم لهم. (وَ) يحرمُ (تَصْدِيرُهُمْ فِي المَجَالِسِ) لأنه في معنى تعظيمهم. والمبتدع، كرافضي. قال شيخنا في «شرحه على الإقناع»: «قلتُ: ويكره - يعني: القيام والتصدير في المجالس - لمن يُسنُّ هجره، كمجاهر بمعصيته؛ كعيادته». ولا يُوقَّرُونَ كما يوقّرُ المسلم. (وَ) يحرمُ (بَدَاءَتُهُمْ

стр. 744

بالسلام)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: «لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيقها» رواه الترمذي. فإن كان معهم مسلم نوى بسلامه المسلم. (و) يحرم بداءتهم (بـ: «كيف أصبحت» أو) ب: «كيف (أمسيت») أ (و: «كيف أنت» أو:) «كيف (حالك») نص عليه الإمام. قال في رواية أبي داود: «هذا عندي أكبر من السلام» (١). وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «يجوز أن يقال له: أهلا وسهلا، وكيف أصبحت ونحوه» (٢). ويجوز أن يقال للذمي: «أكرمك الله، وهداك الله» - يعني: بالإسلام، وأن يقال: «أطال الله بقاءك وأكثر مالك وولدك» قاصدا بذلك كثرة الجزية. وإن أراد المسلم أن يكتب للكافر كتابا كتب فيه: «سلام على من اتبع الهدى». (وتحرم تهنئتهم وتعزيتهم وعيادة) مرضا (هم) وشهادة أعيادهم. والنهي عن ذلك؛ لأنه في معنى النهي عن السلام في حديث أبي هريرة المتقدم. (ومن سلم على ذمي) يظنه مسلما (ثم علمه) ذميا (سن) للمسلم (قوله) للذمي: («رد علي سلامي»)؛ لما روي عن ابن عمر: أنه مر على رجل فسلم عليه فقيل له: إنه كافر. فقال: رد علي ما سلمت عليك فرد عليه. فقال: «أكثر الله مالك وولدك»، ثم التفت إلى أصحابه فقال: «أكثر للجزية» (٣). (وإن سلم

стр. 745

الذِّمِّيُّ) على المسلم (لَزِمَ) المسلمَ (رَدُّهُ، فَيُقَالُ) في ردّه: («وَعَلَيْكُمْ») أو: عليكم بلا واو، وبالواو أولى؛ لحديث الإمام أحمد عن أنس، قال: «نُهِينَا - أَوْ أُمرْنَا - أَنْ لا نزيدَ أَهْلَ الذِّمَّةِ عَلى وَعَلَيْكُمْ» (١). (وَإِنْ شَمَّتَ كَافِرٌ مُسْلِماً أَجَابَهُ) المسلم العاطس بقوله: «يهديك الله»، وكذا إن عطس الذمي؛ لحديث أبي موسى: أنَّ اليهود كانوا يتعَاطَسُونَ عند النبي ﷺ رجاء أن يقول لهم: «يرحَمكُمُ اللهُ» فكان يقولُ: «يَهْدِيكُمُ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ» رواه أحمد (٢). (وَتُكْرَهُ مُصَافَحَتُهُ) أي: مصافحة الذمي، نصّاً. ويكره التعرض لما يوجِبُ المودَّةَ بينهما؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢]. تتمة: وإن تهوَّدَ نصراني أو تنصر يهودي لم يقر؛ لأنه انتقل إلى دين باطل أقر ببطلانه، أشبه المرتد، فلم يقر عليه، ولم يُقبل منه إلا الإسلام، أو الرجوع إلى دينه الأول. فإن أبَاهُما هُدِّدَ وضُرِبَ وحبس حتى يُسلِمَ أو يرجع إلى دينه، ولا يقتل؛ لأنه أقر عليه أولاً فيقر عليه ثانياً، ولأنَّه لم يخرج عن دين أهل الكتاب. وإن انتقلا أو انتقل مجوسي إلى غيرِ دين أهل الكتاب لم يقر؛ لأنه أدنى من دينه، أشبه المسلم إذا ارتدَّ، ولم يقبل منه إلا الإسلام، نصاً (٣). فإن أبى الإسلام قُتِلَ بعد استتابته ثلاثة أيام. وإن انتقل غير كتابي ولو مجوسياً إلى دين أهل الكتاب أقِرَّ. وإن تزندق ذمي لم يُقتل.

стр. 746

وإن كذب نصراني بموسى خَرَجَ من دينه، ولم يقر على غيرِ الإسلام. فإن أباهُ قُتِلَ بعد الاستتابة ثلاثة أيام. ولا يخرج يهودي من دينه إن كذَّب بعيسى ﵊؛ لأنه ليس فيه تكذيب لنبيه موسى ﵊. (فصل) (في نَقْضِ العَهْدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِه) فَـ (ـمَنْ أَبَى مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بَذْلَ جِزْيَةٍ، أَوْ أَبَى الصَّغَارَ، أَوْ أَبَى الْتِزَامَ حُكْمِنَا) سواء شُرِطَ عليهم ذلك أو لا، ولو لم يحكم عليه بها حاكمنا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] قيل: الصغار التزام أحكامنا. أو قاتلنا منفرداً، أو مع أهل حرب، أو لحق بدار حرب مقيماً، لا لتجارة ونحوها. (أَوْ زَنَا بِمُسْلِمَةٍ) نصاً (١)؛ لما روي عن أمير المؤمنين عمر: أنه رُفِعَ إليهِ رجل أراد استكراه امرأة مسلمةٍ على الزنا، فقالَ: «مَا عَلى هذا صَالَحْنَاكُمْ»، فأمر به فصُلِبَ في بيت المقدس (٢). قال في «الإقناع»: «وَلا يُعتَبَرُ فيهِ أداء الشهادة على الوجه المعتبر في المسلم، بل يكفي استفاضَةُ ذلك وإشهاره. قالَهُ الشيخ تقي الدين ابن تيمية». قال في «المبدع»: «وفِيهِ شيءٌ». (أَوْ أَصَابَهَا) أي: المسلمة (بِ) اسم (نِكَاح) قال شيخنا في شرحه على الإقناع (٣): «وقياس الزنا اللواط

стр. 747

بالمسلم على ما ذكره الشيخ السَّرَّاجُ البُلْقِينِي الشَّافِعِي». (أَوْ) تعدى بـ (ـقطع الطَّرِيقِ) أو التجسس للكفار، أو آوى جاسوساً. (أَوْ ذكر اللهَ تَعَالَى، أَوْ) ذكر كتابه، أو ذكرَ (رَسُولَهُ) ﷺ ، أو ذكر دين الإسلام (بِسَوْءٍ) ونحوه. قيل لابن عمر: إنَّ راهباً يشتم رسول الله ﷺ ، فقال: «لو سمعته لقتلته، إنَّا لم نُعْطِ الأَمَانَ عَلَى هذا» (١). ولأن في ذلك ضرراً على المسلمين، أشبه الامتناع من الصغَارِ. ومن سمع المؤذن يؤذن فقال له: كَذَبْتَ، قال الإمام أحمد: «يقتل» (٢). (أَوْ تعدى) أي: الذمي (عَلَى) ال (مُسْلِمِ بقتل، أَوْ فَتَنَهُ عَنْ دِينِهِ)؛ لأنه ضررٌ يعم المسلمين، أشبه ما لو قاتلهم (انْتَقَضَ عَهْدُهُ) أي: عهد من حصل منه ما ذُكرَ. (وَيُخَيَّرُ الإِمَامُ فِيهِ) أي: في منتقض العهد (كَـ) ـما يخير في (الْأَسِيرِ) الحربي بين قتل، أو رق، أو مَنٌ، أو فداء، كما تقدم؛ لأنه بقي لا أمان له. (وَمَالُهُ فَيْءٌ) في الأصح. قاله في «الإنصاف». وقال العلامة أبو بكر (٣): «ماله لورثته». ومشى عليه صاحب «المنتهى» في باب الأمان (٤) (وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدٌ نِسَائِهِ وَأَوْلَادِهِ) بنقض عهده؛ لوجود النقض منه دونهم. وأما من حملت به أمه وولدته بعد النقض فإنه

стр. 748

يُستَرَقُ ويُسبَى. (فَإِنْ أَسْلَمَ) منتقض العهد (حَرُمَ قَتْلُهُ)، (وَلَوْ سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ) (١) لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وقوله ﷺ : «الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ» (٢). تتمة: إن أظهر الذمي منكراً، أو رفع صوته بكتابه، أو ركِبَ الخيل، أو فعل شيئاً مما تقدم من الذي يُمنعون فعله، لم ينتقض عهده بذلك (٣)؛ لأنَّ العقد لا يقتضيه، ولا ضرر على المسلمين فيه، وإنما يؤدب لارتكابه المحرَّمَ. وقالَ الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «إن جهر الذمي بين المسلمين بأن قال: المسيح هو الله تعالى تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً - عُوقب على ذلك، إما بقتل، أو بما دونه، لا إنْ قالَه سراً» (٤). وإن قال ذمي: هؤلاء المسلمين الكلابُ أبناء الكلاب، إن أراد طائفة معينةً من المسلمين عوقب على ذلك عقوبة تزجره وأمثاله عن العود لذلك، وينتقض عهده، ويجب قتله إن أراد بذلك عموم المسلمين. تنبيه: لا يأذن المسلم لزوجته الذمية أو أمته أن تخرج إلى عيد أو إلى بيعة، ويمنعها من ذلك، ولا أن يشتري للنصرانية زُنَاراً، ولا تُمنع هي من شرائه. فائدةٌ: قالَ ابنُ هُبَيرَة: روي عن الإمام أحمد بن حنبل: أنه

стр. 749

كان إذا رأى يهودياً أو نصرانياً غمَّضَ عينيه، ويقولُ: «لَا تأخذُوا عَنِّي هذا، فإنِّي لمْ أَجِدْهُ عنْ أحدٍ ممَنْ تقدَّم، ولكني لا أستطيع أرَى مَنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ تعالى» (١).

стр. 750

(كتاب الْبَيْعِ) قدمه على الأنكحة وما بعدها؛ لشدة الحاجة إليه؛ لأنه لا غنى للإنسان عن مأكول ومشروب ولباس، فإنَّ المكلف لا يخلو غالباً من بيع وشراء، فيجب معرفة الحكم فيه قبل التلبس به. وهو جائز بالإجماع (١)، لقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، والحديث: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا». متفق عليه (٢)، والحكمة تقتضيه؛ لتعلق حاجة الإنسان بما في يد صاحبه، ولا يبذله بغيرِ عوض غالباً، ففي تجويز البيع وصول لغرضه ودفع حاجته. وهو في اللُّغةِ: أخذُ شيءٍ، وإعطاء شيء. قاله الفهامة الوزير ابنُ هُبَيرَةَ. مأخوذ من الباعِ (٣)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ من المتبايعين يمُدُّ باعه للأخذ والعطاء. أو من المبايعة - وهي: المصافحة؛ لأنَّ كلَّ واحد يصافح صاحبه عند البيع، ولذلك سمي البيع صفقة. وأركانه ثلاثة: العاقد، والمعقود عليهِ، والصيغة المعقود بها. وشرعاً: «مُبادَلة عينٍ مالية ولو في الذمة أو منفعة مباحة مطلقاً غير رباً وقرض بقول أو معاطاة».

стр. 751

(وَيَنْعَقِدُ) يعني: البيعَ حقيقةً (لَا هَزْلًا) بلا قصد لحقيقته، ولا تلجئة وأمانة - وهما: إظهار البيع صورة للاحتياج إليه لدفع ظالم، ولا يراد به باطناً - فلا يصح ذلك، ولو لم يذكراه في العقد؛ لدلالة الحال عليه، والعقد باطل. ويقبل قول بائع في ذلك مع يمينه بقرينة دالة، وإن لم تكن قرينةٌ فلا يُقبل إلا ببينة. (بِالْقَوْلِ) متعلّق ب «ينعقد» (الدَّالَّ عَلَى الْبَيْعِ وَالشَّرَاءِ) كَبِعْتُكَ، أو ملَّكْتُكَ، ونحوه ويقول مشتر: ابتعْتُ، أو قبلْتُ، ونحوه. ويصح تقدم قبول على إيجاب بلفظ أمرٍ؛ كقول مشترٍ: بعني هذا بكذا. فيقول: بعْتُكَه به، ونحوه. أو بلفظ ماض مجرد عن استفهام؛ كاشتريتُ منك كذا بكذا، أو ابتعتُه ونحوه، فيقول: بعتُكَ. وكذا لا يصح ماضياً مثل: أبِعْتَنِي، أو مضارعاً مثل: أتَبِيعُنِي، ونحوه. ويعتبر القبول بأن يكون على وفق الإيجاب في قدْرِ الثَمَنِ؛ فلو قال: بعْتُكَ بعشرة، فقال: اشتريتُ بثمانية لم يصح. وأن يكون على وفقِهِ في: النقْدِ، وَالصَّفَةِ، والحلول، والأجل. ويصح البيع بتراخي أحد الإيجاب أو القبول عن الآخر ما دام البيعان بالمجلس، ولم يتشاغلا بما يقطع البيع عرفاً. نقل شيخنا في «حاشيته على الإقناع» في قوله: «وإن كان غائباً عن المجلس … إلخ»: «فيصح تراخي القبول مع غيبة المشتري؛ لأنه لا يدل على الإعراض عن الإيجاب، بخلاف ما لو كان حاضراً». قال شيخُنا: «ولمْ أرَ المسألة هنا في «الفروع»، ولا «المبدع»، ولا «الإنصاف»، ولا غيرها». وقال: «يأتي في الإِقَالَةِ كلام في «المبدع» من أنه يشترط في البيع أن يكون المتبايعان بالمجلس. لكنها تؤخذ من رواية

стр. 752

أبي طالب في النكاح، قال في رجل يمشي إليه قومٌ فقالوا (١): زوّج فلاناً. فقال (٢): قد زوجته على ألفٍ. فرجعوا إلى الزوج، فأخبروه. فقال: قد قبلت. هل يكون نكاحاً؟ قال: نعم (٣). قال الشيخ تقي الدين: «ويجوز أن يقال: إن كانَ العاقد الآخر حاضراً اعتبر قبوله في المجلس، وإن كان غائباً جاز تراخي القبول عن المجلس» (٤). ويقبلُ: بعْنِي كذا، أو: اشتريتُ كذا، فقال البائع: بارك الله لك فيه، أو: هوَ مبارك عليك، صح البيع. ولو قال: بعْتُكَ إن شاء الله، فقال: قبلْتُ إن شاءَ اللهُ، صحَّ. وكذا لو حصلَتِ الإشارَةُ من أحدهما. وإن كان المشتري غائباً عن المجلس، فكاتبه أو راسله أني بعتُكَ أو بعْتُ فلاناً بكذا، فلما بلغ المشتري قبل، صح، خلافاً لظاهر كلام أكثر الأصحابِ. ذكره شيخُنا في «شرحه على الإقناع» (٥). (و) ينعقد بيع (المُعَاطَاةِ)، فيصح بها في القليل والكثير. نص عليه (٦)؛ لعموم الأدلة، ولأنَّ الله تعالى أحل البيع ولم يبين كيفيته، فوجب الرجوع فيه إلى العرفِ، ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه استعمال إيجاب وقبول في بيع، ولم يزل المسلمون في

стр. 753

أسواقهم وبياعاتهم على ذلك. وبيع المعاطاةِ: (كَ) قولك (أَعْطِنِي بِهَذَا) - اسم إشارةٍ للثمن - (خُبْزاً، فَيُعْطِيهِ مَا يُرْضِيْهِ). أو يقول البائع: خذ هذا بكذا، فيأخذه. وكذا كلُّ ما دلّ على المعاطاة. وكذا ما وَضَعَ ثمنَه وأَخَذَهُ عادةً؛ كحُزَمِ البقل. قال في «المبدع» و «شرح المنتهى» للمصنّف: «وظاهره: ولَو لم يكُنْ المالِكُ حاضِراً». وعُلِمَ من قوله: «عادة» أنَّ ما لا ينضبط ثمنه عادةً كالأقمشة ونحوها لا ينعقد البيع فيه بذلك. ويعتبر في صحة المعاطاة: معاقبة القبض، وكذا: هبة، وهدية، وصدقة (١). وتجهيز ابنة، أو غيرها بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لها وبه قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية. ولا بأس بذوق المبيع عند الشراء، نصاً (٢)، ونقل حرب (٣) عن الإمام: مع الإذن (٤). (وَشُرُوطُهُ) أي: شروط البيع: (سَبْعَةٌ) أشياء: (أَحَدُهَا) أي: أحد الشروط: (الرِّضَا) بالبيع والشراء منهما؛ الحديث: «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» (٥) رواه ابن حبان، (فَلَا يَصِحُ بَيْعُ

стр. 754

المُكْرَهِ) سواء كانَ الإكراه منهُما، أو من أحدهما. هذا إذا كانَ إكراه البيع (بِغَيْرِ حَقٌّ). وأما ما كانَ بحق، كحاكم أكره على بيع مال لوفاءِ دَين، فصحيح. ومن أُكِرَة على وزنِ مالٍ فباعَ مُلكَهُ بسببه، صح؛ لأنه غير مكره عليه. ومن قال لآخر: اشترني من فلان فإني عبده، أو قال شخص: اشتر من فلان عبده هذا - حضر البائع أو غابَ - فاشترى، فبان حراً، فلا عهدة على القائل فيهما؛ لوجود الإقرار دون الضمان، ويؤدَّب القائل والبائع، ويَردُّ ما أخذ. (الثَّانِي) من الشروط: (الرُّشْدُ)، أن يكون البائع والمشتري جائز التصرف. وهوَ: الحرُّ، البالغ، العاقل، الرشيد. (فَلَا يَصِحُ بَيْعُ) ولا شراء (المُمَيَّزِ وَالسَّفِيْهِ، مَا لَمْ يَأْذَنْ وَلِيُّهَما)، ولو في الكثير؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] أي: اختبروهم. ويحرم الإذن بلا مصلحة. ولا يصح من مميز وسفيه قبول هبة ووصية ونحوهما بلا إذنٍ. واختار الموفق والشارح وغيرهما صحته بلا إذن؛ كعبد (١). ويقبل من مميز هدية أُرسل بها. ويصح تصرف صغير - ولو دون تمييز - ورقيق، وسفيه، في يسير بغير إذن ولي وسد. (الثَّالِثُ) منَ الشروط: (كَوْنُ المَبِيْعِ) والثمن (مَالاً)، وهو: ما يباح نفعُه مطلقاً، وما يباح اقتناؤه بلا حاجة بخلاف ما لا نفع فيه؛ كالحشرات، وما فيه نفع محرم؛ كالخمر لدفع لقمة غصَّ بها مع عدم غيره، وما لا يباح إلا عند الاضطرار؛ كالميتة، وما لا يباح

стр. 755

اقتناؤه إلا لحاجةٍ؛ كالكلب. ويصح بيع البغل والحمار؛ لانتفاع الناس بهما، وتبايعهما كلَّ عصرٍ من غير نكير. وكذا نحل منفرد عن كُوَّارَاتِه (١)، ومعها فيها إذا شُوهد داخلاً إليها. واقتصر عليه في «المنتهى». وقول أبي الخطاب (٢): «يكفي رؤيته فيها بفتح رأس الكُوَّارَةِ» (٣). ولا يصح بيع كُوَّارَة بما فيها من عسل ونحل؛ للجهالة. ويصح بيعُ طيرٍ لقصدِ صوته (٤)، وبيع دودِ قزّ وبزره (٥)، وبيع هر (٦)، وعنه: لا يصح بيعه (٧)؛ لحديث جابر (٨)، وفيل؛ لإباحة نفعه واقتنائه، أشبه البغل. وكذا ما يُصاد به، وكذا وما يصاد عليه من طيرٍ، كبُومَةٍ تُجْعَلُ شَبَاشَاً - أي: تُخاط عيناها

стр. 756

وَتُرْبَطُ لنزول الطير عليها (١)، أو يُصادُ عليه كدِيديَانُ (٢)، وكذا وسباع طيرٍ لصيد، كباز وصقر، وكذا ولدُها، وفِرَاخُها، وبَيْضُها وسباع البهائم التي تَصلُحُ (٣) للصيد، كفهد؛ لأنه يُنتَفَعُ به في الحال أو المال. ويصح بيع قرد لحفظ، وعَلَقُ (٤) لمص دم ولبن آدمية انفصل منها، ويكره بيعه، نصاً (٥). ويصح بيع قن مُرتَد، ومريض، وجان، وقاتل في مُحارَبَةٍ، وبيع سمك وجراد ميتة، ونحوهما. ولا يصح بيع ميتة، وكذا روثُ نجس، ودهن نجس أو مُتنجِس. ويجوزُ وقده في غير مسجد، ويجوز أن يُطلى بها المراكب ونحوه ولا يصح بيع كلب، ولو كان مُباحُ الاقتناء؛ ككلبِ الصيد؛ للنهي عن ثمن الكلب (٦). ويحرم اقتناء الكلب، إلا كلباً لحراسة ماشية، أو صيد، أو حرث، غير أسود بهيم، أو عقورٍ.

стр. 757

ولا يصح بيعُ تِرْيَاقٍ فيه لحوم حياتٍ أو خمر، وكذا معاجين فيها محرم، وكذا سموم قاتلة كالأفاعي. وأما غيره مما يمكن التداوي بيسيره فيجوز بيعه؛ لنفعه المباح. وإن اجتمع من دخان النجاسة أو الشيء المتنجس شيء فهو نجس، فإن علق بشيء طاهر عُفِي عن يسيره. (الرابع) من الشروط: (أَنْ يَكُونَ المَبِيْعُ مُلْكاً لِلْبَائِعِ) وكذا ثمن، ملكاً تاماً (١) وقتَ العقد (أو) أن يكونَ (مَأْذُونَا لَهُ فِي) بيعـ (ـهِ وَقتَ الْعَقْدِ) من مالكه، أو من الشارع، كولي الصغير ونحوه، وكناظرِ الوقف، ولو لم يعلم المالك الملك بأن ظنه، وكذا لو لم يعلم المأذون له بل ظنّه صح. فإن لم يكن مأذوناً في بيعه (فَلَا يَصِحُ بَيْعُ الفُضُولِيّ) ولا شراؤه، ولا إجارته، ونحو ذلك، (وَلَوْ أُجِيْنَ) تصرفُه (بَعْدُ) أي: بعد البيع، ولو كان بحضرة المالكِ مع سكوته. وأما لو اشترى الفضولي في ذمته ونوى الشراء لشخص لم يسمه؛ صح. ثمَّ إن أجازه؛ كانَ لهُ من حين العقد، وإلا فلمشتر. ولا يصح بيع ما لا يملكه بائع، أو أُذِنَ له فيه، إلا إنْ كانَ موصوفاً بصفات معينة، كبعتك عبد فلان، أو بوصفه له بصفة سلم. ولا يصح بيعُ ما فُتِحَ عَنْوةً ولم يُقسم، وكذا ما جلى عنها أهلها خوفاً منا، أو صولحوا على أنها لهم ولنا الخراج والذي فُتحَ عَنوةً ولم تُقسم: كالشام والعراق، ومصر؛ لأنَّ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه- وقفها على

стр. 758

المسلمين (١). ويصح بيع المساكن التي وُجدَتْ بها حال الفتح، وما حدث بعد الفتح؛ لأنَّ الصحابة اقتطعوا الخُطط بالكوفة والبصرة زمن أمير المؤمنين عمر وبنوها مساكن وتبايعوها من غير نكير، فكان كالإجماع. وقدَّمَ في «الفروع»: عدم جواز بيع بناء ليس منها (٢). وإن رأى الإمام المصلحة في بيع شيء منها مثل أرض تحتاج إلى العمارة، ولا يعمرُها إلا من يشتريها، فباعه أو أقطعه إقطاع تمليك (٣) صح ذلك، وكذا لو بيعت من غير حاكم وحكم بصحته حاكم يراه صح. قاله الموفق وغيره. ولا يصح بيع منازل مكة؛ لأنَّها فُتِحَتْ عَنوةً، ولا الحرم كلّه. ولا تباع المناسك، ولا يصح إجارتها أيضاً؛ لما ورد من حديث ابن شعيب (٤). فإن سكن بمكة بأجرة لم يأثم بدفعها. صححه في الإنصاف. ولا يُملك ماء عِد - بكسر العين المهملة، وتشديدِ الدَّالِ (٥) -؛ كمياهِ عَينٍ ونَقْعِ بئرِ؛ لحديث: «المُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي المَاءِ وَالْكَلَا وَالنَّارِ» (٦). ويصح بيع ما في معدن جارٍ كقَارٍ (٧)، ومِلْحٍ. ولا يصح بيع نابت

стр. 759

من كلا وشوك ونحو ذلك، ولكنَّ مشتَرِيها أحقُّ بها، ومن أخذه يجوز ملكه (١). ونحلُ ربّ الأرضِ أحقُّ بهِ. ويجوز أن يجتني نحلاً، ويأخذ كلاً من أرض غيره بإذنه، ويحرم منعه منه. (الْخَامِسُ) من الشروط: (الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) حَالَ العقدِ؛ (فَلَا يَصِحُ بَيْعُ) العبدِ (الآبِقِ)، وَ لَا بيع الدابة (الشَّارِدِ) من الدواب، ولا جعلهما ثمناً. (وَلَوْ) كانَ البيعُ (لِقَادِرٍ عَلَى تَحْصِيْلِهِما)؛ لنهيه ﷺ عن شراء العبد الآبق (٢). ولا يصح بيع طير في الهواء، ولو ألف الرجوع، ولا سمك في لجة ماءٍ. فإن كان الطير في مكان مغلق عليه، والسمك في ماء صافٍ يشاهده، والماء غير متصل بنهر [و] يمكن أخذه منه - ولو طال زمن أخذه صح بيعه. فإن عجز عن تحصيله فله الفسخ. (السَّادِسُ) من الشروط: (مَعْرِفَةٌ) البائع والمشتري (الثَّمَنَ وَالمَثْمَنَ)؛ لأنَّ جَهَالَةَ المبيع غرر. (إِمَّا بِالْوَصْفِ) مما يكفي فيه الوصف؛ كالسلم، ويجوز تقديمه على العقد. (أَوْ بِالمُشَاهَدَةِ) فيما يحتاج لمشاهدة جميعه، أو بعضه إذا كان يدلُّ على بقيته. (حَالَ الْعَقْدِ) - متعلق بالمعرفة - (أَوْ قَبْلَهُ) أي: قبل العقد (بِـ) ـزمن (يسير) لا يمكن التغير فيه. وما عُرفَ بلمسه أو شمّه أو ذوقه

стр. 760

فكرؤيته. وينفسخ العقد بتلف قبل قبض. وإن اختلفا في صفة، أو تغير فالقول قولُ المشتري بيمينه. ولو باع بغلاً فبان فرساً لم يصح؛ للجهل بالمبيع. ويصح بيع الأعمى بالصفة فيما يصح السَّلمُ فيه، وكذا شراؤه، وله خيارُ الخُلفِ في الصفة. ويصح بيعه وشراؤه فيما يمكنه معرفته، كشم ولمس وذوق. ولا يصح بيع حمل دونَ أمِّه، ولا تعيينه مع أمه، وإنما الحمل تبع (١) لأمه إذا بيعَتْ - كما يأتي في خيار الشرط -. ولا يصح بيع لبن في ضرع، ولا بيض في طيرٍ، ولا مسك في الفأر [ة]- أي: نافجته، وهو وعاؤه؛ لأنه مجهول. ولا لؤلؤ في صدف. واختار في الهداية صحته (٢)؛ لأنها وعاء له. وكذا نوى في تمر، وصوفٍ على ظهر؛ للنهي عنه (٣)، ما لم يكن تبعاً للحيوان في بيعه. ولا بيع ما قد تحمل هذه الشجرة أو الحيوان. ولا يصح بيع مستور في الأرضِ ظاهرٍ ورقه، كلِفْتٍ (٤)، وفجلٍ، وجزرٍ، وقُلْقَاسِ (٥)، وبصل، ونحوه قبل قلعه ومشاهدته؛ لجهالة ما يراد منه. ولا يصح بيع ثوب

стр. 761

مطوي. قال في «شرح المنتهى» للمصنف: «مَا لم يُرَ منهُ ما يَدُلُّ على بقيته». ويملكُ ردَّه بالعيب. ولا يصح بيع ثوب نُسِجَ بعضُه على أن ينسج بقيته. ولا يصح بيع العطاء قبل قبضه - والعطاء: هو قسطه من الديوان، ولا يصح بيع رقعة به. ولا يصح بيع عبد غير معين من عبيد، وكذا شجر من بستان، وشاة من قطيع، ونحوه. ويصح بيعُ أمةٍ حاملةٍ بحُرِّ، ويصح بيع جوز ونحوه في قشره تبعاً له، وكذا حب مشتد في سنبله. ويصح بيع قفيز (١) من صُبرَةٍ (٢) تساوَتْ أجزاؤها وزادَتْ عن قفيز، وكذا رِطلٌ (٣) من دن (٤) ونحوه. ويصح بيع صبرةٍ جُزافاً مع جهلهما أو علمهما؛ لحديث ابن عمر: «كنا نَشتَرِي الطَّعامَ منَ الرُّكبَانِ جُزافاً، فنهانا رسُولُ اللهِ ﷺ أن نبيعه حتى ننقُلَهُ من مكانِه». متفق عليه (٥). وإن

стр. 762

علم بائع أو مشتر وحده حرُمَ، ولكلِّ منهما الفسخ. ومن باع داراً وأرى المشتري حدودها صح البيع، وكذا جزءاً مشاعاً منها. تتمة: يصح البيع بوزن صنجةٍ (١) مجهولة لا يعلمان وزنها، وبكيل لا يعلمان ما يسعُ، ولو كان بموضع فيه ذلك معلوماً. ولو باغ سراً بثمن ثم جهراً بأكثر، فكنكاح (٢). قال في «المنتهى»: والأصح: قول المنقّح في «التنقيح»: «الأظهر أن الثمن هو الثاني إن كان في مدة خيار المجلس، وإن لم يكن في مدة خيار المجلس، فالثمن الأولُ» (٣)، كما في «الإقناع»: «الثمن ما عقدا به سراً» (٤). ولا يصح بمثل ما باع به زيداً، أو بما اشتراه إن لم يعلمانه. ولا يصح بثمن معلوم وشيء محرم؛ كرطلِ خمر، ونحوه، ولا كما يبيع الناس، ولا بما ينقطع به السعر. ولا يصح بقرش ونحوه، والقرش مختلف بالبلد. فإن لم يكن إلا واحدٌ، أو غلبَ أحدهما صح وصرف إليه؛ عملاً بالظاهر. ولا يصح بعشرة نقداً وعشرين نسيئة؛ للنهي عن بيعتين في بيعة.

стр. 763

(السابع) من الشروط: (أَنْ يَكُونَ) المبيع (مُنَجَّزاً) في الحال، (لَا مُعَلَّقاً) بزمنٍ، كَبِعْتُكَ إِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ، أَوْ معلَّقاً برضاً، ك (إِنَّ رَضِيَ زَيْدٌ)، فإنه لا يصح. (وَيَصِحُ) قولُ بائع: (بِعْتُ، وَ) قول مشتر: (قَبِلْتُ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى). (وَ) مِنْ صور بيع تفريق الصفقة: (مَنْ بَاعَ) شيئاً (مَعْلُوماً) كعبدٍ، (وَ) شيئاً (مَجْهُولاً) كثوب غير معين، (لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) في ثمن المعلوم (صَحَ) البيعُ (فِي المَعْلُومِ بِقُسْطِهِ) منَ الثمن، وبطل في المجهول (وَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةٌ المَجْهُولِ وَلَمْ يُبَيِّنُ ثَمَنَ المَعْلُومِ فَ) البيعُ (بَاطِلٌ)؛ لأَنَّ المجهول لا يصح بيعه؛ لجهالته، والمعلوم مجهول الثمن. فإن بين ثمن كلِّ منهما صح في المعلوم بثمنه. ومن يملك بعض شيءٍ مشاعاً فباع الجميع، صح بيع ما يملك بقسطه، ولمشتر الخيار إن لم يعلم، وله الأرش (١) - إن أمسك - فيما يُنقصه تفريق. وإن باعَ قنّه ونحوه مع قنّ غيره بإذنه، صح فيهما وقسط الثمن على قدر قيمتهما. وإن باعه بلا إذن صح في قنّه بقسطه من الثمن. وإن جمع في عقد بين بيع وإجارة، أو نكاح ونحوه بعوض واحدٍ صحا، وقُسْطَ العوض عليهما؛ ليعرف عوض كلّ منهما.

стр. 764

(فصل) في موانع صحة البيع (يَحْرُمُ، وَلَا يَصِحُ بَيْعٌ وَ) لو قل، وكذا (شِرَاءٌ فِي الْمَسْجِدِ)، (وَلَا) يصح أيضاً بيع ولا شراء (مِمَّنْ تَلْزَمُهُ) صلاة (الْجُمُعَةَ)، ولو كان أحد المتعاقدين والآخر لا تلزمه. وفي حق من لا تلزمه مكروه والنهي عن البيع والشراء: (بَعْدَ) الشروع في (نِدَائِهَا) الثاني، وهو الأذانُ (الَّذِي عِنْدَ الْمِنْبَرِ) (١) عقب جلوس الخطيب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، فنهى عن البيع بعد النداء، وألحق به الشراء؛ لأنه أحد شقي العقد، فكان كالشقِّ الآخر. تتمة: الحرمة وعدم الصحة ما لم تدع الضرورة أو الحاجة إليه، كمضطر إلى طعام أو شراب إذا وجده يباعُ، أو كعريان وجد سترةً تباعُ، أو كعادمِ مَاءٍ وجدَ ماءً يُباع للطهارة، وككفن ومؤنة تجهيز لميت خِيفَ فساده بتأخيره، وكشراء مركوب لعاجز، وشراء قائد الضرير لم يجد من يقتده، ونحو ذلك من كل ما دعت إليه الضرورة أو الحاجةُ، فيجوز شراؤه؛ دفعاً للضرورة والحاجة. وخصوا النداء بالثاني؛ لأنه هو الذي كان في زمنه ﷺ فتعلق الحكم به. وأما النداء الأول فحدَثَ في زمن أمير المؤمنين

стр. 765

عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه- (١). قال المنقّح: «أو قبله»، أي: يحرم البيع والشراء قبل النداء الثاني لمَن منزله بعيد، بحيث أنه يدركها». انتهى. فلو كان أحد المتعاقدين يلزمه والآخرُ لا يلزمه؛ كالعبدِ والمرأة فباعا أو شريا ممن تلزمه بعد ندائها لم يصح. قال الموفق والشارح: «وحرم على المخاطب بها، وكُرِهَ للآخر». وكذا إذا وُجد الإيجاب قبل النداء والقبول بعده، أو عكسه. قال شيخُنا في «حاشيته على المنتهى»: «قلت: لو وُجد الإيجاب قبل النداء ممن تلزمه والقبول بعده ممن لا تلزمه فالبيع صحيح؛ لعدم إثم واحد منهما». ويستمر التحريم وعدم الصحة إلى انقضاء الصلاةِ. ولو كان بالبلد جامعين فأكثر - تصح الجمعة فيهم باعتبار كثرة المصلين لضيق واحد أو أكثر - اعتبر أسبقهم نداءً. صححه في الفصول. قال الفهامة الشيخ مرعي (٢) في كتابه «غاية المنتهى» (٣): «ويتجه هذا في حق من يريد الصلاة مع إمامه» (٤).

стр. 766

فرع: النهي عن البيع والشراء وقت النداء، هل هو خاص بوقتِ الوجوب، أو عام بوقتِ الوجوبِ والجواز؟ لأنه تقدم في باب صلاة الجمعة أنَّ وقت صلاة الجمعة يدخلُ من وقت صلاة العيد وهو: من ارتفاع الشمس قيد رمح - وهو وقت جواز، ويستمر وقت الجواز إلى زوال الشمس، فإذا زالت الشمس فهو وقتُ وجوب. وكذا لو صلَّى جماعة في وقت الجواز وآخرون في وقتِ الوجوبِ، فهل يمتنع البيع والشراء عند نداء الصلاة الأولى إلى انقضائها، أم عند نداء الصلاةِ الثانية، أو في حق من يريد الصلاة مع إمامه - على ما وجهه الشيخ مرعي؟ فتأمل (١)!. ويحرم أيضاً الاشتغال بسائر الصناعات من الشروع في النداء الثاني، أو من الوقت الذي إذا سعى فيه أدركها من كان منزله بعيد. (وَكَذَا) يحرم ولا يصح البيع والشراء (لَوْ تَضَايَقَ وَقْتُ) صلاةِ (المَكْتُوبَةِ)، وبقي من الوقت قدر ما يسعُها. قال في «الإنصاف»: «قلْتُ: ويحتمل أن يحرم إذا فاتته الجماعة بذلك، وتعذر عليه جماعة أخرى حيث قلنا بوجوبها». انتهى. فإن لم يؤذن للجمعة حرُمَ وامتنع صحة البيع والشراء إذا تضايق وقتها. ويصح من وجبَتْ عليهِ صلاة الجمعة أن يُمضي وقتَ النداء بيع خيار أو يفسخه. ويصح مع الحرمة تعاطي سائر العقود من نكاح، وإجارة، وصلح، وقرض، ورهن، ونحو ذلك؛ لأن نهي الآية ورد في البيع فقط، فلا يتناول غيره. ويحرم أيضاً مساومة ومناداة ونحوهما في وقت النداء الثاني.

стр. 767

ويكره شرب ماء بثمن حاضرٍ أو في الذمة بعد النداء الثاني. (وَلَا) يصحُ (بَيْعُ الْعِنَبِ) والزبيب ونحوه، (أَوِ الْعَصِيْرِ) المتخذ من ذلك (لمَـ) ـنْ يَـ (ـتَّخِذُهُ) أي: يتخذ ذلكَ (خَمْراً) ولو ذمياً؛ لأنهم مخاطبون بفروع الشريعة. ولا يصح بيع مأكول ومشروب ومشموم لمن يشرب عليه خمراً، أو قدحاً لمن يشرب به. (وَلَا) يصح (بَيْعُ الْبَيْضِ وَالجَوْزِ وَنَحْوِهِمَا) كَبُندِقٍ (لِلْقِمَارِ) أي: لأجلِ القِمار (١). ولا يجوز شراء البيض والجوز المكتسب من القمار، ولا أكله؛ لعدم انتقاله لملك المكتسب. (وَلَا) يصح (بَيْعُ السَّلَاحِ) والترس والدرع (فِي الْفِتْنَةِ) بينَ (ا) لمسلمين، (و) لا يصح بيع السلاح أيضاً (لِأَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ) لـ (ـقُطَاعِ الطَّرِيقِ) إِذَا علم البائع ذلك من مشتريه، ولو بقرائن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. ويصح بيع السلاح لقتال البغاة وقطاع الطريق. (وَلَا) يصحُ (بَيْعُ قِنَّ مُسْلِمٍ لِكَافِرٍ) ولو كان الكافر وكيلاً في شرائه؛ لقوله تعالى: ﴿ … وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] إذا كانَ (لَا يَعْتِقُ) القن المسلم (عَلَيْهِ) أي: على مشتريه الكافر؛ لأنَّ من يعتق عليه كأبيه، وابنه، وأخيه - يصح بيعه ويعتق عليه في الحال.

стр. 768

وإن أسلم عبد ذمي أو عبدٌ مستأمن ذكراً أو أنثى وهو بيده، أو أسلم وهو بيد مشتريه وردَّه على بائعه، أو رد البائع الثمن لعيب ظهر بهِ، أُجبر على إزالة ملكه عنه بنحو بيع أو هبة أو عتق. ولا تكفي كتابة في إزالة ملك؛ لأنها لا تزيل ملك اليد عنه، بل يبقى إلى الأداء. ولا يكفي أيضاً بيع بشرط خيار؛ لعدم انقطاع علقة الملكية عنه. ويدخل العبد المسلم في ملك الكافر ابتداء ب: الإرث من قريب أو زوجته أو مولى، وباسترجاعه بإفلاس المشتري بفسخ بيع، وكذا إذا رجع الأب في هبته العبد لولده بعد إسلام العبد، أو رُدَّ لغبنٍ أو تدليس أو خيار مجلس، أو فسخ في مدة خيار شرط بعد إسلامه، فعند ذلك يجبر على إزالة ملكه عنه كما تقدم. (وَلَا) يصحُ (بَيْعُ بَيْعٍ عَلَى بَيْعِ مُسْلِمٍ) زمن الخيارين (١)؛ لحديث: «لَا يَبْعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» (٢)، (كَقَوْلِهِ لِمَنِ اشْتَرَى شَيْئاً بِعَشَرَةٍ): (أنا أُعْطِيكَ مِثْلَهُ بِتِسْعَةٍ). (وَلَا) يصح (شِرَاءٌ عَلَيْهِ) أي: على شراء المسلم، (كَقَوْلِهِ لِمَنْ بَاعَ شَيْئاً بِتِسْعَةٍ: عِنْدِي فِيْهِ عَشْرَةٌ، وَأَمَّا السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ المُسْلِمِ) فيحرمُ (مَعَ الرَّضَا الصَّرِيحِ) من بائع؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - مرفوعاً: «لا يَسُمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ». رواه مسلم (٣). فإن لم يصرح بالرضا لم يحرم؛ لأنَّ المسلمين لم يزالوا يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة،

стр. 769

فالمزايدة في المناداة جائزة إجماعاً (١). ويصح بيع ما سُومَ على سوم أخيه مع الحرمة؛ لأن النهي ما ورد إلا عن السوم، والسوم خارج عن البيع. (وَ) أما (بَيْعُ المُصْحَفِ) فحرامٌ، ويصح العقد، كما في «المنتهى» تبعاً «للتنقيح»، خلافاً «للإقناع»؛ لأنه مشى على عدمِ صحة العقد. وكذا إجارته ورهنه؛ لما فيه من الابتذال وترك تعظيمه. قال الإمام أحمد: «لا نَعْلَمُ في بَيعِ المصحفِ رخصَةٌ». قالَ ابن عمر: «وَدِدْتُ أنَّ الأيدي تقطعُ في بَيْعِهَا» (٢)، ولأن تعظيمه واجب. ولا يكره شراؤه، ولا إبداله لمسلم بمصحف آخر، ولو مع دراهم منهما أو من أحدهما. قاله صاحب «المنتهى» في شرحه. ويجوز نسخه بأجرة، وهبته، ووقفه ووصية به. ولا يصح بيعه لكافر. وإن ملكه بإرث أو غيره - وفي «غاية المنتهى»: «ويتجه كنسخ واستيلاء - ألزم بإزالة يده عنه (٣)، (وَ) بيع (الْأَمَةِ الَّتِي يَطَؤُهَا) مالكها (قَبْلَ اسْتِبْرَائِهَا فَحَرَامٌ)، (وَيَصِحُ الْعَقْدُ) في جميع ذلك (٤). (وَلَا) يملك، ولا (يَصِحُ التَّصَرُّفُ فِي المَقْبُوضِ) الذي صدر فيه البيعُ (بِعَقْدٍ فَاسِدٍ)، (وَيَضْمَنُـ) ـهُ (هُوَ) أي: المقبوض بعقد فاسد، (وَ) يضمنُ (زِيَادَتُهُ) أي: نماؤُه المتصل والمنفصل،

стр. 770

(كَمَغْصُوبٍ) أي: كما يُضمَنُ المغصوب معَ زيادته، وكمؤاجرة مثله مدة بقائه في يده، انتفع به أو لا. وإن نقص ضمن نقصه. وإن تلف فعليه قيمته يوم تلف ببلد قبضه فيه، إن كان متقوماً، وإلا فمثله. وإن كانت أمةً ووطئها، فلا حدَّ عليه، وعليه مهر مثلي، وأرش بكارتها، فلا يندرج في مهرها، بخلاف الحرة، والولد حر؛ للشبهة، وعليه قيمته يوم وضعه. وإن سقط الولد ميتاً بغير جناية لم يضمنه، وعليه ضمان نقص الولادة. وإن ملكها الواطئ بعد لم تصر أم ولد. تتمة: إذا باع من لم يُرِد تسليم المبيع أو ثمنه، صح البيع، وأجبر على التسليم. وإن قدم بادٍ - أي: مسافر - بلداً ليس من أهلها، لبيع سلعته بسعر يومِهَا، جاهلاً بسعر اليوم، فقصده - أي: أتاه - حاضر عارف بالسعر ليكون له سمساراً (١) ليبيعها له للغير، وكان بالناس إليها حاجة، حرم مباشرة الحاضر له في ذلك، ولم يصح البيع؛ لحديث مسلم عن جابر مرفوعاً: «لَا يَبعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ» (٢)، وحديث ابن عباس: «نهى النبي ﷺ أَنْ نَتَلقَّى الرُّكبَانَ، وأنْ يَبيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قيل لابن عباس: ما قولُه حاضر لباد؟ قال: لَا يَكُونُ له سِمْسَاراً». متفق عليه (٣). ولأنه متى تُرك

стр. 771

البادي يبيع سلعته اشتراها الناسُ برخص ووسع عليهم، وإذا تولّى الحاضر بيعها امتنع منه إلا بسعر البلد، فيضيقُ عليهم. ولو رضيَ أهلُ البلدِ بذلك؛ لعموم الخبر. فإن فُقد شيء مما ذكر - بأن كانَ القادم من أهل البلد، أو بعث بها للحاضر، أو قدم البادي لا ليبيع السلعة، أو ليبيعها لا بسعر الوقت، أو ليبيعها به ولكن لا يجهله، أو يجهله ولم يقصده الحاضر العارف، أو قصده ولم يكُن بالناس إليها حاجة - امتنعت الحرمة [و] صح البيع. كما يصح شراء الحاضر من البائع (١) من غير سمسار؛ لأنَّ النهي لم يتناوله لفظاً ولا معنى؛ لأنَّ في شرائه له ليس فيه توسعة على الناس ولا تضييق. ويجب على من استخبر عارفاً بسعر أن يخبر بسعر ما جهله المستخبِرُ؛ لوجوب النصح عليه. ومن خاف ضيعة ماله بنهب أو سرقة أو غصبٍ أو غرم ونحوه إذا كان بيده، أو خاف أن يؤخذ منه ظلماً، فباعه، صح البيع له؛ لعدم الإكراه. ومن استولى على ملك غيره بلا حقّ كغصبٍ، أو أنكره حتى يبيعه له، أو منعه الغيرُ عنه حتى يبيعه إياه، ففعل، لم يصح البيع. ومن أودع شهادةً خوفاً على ضياع ماله بأنه يبيعه لفلان خوفاً وتقية، ففعل، عمل بإيداع الشهادة، واستخلص المال.

стр. 772

ومن قال لآخر: اشترني من فلانٍ؛ فإنّي عبده، فظهر حراً؛ فإن أخذ القائل شيئاً استخلص منه، وإلا لم يلزمه ما أخذه البائع، ويطالب البائع بما أخذه، وأُدِّبَ القائلُ والبائعُ. وإن كانتِ القائلةُ أمة ووطئها المشتري حُدَّتْ؛ لكونها حرةً، وأقرَّتْ عَلى ذلك، ولا مهر لها، ويلحق الولد بمشتر؛ لأنه وطء شبهةٍ. ومن باع شيئاً بثمن نسيئة أو بثمن حال لم يقبض، ثم إن البائع اشتراه بنقد أو نسيئةٍ من جنس الأول بأقل مما باعه، حرم ولم يصح الشراء. ولا يصح العقد الأولُ إن قصد به الشراء ثانياً؛ لأنه وسيلة إلى الربا وتسمى هذهِ: «مسألةُ العِينَةِ»، وعكسها كذلك. وإن اشتراه أبوه، أو ابنه، أو وكيله، ونحوه صح، ما لم يكن حيلةً. تنبيه: قال شيخ الإسلام - الشيخ تقي الدين ابن تيمية -: «ويَحرُمُ علَى صاحِبِ الدِّينِ أَنْ يمتَنِعَ من انتظار المعسر حتَّى يقلب عليه الدين. ومتى قال للمعسرِ: إِمَّا أن تقلب وإِمَّا أن تَقُومَ معي إلى الحاكِمِ وخَافَ أن يحبِسَهُ الحاكم - لعدم ثبوتِ إعساره عنده وهو معسر - فقَلَبَ على هذَا الوَجْهِ كانت هذه المقَابَلَةُ حراماً غير لازِمَةٍ بِاتِّفَاقِ المسلمِينَ؛ فإنَّ الغَرِيمَ مُكرَهُ عليها بغيرِ حَقٌّ. ومَنْ نَسبَ جَوازَ القَلْبِ على المعْسِرِ بِحِيلَةٍ مِنَ الحِيلِ إِلى مذْهَبِ بَعْضِ الأَئِمَّةِ فقدْ أخْطَأَ في ذلك وغلط، وإنما تَنازَعَ الناسُ في المعَامَلاتِ الاختيَارِيَّةِ مثلِ التَّورُّقِ والعِينَةِ». انتهى (١). وهذا ظاهر.

стр. 773

والتورق هو: لو احتاج إنسان إلى نقد فاشترى ما يساوي مائةً بمائة وخمسين، فلا بأس (١)، نصاً (٢). وإن باع إنسان ما يجري فيه الرِّبا - كالمكيل والموزون - بثمن نسيئة، ثم اشترى المشتري بثمنه الذي في ذمته قبل قبضه من جنسه مكيلاً أو موزوناً، أو اشترى بالثمن المذكور ما لا يجوز بيعه بالمبيع، حرم ولم يصح. فإن اشتراه بثمن آخر وسلَّمه إليه، ثم أخذه وفاء، أو لم يسلمه واشتراه في ذمته وقاصصه به جاز. ويحرم التسعير على الناس؛ لحديث أنس قال: غلا السِّعْرُ على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسُولَ الله، غَلا السِّعْرُ، فَسَعِّرْ لنا. فقال: «إِنَّ اللهَ هُوَ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّزَّاقُ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمِ وَلَا مَالٍ». رواه أبو داود (٣). ويكره المشترى بذلك السعر. وإن هدَّد المشتري من خالف التسعير حرُمَ ولم يصح البيعُ؛ لأنَّ الوعيد إكراه. ويحرم قوله لبائع: بع كالناسِ. فرع: يحرم الاحتكار في قوتِ الآدمي فقط. - والاحتكار: أن

стр. 774

يشتري القوتَ للتجارة ويحبسه ليَقِلَّ، فيغلُو .. وبالحرمين أشدُّ تحريماً. وفي الرعاية الكبرى وغيرها: «أنَّ من جلب شيئاً، أو استغلَّه من ملكه، أو مما استأجره، أو اشترى شيئاً زمن الرخص ولم يضيق على الناس إذاً، أو اشتراه من بلد كبير - كبغداد والبصرة ونحوهما - فله حبسه حتى يغلو، فليس بمحتكِرٍ، نصاً (١). وترك الادخار لذلك أولَى» (٢). قال في «تصحيح الفروع» - بعد ذكره ذلك -: «قلتُ: إِنْ أرَادَ بفعل ذلك وتأخيره الكسب فقط كُره، وإن أراده للتكسب ونفع الناسِ عندَ الحاجة إليه لم يكرَهُ». ويجبرُ المحتكر على بيعه كبيع الناس، فإن أبى وخيف التلفُ فَرَّقَه الإمام، ويردُّون مثله عند زوال الحاجة. وكذا سلاح احتيج إليه. ولا يكرَهُ ادخار قوت لأهله ودوابه سنةً وسنتين، نصاً (٣). وروي أنه ﷺ ادَّخَرَ قوتَ أهلِهِ سنةً (٤).

стр. 775

(بَابٌ) (الشُّرُوطُ فِي البَيْعِ) أي ما يَشْتَرِطُ أحدُ المتعاقدين على الآخر. (وَهِيَ) أي: الشروط. والشُّرُوطُ: جمعُ شرط. والشَّرْطُ معناهُ لغةً: العلامة. واصطلاحاً: «ما يلزَمُ من عدمِهِ العدم، ولا يلزَمُ من وجوده وجود ولا عدم لذاته». والمراد بالشرط هنا: إلزامُ أحدِ المتبايعين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة. وذلكَ (قِسْمَانِ): القسم الأولُ: (صَحِيحٌ لَازِمٌ) يعتبرُ في صلب العقد، أو بعده في مدة خيار المجلس. (وَ) القسم الثاني: (فَاسِدٌ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ). (ف) الشرطُ (الصَّحِيحُ: كَشَرْطِ تَأْجِيْلِ الثَّمَنِ أَوْ) تأجيل (بَعْضِهِ) إلى أجل معين، أو نقدِ الثمن معَ غيبة المبيع المنقول عن البلد، ولو كان البلد بعيداً. (أَوْ) شرْطُ (رَهْنٍ) معين، ويصح شرط رهن المبيع نفسه على الثمن. (أَوْ) شرْطُ (ضَمِينٍ مُعَيَّنٍ)، وكذا شرط كفيل بدنِ مشترٍ معين. فإن لم يكن معين بطل الشرط و … (١) المبيع (أَوْ شَرْطُ صِفَةٍ فِي المَبِيْعِ كَ) كونِ (الْعَبْدِ كَاتِباً، أَوْ صَانِعاً)،
следующие страницы →