مَعْلُومٌ». (لَهُ) أي: الأجلِ المعلومِ (وَقْعٌ فِي الْعَادَةِ، كَشَهْرٍ)، قال في «الكافي»: «أو نصفه، ونحوه» (وَنَحْوِهِ)؛ كشهرين.
ويصح السلم في جنسين - كأرز، وعسل - إلى أجل واحدٍ إن بيَّنَ ثمن كل جنس. ويصح في جنس واحد إلى أجلين، كبعضه في رجب، وبعضه في رمضان، إن بين قسط كل أجل. ويصح السلم في لحم، وخبز، ونحوهما، يوجد كلَّ يومٍ جزءاً معلوماً، سواء بين ثمن كل قسط، أو لا؛ لدعاء الحاجة إليه. وإن حصل إلى أجل معلوم، كرجب، أو فيه، أو إليه، صحَّ، وحلَّ بأوله.
تتمة: يقبل قول مسلم إليه في قدر الأجل؛ لأنَّ الأصل بقاء الأجل. وفي مضيِّه، وفي مكان التسليم، بيمينه. وإن اختلفا في أداء المسلم فيهِ، فقولُ المسلِمِ بيمينه؛ لأنه منكر القبض، والأصل عدمه. فإن اختلفا في قبض الثمن فقول المسلم إليه بيمينه. وإن اختلفًا في القبض في المجلس قبل التفرق أو بعده، فقولُ مَنْ يَدَّعِي القبض في المجلس؛ لأنه يدَّعي الصحة، والظاهر في العقود الصحة. ومن أتى بسلم أو غيره قبل حلوله، ولا ضرر عليه في قبضه، من خوفٍ، أو مؤنة حمل، أو قدم، أو حداثة، لزمه قبضه، نصاً (١). فإن كانَ فيهِ ضررٌ - كالأطعمة والحبوب، أو الزمن مخوفاً، فلم يلزمه قبضه قبل محله - بكسر الحاء .. وإن أحضره في محله، أو بعده، لزمه قبضه مطلقاً.
الشرطُ (الْخَامِسُ) [مِنْ شروط السلم]: (أَنْ يَكُونَ) المسلم فيهِ
стр. 842
(مِمَّا يُوجَدُ غَالِباً عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ)، سواء كان موجوداً حال العقد، أو معدوماً. فإنْ كانَ إلى أجل، لم يمكن وجوده فيه، فلا يصح السلم. وإن أسلم إلى وقت يوجد فيه تماماً، فانقطع، وتحقق بقاؤه، لزم تحصيله. فإن تعذر أو بعضُه خير مسلم بين صبر إلى وجوده، أو فسخ فيما تعذر، ويرجعُ برأس مال، أو عوضه - إن عُدِمَ - بمثل مثلي، وقيمة متقوم.
الشرط (السَّادِسُ) من شروط السلم: (مَعْرِفَةٌ قَدْرِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ)، ومعرفةُ صفتِه. (وَ) يشترط (انْضِبَاطُهُ) أي: رأس السلمِ بصفة.
فائدة: وما لم يمكن وزنه بميزان - كالأحجار الكبار - فيجعلُ الأحجار في سفينة، وينظر إلى أي موضع يغوص في الماء، فيعلّمُ، ثم يرفع ويحط مكانَه رملٌ أو أحجار صغار، إلى أن يبلغ الماء الموضع الذي كان بلغه، ثم يوزنُ، فما بلغ فهو زنة ذلك الشيء.
(فَلَا تَكْفِي مُشَاهَدَتُه) أي: رأس مال السلم، كما لو عقداه على صبرةٍ لا يعلمان قدرها ووصفها.
(وَلَا يَصِحُ) السلمُ (بِمَا لَا يَنْضَبِطُ)؛ كجوهر، وكتب، ونحوه. ويردُّ ما قبض من ذلك إن وُجد؛ لفساد العقد، وإن لم يوجد ما قُبض، فقيمته. فإن اختلفا في القيمة، فقول مسلم إليه بيمينه. فإن قال مسلم إليه: لا أعرف قيمته، فعليه قيمة مسلّم فيهِ مؤجلة بأجل المسلم.
الشرط (السَّابِعُ) من شروط السلم: (أَنْ يَقْبِضَهُ) رأس مال السلم (قَبْلَ التَّفَرُّقِ مِنْ مَجْلِسِ الْعَقْدِ)، تفرقاً يبطل خيار
стр. 843
مجلس (١)؛ لئلا يصير بيع دين بدين. وكالقبض: ما كان بيد المسلم إليه أمانة للمسلم، أو غصباً، ونحوه، فيصح جعله رأس مال سلم، لا جعل ما في ذمة؛ لأنه يكون بيع دين بدين، فلا يصح.
(وَلَا يُشْتَرَطُ) في السلمِ (ذِكْرُ مَكَانِ الوَفَاءِ)؛ لأنه لم يَرِدْ في الحديث، وهو كباقي البيوع؛ (لِأَنَّهُ يَجِبُ) الوفاء (مَكَانَ الْعَقْدِ) أي: عقد السلم إذا كانَ محلَّ إقامة. (مَا لَمْ يَـ) ـكُنِ الـ (ـعَقْدُ بِبَرِّيَّةٍ، وَنَحْوِهَا) كسفينة، أو دار حرب، أو جبل غير مسكون؛ لأنه لا يمكن التسليم في ذلك المكان. (فَيُشْتَرَطُ) حين ذاك تعيين مكان للوفاء. فإن دفع السلمَ في غيرِ محلّ ما وقع عليه العقد، من غير أجرة حملٍ، وتراضيا، جاز. ومع الأجرة لا يصح، ولو تراضيا عليه؛ لأنه اعتياضُ عن بعض السلمِ.
(وَلَا يَصِحُ أَخْذُ رَهْنٍ، أَوْ كَفِيلٍ بِمُسْلَمٍ فِيهِ)؛ لما رُويَتْ كراهته عن علي، وابن عباس، وابن عمر (٢). ولا يصح اعتياض عن السلم (٣)، ولا بيعه (٤)، ولا بيع رأس ماله الموجود بعد فسخ عقد، إذا كان قبل قبضه، ولو لمن هو عليه. ولا تصح حوالة به، ولا عليه؛ لما ورد من نهيه ﷺ عن بيع الطعام قبل قبضه (٥)، ولأنه مبيع لم يدخل في ضمانه، فلم يجز بيعه قبل قبضه؛ كالمكيل،
стр. 844
ولحديثِ: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ» (١).
تتمة: تصح الإقالة في سلم، وفي بعضه. ومن له سلم، وعليه سلم من جنسه، فقال لغريمه: اقبضه لنفسك، لم يصح؛ لأنه حوالة به. ويصح إن قال: اقبضه لي، ثمَّ لكَ. وتصح هبة كل دين لمدين فقط؛ لأنه إسقاط، فهو ممتنع لغيرِ مَنْ هو عليه. ويصح بيع دين مستقر، من ثمن وقرض، وأجرة استوفى نفعها، ونحوه، لمدين فقط، بشرط قبض عوضه قبل التفرق من المجلس (٢). وعدم صحة بيع الدين لغيرِ مَنْ هوَ عليه؛ لعدم القدرة على تسليمه، أشبه الرقيق الأبق. ولا يصح بيعُ غير مستقر، كدَينِ كتابة، وأجرة قبل استيفاء نفعها.
ومن استحق على غريمه مثل ما له عليه، قدراً، وصفةً، حالين، أو مؤجلين أجلاً واحداً، تساقطا؛ لاستوائهما، أو سقط الأقلُّ منَ الأكثر إن تفاوتا. هذا إذا كان أحد الدينين أو هما غير سلم، أو كانَ لم يتعلق به حق؛ كرهن بيع لرب الدين ليقضى به دين آخره، فإنه لا يقاصص بذلك؛ لتعلق حق الغير به. وكذا عين المفلس تعلق به غرماؤُه. ومَن دفع ديناً [فنوى به وفاء دينه، برئ]، وإِلَّا فمتبرعٌ؛ لعدم النية، وما ذكروه في الأصول - أن ردَّ الأمانة وقضاء الدين واجب لا يقف على النية - أي: نية التقرب. وتكفي نية حاكم في وفائه قهراً، من مديون لامتناعه، أو مع غيبته؛ لقيامه مقامه.
стр. 845
ومن عليه دين لا يعلم به ربُّه، وجب عليه إعلامه به.
(وإن تعذر حصولُهُ) أي: حصول المسلم، أو تعذر بعضُه بأن لم يوجد، (خُيِّرَ رَبُّ السَّلَم) فيهِ (بَيْنَ) أن يَ (صْبِرَ) لحصوله، فيطالب به، (وَ) بينَ أنْ يَ (فَسَخَ) العقد؛ لعدمه فيما تعذر حصوله، (وَيَرْجِعَ بِ) ما دفعه من رَأْسِ مَالِهِ، أوْ أنْ يرجعَ بِ (بَدَلِهِ إنْ تَعَدَّرَ) وجود رأس ماله، بمثل مثليّ، أو قيمة متقوّم. (وَمَنْ أرَادَ قَضَاءَ دَيْنٍ عَنْ غَيْرِهِ، فَأَبَى رَبُّهُ) أي: ربُّ الدين (قَبُولُهُ، لَمْ يُلْزَمْ) ربُّ الدين (بِقَبُولِهِ) أي: بقبول الدين.
стр. 846
(باب) (القرض)
بفتح القاف، وحكي كسرها، مصدر قرَضَ الشيء يقرِضُه - بكسر الراء - إذا قطعه، ومنه: المقراض. والقرضُ: اسم مصدر، بمعنى الاقتراض. وشرعاً: «دفعُ مَالٍ إرفاقاً لمن ينتفع به ويرُدُّ بدله». وأجمعوا على جوازه؛ لفعله ﵊ (١). وهو من المرافق المندوب إليها للمقرض - والمرفق: ما ارتفقت به وانتفعت.؛ لحديث ابن مسعود مرفوعاً: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُقْرِضُ مُسْلِماً قَرْضاً مَرَّتَيْنِ إِلَّا كَانَ كَصَدَقَةِ مَرَّةٍ» رواه ابن ماجه (٢)؛ لأنَّ فيه تفريجاً، وقضاء الحاجة أخيه المسلم.
(يَصِحُ) القرضُ بِكُلِّ عَيْنٍ يَصِحُ بَيْعُهَا مِنْ مكيل، وجوهر، وحيوان، وغيره. (إِلَّا بَنِي آدَمَ) فلا يصح قرضه (٣)؛ لأنه لم يُنقل قرضهم، ولا هو من المرافق. ولا يصح قرض منفعة.
(وَيُشْتَرَطُ) في القرض (عِلْمٌ قَدْرِهِ) بمقدار معروف. (وَ) يشترط معرفةُ (وَصْفِهِ)؛ ليتمكن من ردّه. (وَ) يشترط (كَوْنُ
стр. 847
المُقْرِضِ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ)، فلا يَقْرِضُ وليُّ يتيم منْ مالِ اليتيم، ولا ناظر وقف من مال الوقف.
ومن شأنه: أن يصادف ذمةً، بأن يكون في ذمة معينة - فائدة: إن قال مقرِضُ لمقترض: ملَّكْتُكَ، ولا قرينة على ردّ بدله، فهبة -، فلا يصح قرض لجهة، كمسجد، وقنطرة، ونحو ذلك مما لا ذمة له. قاله ابن نصر الله في حواشي الفروع (١). لكن يأتي أنه يصح اقتراض ناظرِ الوقفِ عليه، والإمام على بيت المال.
(وَيَتِمُّ الْعَقْدُ) أي: عقد القرضِ (بِالْقَبُولِ). (وَيَمْلِكُ) ما اقترض بقبض. (وَيَلْزَمُ) العقدُ (بِالْقَبْضِ؛ فَلَا يَمْلِكُ المُقْرِضُ اسْتِرْجَاعَهُ)؛ للزومِهِ مِنْ جهته، إلا إن حجر على مقترض لفلس، فيملك مقترض الرجوع فيه إن وجده؛ لحديثِ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ» (٢). وللمقترض أن يشتري بالقرض من مقرضه. (وَيَثْبُتُ لَهُ) أي: للمقرضِ طلبُ (الْبَدَلِ حَالاً) أي: في الحال. (فَإِنْ كَانَ) القرضُ (مُتَقَوْماً فَ) لَهُ قِيمَتُهُ وَقْتَ الْقَرْضِ. وَإِنْ كَانَ الْقَرْضَ مِثْلِيّاً فَلَهُ (مِثْلُهُ). وإن شرط مقرض الرد بعينه لم يصح. ويجب على مقرضٍ قَبول قرض مثليّ رُدَّ بعينه، (مَا لَمْ يَكُنِ) المردود بعينه (مَعِيباً) بعيب عند المقترض؛ كحنطة ابتلَّتْ أو تسوسَتْ؛ لما فيه من الضرر. بخلافِ متقوَّمٍ رُدَّ بعينه، فلا يلزمه قبوله؛ لأن الواجب له قيمته. (وَ) ما لم يكن (١) لمَرْدُ (و) د بعينه (فُلُوساً، وَنَحْوَهَا) كدراهم مكسرةٍ، (فَيُحَرِّمُهَا) أي: يمنع الناس
стр. 848
من المقابلة بها (السُّلْطَانُ، فَلَهُ) أي: فَللمقرِضِ (الْقِيْمَةُ) عن الفلوس والدراهم المكسرة وقت القرض، سواءٌ نقصت قيمتها قليلاً أو كثيراً؛ لأنه كالعيب؛ فلا يلزمه قبولها. وسواء كانت باقية أو استهلكها، وتكون القيمة من غير جنس الدراهم. وكذا المغشوشة إذا حرمها السلطان. ويجب على مقترض ردُّ مثل فلوس اقترضَها، غَلَتْ، أو رخصَتْ أو كسدت؛ لأنها مثلية. ويجب ردُّ مثل مكيل وموزون. فإنْ أُعوِزَ - أي: عزَّ المثل - فلم يوجد، فعليه قيمته يوم إعوازه؛ لأنه يومُ ثبوتها في الذمة. ويجب ردُّ قيمة غير مكيل وموزون؛ لأنه لا مثلَ لهُ، فضُمنَ بقيمته. فجوهر، ونحوه يومَ قبض؛ لاختلافِ قيمته في الزمن اليسير؛ لكثرةِ الراغبِ وقلتِه. وغير الجوهر - كمعدود ومذروع - يوم قرض.
(وَيَجُوزُ شَرْطُ رَهْنٍ، وَضَمِيْنٍ فِيْهِ) أي: في القرض. (وَيَجُوزُ قَرْضُ المَاءِ كَيْلاً، وَ) قرضُ (الْخَبْزِ وَالْخَمِيرِ عَدَداً، وَرَدُّهُ عَدَداً بِلَا قَصْدِ زِيَادَةٍ)؛ لحديث عائشة قالت: قلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الجِيرَانُ يَسْتَقْرِضُونَ الخبز والخميرَ وَيَرُدُّونَ زِيَادةً ونقصاناً؟ فقالَ: «لَا بَأْسَ إِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَافِقِ النَّاسِ لَا يُرَادُ بِهِ الْفَضْلُ» (١) رواه أبو بكر في الشافي (٢). ويثبت البدل في ذمة المقترض حالاً، ولو مع تأجيله؛ لأنه وعد لا يلزم الوفاء به. وكذا كل دين حالٍ أو مؤجل حلَّ فلا يصح تأجيله.
стр. 849
(وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعاً (١) فَحَرَامٌ)، (كَأَنْ) شرط المقرض على المقترض أنْ (يُسْكِنَهُ دَارَهُ، أَوْ يُعِيرَهُ دَابَّتَهُ، أَوْ يَقْضِيَهُ خَيْراً مِنْهُ) وعدم جوازه؛ لأنَّ القرض عقد إرفاق وقربة، فإذا شرط فيه الزيادة أخرجه عن موضوعه. ولا فرق بين الزيادة في القدر والصفة، مثل أن يقرضه مكسرةً فيقضيه صحاحاً، ونحو ذلك، كأن يبيعه شيئاً فيرخصه له، أو يعمل له عملاً، أو أن ينتفع بالرهن، أو أن يسكنه عقاراً بزيادة، أو أن يبيعه شيئاً أكثر من قيمته، أو أن يستعمله في صنعة ويعطيه أنقص من أجرة مثله، ونحوه من كل ما فيه جر منفعة. وكذا إن شرط أن يقضيه في بلد أخرى، وفي المغني والشرح: إن لم يكن لحمله مؤنةٌ جاز، وإلا حرم (٢).
(وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ) كَلَّه (بِلَا شَرْطٍ، أَوْ قَضَى) المقترض (خَيْراً مِنْهُ بِلَا مُوَاطَأَةٍ) بينهما في ذلك (جَازَ) أو عُلمَتْ زيادته لشهرة سخائه وكرمه، جاز ذلك؛ لأن النبي ﷺ استَسْلَفَ بَكْراً فَرَدَّ خَيْراً منه، وقَالَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً» متفق عليه من حديث أبي رافع (٣). وإن فعل مقترض ذلك قبل الوفاء، ولم ينو مقترض احتسابه من دينه، أو لم ينو مكافأته، لم يجز، إلا إنْ جَرَتْ عادةً بينهما به قبل قرض؛ لحديث أنس مرفوعاً: «إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ فَلَا يَرْكَبُهَا وَلَا يَقْبَلْهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ
стр. 850
جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ» رواه ابن ماجه (١)، وفي إسناده كلامٌ (٢). وكذا كل غريم حكمه كالمقترض. فإن استضافه مقترض حسب له مقرض ما أكل. وأما في دعوات الوليمة ونحوها، فلا يضرُّ ذلك، فهو كغيره.
(وَمَتَى بَذَلَ المُقْتَرِضُ أو الغاصبُ مَا عَلَيْهِ بِغَيْرِ بَلَدِ
الْقَرْضِ) أو الغصبِ (وَلَا مَؤُونَةَ لِحَمْلِهِ لَزِمَ رَبُّهُ) أي: ربُّ القرضِ (قَبُولُ) أخذ (هـ) إذا كانَ ذلكَ (مَعَ أَمْنِ الْبَلَدِ وَالطَّرِيقِ)؛ لعدم الضرر عليهِ. وكذا ثمن، وأجرةٌ، ونحوهما. فإن كان لحمله مؤونة أو البلد والطريق غير آمن، لم يلزمه قبوله. وإن طالب ربُّ قرض أو غصب ببدله ببلدٍ آخر، لزمه دفعُ المثل، إذا كان لا مؤونة لحمله. فإن كان لحمله مؤونة، وقيمته في بلد القرض أو الغصب أنقص من قيمة بلد الطلب، فلا يلزمُ المقترض أو الغاصب إلا قيمته في بلد القرض أو الغصب فقط، وليسَ لهُ الطلبُ بالمثل.
стр. 851
(بَابٌ) (الرَّهْنُ)
هو لغةً: الثبوت والدوام. يقال: ماءٌ راهنٌ، أي: راكدٌ، ونعمةٌ راهنةٌ، أي: راكدةٌ. وقيل: هو الحبسُ؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي: محبوسةٌ. وشرعاً: «توثقةُ دَينٍ، غيرِ سَلَمٍ ودَينِ كتابةٍ، بعينٍ، لا دَينٍ ولا منفعةٍ، يمكن أخذُ الدَّينِ كلِّه أو بعضِه من العينِ أو من ثمنها».
ويصحُّ زيادةُ الرَّهنِ، بأن يرهن رهناً على دَينٍ، ثم يرهنه آخر. ولا يصحُّ زيادةُ دَينٍ، بأن استدان منه مائةً ورهنه عليه رهناً، ثم استدان آخر، وجعل الرَّهن على الثاني؛ لأنه رهن مرهون، ما لم يكن قبل قبض الرَّهنِ، فيصحُّ. ويصحُّ أن يكون الرَّهن من غيرِ من يكون عليه الدَّينُ؛ فيجوز أن يرهَنَ الإنسانُ مالَ نفسه على دين غيره، ولو كان بغيرِ رضا المدين، كما يجوز أن يضمنَهُ بغير رضا المضمون. ولا يصح الرَّهن بدون إيجاب وقبول، أو ما يدلُّ عليهما.
(يصح) الرَّهنُ (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ)، أحدُهَا: (كَوْنُهُ) أي: الرَّهن (مُنَجَّزاً)، لا معلَّقاً. (وَ) الثاني: (كَوْنُهُ مَعَ الْحَقِّ) أي: معَ الدَّين، لا قبله؛ لأنَّ الرهن تابع له، فلم يتقدَّمه. ويصحُ (أَوْ بَعْدَهُ)
стр. 852
أي: بعد الدين، بالإجماع (١). ولا يجوز قبله؛ لأنه وثيقةٌ بحقّ، فلم يجز فعله قبل ثبوتِه. (وَ) الثالثُ: (كَوْنُهُ مِمَّنْ يَصِحُ بَيْعُهُ)، وتبرعه، من جائز التصرف. (وَ) الرابعُ: (كَوْنُهُ مُلْكُ) (٢) الراهِنِ ولو لمنافعه بإجارة، أو للانتفاع به بعارية، بإذن ربهما، لكن ينبغي أن يذكر لهما القدر الذي يرهن عليه، وصفته، ومدته؛ دفعاً لتغريرهما. فمتى أعلمَ رَبَّهُما بشيءٍ من ذلك، ثم خالف ورهنه بغيره، لم يصح الرهن. فإنْ أذِنَ المؤجر أو المعير أن يرهن العين على قدر معين، فرهنَه على أكثر، صح فيما أذن له، وبطل في الزائد. فإن رهنه على دون ذلك صح. ويملكان ربُّهما الرجوع فيهما قبل إقباضه. لكن لا يملك المؤجر الرجوع في الإجارة إلا بعد انقضاء مدة التواجرِ، فإن بيعَ رهن فيهما، رجع مؤجر ومعير بمثل مثلِيّ، والأكثر من قيمة متقوم؛ لأنه إن بيع بأقل من قيمته، ضمن راهن نقصه، وإن بيع بأكثر فقيمته كله لمالكه. (وَ) الخامسُ: (كَوْنُهُ) أي: الرهن (مَعْلُوماً جِنْسُهُ وَقَدْرُهُ وَصِفَتُهُ)؛ لأنه عقد على مال، فاشترط العلم به.
(وَكُلُّ مَا صَحَ بَيْعُهُ) منَ الأعيان، ولو كان نقداً، أو مؤجراً، أو معاراً، أو شركةً مشاعاً، (صَحَ رَهْنُهُ)، ولو على ثمنه. ويصح رهن ما يسرع فساده - كفاكهة رطبة، وبطيخ، ولو رهنه على مؤجل. ويباع بإذن ربه، أو يبيعه حاكم إن لم
стр. 853
يأذن ربُّهُ، ويجعلُ ثمنه مكانه رهناً. غير مكيل وموزون ومعدود ومذروع، وما بيعَ بصفةٍ أو رؤيةٍ متقدمة قبل قبضه؛ لأنه لم يصح بيعه، فلا يصح رهنه. ومن رهن قِناً مسلماً على دَينِ كافر، وشرط أن يكونَ بِيدِ مسلم عَدلٍ، صح. وإن لم يشترط ذلك لم يصح؛ لأنَّ الرهن لا ينتقل الملك فيه إلى الكافر، بخلاف البيع. وكذا كتب حديث، وتفسير. (إِلَّا المُصْحَفَ)، فلا يصح رهنه، ولو لمسلم.
(وَمَا لَا يَصِحُ بَيْعُهُ)؛ كَحُرٌّ، وأم ولد، ووقف، وآبقٍ، ومجهول، ونحوه، (لَا يَصِحُ رَهْنُهُ؛ لعدم استيفاء الدين من ثمنه. (إِلَّا) رهنُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُو صَلَاحِهَا) بلا شرط قطع، فيصح، (وَ) إِلَّا رهنُ (الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبَّهِ) بلا شرط قطع، فيصح؛ لأنَّ النهي عن بيعهما؛ لعدم أمن العاهة، وبتقدير تلفهما لا يفوتُ حقُّ المرتهن منَ الدِّينِ؛ لتعلقه بذمة الراهن. (وَ) إِلَّا رهن (القن) ذكراً أو أنثى (دُوْنَ رَحِمِهِ المُحَرَّمِ)، كولد، ووالد، وأخ؛ لأن تحريم بيعه وحده؛ للتفريق بين ذي الرحم المحرم، وهو مفقود هنا؛ لأنهُ إِذَا استحق بيع الرهن، يباعُ هوَ ورحمه المحرَّمُ، ويستوفي ربُّ الدين من ثمن الرهن بما خصَّهُ، كأن كانت قيمة أم الولد المرهونة إذا بِيعَتْ مع ولدها مائة، وقيمة ولدها خمسون، الجملة: مائة وخمسون، فيستوفي المائة ثمن الرهن في مقابلة دينِهِ، إن كان دينه مائةً. فإن زاد عن دينه فللراهن، وإن نقص فباقيه بذمة الراهن يطلبه منه.
стр. 854
فائدة: قال في الفائق (١) - عند قوله: «يصح أخذ الرهن على عين مضمونة؛ كالمغصوب، والعواريّ، والمقبوض على وجه السَّوْمِ، والمقبوض بعقد فاسد» -: «قلتُ: وعليه يخرج الرهن على عواري الكتب الموقوفة، ونحوها؛ كالأسلحة، والدروع الموقوفة على الغزاة». انتهى (٢). قال شيخُنا في شرحه على «الإقناع»: «إنْ قلْنَا: هما مضمونةٌ، صح، وإلَّا، فلا. ويأتي في العارية أنها غير مضمونة، فلا يصح أخذُ الرهن عليها». قالَ: «وَعُلِمَ من ذلك: أنهُ يصح أخذُ الرهن للوقفِ، فيصح الضمان أيضاً لجهة الوقف؛ لأن ما صح رهنه صح ضمانه»، (وَلَا يَصِحُ رَهْنُ مَالِ الْيَتِيمِ لِلْفَاسِقِ)؛ لأنه تعريض به للهلاكِ، فربما يجحده أو يفرط فيه، فيضيع. فإن شرط جعله بيد عدل، جاز رهنه.
(فصل)
(وَلِلرَّاهِنِ الرُّجُوعُ فِي الرَّهْنِ) أي: يفسخ الرهن؛ لعدم لزومه بدونِ القبض. فإن تصرف الراهن فيه بنحو بيع أو عتق، بطل. ولا يجبر راهن على إقباضِهِ إن امتنع؛ لعدم لزومه، ويبقى الدين بغير رهن. لكن إن شرط البائع الرهن في عقد بيع، وامتنع المشتري من إقباضه، فللبائع الفسخُ. ولا يبطل بنحو إجارة أو تدبير؛ لأنه لا يمنع من البيع. هذَا (مَا لَمْ يَقْبِضْهُ المُرْتَهِنُ)؛ لقوله تعالى:
стр. 855
﴿فَرِهَنُ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. (فَإِنْ قَبَضَهُ) المرتهن (لَزِمَ) الرهن في حق الراهن فقط؛ لأنَّ الحظ فيه لغيره، فلزم من جهته، فلا رجوع للراهن فيه. فإنْ جُنَّ راهن قبل إقباضه اعتبر فيه إذن حاكم. (وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أي: تصرفُ الراهن (فِيهِ) أي: في البيع، إذا كانَ (بِلا إِذْنِ المُرْتَهِنِ، إِلَّا) إِذَا تصرف فيهِ (بِالْعِتْقِ)، فيصح العتقُ، سواء كان الراهن موسراً أو معسراً، نصاً (١)؛ لأنه مبني على السراية والتغليب. لكن يحرُمُ العتق بلا إذنِ المرتهن؛ لإبطاله حقه من عين الرهن. (وَعَلَيْهِ) أي: على الراهن الموسر، أو المعسر إذا أيسر (قِيمَةٌ) الر (هـ) نِ (مَكَانَهُ، تَكُونُ رَهْناً) عوضاً عن الرهن. ولراهن انتفاع برهن بإذن مرتهن، وله وطء أمته المرهونة إذا شرط وطئها، أو بإذن مرتهن. فإن لم يكن إذن ولا شرط، حرُمَ ذلك منه. (وَكَسْبُ الرَّهْنِ إِذَا حصل فيهِ كسبٌ، (وَ) كَذَا (نَمَاؤُهُ) المتصل والمنفصلُ؛ كالسمن، وتعلم الصنعة، والولد، والصوف، ونحوه، وأرشُ جنايةٍ، (رَهْنٌ). وإن وطئ راهن مرهونَةً بغير إذن مرتهن، ولم تحبل فعليه أرش بكارة فقط، فإن بانت حاملاً منه … (٢). (وَهُوَ) أي: الرهن (أَمَانَةٌ بِيَدِ المُرْتَهِنِ)، أو بيدِ مَنْ اتفقا على إبقائه عند جائز التصرف، ولو كان قبل عقد عليه، وكذا بعد وفاءِ دين. (لَا يَضْمَنُهُ) المرتهن ولا مَنْ هوَ عندَه إِلَّا بِالتَّفْرِيطِ)، أو التعدي عليه؛ كسائر الأمانات. (وَ) إن ادع (ى) المرتهن تلف الرهن بحادث ظاهر؛
стр. 856
كنهب، وحريق، وقامت بينةٌ بهِ قُبِلَ. فإن أنكر الراهن التلف به، حلف أنه تلف به، وبرئ (١). وإن لم تقم بينة بالحادث الظاهر لم يقبل قوله؛ لأنَّ الأصل عدمُه؛ لأنه لا تعذَّرُ إقامة البينة عليه. وإن ادعى تلفه بسبب خفي؛ كسرقة، ونحوها، أو لم يعيّن سبباً (قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ فِي تَلَفِهِ). (وَ) كذا يقبل قوله بيمينه في (أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطُ) في الرَّهْنِ. ولا يسقط الدين بتلفِ الرهن، ولا يلزم الراهن أن يرهن مكان ما تلف من الرهن (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الرَّهْنِ، فَبَاقِيْهِ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الْحَقِّ)؛ لتعلقِ الحقِّ كلّه بجميع أجزاء الرهن. (وَلَا يَنْفَكُ مِنْهُ) أي: من الرهن (شَيْءٌ حَتَّى يَقْضِيَ الدَّيْنَ كُلَّهُ)؛ لتعلقِ حق الوثيقة به، فيصير محبوساً بكلِّ جزء منه، ولو مما ينقسم إجباراً، أو قضى أحد الوارثين حصته من دين مورثه، فلا يملك أخذ حصته منه.
تنبيه: من كانَ عليه دين، فبعض الدين عليه رهن أو كفيل، وبعضُه من غير شيء، فقضى بعض الدين الذي عليه، وقع القضاء عما نواه قاض لدينه؛ لأنَّ التعيين له، فينصرف إليه، ويقبل قوله في نيته؛ لأنها لا تعلم إلا منه. وكذا حكم من أسقط عن مدينه بعض دينه، فيكون عما نواه. فإن أطلق قاض، أو مسقط، صرفه إلى أيهما شاء؛ لملكه ذلك. وإن رُهِنَ رهن عندَ اثنين، فوُفِّي أحدهما، انفك نصيبه. وكذا لو رهناه اثنان فوفَّاهُ أحدهما.
تتمة: لا يمنع الراهن من إصلاح الرهن، ودفع الفساد والضرر
стр. 857
عنه، من سقي شجر، وتلقيح، ومداواة، وفصد، وتشريط (١)، وبيطرة (٢) بهائم ويمنع الراهن من قطع سلعة فيها خطر (٣)؛ للخوف عليه من قطعها. بخلاف ما لو كان به أكلة فإنه يخاف من تركها. ويمنع من ختانه، إلا مع دين مؤجل يبرأ المختون قبل حلول أجله، والزمان معتدل لا يخشى عليه فيه. ولمرتهن مداواة ماشية لمصلحته. وله الرجوع فيما أصرفه على ذلك إن نوى الرجوع، وإلا فمتبرع.
(وَإِذَا حَلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ) المؤجل، (وَكَانَ [الراهن] قَدْ شَرَطَ لِلْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِحَقِّهِ عِنْدَ الْحُلُولِ) أي: حلول الأجل، إن كان مؤجلا، (وَإِلَّا فَ) يكون (الرَّهْنُ لَهُ) أي: للمرتهن، (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ)؛ لفساده، (بَلْ يَلْزَمُ) المدين (الْوَفَاءُ) أي: وفاء دينه، (أَوْ) أَنَّ الراهن (يَأْذَنُ لِلْمُرْتَهِنِ فِي بَيْعِ الرَّهْنِ، أَوْ) أَنَّ الراهن (يَبِيعُهُ هُوَ بِنَفْسِهِ لِيُوَفِّيْهِ) مِنْهُ (حَقَّهُ).
(فَإِنْ أَبَى) الراهن وفاء الدين، أو الإذن للمرتهن في بيعه، أو أبى أن يبيعه هو بنفسه، (حَبَسَ) هُ الحاكم، (أَوْ عَزَّرَ) هُ على ذلك (فَإِذَا أَصَرَّ) بعد الحبس والتعزير (بَاعَهُ الحَاكِمُ) قهراً عليه،
стр. 858
ووفَّى ربَّ الدينِ حقَّهُ من ثمنِهِ (١). وحكم الغائب حكم الممتنع من الوفاء؛ فيبيع الحاكم عليه الرهن، ويوفي منه؛ لأنَّ له النظر في حال الغائب، كما قطع به في التنقيح (٢).
فائدة: لو قال مشتر: رهنتُك عبدي الذي بيدك بألفٍ، فقال: بل بعتنيه بها، أو قال: بعتكه بها، فقال: بل رهنتنيه بها، حلف كل منهما على نفي ما ادعِيَ [عليه به، وسقط الرهن] (٣)، ويأخذ راهن رهنه، [ويبقى] (٤) الألفُ بلا رهن. وإن أرسل زيد عمراً برهن؛ ليرهنه عند بكر، فرهنه على عشرين، وأقبضها له، فأنكر زيد - ربُّ الرهن - قبض العشرينَ، وقال: ما أرسلته ليرهنه إلا على عشرة؛ فإن صدق عمرو - الرسولُ - بكراً على قبض العشرينَ، قُبل قول زيد - الراهن - بيمينه: أنه ما أرسله إلا ليرهنه على عشرة، ولم يقبض سواها. فإن حلف برئ من العشرة الثانية، ويغرمها الرسول للمرتهن. وإن صدَّقَ عمرو - الرسول - زيداً - الراهن - حلف عمرو الرسولُ أنه ما رهنَه إلا بعشرة، ولا قبض إلا عشرة. ولا يمين على راهن؛ لأن الدعوى على غيره. وبحلف عمرو برنا معاً، وإن نكل عمرو غرم العشرة المختلف فيها، ولا يرجع بها على أحد. وإن عدم الرسول أو تعذر [ل] نحو أسر أو مرض، حلف الراهن أنه
стр. 859
ما أذن له في رهنه إلا بعشرة، ولا قبض أكثر منها. ويبقى الرهن بها.
تتمة: إن أذن مرتهن لراهن في بيع الرهن، فله ثلاثة أحوال، أحدها: أن يأذن له في البيع بشرط أن يجعل ثمنه رهناً مكانه لصحة البيع. الثاني: الإذن في البيع بعد حلول الدين، فيصح البيع، ويبطل الرهن في عينه، ويصير الثمن رهناً؛ لأنه بدل الرهن لأخذ الدين الحال منه. وإن كان الرهن المذكور المبتاع على دين حل بعضه وبقي أجل بعضه، فما بقي من ثمن الرهن بعد وفاء ما حل رهن على الباقي المؤجل. والثالث: إذا كان الإذن في بيع الرهن مطلقاً، بأن لم يكن الدين حل، ولم يشترط أن يكون ثمنه رهناً، فيبطل الرهن بالبيع؛ لخروجه من ملك الراهن بإذن المرتهن، ولا يكون ثمنه رهناً مكانه؛ لعدم اشتراطه، ولعدم حلول الدين. قال في «الفروع»: «وبدونهما - أي: الحلول، أو شرط جعل ثمنه رهناً مكانه - يبطل الرهن». ومشى عليه القاضي (١)، وقال في «الكافي»: «الثاني: أن يبيعه - يعني: المرتهن - قبل حلول الدين بإذن مطلق، فيبطل الرهن، ويسقط حق المرتهن من الوثيقة؛ لأنه تصرف في عين الرهن تصرفاً لا يستحقه المرتهن، فأبطله؛ كالعتق». وكذا في المغني (٢). وعبارة الإقناع (٣) توهم بطلان البيع. قال شيخنا: «وليس كذلك»؛ لما تقرر ذكره.
стр. 860
وإذا رهن أرضاً، أو داراً، أو بستاناً، أو طاحوناً، تبعه في الرهن ما يتبع المبيع في البيع، من شجرٍ وغيره. وما لا يتبع في البيع فلا يتبع في الرهن. وإذا أذن الراهن للمرتهن في بيع الرهن، وعين له نقداً، تعين، وإلَّا فيبيع بنقد البلد. فإن كان بالبلد نقود، باع بأغلبها رواجاً. فإن تساوَتْ باعَ بجنس الدين. فإن لم يكن في البلد جنس الدين باعَ بما يراه أصلح.
(فصل)
(وَلِلْمُرْتَهِنِ رُكُوبٌ) الدابةِ المَرْهُونَةِ، (وَ) لَهُ (حَلْبُ) الحيوان المر (هـ) ون، ولو أمةٍ مرضعة بأن يسترضع بقدر نفقتها، (بِقَدْرِ نَفَقَتِهِ)، نصاً (١)، متحرياً للعدلِ بِلا إِذْنِ الرَّاهِنِ، وَلَوْ كَانَ (حَاضِراً)؛ لحديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَلَبَنُ الدُّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُوناً، وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ» رواه البخاري (٢). فإن فضل من اللبن شيءٌ بعد النفقة، باعه المأذون له، من مرتهن أو غيره. وإن لم يؤذن فيه باعه حاكم. وإن لم يفِ الركوب أو اللبن بالنفقة رجع المرتهن على الراهن بالزائد، إن نوى الرجوع. وإن لم ينو كان متبرعاً، لم يرجع به. وأما غيرُ المركوب والمحلوب، فلا يجوز أن ينفق على العبد والأمة ويستخدمهما بقدر النفقة، إلَّا إذا كان بإذن المالك.
стр. 861
(وَلَهُ) أي: للمرتهن (الِانْتِفَاعُ بِهِ) أي: بالرهن (مَجَّاناً) أي: من غير عوض (بِإِذْنِ الرَّاهِنِ) (١)، وله أيضاً أن يستأجره، وأن يستعيره من الراهن، ولا يخرجُ بذلك عن الرهن؛ لاستدامة القبض بيده، خلافاً للقاضي (٢). (لَكِنْ يَصِيرُ) الرهن (مَضْمُوناً عَلَيْهِ بِالِانْتِفَاعِ)، مجاناً كانَ، أو بعاريته؛ لأنَّ العارية أيضاً مضمونة. وأما المؤجر فأمانة، لا يُضمَنُ إلا بالتعدي أو التفريط. فإن انتفع المرتهن بالرهن بغير إذن الراهن، فعليه أجرته في ذمته؛ كالغاصب. فإنْ كانت من جنس الدين، سقط منه بقدرها بالمقاصة، بشرطها. وإن تلف الرهن في هذه الحالة ضمنه؛ لتعديه.
(وَمَؤُونَةُ الرَّهْنِ) من طعامه، وكسوته، ومسكنه، وحافظه، وكفنه، إذا مات وبقية تجهيزه بالمعروف، (وَأُجْرَةُ مَخْزَنِهِ) إن كانَ مخزوناً، (وَأُجْرَةُ رَدِّهِ) أي: ردّ المرهون (مِنْ إِبَاقَةِ) الرقيق، (عَلَى مَالِكِهِ). وكذا أجرة سقيه، وتلقيحُهُ، وزباره - وهو قطع الأغصان الرديئة (٣) - وجذاذه، ورعي ماشيته، وثمن دوائه، وأجرة مداويه، وخاتنه؛ لحديث أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ» (٤). رواه
стр. 862
الشافعي. فإن امتنع راهن أجبره حاكم. فإن لم يفعل أخذه حاكم من ماله. فإن لم يكن له مالٌ، أو كان الراهن غائباً، بيع من الرهن بقدر الحاجة مما يجب عليهِ مِنَ المؤونة وغيرها، خارجاً عن نحو مداواة وختان. فإن خيف استغراق ثمن الرهن في الإنفاق ونحوه، بيع كله، وجعل ثمنه رهناً مكانه.
(وَإِنْ أَنْفَقَ المُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِلا إِذْنِ الرَّاهِنِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى اسْتِئْذَانِهِ)؛ لوجوده ونحوه (فَمُتَبَرِّعٌ) به، ولو نوى الرجوع فيه؛ لتفريطه في ذلك. وإن عجز عن استئذانه؛ لتعذره من نحو غيبة، رجع المرتهن بما قام عنهُ منْ إنفاق الواجب بالأقل مما أنفق من نفقة مثله، كما لو كان نفقة المثلِ خمسةً، فأنفق أربعة، رجع بالأربعة، إن نوى الرجوع، وإلا فمتبرع. ولو أنفق ستة، وكانت نفقة المثل خمسة، فليس له الرجوع إلا بالخمسة، إن نوى الرجوع، وإلا فمتبرع، والواحد الزائد تبرع. ولا يشترط استئذان حاكم لتعذر استئذان مالك، ولا إشهاد عليه بنية الرجوع، [ولا يُقبل] (١) قوله في نية الرجوع.
فرع: وكذا حكم النفقة على وديعة، وعارية، وجمال، وبغال، وحمير، إذا ذهب صاحبها وتركها في يد مُكتَر، وأنفق عليها، يرجعُ إذا كان بنية الرجوع، وإلا فمتبرع. فإن عمر المرتهن ما انهدم من دارٍ مرهونة بغير إذن الراهن، ولو لتعذرِه، لم يرجع على الراهن به، ولو نوى الرجوع. لكن له أن يأخذ أعيان آلته التي بناها؛ لأنها عين ماله، ولم تخرج عن ملكه. وكذا مستأجرٌ، ومستعيرٌ ووديعٌ.
стр. 863
فرع: للمرتهن بيع رهن جهل ربه إن أَيسَ من معرفته، وتصدق بثمنه، بشرط ضمانه لربه أو لورثته. إذا عرفهم خيَّرَهم بين الإجزاء، أو يغرم لهم. قال في «الاختيارات»: «وَلَيسَ لصاحبه - إذا عُرِفَ - رد المعاوضة؛ لثبوتِ الوِلاية عليها شرعاً». انتهى. وظاهر كلامه: بيعه، ولو بلا إذن. وهو مقتضى كلام الحارثي، وقدم في الرعاية الكبرى: ليس له بيعه بلا إذن حاكم (١). ولا يستوفي المرتهن حقَّهُ من ثمن الرهن المبتاع، نصاً (٢). وظاهره: ولو عجز عن إذنِ الحاكم. وهو أحد وجهين أطلقهما في «الفروع». قال في «تصحيح الفروع»: «والصَّوابُ: أَنَّ الحاكم إذا عُدمَ يجوز له أخذ قدر حقه من ثمنه». وعن الإمام: بلى، أي: له أخذ حقه من ثمنه. ولو باعها الحاكم ووفاه جاز. وكذا حكم غصوب وعوار ونحوها، بقيت في يد من هي بيدِه، إذا أيِسَ أربابها، فيدفعها للحاكم، أو يبيعها، ويتصدق بثمنها، بشرط ضمانها لأربابها.
تتمة: إن جنى قن مرهون، تعلق الأرسُ برقبته. فإن استغرقه خُيّر سيده بين فدائه بالأقلّ منَ الأرضِ، أو من قيمته. وإن لم يستغرق أرشُ الجناية رقبة القنّ بيع منه بقدره، وباقيه رهن. فإن تعذر بَيعُ بعضه بيع كلُّه، ودُفعَ منه أرشُ الجناية، وما بقي رهن. وإن فداه مرتهن بإذن راهن رجع إن نوى الرجوع على الراهن (٣).
стр. 864
(فصل)
(مَنْ قَبَضَ الْعَيْنَ لِحَظِّ نَفْسِهِ كَمُرْتَهِن) قبض عين الرهن، (وَأَجِيرٍ) كخياط، وحَيَّاكِ، ونحوهما، قبض العين للخياطة، أو الحياكة، (وَمُسْتَأْجِرٍ) قبضَ العين المؤجرة، (وَمُشْتَرٍ) قبض العين المبتاعة، (وَبَائِع) قبضَ عينَ الثمن، (وَغَاصِبٍ) قبضَ العين المغصوبة، (وَمُلْتَقِطٍ) قبضَ عين اللقطة، (وَمُقْتَرِضِ) قبض عينَ القرضِ، (وَمُضَارِبٍ) قبضَ شركة المضاربة، (وَادَّعَى) قابضُ العين ممن ذُكر (الرَّدَّ) أي: ردَّ العين (لِلْمَالِكِ) العين، (فَأَنْكَرَ) المالك ردَّ (هـ) ا، أي: ردَّ العين المقبوضة، (لَمْ يُقْبَلْ) في ذلكَ (قَوْلُهُ) أي: قول مدعي الردّ. (إِلَّا) إذا كانَ بإقامة (بَيِّنَةٍ) في ردّهَا. (وَكَذَا) لَا يُقبلُ قولُ (مُوْدَعٍ) في ردّ وديعة، (وَلَا قولُ (وَكِيلٍ) في ردّ ما قبضه بطريق وكالة، (وَ) لا قولُ (وَصِيَّ) فيما ردَّه بطريق وصاية، إلا ببينة. (وَ) كذا لا يقبلُ قولُ (دَلَّالٍ) إذا كانَ بِجُعْلٍ إِذَا ادَّعَى (الرَّدَّ) لما قبضَهُ. (وَ) إذا كانَ الدلالُ بِلَا جُعْلٍ، قُبِلَ قَوْلُهُ بِيَمِينِهِ) لأنه أمين.
стр. 865
(باب) (الضمان والكفالة)
الضمان مشتق من الضم. ورد: بأن لام الكلمة في الضم ميم، وفي الضمان نون. وأجيب: بأنه من الاشتقاق الأكبر، وهو المشاركة في أكثر الأصول، مع ملاحظة المعنى. وقال القاضي: «مشتق من التضمين؛ لأن ذمة الضامن تتضمن الحق» (١). وقال ابن عقيل: «من الضمن، فذمة الضامن في ضمن ذمة المضمون عنه؛ لأنه زيادة وثيقة» (٢). وهو جائز إجماعا (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾ [يوسف: ٧٢]. قال ابن عباس: «الزعيم: الكفيل» (٤)، ولقوله ﵊: «الزعيم غارم» رواه الترمذي (٥). وشرعا: «التزام من يصح تبرعه، ولو مفلس»؛ لالتزامه في ذمته؛ لأن الحجر عليه في ماله، أو قن، أو مكاتب بإذن سيدهما؛ لأن الحجر عليهما لحقه، فبإذنه ينفك
стр. 866
الحجر، كسائر تصرفاتهما. ويؤخذ ما ضمنه قن بإذن سيده من سيده؛ لتعلقه بذمته. والالتزام ب «ما يجب على آخر» من ثمن، وقرض، وقيمة متلفٍ، «مع بقاء ما وجب على مضمون عنه» (١)، فلا يسقط ذلك عنه بالضمان؛ لحديث: «نَفْسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ» (٢)، وقوله في حديث أبي قتادة: «الآنَ بَرَّدْتَ جِلْدَتُهُ» حِينَ أَخبره بقضاء دين صاحبه (٣). وما ضمنه مريض في مرضِ موتٍ مخوفٍ أُخِذَ من ثلثه.
(يَصِحَانِ) أي: الضمان والكفالة (تَنْجِيزاً) أي: منجزاً في الحال. (وَ) يصحانِ (تَعْلِيقاً) أي: معلَّقاً على شيء، كأنا كفيل عند قدوم الحاج. (وَ) يصحانِ (تَوْقِيْتاً) أي: مؤقتاً، كأنا كفيل بدينه شهراً، ونحوه. ويبرأُ كفيل إن لم يطالبه بإحضاره فيه. (مِمَّنْ) متعلق ب (يصِحَان) (يَصِحُ تَبرُّعُهُ) أي: المكلفُ الذي هو جائز التصرف، فلا يصح من صغير، ولا مجنون، ولا سفيه. وإن ادعى ضامن صِغَراً، أو جنوناً، أو سفَها، ونحوه حال الضمان، وأنكره المضمون لهُ قُبِلَ قول المنكر؛ لأنه يدعي سلامة العقد.
ويحصل الالتزام بلفظ: أنا ضمين، وكفيل، وقَبِيل، وحميل، وصَبِيرٌ، وزَعِيمٌ، وبلفظ: ضمنْتُ دِينَكَ، أو تحملته، أو عندي أو علي ما لَكَ عندَه. وكبِعْهُ، أو زوِّجْهُ، وعلي الثمن أو المهر. ومن قال لآخر: اضمَنْ، أو اكفل عن فلانٍ، ففعل، لزم المباشر
стр. 867
دون الأمر. ويصح ضمان الأخرس بإشارةٍ مفهومة. ولا يثبت ضمان الأخرس بكتابته منفردةً عن إشارته المفهومة في خصوص ذلك. ومن لا تفهم إشارته فلا يصح ضمانه، وفي حكم الضمان سائر تصرفاته، فلا يصح إلا بإشارة مفهومةٍ منه. ولا يعتبر لصحة الضمان رضا المضمون لهُ؛ لأنَّ أبا قتادة ضمن الميت بغير رضا المضمون له، وأقره الشارع. ولا يعتبر أيضاً رضا المضمون عنه؛ لحديث أبي قتادة، ولأنه لو قضى الدين عنه بغير إذنه ولا رضاه صح، فكذا إذا ضمن عنه. ولا يعتبر أيضاً للضامن أن يعرف المضمون له، والمضمون عنه؛ لأنه لا يعتبرُ رضاهما، فكذا معرفتهما. ولا يعتبر أيضاً كونُ الحقِّ معلوماً للضامن، ولا كونه واجباً، حيثُ يكون ماله إلى العلم والوجوب، فيصح ما لم يجب إذا آل إلى الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمُ﴾ [يوسف: ٧٢]، فدلت الآية على ضمان حمل البعير، مع أنه لم يكن وجب؛ فيصح إنْ قالَ: ضمنتُ لكَ ما تداينه، وما تقوم عليه البينة، وما يتعين عليه - وهذه من الأمثلة المجهولة .. ومنه: ضمان ما يلزم التجار في الأسواق، من دين، وما يقبضُه من عين مضمونة. واختار شيخ الإسلام ابن تيمية صحة ضمان حارس، ونحوه. ويصح ضمان تجار حرب في بلد كانُوا أو في بحر. قال الإمام أحمد: «الطائفة الممتنعة من أهل الحرب التي ينصُرُ بعضُهَا بَعضاً تجري مجرى الشخص الواحد في معاهدتهم. وإِذَا شُورِطُوا عَلى أن تجارهم يدخُلونَ دار الإسلام بشرط أن لا يأخذُوا للمُسلِمينَ شيئاً، وما أخذُوه كانُوا ضامنين له، والمضمون يؤخذُ مِنْ أموال التجار جاز ذلك، ويجب
стр. 868
على ولي الأمرِ إِذَا أخذُوا مالاً للتجار المسلمين أن يطالبهم بما ضمنوه ويحبسهم على ذلك، كالحقوق الواجبة» (١).
(وَلِرَبِّ الْحَقِّ مُطَالَبَةُ الضَّامِنِ وَالمَضْمُونِ مَعاً)؛ لثبوتِ الحقِّ في ذمتهما. (أَوْ) لهُ مطالبةُ (أَيْهِمَا شَاءَ) من ضامن، أو مضمون عنه؛ لحديث: «الزَّعِيْمُ غَارِمٌ» رواه أبو داود (٢). ولصاحب الدين مطالبتهما في الحياة والموت. فإن قيل: الشيء الواحد لا يشغل محلين؟ أجيب: بأنَّ اشتغاله على سبيل التعلقِ والاستيثاق، كتعلقِ دين الرهن به وبذمة الراهن. ولا يحل دينٌ مؤجل بموت مضمون عنه، ولا بموت ضامن. وليس لربِّ الدين مطالبته بذلك إلا بعد حلول الأجل. (لَكِنْ) استدراك من قوله: «يصحان توقيتاً» (لَوْ ضَمِنَ الضامنُ دَيْناً حَالاً إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ)، كأَن ضمن الدين الحال إلى شهر ونحوه، وكذا لو كان الدين مؤجلاً إلى شهر، فضمنه إلى شهرين، (صَحَ) الضمان، (وَلَمْ) يكن لرب الدين أنْ (يُطَالِبَ الضَّامِنَ قَبْلَ مُضِيّهِ) أي: مضيّ الأجل المعلومِ الذي أجَّله الضامنُ؛ لما رواه ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً (٣). ولصاحب الدين مطالبة
стр. 869
المديون في الحال، دون الضامن الذي ضمن بالتأجيل. ويصح الضمان في بعض الدين، كما لو كان الدين عشرةً، فضمن خمسةً، فيطالب الضامن بالخمسة. وإن ضمن الدين المؤجل حالاً لم يلزمه أداؤه قبل حلول أجله؛ لأنه فرع المضمون عنه، فلا يلزمه ما لا يلزم المضمون عنه، كما أنَّ المضمون لو ألزم نفسه بتعجيل المؤجل لم يلزمه تعجيله. وإن عجله ضامن لم يرجع على المضمون قبل حلول الأجل.
(وَيَصِحُ ضَمَانٌ) العهدة، وهو ضمان (عُهْدَةِ الثَّمَنِ وَالمُثْمَنِ). وألفاظ ضمان العهدة: ضمنتُ عهدته، أو ثمنه، أو دَرَكَهُ، أو يقول الضامن للمشتري: ضمنتُ خلاصَكَ منهُ، أو متى خرج المبيع مستحقاً فقد ضمنتُ لكَ الثمن. وعُهدة المبيع لغة: الصك، يكتب فيه الابتياع (١). واصطلاحاً: ضمان الثمن عن بائع لمشتر؛ بأن يضمن ضامن عن البائع الثمن - ولو قبل قبضه؛ لأنه يؤول إلى الوجوب -، إن ظهر المبيع مستحقاً لغير بائع، أو رُدَّ المبيع على بائع بعيب، أو غيره، أو يضمنُ أَرشَهُ إن اختار مشتر إمساكاً مع عيب. وضمان المثمن بأن يضمن المثمن عن المشتري لبائع، إن ظهر الثمن مستحقاً لغيرِ مشترٍ، أو رُدَّ الثمن بعيبٍ، أو يضمن أَرشَه إن اختاره بائع. فضمان العهدة للمشتري والبائع في الموضعين هو ضمان الثمن أو جزء منه لأحدهما عن الآخر.
стр. 870
ولو بنى مشتر بناءً في مبيع، فبان المبيع مستحقاً للغير، فالأنقاض للمشتري؛ لجريانها في ملكه. ويرجع بقيمة تالف من ثمن جَص، وطين، ورماد، وأجرةِ بَنَّائِينَ، ونحوهم على بائع؛ لأنه غره، وكذا أجرة مبيع مدة وضع يد مشتر. ويدخل في ذلك ضمان العهدة، فيرجع مشتر بذلك على ضامنها؛ لأنه من دركِ المبيع. (وَ) يصح ضمان عين مضمونةٍ، كَ (المَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ) للبيع ليريه أهله، سواء قطع ثمنه أو لا. وكذا ولده؛ لأنه يتبعه في الضمان. وإن أخذه ليريه أهله، بلا مساومة ولا قطع ثمن، فغير مضمون. والمقبوض على وجه السوم في حكم المقبوض بعقد فاسد؛ لأنه قبضه على وجه البدل والعوض. لكن في الإجارة ينبغي ضمان المنفعة، لا العين. (وَ) مِنْ ضمانِ الْأَعْيَانِ (المَضْمُونَةِ، كَالْغَصْبِ وَالْعَارِيَةِ)؛ لأنَّ هذه الأعيان يضمنها من هي بيده لو تلفَتْ، فصح ضمانها، كعُهدة المبيع. ولا ضمانَ على مَنْ أخذَه ليريه أهله بلا مساومة ولا قطع ثمن؛ لأنه لا سَومَ فيه، فلا يصح ضمانه. ومعنى ضمان غصب ونحوه: ضمان استنقاذه، والتزام تحصيله، أو قيمته، عند تلفه، فهو كعهدة المبيع.
(وَلَا يَصِحُ ضَمَانُ غَيْرِ) العينِ (المَضْمُونَةِ) من أعيانِ الأمانات (١)، (كَالْوَدِيْعَةِ، وَنَحْوِهَا)، كالعين المؤجرة، ومال الشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط، أو إلى القصار، وعين أو ثمن بيد وكيل في بيع أو شراء؛ لأنها غير مضمونة على صاحب.
стр. 871
اليد، فكذا على ضامنِهِ؛ إلَّا أن يضمن التعدي فيها فيصح ضمانها، كالغصب. فعلى هذا: لا يصح ضمان الدلالين فيما يُعطونه لبيعه، إلا أن يضمن تعديهم فيه، أو هربهم به، ونحوه، فيصح. (وَلَا) يصح ضمانُ دَيْنِ الْكِتَابَةِ؛ لأنه لا يؤول للوجوب. (وَلَا) يصح ضمان (بَعْضِ دَيْنٍ لَمْ يُقَدَّرْ)؛ لجهالته حالاً ومالاً، ولا يصح ضمان، ولا كفالة جزية من هي عليه، ولو بعد وجوبها بتمامِ الحولِ؛ لفوات صغار المضمون عنه. وإن شُرِطَ خيار في ضمان أو كفالةٍ فَسدا بمنافاته لهما.
فرع: وإن قال جائز التصرف لآخر: أَلْقِ متاعك في البحر، أو في النار، ونحوه، وعلَيَّ ضمانه، صح، وضمنه. ويجب إلقاء متاع بسفينة أو مكان حرق ونحوه إن خِيفَ تلفُ معصوم بسببه. فإن ألقى بعضُهم متاعَه في البحر لتخِفَّ السفينة، لم يرجع به على أحد. وكذا لو قال إنسان لآخر: ألقِ متاعَكَ، فألقاه، لم يرجع عليه؛ لأنه لم يُكرهه على ذلك، ولا ضمنَه لَهُ. وإن ألقى متاع غيره بغير إذن ربه من السفينة ليخففها، ضمنه. وإن سقط عليه متاعُ غيره فخشي أن هلكه، فدفعه، فوقع في الماء ونحوه لم يضمنه.
(وَإِنْ قَضَى الضَّامِنُ مَا عَلَى المَدِينِ) مِنَ الدَّين، أو أحال الضامن ربَّ الدين (وَنَوَى الرُّجُوعَ عَلَيْهِ) أي: على المدين بما دفعه لرب الدين، (رَجَعَ) بهِ عليهِ بالأقل مما قضاه الضامن. ولو كانَ ما قضاه قيمة عرض عوضه الضامن لربِّ الدين، كما لو كانَ الدَّينُ عشرةً، فوفَّاهُ ثمانيةً، أو عرَّضه عنه عرضاً قيمته ثمانية، ونحو ذلك، أو بالعكس، رجع بالثمانية فقط؛ لأنه لا يرجع إلا بما غرمه في
стр. 872
الأقلّ أو قيمة العرَضِ. والزائد لا يرجعُ به عليه؛ لأنه متبرع بشيء لم يكن بذمة المضمون. (وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ المَدِينُ) أي: المضمون عنه (في الضَّمَانِ وَالْقَضَاءِ). ومنْ لمْ ينو رجوعاً حال القضاء، فمتبرع ليس له الرجوع ولا المطالبة به. (وَكَذَا) في الرجوع وعدمه (كُلُّ مَنْ أَدَّى) مِنْ كفيل، ومؤدِّ، (عَنْ غَيْرِهِ دَيْناً وَاجِباً)، فيرجعُ إِنْ نوى الرجوع، وإلا فلا. ولا يرجع من أدى عن غيره زكاةً، أو كفارةً؛ لافتقار النية ممَّنْ هي عليه. وإن ضمن الضامن آخر فلضامن الضامن أن يرجع على ضامن الأصل، وضامن الأصل يرجعُ على الأصيل المضمون عنه.
(وَإِنْ بَرِئَ المَدْيُونُ) بوفاء، أو إبراء، أو حوالة، (بَرِئَ ضَامِنُهُ) - ضامناً واحداً كانَ، أو أكثر - من مبلغ الضمان. (وَلَا عَكْسَ) أي: لا يبرأ مضمون ببراءة ضامنه؛ لعدم تبعيته له. وإن تعدد ضامن لم يبرأ أحدهم بإبراء غيره، سواء ضمن كلُّ واحدٍ منهم جميع الدين، أو جزءاً منه. ولو ضمنَ ذمي لذمي عن ذمي خمراً، فأسلم مضمون له، أو أسلم مضمونٌ عنهُ، برئ، وكذا الضامن؛ لأنَّ المضمون له ليس له مطالبته بالخمر، ولا المضمون عنه يطالب به، ولا الضامن. وإن أسلم ضامن برى وحده؛ لأنه تبع، فلا يبرأ الأصيل ببراءتِهِ. ولا يصح أنَّ أحد الضامنين يضمن الآخر؛ لثبوت الحقِّ في ذمته بضمانه الأصل، فهو أصل، فلا يصح أن يصير فرعاً. بخلاف الكفالة فيصح؛ لأنها ببدنه، لا بما في ذمته.
(وَلَوْ ضَمِنَ اثْنَانِ وَاحِداً) عليه دين لآخر، (وَقَالَ كُلُّ) واحدٍ من الضامنين: (ضَمِنْتُ لَكَ الدَّيْنَ، كَانَ لِرَبِّهِ) أي: ربِّ الدين
стр. 873
المضمون لهُ (طَلَبُ كُلِّ وَاحِدٍ) منهُما، أو هما معاً، والمديون معاً (بِالدَّيْنِ كُلِّهِ) (١)؛ لأنَّ ضمان كلّ واحدٍ منهما بالدين صادق بجميعه. (وَإِنْ قَالَا) الضامنانِ: (ضَمِنَّا لَكَ الدَّيْنَ، فَ) يكونُ (بَيْنَهُمَا بِالْحِصَص)؛ فإنْ أطلقا كان بينهما نصفين، فيطالب كل واحد منهما بنصف الدين. وإن عين كلُّ واحدٍ منهما حصةً طولب بها.
تتمة: يصح ضمان الجعل في الجعالة، والجعل في المسابقة، وفي المناضلة، ولو قبل العمل؛ لأنه يؤول إلى اللزوم. ولا يصح ضمان العمل منهم؛ لأنه لا يؤول إلى اللزوم. ويصح ضمان نفقة الزوجة، ماضياً كانَ أو مستقبلاً. ويلزمُ الضامن ما يلزم الزوج من النفقة، ولو زادت على نفقة المعسر. وقال القاضي: «إِذَا ضَمنَ النفقة المستقبلةَ لزِمه نفقة المعسرِ؛ لأنَّ الزيادة تسقط بالإعسار» (٢).
تنبيه: قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية - تغمده الله تعالى برحمته -: «لو تغيبَ مَضمُونٌ قَادرٌ على الوفاء - كما قَيَّدَه في محل، وقد أطلقه في آخر - عنه أي: عن الضامن، فأمسك الضَّامِنَ، وغرِمَ شيئاً بسبب ذلك، أو أنفق شيئاً في الحبس، رجع الضامن به أي: بما غرِمَهُ، أو بما أنفقه في الحبس - على المضمون عنه». قال في الإنصافِ: «وَهُوَ الصواب الذي لا يُعدَلُ
стр. 874
عنه». انتهى؛ لأنه تسبب في غرمه. لكن قال في شرح المنتهى: «إذا ضمنه بإذنه، وإلا فلم يتسبب في ظلمه» (١).
(فصل)
(وَالْكَفَالَةُ) مصدرُ كَفَلَ، كَفْلًا، مَكفُولًا، وكَفَالَةً، وَكَفَلْتُهُ، وَكَفَلْتُ عنه: تحمَّلْتُ. وهي صحيحة؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] (وَهِيَ) أي: الكفالة: (أَنْ يَلْتَزِمَ الرشيد، ولو مفلِساً بِإِحْضَارِ بَدَنِ) إنسان، مِـ (ــمَّنْ عَلَيْهِ حَقٌّ مَالِيٌّ إِلَى رَبِّهِ) حاضراً كان المكفول أو غائباً، وسواء كان بإذنه، أو بغير إذنِهِ، وسواء علم الكفيل بقدر دين المكفول، أو جهله (٢). ولو كان المكفول به صبياً، أو مجنوناً، ولو بغير إذن وليهما؛ لأنه قد يلزم إحضارهما إلى مجلس الحكم للشهادة عليهِما، ونحوهما.
وتنعقد بألفاظ الضمان كلّها، كأنا ضمين ببدنه، أو زعيم به. وإن ضمن معرفة إنسانٍ أُخذَ بهِ؛ فكأنه قال: ضمنتُ لك حضوره متى أردت، فصار كقوله: تكفَّلْتُ ببدنه. فإن لم يعرفه ضامن المعرفة ضمن ما عليه. ولا تصح كفالة الوالد لولده إذا كفل له أحدٌ (٣)؛ لأنَّ الولد لا تُسمع له دعوى على والده بغير النفقة الواجبة. (وَيُعْتَبَرُ) في الكفالة (رِضًا الْكَفِيلِ)؛ لأنه لا يلزمه الحقُّ ابتداءً إلا برضاه،
стр. 875
(لا) أي: لا يعتبر رضًا (المَكْفُولِ) به، كالضمان، (وَلَا) رضا (المَكْفُولِ لَهُ)؛ لأنه وثيقةٌ [به كالضمان]. وتصح الكفالة بالأعيان، كالغُصوب، والعواري (١). ولا يصح بالأمانات، كالوديعة، والشركة، والمضاربة، إلا إن كفله بشرط التعدي فيها، فيصح كالضمان.
تتمة: لو قال إنسان لآخر: اضمَنْ فلاناً، أو اكفله، ففعل، ألزم المباشر للضمان أو الكفالة، دون الأمر؛ لأنَّ الأمر للإرشاد، والفاعل فعل باختيار نفسه.
(وَمَتَى سَلَّمَ الْكَفِيلُ المَكْفُولَ بِهِ لِرَبِّ الْحَقِّ) أي: المكفول له، وقد حلَّ أجل الكفالة إن كان مؤجلاً، (بِمَحَلِّ الْعَقْدِ) أي: عقدِ الكفالة - ما لم يكن عيَّنَ الكفيل تسليمه بمحل، فيسلمه فيه وفاءً بالشرط (٢)، بعد حلول أجل الكفالة، أو قبله، إن لم يكن ضرر على المكفول له في تسليمه لهُ، (أَوْ) أَنَّ المكفول عنه متى (سَلَّمَ المَكْفُولُ) بهِ (نَفْسَهُ) في محلّ التسليم والأجل، (أَوْ مَاتَ) أي: المكفول به سواءٌ توانى الكفيل في التسليم أو لا، أو تلفتِ العينُ المضمونة التي تكفل ببدنِ مَنْ هيَ عليه بفعل الله تعالى قبل طلب، بَرِئَ الْكَفِيلُ فِي هذهِ الصور. وعُلمَ مما ذُكر - من تلف العين بفعل الله تعالى - أنه لا يضمن بتلفها بعد طلبه بها، ولا بتلفها بفعل آدمي، ولا بغصبها ولا يبرأ كفيل إن مات هو، أو مات مكفول له (٣).
стр. 876
فإن أحضر الكفيل المكفول به، وامتنع المكفول من تسليمه بلا ضرر في تسليمه - كأن كان الثمن مؤجَّلا ونحوه، وليس ثَمَّ يد حائلة ظالمة. فإن كانت، لم يبرأ الكفيل -، برئ الكفيل، ولو لم يُشهد على امتناعه. وقال القاضي: «يرفعه إلى الحاكم فيسلّمه إليه، فإن لم يجده أشهد» (١). قال الشيخ - يعني: شيخ الإسلام، الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «إِنْ كانَ المكفُولُ فِي حبس الشرع، فسلّمهُ إليهِ فيهِ، برئ إن كانَ يمكّنه الحاكم من الإخراج ليحاكم غريمه، ثمَّ يردُّه إلى الحبس» (٢) انتهى. وإن كان المكفول محبوساً عند غير حاكم الشرع، لم يلزم الكفيل تسليم المكفول عنه في هذه الحالة؛ لأنَّ هَذَا الحَبسَ يمنعُ رَبَّ الدين استيفاء حقه، فلا أثر لتسليمه. وإن اشترط كفيل البراءة من المال إن تعذر إحضاره عليه، فلا يضمن المال الذي على المكفول عنه؛ لحديث: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٣).
تنبيه: لو قال الكفيل في الكفالة: إن عجزتُ أو متى عجزتُ - عن إحضاره كانَ عليَّ القيام بما أقرَّ بهِ، قال العلامة ابن نصر الله: «لم يبرأ بموتِ المكفول، ويلزمه ما عليه» (٤).
(وَإِنْ) كانَ المكفول به غائباً غَيبةً تُعلم، غير منقطعة، بموضع معلوم، أُمهل الكفيل بقدر ما يمضي إلى محل المكفول به، ويحضره.
стр. 877
منه. وسواء كانت المسافة قريبةً أم بعيدةً. وإن لم تُعلم في الغيبة خبره، لزمه الدين من غيرِ إمهال. فإنْ (تَعَدَّرَ [على الكفيل] إِحْضَارُ المَكْفُولِ) معَ حياته، ولم يحضره، إما لتوانيه، أو لهربه، أو لاختفائه، أو لامتناعه، أو لأحدٍ منعه عنه، كذي سلطان، ونحوه، أو لغير ذلكَ، (ضَمِنَ) أي: ألزمَ بِ (جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ) من الدين؛ لعموم قوله ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (١).
تتمة: السجانُ كالكفيل، فيغرمُ إن هرب منه المحبوس، أو عجز عن إحضاره. قال العلامة ابن نصر الله: «الأظهر: أنه كالوكيل بجعل في حفظ الغريم، وكذا رسُولُ الشرع ونحوه» (٢). فإن هرب غريم منه فعليه إحضاره، أو يغرم ما عليه. هذا على القول الأول. وعلى الثاني إن كانَ بتفريط لزمه إحضاره فقط، وإلا فلا. (وَمَنْ كَفَلَهُ اثْنَانِ) فأكثرُ، (فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الاثنان، أو أحد الأكثر، (لَمْ يَبْرَأ الآخَرُ) - أي: الذي لم يسلمه من الكفالة. (وَإِنْ سَلَّمَ) المضمون عنه للمضمون لهُ (نَفْسَهُ، بَرِئا) الكفيل، واحداً كان أو أكثر.
تتمةٌ: لو كفل جزءاً شائعاً، كثلث، أو ربع من عليه الحقُّ، أو كفل عضواً منه ظاهراً، كرأس، ويد، أو باطناً، كقلب، وكبد، صحتِ الكفالة، ويلزمه إحضاره؛ لأنه لا يمكن إحضاره إلا بإحضار الكل.
стр. 878
(باب) (الحَوَالَةِ)
بفتح الحاء وكسرها، مشتقة من التحول؛ لأنها تحول الحق من ذمة إلى ذمة أخرى. وهي ثابتة بالإجماع (١)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (٢). وفي لفظ: «وَمَنْ أُحِيْلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٣).
وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس محمولاً على غيره. ولا خيار فيها. وليسَتْ بيعاً، وإلا جازت بلفظه. وهي: «انتقال مال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه»، بحيثُ لا رجوع للمحتال على المحيل بحال، إذا اجتمعت شروطها. ويصح بلفظ الحوالة، أو بمعناها الخاص، كأَتْبَعْتُكَ بِدَينِك على زيد، ونحوه.
(وَشُرُوطُهَا) أي: شروط الحوالة (خَمْسَةٌ) شروط.
(أَحَدُهَا: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ)؛ كأن يحيل من عليه ذهب بذهب، أو فضةٌ بفضةٍ، فلو أحال من عليه ذهب بفضةٍ، أو بالعكس، لم يصح؛ للتخالف. (وَ) اتفاق الدينين في (الصَّفَةِ)،
стр. 879
فلو أحال من عليه دراهم صحاح بمكسرة، ونحوه، لم يصح؛ للتخالف. (وَ) اتفاقُ الدِّينَيْنِ فِي (الْحُلُولِ) بأن يكونا حالين، فلا تصح إن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً. (وَ) في (الأَجَلِ) بأنْ يكونا مؤجلين أجلاً واحداً، فلا تصح إذا كان أجل أحدهما يخالف الآخر، فلو كانا حالين فشرط المحتال تأخيره، أو بعضه إلى أجل معلوم لم تصح.
(الثاني) منَ الشروط: (عِلْمٌ قَدْرِ كُلَّ مِنَ الدَّيْنَيْنِ) باتفاقِ قدرهما، فلا تصح الحوالة بعشرة على خمسة، ولا عكسه، وتصح حوالة الخمسة من العشرة على الخمسة، وبالخمسة على خمسة من العشرة. ولا يضرُّ اختلافُ سَبَبَي الدين، بأن كان أحدهما عن قرض والآخر ثمن مبيع.
(الثَّالِثُ) من الشروط: (اسْتِقْرَارُ المَالِ المُحَالِ عَلَيْهِ)، كبدل قرض، وثمن مبيع بعد لزوم بيع، فلا تصح الحوالة على المسلم فيهِ، ولا عَلى رأس مال سلم بعد فسخ السلم، أو على صداق قبل دخول، أو مال كتابة؛ لعدم استقرارهما. وتصح على صداق بعد دخول، ونحوه. (لا) أي: لا يشترط استقرار المال (المُحَالِ بِهِ). وتصح إن أحال مكاتب سيدَه بمال كتابة، أو أحال زوج امرأته بصداقها ولو قبل دخول - على مال مستقر، وكذا حوالة بجعل قبل عمل؛ لأن الحوالة به بمنزلة وفائه، ويصح الوفاء قبل الاستقرار. ولا تصح الحوالة بجزيةٍ؛ لفوات الصغَارِ عنِ المُحيل، ولا حوالة ولد على أبيه.
(الرابع) من الشروط: (كَوْنُه) أي: المحالِ بِهِ (يَصِلُّ السَّلَمُ
стр. 880
فِيهِ) من مثلي - كمكيل، وموزون، ومن غير المثلي - كمعدود، ومذروع - ينضبطان بالصفة. ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه - كالجوهر -. فائدة: قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «الحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط» انتهى. ومثله: الحوالة على ماله في الوقفِ. وللمحتال إذن الرجوع ومطالبة مُحيله. (الخَامِسُ) منَ الشروط: يعتبرُ (رِضًا المُحِيلِ)؛ لأنَّ الحق عليه. (لا) يعتبرُ رضا (المُحْتَالِ)؛ لأنَّ للمحيل أن يستوفي حقَّهُ بنفسه وبوكيله، وقَدْ أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفعُ إِليهِ، (إِنْ كَانَ المُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيْئاً). (وَ) المليء (هُوَ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْوَفَاءِ) أي: لهُ مالٌ يفي منه، (وَلَيْسَ) يكون المحال عليهِ (مُمَاطِلاً)، بل يكونُ باذلاً للحقِّ، (وَيُمْكِنُ حُضُورُهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكِمْ) أي: مجلس القضاء. وقال في المنتهى: «والمَليءُ: القادر بماله، وقوله، وبدنِهِ»، نصاً. وفسر الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - الملاءة بقوله: «هو أن يكون قادراً بماله أي: له مالٌ، وقوله» أي: أن لا يكون مماطلاً، «وبدنه» أي: إمكان حضوره إلى مجلس الحكم (١).
(فَمَتَى تَوَفَّرَتْ) أي: وُجدت هذهِ (الشَّرُوطُ) الخمسة (بَرِئَ المُحِيلُ مِنَ الدَّيْنِ) الذي عليهِ (بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ)؛ لأنه يجب على من أحيل على مليء أن يحتال؛ لظاهر حديث أبي هريرة المتقدم. فإن امتنع المحتال على إتباع المحيل عليه، أجبره الحاكم على