فإن أحضر الكفيل المكفول به، وامتنع المكفول من تسليمه بلا ضرر في تسليمه - كأن كان الثمن مؤجَّلا ونحوه، وليس ثَمَّ يد حائلة ظالمة. فإن كانت، لم يبرأ الكفيل -، برئ الكفيل، ولو لم يُشهد على امتناعه. وقال القاضي: «يرفعه إلى الحاكم فيسلّمه إليه، فإن لم يجده أشهد» (١). قال الشيخ - يعني: شيخ الإسلام، الشيخ تقي الدين ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: «إِنْ كانَ المكفُولُ فِي حبس الشرع، فسلّمهُ إليهِ فيهِ، برئ إن كانَ يمكّنه الحاكم من الإخراج ليحاكم غريمه، ثمَّ يردُّه إلى الحبس» (٢) انتهى. وإن كان المكفول محبوساً عند غير حاكم الشرع، لم يلزم الكفيل تسليم المكفول عنه في هذه الحالة؛ لأنَّ هَذَا الحَبسَ يمنعُ رَبَّ الدين استيفاء حقه، فلا أثر لتسليمه. وإن اشترط كفيل البراءة من المال إن تعذر إحضاره عليه، فلا يضمن المال الذي على المكفول عنه؛ لحديث: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» (٣).
تنبيه: لو قال الكفيل في الكفالة: إن عجزتُ أو متى عجزتُ - عن إحضاره كانَ عليَّ القيام بما أقرَّ بهِ، قال العلامة ابن نصر الله: «لم يبرأ بموتِ المكفول، ويلزمه ما عليه» (٤).
(وَإِنْ) كانَ المكفول به غائباً غَيبةً تُعلم، غير منقطعة، بموضع معلوم، أُمهل الكفيل بقدر ما يمضي إلى محل المكفول به، ويحضره.
стр. 877
منه. وسواء كانت المسافة قريبةً أم بعيدةً. وإن لم تُعلم في الغيبة خبره، لزمه الدين من غيرِ إمهال. فإنْ (تَعَدَّرَ [على الكفيل] إِحْضَارُ المَكْفُولِ) معَ حياته، ولم يحضره، إما لتوانيه، أو لهربه، أو لاختفائه، أو لامتناعه، أو لأحدٍ منعه عنه، كذي سلطان، ونحوه، أو لغير ذلكَ، (ضَمِنَ) أي: ألزمَ بِ (جَمِيعِ مَا عَلَيْهِ) من الدين؛ لعموم قوله ﷺ : «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» (١).
تتمة: السجانُ كالكفيل، فيغرمُ إن هرب منه المحبوس، أو عجز عن إحضاره. قال العلامة ابن نصر الله: «الأظهر: أنه كالوكيل بجعل في حفظ الغريم، وكذا رسُولُ الشرع ونحوه» (٢). فإن هرب غريم منه فعليه إحضاره، أو يغرم ما عليه. هذا على القول الأول. وعلى الثاني إن كانَ بتفريط لزمه إحضاره فقط، وإلا فلا. (وَمَنْ كَفَلَهُ اثْنَانِ) فأكثرُ، (فَسَلَّمَهُ أَحَدُهُمَا) أي: أحد الاثنان، أو أحد الأكثر، (لَمْ يَبْرَأ الآخَرُ) - أي: الذي لم يسلمه من الكفالة. (وَإِنْ سَلَّمَ) المضمون عنه للمضمون لهُ (نَفْسَهُ، بَرِئا) الكفيل، واحداً كان أو أكثر.
تتمةٌ: لو كفل جزءاً شائعاً، كثلث، أو ربع من عليه الحقُّ، أو كفل عضواً منه ظاهراً، كرأس، ويد، أو باطناً، كقلب، وكبد، صحتِ الكفالة، ويلزمه إحضاره؛ لأنه لا يمكن إحضاره إلا بإحضار الكل.
стр. 878
(باب) (الحَوَالَةِ)
بفتح الحاء وكسرها، مشتقة من التحول؛ لأنها تحول الحق من ذمة إلى ذمة أخرى. وهي ثابتة بالإجماع (١)؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ وَمَنْ أُحِيْلَ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» (٢). وفي لفظ: «وَمَنْ أُحِيْلَ بِحَقِّهِ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ» (٣).
وهي عقد إرفاق منفرد بنفسه، ليس محمولاً على غيره. ولا خيار فيها. وليسَتْ بيعاً، وإلا جازت بلفظه. وهي: «انتقال مال من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه»، بحيثُ لا رجوع للمحتال على المحيل بحال، إذا اجتمعت شروطها. ويصح بلفظ الحوالة، أو بمعناها الخاص، كأَتْبَعْتُكَ بِدَينِك على زيد، ونحوه.
(وَشُرُوطُهَا) أي: شروط الحوالة (خَمْسَةٌ) شروط.
(أَحَدُهَا: اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ فِي الْجِنْسِ)؛ كأن يحيل من عليه ذهب بذهب، أو فضةٌ بفضةٍ، فلو أحال من عليه ذهب بفضةٍ، أو بالعكس، لم يصح؛ للتخالف. (وَ) اتفاق الدينين في (الصَّفَةِ)،
стр. 879
فلو أحال من عليه دراهم صحاح بمكسرة، ونحوه، لم يصح؛ للتخالف. (وَ) اتفاقُ الدِّينَيْنِ فِي (الْحُلُولِ) بأن يكونا حالين، فلا تصح إن كان أحدهما حالاً والآخر مؤجلاً. (وَ) في (الأَجَلِ) بأنْ يكونا مؤجلين أجلاً واحداً، فلا تصح إذا كان أجل أحدهما يخالف الآخر، فلو كانا حالين فشرط المحتال تأخيره، أو بعضه إلى أجل معلوم لم تصح.
(الثاني) منَ الشروط: (عِلْمٌ قَدْرِ كُلَّ مِنَ الدَّيْنَيْنِ) باتفاقِ قدرهما، فلا تصح الحوالة بعشرة على خمسة، ولا عكسه، وتصح حوالة الخمسة من العشرة على الخمسة، وبالخمسة على خمسة من العشرة. ولا يضرُّ اختلافُ سَبَبَي الدين، بأن كان أحدهما عن قرض والآخر ثمن مبيع.
(الثَّالِثُ) من الشروط: (اسْتِقْرَارُ المَالِ المُحَالِ عَلَيْهِ)، كبدل قرض، وثمن مبيع بعد لزوم بيع، فلا تصح الحوالة على المسلم فيهِ، ولا عَلى رأس مال سلم بعد فسخ السلم، أو على صداق قبل دخول، أو مال كتابة؛ لعدم استقرارهما. وتصح على صداق بعد دخول، ونحوه. (لا) أي: لا يشترط استقرار المال (المُحَالِ بِهِ). وتصح إن أحال مكاتب سيدَه بمال كتابة، أو أحال زوج امرأته بصداقها ولو قبل دخول - على مال مستقر، وكذا حوالة بجعل قبل عمل؛ لأن الحوالة به بمنزلة وفائه، ويصح الوفاء قبل الاستقرار. ولا تصح الحوالة بجزيةٍ؛ لفوات الصغَارِ عنِ المُحيل، ولا حوالة ولد على أبيه.
(الرابع) من الشروط: (كَوْنُه) أي: المحالِ بِهِ (يَصِلُّ السَّلَمُ
стр. 880
فِيهِ) من مثلي - كمكيل، وموزون، ومن غير المثلي - كمعدود، ومذروع - ينضبطان بالصفة. ولا تصح فيما لا يصح السلم فيه - كالجوهر -. فائدة: قال شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «الحوالة على ماله في الديوان إذن في الاستيفاء فقط» انتهى. ومثله: الحوالة على ماله في الوقفِ. وللمحتال إذن الرجوع ومطالبة مُحيله. (الخَامِسُ) منَ الشروط: يعتبرُ (رِضًا المُحِيلِ)؛ لأنَّ الحق عليه. (لا) يعتبرُ رضا (المُحْتَالِ)؛ لأنَّ للمحيل أن يستوفي حقَّهُ بنفسه وبوكيله، وقَدْ أقام المحتال مقام نفسه في القبض، فلزم المحال عليه الدفعُ إِليهِ، (إِنْ كَانَ المُحَالُ عَلَيْهِ مَلِيْئاً). (وَ) المليء (هُوَ مَنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى الْوَفَاءِ) أي: لهُ مالٌ يفي منه، (وَلَيْسَ) يكون المحال عليهِ (مُمَاطِلاً)، بل يكونُ باذلاً للحقِّ، (وَيُمْكِنُ حُضُورُهُ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكِمْ) أي: مجلس القضاء. وقال في المنتهى: «والمَليءُ: القادر بماله، وقوله، وبدنِهِ»، نصاً. وفسر الإمام أحمد - رضي الله تعالى عنه - الملاءة بقوله: «هو أن يكون قادراً بماله أي: له مالٌ، وقوله» أي: أن لا يكون مماطلاً، «وبدنه» أي: إمكان حضوره إلى مجلس الحكم (١).
(فَمَتَى تَوَفَّرَتْ) أي: وُجدت هذهِ (الشَّرُوطُ) الخمسة (بَرِئَ المُحِيلُ مِنَ الدَّيْنِ) الذي عليهِ (بِمُجَرَّدِ الْحَوَالَةِ)؛ لأنه يجب على من أحيل على مليء أن يحتال؛ لظاهر حديث أبي هريرة المتقدم. فإن امتنع المحتال على إتباع المحيل عليه، أجبره الحاكم على
стр. 881
قبولها. ولو (أَفْلَسَ المُحَالُ عَلَيْهِ)، أو جحد الدين (بَعْدَ ذَلِكَ) أي: بعد الحوالة المتوفرة الشروط المذكورة، (أَوْ مَاتَ) أي: ولو مات المحتال عليه بعد ذلك، فيتبع ميراثه. (وَمَتَى لَمْ تَتَوَفَّرِ الشُّرُوطُ) الخمسة، فاختلَّتْ أو اختل واحدٌ منهَا، (لَمْ تَصِحَ الحَوَالَةُ)، ولرب الدينِ اتِّباعُ المديون المحيل، ومطالبته بدينه، (وَتَكُونُ) هذه الحوالة (وَكَالَةً) في قبضِ ما عليه إن تبعه وطالبه. ومن أحال من لا دين عليه على مديون له، فهي وكالة في الطلب والقبض منه.
وإن ظن المحتال عليه مليئاً، أو جهله، فبان مفلساً، رجع بدينه على المحيل. ولا يرجع إن رضي بالحوالة على من ظنه مليئاً أو جهله، ولم يشترط الملاءة؛ لتفريطه بترك اشتراطها. فإن اشترطها، فبان المحال عليه معسراً، رجع على المحيل. قال شيخُنا في شرحه على المنتهى: «ويؤخَذُ منه صحة هذا الشرط؛ لما فيه من المصلحة».
تنبيه: ومتى صحتِ الحوالة، وتراضى المحتال والمحال عليه بخير من الدين، أو بدونه، أو بتعجيله إن كان مؤجلاً، أو بتأجيله إن كان حالاً، أو بأخذ عوضِهِ، جاز ذلك؛ لأنَّ الحق لهما. لكن إن جرى بين العوضين ربا نسيئة، بأن عوّضه عن موزون موزوناً، ونحوه، اشترط فيه القبضُ قبل التفرق. وإن أحال رجل زيداً (١) على عمرو، فعمرو أحال زيداً على بكرٍ، صح ما ذكر؛ لأنه حوالة بدين على دين ثابت. وهكذا تصح الحوالة إذا أحال بكر زيداً على
стр. 882
عمرو، إذا ثبت له في ذمته حق، فلا يضر تكرار المحال والمحيل. وإن أحال مشتر البائع بثمن ما اشتراه على من له عليه دين، أو أنَّ البائع أحال من له عليه دين على المشتري بالثمن، فبان البيع مستحقّاً للغير، أو العبد حراً، أو الخل خمراً، ونحوه، بطل، ولا حوالة؛ لبطلانه. وإن فسخ المبيع بتقايل، أو برد لعيب، لم تبطل الحوالة، ولمن أحيل الرجوع على من أحاله، وللبائع أن يحيل المشتري على مَنْ أحاله المشتري عليه في الصورة الأولى، وللمشتري أن يحيل المحتال عليه على البائع في الثانية.
تتمة: إذا اختلف المحيل والمحتالُ، فقال المحيل: أحلْتُكَ، قال: بل وكَّلْتَنِي، أو بالعكس، فالقول قولُ مدَّعِي الوكالة (١). وإن اتفقا على: أحَلْتُكَ، أو أحَلْتُكَ بِدَينِي، وادَّعَى أحدهما إرادة الوكالة، صُدِّقَ. وإن اتفقا على أحَلتُكَ بدَينِكَ، فقول مدعي الحوالة. وإذا طالب ربُّ الدين المدين، فقال: أحلت فلاناً الغائب، وأنكر ربُّ المال، قُبل قوله مع يمينه، ويُعمل بالبينة.
стр. 883
(باب) (الصُّلْحِ) وحكم الجوار
والجوار - بكسر الجيم - وهو لغةً: قطع المنازعة. وشرعاً: «معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح، أو موافقة بين متخاصمين». وهو جائز بالإجماع؛ لقوله تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرُ﴾ [النساء: ١٢٨]، ولقوله تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]، ولحديث أبي هريرة مرفوعاً: «الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحاً حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ حَرَّمَ حَرَاماً». رواه أبو داود (١). والصلح من أكبر العقود فائدةً؛ لما فيه من قطع النزاع والشقاق، وأبيح فيه الكذب. والصلح خمسة أنواع، أحدها: يكون بين المسلمين وأهل حرب. وتقدمت أقسامه في الجهاد والثاني: بين أهل عدل وأهل بغي. ويأتي في قتال أهل البغي. والثالث: بين زوجين خيف شقاق بينهما، أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها. ويأتي في عشرة النساء. والرابع: بين متخاصمين في غير مال. والخامس: بين متخاصمين في مال. والصلح في الأموال على قسمين: قسم على إقرار، وقسم على إنكار.
стр. 884
وَ (يَصِحُ) الصلحُ (مِمَّنْ يَصِحُ تَبَرُّعُهُ) مِنْ جائز التصرف. وأما من لم يصح تبرعه كالمكاتب، والقنّ المأذون لهما في التجارة، وولي الصغير والسفيه، وناظرِ الوقفِ، فلا يصح؛ لأنه تبرع، وهم لا يملكونه، إلا إن أنكر من عليهِ الحقُّ، ولا بينة لمن يدعيه، من المكاتب والولي ونحو ذلك، فيصح الصلح؛ لما فيه من الحظ والمصلحة؛ لاستيفاء البعض عند العجز عن استيفاء الكل؛ لأنه أولى من الترك؛ فيصح (مَعَ الإِقْرَارِ) أي: مع إقرار من عليه الحقُّ بالحقِّ. (وَ) يصح معَ (الْإِنْكَارِ) أي: معَ إنكار مَنْ عليه الحقُّ. (فَإِذَا أَقَرَّ) المدَّعَى عليهِ (لِلْمُدَّعِي بِدَيْنٍ) معلوم في ذمته، (أو) أقرَّ ب (عَيْن) بيدِه، (ثُمَّ صَالَحَهُ) المقَرُّ لَهُ (عَلَى) وضعِ (بَعْضِ الدَّيْنِ) المقرّ به، (أَوْ) علَى (بَعْضِ الْعَيْنِ) المدَّعاةِ بها، كنصف، أو ثلث، ونحو ذلك، (فَهُوَ) أي: فيكون ذلكَ (هِبَةً)؛ لوجود الإقرار بما ادُّعِي بِهِ، فَ (يَصِحُ) ذلك؛ لأنَّ الإنسان لا يُمنع من إسقاط حقه، كما لا يُمنع من استيفائه؛ لأنه ﷺ كلَّم غرماء جابر ليضعوا عنه (١). ويصح (بِلَفْظِهَا) أي: بلفظ الهبةِ، وَ (لَا) يصحُ (بِلَفْظِ الصُّلْحِ)؛ لأنه هضم للحقِّ. ويشترط للهبة شروطها، من كونه جائز التصرف، والعلم بالموهوب، ونحوه. وإن وضع ربُّ دَين بعض الدين الحال، وأجل باقيه، صح الإسقاط فقط؛ لأنه أسقط عن طيب نفسه، ولا مانع من صحتِهِ، ولم يصح التأجيل؛ لأنَّ الحال لا يؤجل.
стр. 885
وكذا لو صالحه عن مائة صحاح، بخمسينَ مُكسَّرةً، فهو إبراء من الخمسين، ووعد في الأخرى (١)، ما لم يقع بلفظ الصلح، فلا يصح. وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً لم يصح، في غير كتابة (٢).
(وَإِنْ صَالَحَهُ) المدعى عليهِ عَلَى عَيْنٍ غَيْرِ المُدَّعَاةِ بِهَا، (فَهُوَ بَيْعٌ) للعين الذي وقع الصلح عليها؛ فَ (يَصِحُ بِلَفْظِ الصُّلْحِ)؛ لأنها معاوضةٌ، بخلاف ما قبله؛ لأنَّ المعاوضة عن شيء ببعضه محظورةٌ. (وَتَثْبُتُ فِيهِ) أي: في هذا الصلح (أَحْكَامُ الْبَيْعِ) المتقدم ذكره في كتاب البيع، منَ العلمِ بهِ، والقدرة على تسليمه، والتقابض بالمجلس إن جرى بينهما رباً. (فَلَوْ صَالَحَهُ) المدعى عليه (عَنِ) ال (عَيْنِ) الذي ادعى بهِ عليهِ وأقرَّ له بها، (بِعَيْن) غيرها، (وَاتَّفَقَا) أي: العين المدَّعَى بها والعينُ الذي وقع الصلح عليها (فِي عِلَّةِ الرِّبَا)، بأن أقرَّ له لدينارٍ، فصالحه عنه عوضاً عن ذلك بعشرة دراهم مثلاً، أو عكسه، فهو صرف، صح، لكن (اشْتُرِطَ) فِيهِ (قَبْضُ الْعِوَضِ فِي المَجْلِسِ) قبل التفرق منه. ويحرم الصلح عن الدين بجنسه - إذا كان مثلياً، كمكيل بمكيل، أو موزون بموزون، بأكثر أو أقل منه، على سبيل المعاوضة؛ لأنه رباً، لا على سبيل الإبراء والهبة.
(ق) لو صالحَهُ عنْ دِينِ (بِشَيْءٍ فِي الذِّمَّةِ)، بأن صالحه عن
стр. 886
دينار في ذمته بإردب (١) قمح، أو نحوه في الذمة، (يبطل) ذلك (بالتفرق) من المجلس (قبل القبض) لذلك الشيء؛ لأنه يصير بيع دين بدين. (وإن صالح عن عيب في المبيع) بشيء من عين، كدينار، أو منفعة، كسكنى دار شهرا، ونحوه، (صح). (فلو) حصل الصلح على عيب في المبيع، ف (زال العيب سريعا) بلا كلفة، ولا تعطيل نفع على مشتر، كمريض عوفي ونحوه، رجع بما دفعه. وكذا (ا) ل (و) صالح على عيب، فظهر أنه (لم يكن) معيبا (رجع بما دفعه) عن العيب؛ لعدم استحقاقه ذلك. وإذا صالح مكلفا ليقر له بالعبودية، أو امرأة لتقر له بالزوجية بعوض، لم يصح الصلح؛ لعدم جوازه؛ لأنه صلح يحل حراما؛ لما ورد في الحديث من قوله ﷺ : «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما». رواه الترمذي (٢).
(ويصح الصلح عما) كان مجهولا (تعذر علمه، من دين)، كمن بينهما معاملة وحساب مضى عليه زمن، (أو) عما تعذر علمه من (عين)؛ كقفيز حنطة، وقفيز شعير اختلطا وطحنا، بمال معلوم، حال أو نسيئة؛ لقوله ﷺ لرجلين اختصما في مواريث درست: «استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه». رواه أحمد (٣). ولا يصح الصلح بشيء مجهول؛ لأن الجهل به يمنعه، فلا بد أن
стр. 887
يكون معلوماً؛ لوجوب تسليمه. فإن لم يتعذر علم المجهول - كتركة باقية، صالح الورثة الزوجة عن حصتها منها، مع الجهل بها -، قال في «المنتهى»: «فكبراءة من مجهول» (١)، جزم به في «التنقيح»، وقدمه في «الفروع». وظاهر كلامه في «الإنصاف»: أنَّ الصحيح المنع؛ لعدم الحاجة إليه، وقطع به في «الإقناع». قال في «الفروع»: «وهوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ» (٢).
(وَ) من قالَ لغريمه: (أَقِرَّ) لِي بِدَيْنِي، وَأُعْطِيكَ مِنْهُ، أَوْ قَالَ: خُذ منه (كَذَا) أي: عشرةً مثلاً، (فَأَقَرَّ) لهُ، (لَزِمَهُ) أي: المقرَّ ما أقرَّ بهِ منَ الدِّينِ؛ لأنه لا عذر لمن أقرَّ، (وَلَمْ) يصح الصلح؛ لوجوب الإقرار عليه بما عليهِ منَ الحقِّ، فلم يُبَحْ له العوض عما يجب عليه. ولا (يَلْزَمُهُ) أي: ربَّ الدين (أَنْ يُعْطِيَهُ) بما أوعد بإعطائه؛ لعدم وجوبه عليه.
تتمة: إذا أقرَّ إنسان لآخر ببيت، فصالحه على بعضه، لم يصح الصلح؛ لأنه صالحه على بعض حقه. وكذا لو صالحه على أن يسكنه سنةً، أو على أن يبتني له بعلوه بنياناً، لم يصح. فإن أسكنه، فله إخراجه متى شاء؛ لأنه متبرع له بالسكنى. وكذا لو بنى نزعه منه متى شاء. فإن فعل ذلك على سبيل المصالحة معتقداً أنه وجب عليه بالصلح، رجع عليه بأجرة ما سكن، وأجرة ما كان في يده من الدار. ويُجبَرُ على نقض ما بنى، وتلزمه أجرة ما بنى عليه مدة تصرفه فيه بعقد فاسد. ولكن لمن بنى أخذُ آلة بنائه؛ لأنها في ملكه. وإن
стр. 888
صالحت المرأة عما أقرَّتْ بهِ بتزويجه نفسها، صح الصلح والنكاح، وكان ما أقرَّتْ به صداقاً لها.
(فصل)
(وَإِذَا أَنْكَرَ) المدعى عليه دَعْوَى المُدَّعِي، أَوْ أَنَّ المدعى عليهِ (سَكَتَ، وَهُوَ يَجْهَلُهُ) أي: يجهلُ ما ادَّعى بهِ، (ثُمَّ صَالَحَهُ) على مال، (صَحَّ الصُّلْحُ) في قول أكثرِ العلماء؛ لعموم ما سبق. (وَكَانَ) ما تركه، أو ما دفعه (إِبْرَاءً في حَقِّهِ) أي: في حق المدعى عليه؛ لأنَّ الترك أو الدفع إليه افتداء ليمينه، (وَبَيْعاً في حَقِّ المُدَّعِي) فيما وقع عليه الصلحُ. (وَمَنْ عَلِمَ بِكَذِبِ نَفْسِهِ) فيما وقع عليه الصلحُ، فَالصُّلْحُ في حَقِّ مَنْ علم بكذب نفسه باطل. (وَمَا أَخَذَهُ فِي ذلك على وجه الصلح (حَرَامٌ)، يجب عليه ردُّه؛ لأنه مِنْ أكل المال بالباطل. ولا يجوز للشاهد أن يشهد به إن علم ظلمه؛ لما فيه من الإعانة على الباطل. وإن صالح المنكر بشيءٍ، ثمَّ أقام مدَّعٍ بينةً أن المنكر كان أقرَّ قبل الصلح بالملكِ، لم تسمع، ولو شهدت بأصل الملك، ولم يُنقَضِ الصلح.
(وَمَنْ قَالَ: صَالِحْنِي عَنِ المُلْكِ الَّذِي تَدَّعِيْهِ، لَمْ يَكُنْ مُقِرّاً) بهِ. (وَإِنْ صَالَحَ أَجْنَبِيُّ عَنِ مُنْكِرٍ لِلدَّعْوَى، صَحَ الصُّلْحُ)، سواءٌ (أَذِنَ) المنكر للدعوى (لَهُ) أي: للأجنبي في الصلح (أَوْ لَمْ يَ (أ) ذن له فيهِ. لَكِنْ) استدراك من قوله: «وَإِنْ صالح أجنبي» (لَا يَرْجِعُ) الأجنبيُّ (عَلَيْهِ) أي: على المنكر بما دفعه بِدُونِ إِذْنِهِ)
стр. 889
أي: إذنِ المنكر (١). (وَمَنْ صَالَحَ عَنْ دَارٍ، أَوْ نَحْوَهَا)؛ ككتاب، وحيوان، بعوض، (فَبَانَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقاً) لغير المصالح، أو بان القن المصالح عليه حراً، (رَجَعَ بِالدَّارِ) المصالح عنها - وكذا الصلح، إن كانت باقيةً، أو ببدلها إن تلفت. هذا إذا كان الصلح (مَعَ الإِقْرَارِ)؛ لأنه بيع حقيقةً، وقد تبين فساده. (وَ) رجع المدعي (بِالدَّعْوَى) أي: إلى ما كان يدَّعيه قبل الصلح. هذا إذا كان الصلح (مَعَ الإِنْكَارِ)؛ لتبين فسادِ الصلح.
(وَلَا يَصِحُّ الصُّلْحُ) بعوضٍ (عَنْ خِيَارٍ) في بيع، أو إجارة، (أَوْ) عنْ شُفْعَةٍ، أَوْ عَنْ (حَدِّ قَذَفٍ)؛ لأنها لم تشرع لاستفادة مال، بل الخيارُ؛ للنظر في الحظ، والشفعة؛ لإزالة ضرر الشركة، وحد القذف؛ للزجر عن الوقوع في أعراض الناس. (وَتَسْقُطُ جَمِيعُهَا) أي: الخيار، والشفعة، وحد القذف، بالصلح؛ لأنه رضاً بتركها. (وَلَا) يصح أن يصالح (شَارِباً) لخمرٍ، أَوْ سَارِقاً لِيُطْلِقَهُ، أَوْ لئلا يرفعه للسلطان (٢)؛ لأنه لا يصح أخذ العوض في مقابلته. ولا يصح أن يصالح (شَاهِداً لِيَكْتُمَ شَهَادَتَهُ)؛ - لتحريم كتمانها - على أن لا يشهد عليه بحق الله، أو آدمي، أو على أن لا يشهد عليه بزورٍ؛ لأنه صلح على حرام.
تتمة: ويصح صلح مع إقرار، أو مع إنكار، عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه، كعين، ودين، أو لا، كقصاص بأخذ دية، ولو بلغ ديات، وكعيب مبيع.
стр. 890
(فصل)
(وَيَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يُجْرِيَ مَاءً فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، أَوْ سَطْح) غير (هـ)، ولو تضرر الشخص بتركه، (بِلا إِذْنِهِ) أي: إذنِ رَبِّ الأرضِ أو السطح؛ لتضرره، أو تضرر أرضِه. (وَيَصِحُ الصُّلْحُ عَلَى ذَلِكَ) أي: على إجرائه الماء في أرضِ غيره، أو سطحه، (بِعِوَض)؛ لأنه إما بيعٌ، أو إجارة، فمعَ بقاء ملكه إجارة، وإلا فبيعٌ. ويعتبرُ لصحة الإجارة: علم قدرِ الماء بساقية - أي: قناة -، أو علمُ ماء مطر برؤيةٍ، أو ما يزول عنه بمساحة، وتقدير ما يجري فيه الماء. لا علم عمقه، ولا مدته؛ للحاجة.
وإن اشترى موضعاً في حائط يفتحه باباً، أو بقعة يحفرها بئراً، بشرط كون ذلك معلوماً، أو اشترى عُلْوَ بيت يبني عليه بنياناً موصوفاً، أو ليضع عليه خشباً موصوفاً قال في «المبدع»: وظاهِرُه: أنه لا يجوز أن يحدث ذلك على الوقف. قال في «الاختيارات»: «وليس لأحد أن يبني على الوقف ما يضره، اتفاقاً، وكذا إن لم يضره عند الجمهور»، فإذا وقع الصلح على ما ذكر كان الصلح صلحاً مؤبداً، ولو كان إجارة، مدةً معلومة (١). قال في «المنتهى»: «وإِذَا مَضَتْ - أي: مدة الإجارة - بقي البناء، وله أجرة المثل». ومتى زال البنيان أو الخشب، فله إعادته؛ لأنه استحق إبقاءه بعوض، سواءٌ زالَ لسقوطه، أو لسقوط الحائط، أو لغير ذلك. ويرجع بأجرة مدة زواله عن البيت - في أثناء مدة الإجارة -.
стр. 891
سقوطاً لا يعودُ؛ قاله في «المغني». ولربّ البيت الصلح على إزالة العلو عن البيت، أو الصلح على عدم عوده بعد أن انهدم. قال شيخُنا في شرحه على «المنتهى»، وفي حاشيته على الإقناع: «قلتُ: وعلى قياسه: الحكُورُ المشهورة في الأوقاف، فليس لجهةِ الوقف إلا أجرة المثل، كما هو العرف فيها».
(وَمَنْ لَهُ حَقٌّ مَاءٍ يَجْرِي عَلَى سَطْحِ جَارِهِ، لَمْ يَجُزُ لِجَارِهِ تَعْلِيَةُ سَطْحِهِ لِيَمْنَعَ جَرْيَ المَاءِ) على سطحه؛ لأنه إبطال لحق جاره. وكذا ليس له تعليته ليكثر ضرر جاره، ولو كثر ضرره بجريان الماء على سطحِهِ؛ لأنَّ الضرر لا يُزالُ بالضرر. فعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قَالَ ﵊: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوْصِيْنِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» (١).
(وَحَرُمَ عَلَى الْجَارِ أَنْ يُحْدِثَ بِمُلْكِهِ مَا يَضُرُّ بِجَارِهِ، كَحَمَّامٍ) يتأذى جاره بدخانه، أو ينضر حائطه بمائه، ومثله مطبخ سكر، (وَكَنِيْفٍ) (٢)، أو بالوعة؛ لتأذي جاره بريحه، أو يصل إلى بئرِهِ. فإن ادعى فساد بئر بكَنِيفٍ، أو بالوعة، اختُبِرَ بالنفط، فيُلقَى فيها، فإنْ ظهر طعمه أو ريحه بالماء، نُقلِتَا إن لم يمكن إصلاحهما بنحو بناء، أو غيره. هذا إذا كانت البئر أقدم منها. من حاشية «المنتهى» (وَ) أن يُحدِثَ (رَحَى) يهتزُّ بها حيطانه، (وَتَنُّوراً) يتعدَّى دخانه إليهِ، وكذا
стр. 892
دكان حدادة، وقصارة، يتأذى بدقّه بهزّ الحيطان؛ لحديث: «لَا ضَرَرَ وَلَا صِرَارَ» (١)، وهذا إضرار بجاره. (وَلَهُ) أي: للجارِ (مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ) الذي يتضرر منه. قال الشيخ تقي الدين ﵀: بخِلافِ طبخ، وخَبز فيه - أي: في ملكه - فليس للجارِ منعه منه؛ لدعاء الحاجة إليه، وللضرورة (٢). وكذا يحرم على الجار حفر بئر ينقطع بها ماء بئرِ جارِه، وإشعال نار يتعدى إليه، ونحو ذلك مما يؤذيه. وإن كان هذا الذي يحصل منه الضرر للجارِ من حمام ورحى وغيرهما - سابقاً على ملك الجار، مثل من له في ملكه مدبغة، أو تنور، ونحوهما، فأحيا إنسان إلى جانبه مواتاً، أو بنى بجانبه داراً، أو نحوه، أو اشترى داراً بجانبه، بحيثُ أَنَّ صاحب الملك المحدث يتضرر بالمدبغة والتنور ونحوهما، لم يلزم صاحبهما إزالته؛ لأنه لم يحدث بملكه، وإنما كان موجوداً.
تتمة: وقال شيخ الإسلام - الشيخ تقي الدين ابن تيمية -:
«ومَن كانَتْ لهُ مساحةٌ يُلقَى فيها التراب والحيوان الميت، وتضرر الجيران بذلك، فإنه يجب على صاحبها أن يدفع ضرر الجيران، إما بعمارتها، أو بإعطائها لمن يعمرها، أو بمنع أن يلقى فيها ما يضرُّ بالجيران» (٣).
(وَيَحْرُمُ) على الجار (التَّصَرُّفُ فِي جِدَارٍ جَارٍ)
стр. 893
ولو (مُشْتَرَكاً، بِفَتْحِ رَوْزَنَةٍ) والرَّوزَنةُ: الكُوَّةُ - بفتح الكافِ وضمها، وهي الخرقُ في الحائط، (أَوْ) بفتح (طَاقٍ) والطاقُ: مَا عُطِفَ من البنيان (١)، (أَوْ) بأن يحدِثَ عليه سترةً، أو أن يحدث عليه حائطاً، أو خُصّاً (٢) يحجزه بين السطحين، إلا بإذن صاحبه، أو شريكه. وإن صالحه عن ذلك بعوض جاز. ويحرم التصرف أيضاً في جدار الجارِ بِ (ضَرْبِ وَتَدٍ، وَنَحْوِهِ)؛ كمسمار، ورفّ، وغيره. (إِلَّا) إن كان ذلك (بِإِذْنِهِ) فيجوزُ (وَكَذَا) يحرم التصرف في جدار جاره ب (وَضْعِ خَشَبٍ) عليهِ، إِلَّا أَنْ لَا يُمْكِنَ ال (تَسْقِيفُ إِلَّا بِهِ). (وَيُجْبِرُ) الحاكمُ (الجَارَ إِنْ أَبَى) وضع الخشب - الذي لا يمكن التسقيف إلا به - على وضعه؛ لأنه حقّ عليه؛ لحديث أبي هريرة مرفوعاً: «لَا يَمْنَعَنَّ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَضَعَ خَشَبَةً عَلَى جِدَارِهِ»، ثُمَّ يَقولُ أبو هريرة: ما لي أرَاكُمْ عنهَا مُعرِضينَ؟! والله لأرمين بها بينَ أكتافكم. متفق عليهِ (٣). ومعناه: لأضعن هذه السنة بين أكتافكم، ولأحملتكم على العمل بها. وقيل معناه: لأضعن جذوع الجيران على أكتافِكُم، مبالغةً، ولو كان الحائط ليتيم، أو مجنون، أو وقف، ونحوه. ما لم يتضرر بوضع الخشب عليه، فلا يوضع بغير إذن ربه مطلقاً. وإن صالحه عنه بشيء جاز؛ قاله في «الإنصاف». وقيل: لم يجز؛ لأنه أخذُ عوض على ما يجب عليه بذله (٤). وإن خيف سقوط
стр. 894
الجدار بعد وضعه، لزم إزالته؛ لأنه يضرُّ بالمالك، وكذا حكم جدار مسجد (١).
ولو أراد الجارُ أن يغرس شجراً يسري عروقه، كشجرة الجُمَّيز، فإِنَّ سريان العروق تضرُّ الحائط، وتتلفه، فيُمنع الجارُ من ذلك، ولجاره قلعها إن غرسها. وإذا حصل في هواء، أو أرضِ ما يملكه، أو بعضه، ولو بمنفعة، أو بعضها غصن شجر غيره، أو عرقه، لزم ربُّه إزالته، بردّه إلى ناحية أخرى، أو قطعه. ويضمن ما تلف به، بعد إعلام ربِّه بإزالته. فإن أبى فلرب الأرضِ قطعه، حيثُ لا يزولُ إلا به. وقال الأصحابُ: بلا حكم حاكم. ولا تحرم عليه في هذه الحالة. وعُلمَ منه: أنه لا يجبر مالكه على إزالته، وهو الصحيح؛ لأن حصوله فيه ليس بفعله.
تتمة: متى وجد فيما آل إليه بوجه شرعي، من وضع خشب، أو بناء، أو مسيل مائه، أو جناح، أو ساباط في حق غيره، أو ماء يجري سطحه على سطح غيره، ولم يعلم سببه، فهو حق له؛ لأنَّ الظاهر وضعه بحق، من صلح، أو غيره، خصوصاً مع تطاول الأزمنة. فإن اختلفا فقول صاحب ذلك مع يمينه؛ عملاً بالظاهر. ولمن وجد ذلك أخذ عوض بصلح على إزالته، أو على عدم إعادته إن كانَ زالَ. ويلزمُ أعلى الجارين بناء سترةٍ تمنع مشارفةَ الأسفل. فإن استويا في العلو اشتركا في السترة. ويُجبر من امتنع مع الحاجة إلى السترة. ولا يلزم الأعلى سد طاقته، إذا لم يُنظر منها ما يحرم نظره من جهة جاره.
стр. 895
فائدة: لمالك البناء تعليةُ بنائه، ولو أفضَى إلى سد الفضاء عن جاره؛ قاله الشيخ تقي الدين، من حاشية «المنتهى». (وَلَهُ) أي: للجارِ أَنْ يُسْنِدَ قُمَاشَهُ إلى حائط جَاره، وغيره، من غير إذنه، (وَ) له أن (يجلس في ظِلِّ حَائِطِ غَيْرِهِ)، من غير إذنِهِ، (وَ) له أن (يَنظُرَ في ضَوءٍ) في (سِرَاجِهِ) أي: سراج غيره، (مِنْ غَيرِ إِذنِهِ)؛ لمشقة التحرز من ذلك، وعدم الضرر.
(وحَرُمَ) على الإنسانِ (أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي طَرِيقٍ نَافِةٍ بِمَا يَضُرٌ المار) في الطريقِ، (كَإِحْرَاجِ دُكَّانٍ، وَدَكَّةٍ) - بفتح الدال: وهي مِسْطَبةٌ - بكسر الميم - للجلوس عليها، ولو كان الطريق واسعاً، ولو بإذن إمام، أو نائبه؛ لأنَّ في ذلك تضييقاً على كل حال، وضرراً (١)، (وَجَناح) وهوَ الرُّوشَنُ، على أطراف خشب أو حجرٍ، مدفونة في الحائط (٢)، (وَسَابَاطٍ) وهو سقيفة على جدارين، تحتها طريقٌ، (ومِيزَابٍ. ويَضمَنُ مَا تَلِفَ بِهِ) أَي بمَا ذكر.
ويجوز إخراج جناح، وساباط، بإذن الإمام، أو نائبه؛ لأنه نائب المسلمين، فإذنه كإذنهم، ولحديث الإمام أحمد: «أَنَّ عمر اجتاز على دار العباس، وقد نصب ميزاباً إلى الطريق، فقلعه، فقال: تقلعه وقد نصبه رسول الله ﷺ بيده؟ فقال: والله لا تنصبُه إِلَّا عَلَى
стр. 896
ظهري، فانحنى حتّى صعد على ظهره فنصبه» (١). هذا إذا كان بلا ضرر، بحيث يمكن عبور محمل من تحته. وإلّا لم يجز وضعه، ولا إذنه فيه. فإن كان الطريق منخفضاً وقت وضعه ثمّ ارتفع لطول الزمن، فحصل به ضرر، وجبت إزالته. ذكره شيخ الإسلام الشيخ تقي الدين.
(وَيَحْرُمُ التَّصَرُّفُ بِذَلِكَ) أي: كما ذكر (فِي مُلْكِ غَيْرِهِ، أَوْ) في (هَوَاءٍ) غير (هـ)، (أَوْ فِي دَرْبٍ غَيْرِ نَافِذٍ)، أو بفتح باب في ظهر دار في الدرب لأجل الاستطراق (٢)، (إِلَّا بِإِذْنِ) مالكه، إن كان في ملك غيره، أو بإذن (أَهْلِهِ) أي: أهل الدرب. ويجوز فتحه لغير استطراق، كلضوء، ونحوه. ويجوز فتحه بغير إذن، إذا كان في درب نافذ، ولو لاستطراق؛ لأنّ الحق فيه لجميع المسلمين، وهو منهم. ويجوز الصلح بعوض على إخراج دكان، ودَكّة، وجَناح، وسَابَاط، وفتح باب في ملك غيره، أو هوائه، إذا كان بإذنه، بشرط أن يكون ما يخرجه معلوم المقدار في الخروج والعلو. ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذ بئراً لنفسه، ولو لمجمع ماء مطر، ولو بلا ضرر. وإن أراد حفرها للمسلمين لنفعهم في طريق ضيق، أو في ممر الناس، بحيث يخافُ السقوط فيها، أو بحيث يضيق عليهم ممرهم، لم يجز. وإن حفرها في زاوية من طريق واسع، وجعل عليها ما يمنع الوقوع فيها، جاز؛ لأنّ في ذلك مصلحة للمسلمين. ويجوز نقل باب دار في درب غير نافذ،
стр. 897
من آخر الدرب إلى أوله، بلا ضرر. فإن حصل به ضرر كأن فتحه في مقابلة باب غيره ونحوه، مُنِعَ منه. ولا يجوز نقله من أوله إلى داخل منه إلا بإذن من فوقه (١). ويكون إعارة إن أذنُوا. قال في شرح المنتهى: «قلتُ: لكن ليس للأذن الرجوع بعد فتح الداخل وسد الأول». ومع الإذن فلا رجوع فيه بعد فتحه. ومن خرق بين دارين متلاصقين له، باباهما في دربين مشتركين، واستطرق إلى كل منهما، جاز.
(وَيُجْبَرُ الشَّرِيكُ عَلَى الْعِمَارَةِ) في العين المشتركة [كحائط وسقف] (٢) ودولاب، وناعورة [ونحو ذلك] (٢) ممّا يحتاج إليه، أي: للعمارة - (مَعَ شَرِيكِهِ)، كما يجبر على نقضه معه عند خوف سقوطه، (في المُلكِ والوَقْفِ). فإن أبى الشريك، أخَذَ الحاكم من ماله، إن كان نقداً، أو باع من عُروضه، وأنفق بقدر حصته. فإن تعذر، اقترض الحاكم عليه. فإن بنى الشريك بإذن شريكه، أو بإذن الحاكم، أو بدون إذنهما، بنية الرجوع، رجع بما أصرفه على قدر حصته. وإن بناه لنفسه بآلته، فهو بينهما. وإن بناه بآلة من عنده، فهو له خاصةً. فإن أراد نقضه، فله ذلك، إلا أن يدفع إليه شريكه نصف قيمته، فلا يكون له نقضه. ولو أراد غير الباني نقضه، أو إجبار بانيه على نقضه، لم يكن له ذلك.
(وإنْ هَدَمَ الشَّرِيكُ) ما كانَ بينهما شركةً مِنَ (البِنَاءِ) مِنْ غيرِ
стр. 898
إذن شريكه، (وَكَانَ) البناءُ (مَخُوفَ سُقُوطِهِ) أي: آيل إلى السقوط، (فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لشريكه فيما هدمَهُ؛ لما فيه من المصلحة، قال شيخُنا في شرحه على «الإقناع»: «قياس ما سبق - أي: في رجوع الشريك بما عمره على شريكه - يرجع - يعني: على شريكه - بما يقابل حصته من أجرة الهدم، إن نوى الرجوع» انتهى، كما لو انهدم المشترك بنفسه، (وَإِلَّا) أي: وإن لم يكن البناء مخوف السقوط، (لَزِمَتُهُ) أي: لزم الشريكَ (إِعَادَتُهُ) أي: إعادة البناء كما كانَ؛ لتعديه بغير مسوغ شرعي. وإن كان السفل لواحد، والعلو لآخر، فالسقف بينهما [و] لا يختص بصاحب العلو. وإن انهدم سفل لإنسان، وعلو لغيره، انفرد صاحب السفل ببنائه، وأجبر على بنائه؛ ليتمكن صاحب العلو من الانتفاع به. وإن كان على العلو طبقة ثالثة، فصاحب الوسط مع من فوقه كَمَنْ تحته معه في حكم ما ذكر. (وَإِنْ أَهْمَلَ) أحدُ ال (شَرِيكَينِ بِنَاءَ حَائِطِ بُسْتَانٍ اتَّفَقَا) الشريكان (عَلَيْهِ) - أي: على بنائه - إلى أن أتلف من ثمرة البستان، (فَمَا تَلِفَ مِنْ ثَمَرَتِهِ) أي: من ثمرة البستانِ (بِسَبَبِ إِهْمَالِهِ) أي: إهمال شريكه، (ضَمِنَ) الشريك المهمل ما تلفَ مِنْ (حِصَّةِ شَرِيكِهِ)؛ قاله الشيخ؛ لتلفه بسببه.
تتمة: لو طلب (١) أحدٌ من الشريكين بناء حائط بين ملكيهما، لم يجبر الممتنع منهما، ويبني الطالب في ملكه إن شاء. وإذا اختلف المتصالحان في قدر الصلح، ولا بينة لواحد منهما بطل الصلح، وعاد إلى أصل الخصومة؛ قاله في «المستوعب».
стр. 899
(كتاب الحَجْرِ)
للمفلس وغيره.
(وَهُوَ) - بفتح الحاء، وكسرها - لغةً: الضيقُ والمنع. ومنه سمي الحرام، والعقلُ حِجْراً، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]، أي: حراماً محرَّماً. وسُمِّيَ العقل حجراً؛ لأنه يمنعُ صاحبه من ارتكاب ما يقبح وتضر عاقبته.
وشرعاً: (مَنْعُ المَالِكِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي مَالِهِ).
قوله: «منعُ مَالكِ»: مشى على عبارة المنتهى، قال شيخُنا في حاشيته على المنتهى: «لو غيَّرَ بدل (مالك) ب (إنسان) كالمنقح، والإقناع، لكان أولى؛ لأن القِنَّ من المحجور عليهم، وهو لا مال له».
والمنع سواء كانَ من قِبل الشرع، كالصغير، والمجنون، والسفيه، أو مِنْ قِبل الحاكم، كمنع المشتري من التصرف في ماله حتى يقضي الثمن الحال.
(وَهُوَ) أي: الحجرُ (نَوْعَانِ):
النوع (الأَوَّلُ): الحجرُ (لِحَقِّ) أي: لحظ (الْغَيْرِ، كَالْحَجْرِ عَلَى مُفْلِس)، لحقِّ الغرماء. - فالمفلس عند الفقهاء: مَنْ دَيْنُه أكثر من ماله (و) على (رَاهِنٍ)، لحقِّ المرتهن في الرهن بعدَ لزومِه.
стр. 900
(وَ) على (مَرِيضِ مرض موت مخوفاً، فيما زاد على الثلث، لحق الورثة (وَ) على (قِنّ، وَ) على (مُكَاتَبٍ)، لحق سيده، (وَ) على (مُرْتَدَّ)، لحق المسلمين؛ لأنَّ تركته في (وَ) على (مُشْتَرٍ) في شقص مشفوع، اشتراه بَعْدَ طَلَبِ الشَّفِيعِ) له على القول بأنه لا يملكه بالطلب، لحقِّ الشفيع.
النوع (الثَّانِي): الحجرُ (لِحَظِّ نَفْسِهِ، كَ) حجرٍ (عَلَى صَغِيرٍ، وَمَجْنُونٍ، وَسَفِيهِ)؛ لأنَّ مصلحة الحجر عائدةٌ عليهم، لا تتعداهم. والحجر عليهم عام في أموالهم، وذممهم. وكذا شيخ كبير إذا اختل عقله حجر عليه، بمنزلة الجنون؛ لعجزه عن التصرف في ماله. ونقل المروذي: أن يحجر الابنُ على الأب إذا أسرف، بأن يضعه في الفساد، وشراء المغنيات، ونحوه (١).
(وَلَا يُطَالَبُ المَدِينُ، وَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ بِدَيْنٍ لَمْ يَحِلَّ)؛ لأنهُ لا يلزمه أداؤه قبل حلوله. (لَكِنْ لَوْ أَرَادَ) المديون (سَفَراً) وأطلقه الأكثر، وقيَّده الموفق (٢)، والشارح (٣)، وجماعة: إذا كان (طَوِيلاً)، قال في الإنصاف: «ولعله أولَى» (٤). - والطويل: ما كان فوق مسافة القصر -، (فَلِغَرِيمِهِ) أي: لربِّ الدين (مَنْعُهُ) من السفر (حَتَّى يُوَفِّقَهُ بِرَهْنٍ يُحْرِزُ) الدين - أي: يفي به (أو) يوثقه بِ (كَفِيلٍ مَلِيءٍ) أي: قادرٍ على وفاء الدين؛ لأنَّ في تأخيره
стр. 901
ضَرَراً (١) على رَبِّ الدِّين، وقُدُومُه من السَّفرِ عند حُلُول حَقِّه غيرُ مُتيقِّن، ولا ظاهراً]. وهذا السفر إذا كان غير سفر جهادٍ مُتعين لاستنفار الإمام له، ونحوه، فلا يمتنع من السفر له. فلو أراد المدين وضامنه معاً السفر، فللغريم منعهما، أو منع أيهما شاء. «وإن أرادَ المدين سفراً، وهو عاجز عن وفاء دينه، فلغريمه منعه، حتى يقيم كفيلاً». قاله الشيخ تقي الدين؛ لأنه قد يُوسر في سفره، فلا يتمكن ربُّ الدين طلبه بإحضاره.
ومن دينه حالٌّ (٢)، وهو قادر على وفائه، وطلبه المدين، فسافر قبل وفائه، لم يَجُز له أن يترخَّصَ بقصرٍ، ولا فطرٍ، ولا أكل ميتةٍ؛ لأنه عاص بسفره.
(وَلَا يَحِلُّ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ بِجُنُونٍ، وَلَا بِمَوتٍ، إِنْ وَثَقَ وَرَثَتُه بِمَا تَقَدَّمَ) من رهن يحرِزُ، أو كفيل مليء. ويحرم مطالبة من عليه دين مؤجل قبل حلول أجله، ولا يحجرُ عليه. (وَيَجِبُ عَلَى مَدِينٍ قَادِرٍ وَفَاءُ دَيْنٍ حَالٌ فَوْراً، بِطَلَبِ رَبِّهِ) أي: ربِّ الدين؛ لقوله ﵊: «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ» (٣)، وبالطلب يتحقق المطلُ، وبعدمِ الطلب لم يجب الفور.
ولا يحجر على مَنْ له مالٌ يفي بدينه، ولو كان عليه دين مؤجل غيره لا يفي بهِ؛ لأنَّ المؤجل لا يطالب به قبل حلوله.
ويُمهل المدين بقدر بيع سلعته، إذا طلب ذلك ليوفيه منها، وكذلك
стр. 902
يُمهل بقدر إمكانِ اقتراض، ونحوه؛ لأنهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فإن خاف هربه احتاط بملازمته، أو كفيل (١).
وإن طلب المدين أن يرسم عليهِ (٢) حتى يفعل ذلك، وجبَتْ إجابته إليه، ولم يجز منعه من ذلك بحبسه، وكذا إذا طلب محبوس ذلك.
(وَإِنْ مَطَلَهُ المَدِينُ حَتَّى شَكَاهُ) ربُّ الدين، (وَجَبَ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُهُ بِوَفَائِهِ، فَإِنْ أَبَى) المدينُ الوفاء (حَبَسَهُ) الحاكم؛ لحديث عمرو بن الشريد، عن أبيه، مرفوعاً: «لَيُّ الْوَاحِدِ ظُلْمُ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوْبَتَهُ». رواه أحمد (٣). قال أحمد: «قال وكيع: عرضه شكواه، وعقوبته: حبسه».
قال في المغني: «إِذَا امتنع الموسرُ مِنْ قضاء الدين، فلغريمه ملازمته، ومطالبته، والإغلاظ عليه بالقول، فيقول: يا ظالم، يا معتدي، ونحوه؛ للخبر، وحديثِ: «إِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالاً (٤)»».
تنبيه: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: «وَلَا يجب حبسه في مكان معين، بل المقصُودُ: منعه من التصرف، حتَّى يؤدي الحق، فيُحبس، ولو في دار نفسه، بحيثُ لا يمكنُ منَ الخروج».
(وَلَا يُخْرِجُهُ) مِنَ الحبس (حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَمْرُهُ) أي: حاله. (فَإِنْ كَانَ) تبينَ حاله بأنهُ (ذُو عُسْرَةٍ، وَجَبَتْ تَخْلِيَتُهُ) أي: إطلاقه، (وَحَرُمَتْ مُطَالَبَتُهُ) وملازمته، (وَالْحَجْرُ عَلَيْهِ مَا دَامَ مُعْسِراً)؛
стр. 903
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨]، ولقوله ﷺ لغرماء الذي كثر دينه: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» (١).
فإن أصر المليء على الحبس، ولم يقضه دينه، باع الحاكم ماله، وقضى منه دينه؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حَجَرَ على مُعاذ ماله، وباعه في دين كان عليه. رواه الحاكم (٢)، قال صاحب الفصول وغيره: «إذا أصر على الحبس، وصبر عليه، ضربه الحاكم» (٣). وقال أيضاً: «فإن أبى عزره، ويكرر حبسه وتعزيره، حتى يقضيه» (٤). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «في كل يوم لا يزاد على أكثر التعزير، وهو عشر ضربات، إن قيل بتقديره - أي: بتقدير التعزير -». وجزم بمعنى ذلك في المنتهى.
وإن ادَّعى المدين الإعسار (٥)، فأنكره المدعي، وسأل الحاكم تفتيشه، وجبت إجابته، فإن صدَّقه المدعي لم يُحبَس، ووجب إنظاره إلى ميسرة. وإن ادَّعى المدين الإعسار، ولم يصدقه غريمه، وأقام بينة بقدرته، أو حلف أنه لا يعلم عسره، أو أنه موسر، أو ذو مال، حُبِسَ، فإن لم يحلف حلف المدين أنه معسر، وخُلِّيَ سبيله، إن لم يُقِمِ المدين بيِّنةً بإعساره. وتسمع بينة الإعسار قبل حبسه، وبعده.
стр. 904
فإن قامت بينة بمال معين للمدين، فأنكر، قضي منه دينه. وكذا لو قال: هو لزيد، ولم يصدقه. فإن صدقه زيد، فهو له مع حلفه؛ لاحتمال المواطأة.
تتمة: لو مطل المدين رب الحق حتى شكاه، فما غرمه بسببه على المماطل. وفي الرعاية: «لو أحضر مدعى به، ولم يثبت للمدعي، لزم المدعي مؤنة إحضاره، ومؤنة رده إلى موضعه؛ لأنه ألجأه لذلك بغير حق. وإلا - بأن أثبته على المنكر - لزمه مؤنة حضور المدعي، ومؤنة رده إلى موضعه»؛ لحديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤديه» (١). وإن غرم شخص بسبب كذب عليه عند ولي الأمر، أو بإغراء، أو بدلالة عليه، رجع الغارم على المتسبب بما غرم.
(وإن سأل غرماء) كلهم أو بعضهم (من له مال لا يفي) أي: لا يقوم المال الذي معه بوفاء دينه (الحاكم الحجر عليه لزمه) أي: الحاكم (إجابتهم) للحجر عليه؛ لحديث معاذ السابق (٢). فإن ادعى المدين تلف ماله، أو نفاده، فإن صدقه رب الدين لم يحبس. وإن لم يصدقه، وأقام بينة بقدرته، أو حلف رب الدين أنه لا يعلم عسرته، أو أنه موسر، أو ذو مال، ونحوه، حبس. فإن لم يحلف حلف المدين، وخلي سبيله. فإن شهدت بينة بنفاد ماله، أو تلفه، حلف معها أنه لا مال له في الباطن، وخلي سبيله.
стр. 905
(وَسُنَّ) للحاكمِ (إِظْهَارُ حَجْرٍ) المدين (لِفَلَسِ)، وإظهار حجرٍ لسفه؛ ليعلم الناسُ حالهما؛ ليتجنَّب معاملتهما. ويستحبُّ الإشهاد على حجرهما؛ لينتشر ذلك؛ لأنه ربما يعزل الحاكم، أو يموتُ، فيثبت الحجر بعده عند آخرٍ، فلا يحتاج إليه ثانياً.
«وإذا حبسَتِ الزوجة زوجها لم يسقط من حقوقه عليها شيء، فله إلزامها بملازمة بيته، وأن لا تُدخِلَه أحداً إلا بإذنه. وإذا طلب منها الاستمتاع في الحبس فعليها أن توفيه ذلك». قاله الشيخ تقي الدين.
تنبيه: كلُّ ما فعله المفلس في ماله قبل الحجر عليه من بيع، أو هبة، أو عتق، أو إقرار، أو قضاء بعض الغرماء، وغير ذلك، فهو نافذٌ، ولو استغرق جميع ماله، مع أنه يحرم على المدين التصرف بما يضرُّ غريمه. ويحرم على المعسر أن ينكر أن لا حق للمدعي عندَه، وأن يحلف، ولو وارى في اليمين. قال في الإنصاف: «لو قيل بجوازه إذا تحقق ظلم رب الدين له بحبسه، أو منعه من القيام على عياله لكان له وجه». انتهى.
(فصل)
(وَلِفَائِدَةِ الْحَجْرِ) عَلَى المفلس (أَحْكَامٌ) أربعٌ: (أَحَدُهَا: تَعَلُّقُ حَقَّ الْغُرَمَاءِ بِالمَالِ) الذي بيدِ المفلسِ، (فَلَا يَصِحُ تَصَرُّفُهُ فِيْهِ) أي: في ماله بعد الحجر عليهِ (بِشَيْءٍ) من بيع، أو صدقة، أو غيرِهِ (وَلَوْ بِالْعِتْقِ)، حتى ما يتجدد له بعد الحجر عليه بإرث، أو هبة، أو أرش جناية، ونحوه، إلا بتدبير، أو وصية؛ لكونهما لا يخرجان
стр. 906
إلا بعد موت من ثلث ماله - إذا كان له مالٌ، بعد وفاء دينه. فإن كان المفلس صانعاً - كالقصَّارِ، والحايك - في يده متاع، فأقر به لأربابه، لم يقبل إقراره؛ لأنه متهم، وتباع العين التي في يده، وتقسم بين الغرماء، وتكون قيمتها واجبة على المفلس، إذا قدر عليها بعد فك الحجر عنه.
(وَإِنْ تَصَرَّفَ) المفلس المحجور عليه (فِي ذِمَّتِهِ بِشِرَاءٍ)، أو ضمان، (أَوْ إِقْرَارٍ، صَحَ) تصرفه فيه، وَطُولِبَ بِهِ بَعْدَ فَكَ الْحَجْرِ عَنْهُ؛ لأنَّ الحجر متعلق بماله لحق الغرماء، ولم يكن متعلقاً لحق الغرماء الذي بذمته. سواء علم من عامله بعد الحجر أنه محجور عليه، أم لا. بخلاف السفيه، ونحوه، فيؤاخذ بالتصرف فيما ذكر.
وإن توجه على المفلس يمين لإنكاره عما ادُّعِيَ بهِ عليهِ، فنكل، فقُضي عليه، فكإقراره، يلزمُ في حقه، فيتبع به بعد فك الحجر عنه، فلا يشارك الغرماء؛ للتهمة. بخلاف ما ثبت عليه ببينة، فيشارك الغرماء في ماله المحجور عليهِ (١). ويشارك الغرماء مَنْ جَنَى عليه جنايةً موجبة للمال، أو كانَتِ الجنايةُ موجبة للقصاص، كالعمد، فعفى صاحبها إلى مال. وإن جنى عبده قدم المجني عليه بثمن العبد على الغرماء.
(الثَّانِي) من الأحكام المتعلقة بالحجر: (أَنَّ مَنْ وَجَدَ عَيْنَ
стр. 907
مَا بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ)، ولَو كَانَ ما باعَه بعد الحجر عليه غير عالم بالحجر عليه؛ لعدم تقصيره. أو ما أسلم من رأس مال سلم، ونحوه، عند من حُجِرَ عليهِ لفلس، (فَهُوَ) أي: واجد عين ماله (أَحَقُّ بِهَا)؛ لحديث أبي هريرةَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانِ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» متفقٌ عليه (١). وهو بالخيار بين أخذها، وبينَ أن يشارك الغرماء، سواء كانتِ السلعة مساوية لثمنها، أو لا، ولو بعد خروجها من يد المفلس، وعودِها إليه بفسخ، أو شراء، أو إرث، أو هبة، أو وصية.
فلو أنَّ المفلس اشترى سلعةً، وباعها، واشتراها، فهي لأحد البائعين بقرعة، فإن ترك أحدهما، فللثاني أخذها بلا قرعة.
ويشترط لملك الرجوع س (ب) عةُ (شُرُ) و (ط).
أحدها: (كَوْنُهُ) أي: من يملكُ الرجوع (لَا يَعْلَمُ بِالْحَجْرِ) على المفلس.
(وَ) الثاني من الأحكام المتعلقة بالحجرِ (٢) (أَنْ يَكُونَ المُفْلِسُ حَيّاً)؛ لما ورد في حديث ابن هشام، إلى أن قال النبي ﷺ : «وَإِنْ مَاتَ المُشْتَرِي فَصَاحِبُ المَتَاعِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» رواه أبو داود مرسلاً (٣).
стр. 908
(وَ) الثالث: (أَنْ يَكُونَ عِوضُ الْعَيْنِ كُلُّهُ بَاقِياً فِي ذِمَّتِه) أي: ذمة المفلس؛ لما في الرجوع في قِسطِ باقي العوض من التشقيص، وإضرار المفلس والغرماء؛ لكونه لا يرغب فيهِ كالرغبة في الكامل.
هذا إن كانت السلعة عيناً واحدةً في مبيع، فإن كانت عينينِ، كعبدين، أو ثوبين، ونحوهما، فتلفتْ واحدة منهما، أو رهنها، وبقي الأخرى، رجع فيها، فيأخذها بقسطها من الثمن.
(وَ) الرابع من الأحكام المتعلقة بالحجرِ (أَنْ تَكُونَ) السلعة (كُلُّهَا فِي مُلْكِهِ) أي: ملكِ المفلس، فلا رجوع إن تلف بعضها، أو بيع، أو وقف، ونحوه؛ لأن البائع ونحوه لم يدرك متاعه، وإنما أدرك بعضه.
(وَ) الخامس من الأحكام المتعلقة بالحجرِ (أَنْ تَكُونَ) السلعة (بِحَالِهَا لَمْ تَتَغَيَّرُ صِفَتُهَا) أي: بأن لم تنقص ماليتها، بذهاب صفتها (بِمَا يُزِيلُ اسْمَهَا)، ولَو معَ بقائها، كنسيج غُزِلَ، ودقيق خُبِزَ، وزيت عُمِلَ صابوناً، وقطع ثوب قميصاً، ونَجْرِ خشب أبواباً، ونحوه، وكالبكر إذا وطئَتْ، وكالقنّ إذا جُرح. فإذا وجد تغير الصفة فلا رجوع؛ لذهاب جزء من العين له بدل، وهو المهر، أو الأرش، بخلاف وطء الثيب بلا حمل، أو حملت وولدت، فهو زيادة منفصلة، يملك به الأخذَ، وبخلافِ هزال، ونسيان صنعة. وكذا إن صبغ الثوب، أو قصره، أو لت السويق (١) بزيت، لم يمنع الرجوع،
стр. 909
ما لم ينقص ذلك به، فإن نقص به سقط الرجوع؛ لأنه نقص بفعله، فأشبه إتلاف البعض. وقطع به في التنقيح، والمنتهى.
ورد هذا التعليل في المغني: بأن هذا النقص نقص صفة، فلا يمنع الرجوع، كنسيان صنعة، وهزال عبد. وقال المجد: «هو الأصح» (١) - أي: الرجوع -، وجزم به في المبدع (٢). وإن زادت القيمة بما ذكر من الصبغ ونحوه، فالزيادة في ذلك للمفلس، فيكون في ذلك شريكاً مع صاحبه. (ولم تزد زيادة متصلة)، كسمن، وكبر، وتعلم صنعة، وقرآن، وكتابة، وحمل. لا إن ولدت، فهو زيادة منفصلة لم تزل صفتها به، فإن وجد شيء من ذلك منع الرجوع؛ لأن الحديث محمول على من وجد متاعه على صفة ليس بزائد؛ لقوله ﷺ : ﴿مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إِنْسَانٍ أَفْلَسَ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ﴾ (٣).
(وَ) السادس: أن تكون العين (لَمْ تَخْتَلِطُ بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ) أي: بما لا يتميز منه، كزيت بزيت، أو قمح بقمح، ونحوه، فلا رجوع فيه. وقوله ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ» أي: قدر عليه، وتمكن من أخذه.
стр. 910
(و) السابع: أن تكون العينُ (لَمْ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقٌّ لِلْغَيْرِ) من شُفعة، أو جناية، ونحوه.
(فَمَتَى وُجِدَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ) أي: مما ذكر من الشروط (امْتَنَعَ الرُّجُوعُ)؛ لأنه فسخ بعيب حادث، فلم يملك الرجوع فيه.
وإن كان الثمن مؤجلاً، فتوقف العين للبائع إلى الحلول، فيختار الفسخ، أو الترك (١). فإذا كملت الشروط المذكورة أخذ من وجد عين متاعه. ولو حكم حاكم بأنه أسوةُ الغرماء، قال الإمام أحمد: «لو أَنَّ حاكماً حكم أنه أسوةُ الغرماء، ثم رُفِعَ إلى رجل يرى العمل بالحديث، جاز له نقض حكمه». ذكره في المغني، والشرح.
ولا تفتقر إلى التسليم، فلو رجع في عبدٍ أبق، صح، ولو لم يقدر على أخذه، أو تلف، فعليهِ (٢)، وإن بان تلفها حين استرجاعه، بطل الرجوع.
(الثَّالِثُ) من الأحكام المتعلقة بالحجر: أنهُ (يَلْزَمُ الحَاكِم قَسْمُ مَالِهِ) مالِ المفلس المحجور عليهِ (الَّذِي مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ)؛ لأنه لا احتياج لبيعه حيث كانَ من جنس الدين. (وَ) يلزمه (بَيْعُ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ)؛ للاحتياج إلى بيعه.
(وَيَقْسِمُهُ) أي: يقسم ثمن مَا بِيعَ (عَلَى الْغُرَمَاءِ بِ) المحاصَّةِ علَى (قَدْرِ دُيُونِهِمْ)؛ لأنه ﷺ لما حجر على معاذ باع ماله في دينه، وقسم ثمنه بين غرمائه (٣). ويكون ذلك على الفور؛ لأنَّ في تأخيره
стр. 911
مطلاً وظلماً (١) لأرباب الديون.
ومن دينه غير جنس الأثمان الموجودة، ورضي الأخذ من الموجود، جاز، حيثُ لا محظور في الاعتياض (٢). فإن امتنع، اشتري له بحصته من الثمن من جنس دينه؛ لوجوبه. فإن أراد الغريم أخذ دينه من الموجودِ الذي من غير جنس دينه، فامتنع المفلس، فللمفلس ذلك، وعليه أن يدفع له من جنس دينه؛ لأنه الأصل الواجب. ولا يحتاج لحاكم استئذان مفلس في بيع. ويستحبُّ له إحضاره، أو وكيله، وإحضار الغرماء. ويستحبُّ بيع كلّ شيء في سوقه، بشرط البيع بثمن المثل في وقته، أو أكثر، وبدونه لم يجز.
وإن زاد في السلعة أحدٌ في مدة الخيار، لزم أمين الحاكم الفسخ، فإن كانت الزيادة بعد لزوم البيع استحبَّ سؤال المشتري الإقالة، واستحِبَّ للمشتري الإجابة. وتقدم في البيع أنه يحرم البيع على بيع المسلم، والشراء على شرائه، فهذه الصورة إما مستثناة؛ للحاجة، أو محمولة على ما إذا أراد غير عالم بعقد البيع.
(وَلَا يَلْزَمُهُمْ) أي: لا يلزم الغرماء أصحاب الديون (بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ) للمفلسِ (سِوَاهُمْ). بخلافِ الورثة، يلزمهم أن يبينوا أن لا وارث سواهم. ذكره في الترغيب والفصول (٣)، وغيرهما. (ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ) بعدَ القَسمِ (رَبُّ مَالٍ) على المفلس (رَجَعَ) ربُّ المالِ
стр. 912
(عَلَى كُلِّ غَرِيْمٍ) ممَّن أَخذَ دِينَه (بِقِسْطِهِ) أي: بقدر ما يلزمه من دين ما ظهر للغريم الآخر.
(وَيَجِبُ) على الحاكمِ (أَنْ يَتْرُكَ) أي (للمفلس من مالِهِ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ) صالحين لمثله، فلا يباع ذلك، كلباسه وقوته. وقوله ﵊: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ» قضية عين، يحتمل أنه لم يكن فيما وجدوه مسكن ولا خادم. إن لم يكونا عَيْنَ مالِ الغرماء، فيؤخذ؛ لما تقدم. ويُشترى للمفلس بدلهما، أو يُترك له من ماله بدلهما. فإن تعددت الدور والخدم، ترك له بقدر الحاجة، وبيع باقيه، وكذا لو كانت الدار واسعةً عن سكنى مثله، بيع واشتري سكنُ مثلِه، ورُدَّ الفضلُ على الغرماء، وكذا خادم نفيس، يباع، ويؤخذ دونه، ويردُّ الفضلُ على الغرماء، وكذا ثياب رفيعة ليست لبس مثله، بيعت، وأُخِذَ لبس مثله، ورُدَّ الفضل على الغرماء.
(و) يترك الحاكم للمفلس (مَا) أي: شيئاً من ماله (يَتَّجِرُ بِهِ) لمؤنته، ومؤنة عياله. وفي الموجز والتبصرة: وفرس يحتاج ركوبها. (وَ) يترك الحاكم لهُ (آلَةَ حِرْفَةٍ)، فلا تباع؛ لدعاء الحاجة إليها.
(وَيَجِبُ) على الحاكم أن يُجرِيَ (لَهُ) أي: للمفلس، (وَلِعِيَالِهِ)، كزوجة، وخادم، وقريب تجب نفقته عليه، المعروف، وهو: (أَدْنَى نَفَقَةٌ مِثْلِهِمْ مِنْ مَأْكَلٍ، وَمَشْرَبٍ، وَكِسْوَةٍ) مِنْ مالِه، إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه، إن لم يكن له كسب يفي بالنفقة، فإن كان كسبه دون النفقة كمّلَت مِنْ مالِه. ويجهَّز إن مات، أو من تلزمه
стр. 913
مؤنته - غير زوجة - من ماله التجهيز الشرعي (١)، مما كان يلبس في حياته، من ملبوس مثله في الجمع والأعياد. والزوجة من مالها في خمسة أثواب. وفي الرعاية: يكفّنُ في ثوب واحدٍ (٢)؛ اقتصاراً على الواجب.
تتمةٌ: إن تلف شيء من ماله تحت يد أمين حاكم، أو مودع، من غير تعد ولا تفريط، فمن ضمان مفلس. ويُباع بنقد البلد.
ويُصرفُ من الثمن مما يحتاج إلى صرفه على البيع، إن لم يوجد متبرع بما يحتاجه المبيع، من دلال، ونحوه. وكذا في مال التركةِ (٣)؛ لأنه مقدم على الديون.
وإن كان في الغرماء مَنْ له دين مؤجل لم يحل، فلا يوقف له شيء من المال. فإن قسم قبل الحلول، فلا رجوع له على الغرماء.
وإن كان حلّ قبل القسم شاركهم. وإن حلَّ بعد قسم البعض شاركهم فيما بقي من المال، فيعطى الذي لم يقسم.
ومن مات وعليه دينٌ مؤجل لم يحلَّ بموته، إذا وثق الورثة أو غيرهم، برهن، أو كفيل مليء، من أقل الأمرين، من قيمة التركة، أو الدين، كما لا تحلُّ الديون التي له بموته. فيختص أرباب الديون الحالة بالمال، ويتقاسمونه، ولا يُترَكُ للمؤجل شيء،
стр. 914
ولا يرجع ربه على الغرماء بعد حلوله فيما تقاسمونه. فإن تعذَّر التوثيق؛ لعدم وارث، أو غيره بأن كان وارث (١)، لكن لم يوثَّق، حلَّ الدين؛ لغلبة الضرر، فيأخذه ربُّه كله إن اتسعت التركة له، أو يحاصص به الغرماء.
تنبيه: ويقدَّم صاحبُ رهن لازم، فيختص بثمنه إن كان قدر دينه، وإلا رد ما زاد على الغرماء. ويقدَّم من له عين مال، بشروطه المتقدمة، ثم من له عين مؤجرة عنده، أو عيناً مستأجرها من مفلس (٢). ثمَّ يقسم الباقي على قدر ديون من بَقِيَ من الغرماء. وإن بقي على المفلس بقيةٌ من دَينِ، أُجبر المحترف على التكسب، وعلى إيجار نفسه فيما يليقُ بمثله من الصنائع؛ لقضاء ما بقي عليه، مع بقاء الحجر عليه إلى الوفاء. ويجبر على إيجار موقوف عليه، وإيجار أم ولد إن استغني عنها. ولا يجبر على قبول هبة، وصدقة، ووصية؛ لما فيه من المنة. ولا على تزويج أم ولد لوفاء دينه من مهرها. وظاهره: ولو لم يكن يطؤها؛ لما فيه من تحريمه عليها بالنكاح، وتعلق حق الزوج فيها.
ولا ينفك الحجر عن المفلس إلا بحكم حاكم، إن بقي عليه
стр. 915
شيء، وإلا انفك (١). فإذا انفك عنه، فليس لأحد مطالبته حتى يملك مالاً. فإن ادَّعوا - الغرماء - عقب ذلك بأن له مالاً، لم يُقبل إلا ببينة. فإن ادَّعوا بعد مدة، وبينوا سببه، سأله الحاكم، فإن أنكر، فقوله مع يمينه. وإن أقر وقال: هو لفلان، وصدقه المقر له، حلف المقَرُّ له، وإلا أُعيد عليه الحجر إن طلب الغرماء. فإن انفك عنه، فلزمته ديون أُخرى، وحُجر عليه، شاركوا - غرماء الحجر الأول - (٢) غرماء الحجر الثاني في ماله الموجود.
(الرَّابعُ منَ الأحكام المتعلقة بالحجر: انْقِطَاعُ الطَّلَبِ عَنْهُ) أي: عن المفلس؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولقوله ﵊ لغرماء معاد: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ثُمَّ لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» (٣).
(فَمَنْ بَاعَهُ) أي: باعَ المفلس شيئاً، (أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً، عَالِماً بِحَجْرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ) أي: مطالبته ببدله (حَتَّى يَنْفَكَ عَنْهُ الْحَجْرُ)؛ لأنه مفرط بمعاملته له. لكن إن وجدا أعيان مالهما، فلهما أخذها.
فائدة: إذا مات المديون انتقل ماله لورثته؛ لأنَّ الدِّينَ لا يمنعُ انتقال المال إليهم. ويتعلق حق الغرماء بجميع التركة.