مطلاً وظلماً (١) لأرباب الديون.
ومن دينه غير جنس الأثمان الموجودة، ورضي الأخذ من الموجود، جاز، حيثُ لا محظور في الاعتياض (٢). فإن امتنع، اشتري له بحصته من الثمن من جنس دينه؛ لوجوبه. فإن أراد الغريم أخذ دينه من الموجودِ الذي من غير جنس دينه، فامتنع المفلس، فللمفلس ذلك، وعليه أن يدفع له من جنس دينه؛ لأنه الأصل الواجب. ولا يحتاج لحاكم استئذان مفلس في بيع. ويستحبُّ له إحضاره، أو وكيله، وإحضار الغرماء. ويستحبُّ بيع كلّ شيء في سوقه، بشرط البيع بثمن المثل في وقته، أو أكثر، وبدونه لم يجز.
وإن زاد في السلعة أحدٌ في مدة الخيار، لزم أمين الحاكم الفسخ، فإن كانت الزيادة بعد لزوم البيع استحبَّ سؤال المشتري الإقالة، واستحِبَّ للمشتري الإجابة. وتقدم في البيع أنه يحرم البيع على بيع المسلم، والشراء على شرائه، فهذه الصورة إما مستثناة؛ للحاجة، أو محمولة على ما إذا أراد غير عالم بعقد البيع.
(وَلَا يَلْزَمُهُمْ) أي: لا يلزم الغرماء أصحاب الديون (بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ) للمفلسِ (سِوَاهُمْ). بخلافِ الورثة، يلزمهم أن يبينوا أن لا وارث سواهم. ذكره في الترغيب والفصول (٣)، وغيرهما. (ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ) بعدَ القَسمِ (رَبُّ مَالٍ) على المفلس (رَجَعَ) ربُّ المالِ
стр. 912
(عَلَى كُلِّ غَرِيْمٍ) ممَّن أَخذَ دِينَه (بِقِسْطِهِ) أي: بقدر ما يلزمه من دين ما ظهر للغريم الآخر.
(وَيَجِبُ) على الحاكمِ (أَنْ يَتْرُكَ) أي (للمفلس من مالِهِ مَا يَحْتَاجُهُ مِنْ مَسْكَنٍ، وَخَادِمٍ) صالحين لمثله، فلا يباع ذلك، كلباسه وقوته. وقوله ﵊: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ» قضية عين، يحتمل أنه لم يكن فيما وجدوه مسكن ولا خادم. إن لم يكونا عَيْنَ مالِ الغرماء، فيؤخذ؛ لما تقدم. ويُشترى للمفلس بدلهما، أو يُترك له من ماله بدلهما. فإن تعددت الدور والخدم، ترك له بقدر الحاجة، وبيع باقيه، وكذا لو كانت الدار واسعةً عن سكنى مثله، بيع واشتري سكنُ مثلِه، ورُدَّ الفضلُ على الغرماء، وكذا خادم نفيس، يباع، ويؤخذ دونه، ويردُّ الفضلُ على الغرماء، وكذا ثياب رفيعة ليست لبس مثله، بيعت، وأُخِذَ لبس مثله، ورُدَّ الفضل على الغرماء.
(و) يترك الحاكم للمفلس (مَا) أي: شيئاً من ماله (يَتَّجِرُ بِهِ) لمؤنته، ومؤنة عياله. وفي الموجز والتبصرة: وفرس يحتاج ركوبها. (وَ) يترك الحاكم لهُ (آلَةَ حِرْفَةٍ)، فلا تباع؛ لدعاء الحاجة إليها.
(وَيَجِبُ) على الحاكم أن يُجرِيَ (لَهُ) أي: للمفلس، (وَلِعِيَالِهِ)، كزوجة، وخادم، وقريب تجب نفقته عليه، المعروف، وهو: (أَدْنَى نَفَقَةٌ مِثْلِهِمْ مِنْ مَأْكَلٍ، وَمَشْرَبٍ، وَكِسْوَةٍ) مِنْ مالِه، إلى أن يفرغ من قسمه بين غرمائه، إن لم يكن له كسب يفي بالنفقة، فإن كان كسبه دون النفقة كمّلَت مِنْ مالِه. ويجهَّز إن مات، أو من تلزمه
стр. 913
مؤنته - غير زوجة - من ماله التجهيز الشرعي (١)، مما كان يلبس في حياته، من ملبوس مثله في الجمع والأعياد. والزوجة من مالها في خمسة أثواب. وفي الرعاية: يكفّنُ في ثوب واحدٍ (٢)؛ اقتصاراً على الواجب.
تتمةٌ: إن تلف شيء من ماله تحت يد أمين حاكم، أو مودع، من غير تعد ولا تفريط، فمن ضمان مفلس. ويُباع بنقد البلد.
ويُصرفُ من الثمن مما يحتاج إلى صرفه على البيع، إن لم يوجد متبرع بما يحتاجه المبيع، من دلال، ونحوه. وكذا في مال التركةِ (٣)؛ لأنه مقدم على الديون.
وإن كان في الغرماء مَنْ له دين مؤجل لم يحل، فلا يوقف له شيء من المال. فإن قسم قبل الحلول، فلا رجوع له على الغرماء.
وإن كان حلّ قبل القسم شاركهم. وإن حلَّ بعد قسم البعض شاركهم فيما بقي من المال، فيعطى الذي لم يقسم.
ومن مات وعليه دينٌ مؤجل لم يحلَّ بموته، إذا وثق الورثة أو غيرهم، برهن، أو كفيل مليء، من أقل الأمرين، من قيمة التركة، أو الدين، كما لا تحلُّ الديون التي له بموته. فيختص أرباب الديون الحالة بالمال، ويتقاسمونه، ولا يُترَكُ للمؤجل شيء،
стр. 914
ولا يرجع ربه على الغرماء بعد حلوله فيما تقاسمونه. فإن تعذَّر التوثيق؛ لعدم وارث، أو غيره بأن كان وارث (١)، لكن لم يوثَّق، حلَّ الدين؛ لغلبة الضرر، فيأخذه ربُّه كله إن اتسعت التركة له، أو يحاصص به الغرماء.
تنبيه: ويقدَّم صاحبُ رهن لازم، فيختص بثمنه إن كان قدر دينه، وإلا رد ما زاد على الغرماء. ويقدَّم من له عين مال، بشروطه المتقدمة، ثم من له عين مؤجرة عنده، أو عيناً مستأجرها من مفلس (٢). ثمَّ يقسم الباقي على قدر ديون من بَقِيَ من الغرماء. وإن بقي على المفلس بقيةٌ من دَينِ، أُجبر المحترف على التكسب، وعلى إيجار نفسه فيما يليقُ بمثله من الصنائع؛ لقضاء ما بقي عليه، مع بقاء الحجر عليه إلى الوفاء. ويجبر على إيجار موقوف عليه، وإيجار أم ولد إن استغني عنها. ولا يجبر على قبول هبة، وصدقة، ووصية؛ لما فيه من المنة. ولا على تزويج أم ولد لوفاء دينه من مهرها. وظاهره: ولو لم يكن يطؤها؛ لما فيه من تحريمه عليها بالنكاح، وتعلق حق الزوج فيها.
ولا ينفك الحجر عن المفلس إلا بحكم حاكم، إن بقي عليه
стр. 915
شيء، وإلا انفك (١). فإذا انفك عنه، فليس لأحد مطالبته حتى يملك مالاً. فإن ادَّعوا - الغرماء - عقب ذلك بأن له مالاً، لم يُقبل إلا ببينة. فإن ادَّعوا بعد مدة، وبينوا سببه، سأله الحاكم، فإن أنكر، فقوله مع يمينه. وإن أقر وقال: هو لفلان، وصدقه المقر له، حلف المقَرُّ له، وإلا أُعيد عليه الحجر إن طلب الغرماء. فإن انفك عنه، فلزمته ديون أُخرى، وحُجر عليه، شاركوا - غرماء الحجر الأول - (٢) غرماء الحجر الثاني في ماله الموجود.
(الرَّابعُ منَ الأحكام المتعلقة بالحجر: انْقِطَاعُ الطَّلَبِ عَنْهُ) أي: عن المفلس؛ لما تقدم من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، ولقوله ﵊ لغرماء معاد: «خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ ثُمَّ لَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ» (٣).
(فَمَنْ بَاعَهُ) أي: باعَ المفلس شيئاً، (أَوْ أَقْرَضَهُ شَيْئاً، عَالِماً بِحَجْرِهِ، لَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ) أي: مطالبته ببدله (حَتَّى يَنْفَكَ عَنْهُ الْحَجْرُ)؛ لأنه مفرط بمعاملته له. لكن إن وجدا أعيان مالهما، فلهما أخذها.
فائدة: إذا مات المديون انتقل ماله لورثته؛ لأنَّ الدِّينَ لا يمنعُ انتقال المال إليهم. ويتعلق حق الغرماء بجميع التركة.
стр. 916
(فصل)
في أحكام المحجور عليه لحظ نفسه المتقدم ذكره
(و) هو الصبي، والمجنون، والسفيه.
قال المصنف: (من دفع ماله) بعقد أو لا، (إلى صغير) وهو: من لم يبلغ، من ذكر، أو أنثى، (أو) إلى (مجنون، أو إلى (سفيه، فأتلفه) واحد منهم، علم الدافع بحجره أو لا، (لم يضمنه)؛ لقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما﴾ [النساء: ٥]، فإن تلف بعضه رجع فيما بقي. وإن أتلفوا ما لم يدفع إليهم، ضمنوه؛ لأنه لا تفريط من المالك فيه. ولا يصح تصرفهم في أموالهم، ولا في ذممهم، قبل الإذن.
(ومن أخذ من أحدهم) أي: من صبي، أو مجنون، أو سفيه، (مالا ضمنه)، ولو بإعطاء من أحدهم، (حتى يأخذه وليه) أي: ولي المأخوذ منه. (لا إن أخذه) الإنسان ممن ذكر (ل) أجل ما (يحفظه) له، (وتلف) بيده، (ولم يفرط) فيه، فلا ضمان عليه، (كمن أخذ مغصوبا من غاصب ليحفظه لربه)، فلا يضمنه.
ولا تصح شركة السفيه، ولا حوالته، ولا الحوالة عليه، ولا ضمانه، ولا كفالته.
(وم) تى (إن بلغ) الصغير - ذكرا كان، أو أنثى، أو خنثى، وكان رشيدا، أو بلغ من كان مجنونا، ثم عقل ورشد انفك الحجر عنه)، ولو بلا حكم حاكم. بخلاف السفيه المحجور عليه لسفهه، فإنه لا ينفك عنه إلا بحكم حاكم؛ لأنه ثبت بحكمه، فلا
стр. 917
ينفك إلا به، كحجرِ الفَلس. وقد يفرق بينه وبين الحجر لفلس - حيث قالُوا: ينفك عنه الحجر بوفاء الدين بلا حاكم -: بأنَّ زوال السفه ونحوه يحتاج إلى نظر واجتهاد، فافتقر إلى الحاكم، بخلاف أداء الدين. على أنَّ الدين - مستَحَقَّاً - يبرهن عليه، بخلاف حجرِ السفيه، فإنه لحظ المحجور عليه، فتوقف على نظرِ الحاكم. ﴿وَدُفِعَ إِلَيْهِ مَالُهُ﴾؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَاهُمْ﴾ [النساء: ٦]. ويستحبُّ أن يكون الدفع بإذن حاكم، وببينةٍ بالرُّشدِ وبالدفع؛ ليأمن تبعة ذلك. (لا) أي: لا ينفك الحجرُ عنه (قَبْلَ ذَلِكَ) أي: قبل البلوغ أو العقل، مع الرشد (بِحَالٍ)، ولو صار شيخاً.
(وَ) يحصلُ (بُلُوغُ الذَّكَرِ) والأُنثَى (بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ):
أحدها: ما ذكره بقوله: (إِمَّا بِالْإِمْنَاءِ) يقظة بجماع، أو مناماً باحتلام، أو غير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. قال ابن المنذر: «أجمعوا على أنَّ الفرائض والأحكام تجب على المحتلم العاقل» (١).
الثاني: ما ذكره بقوله: (أَوْ بِتَمَامِ) أي: استكمال (خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً)؛ لما رواه ابنُ عمر قال: «عُرِضْتُ على النبي ﷺ يوم أحُدٍ وأنا ابنُ أربَعَ عشرةَ فلَم يُجِرْنِي، وعُرضْتُ عليهِ وأَنَا ابْنُ خَمْسَ عشرة سنَةً فَأجازني». متفق عليهِ (٢). وفي رواية البيهقي: «فلم
стр. 918
يُجِزْنِي، ولم يرني بلغت (١).
الثالث: ما ذكره بقوله: (أَوْ بِنَبَاتِ شَعْرٍ خَشِنٍ حَوْلَ قُبْلِهِ)، دون نبات الشعرِ الزَّغِبِ الضعيف؛ لأنه ينبتُ للصغير؛ لأنه ﵊ لما حَكَّم سعد بن معاذ في بني قريظة، فحكم بقتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم، وأمر أن يُكشف عن مُؤتَزَرِهِم، فَمَنْ أَنبتَ فهو من المقاتلة، ومن لم ينبت فهو من الذرية. فبلغ ذلك النبي ﷺ فقالَ: «لَقَدْ حَكَمَ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ». متفق عليهِ (٢).
(ق) يحصلُ (بُلُوغُ الأُنثَى بِذَلِكَ) أي: بما ذكر من الإمناء، وتمام الخمس عشر (٣) سنةً، ونبات الشعر الخشن حول القبل.
(وَ) تزيد الأنثى على الذكرِ (بِالْحَيْضِ)؛ لقوله ﵊: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ». رواه الترمذي (٤) وإن حملت فالحمل دليلٌ على الإنزال، والمصنف اقتصر عنه بذكر الإمناء. وقدرُ أقل مدة الحمل - أي: الزمن الذي يحكم ببلوغها به - ستة أشهر من حين الوضع. ولا اعتبار بغلظ الصوتِ، وفَرَقِ الأنف (٥)، ونُهودِ الثدي (٦)، وشعر الإبط، ونحو ذلك.
стр. 919
(وَالرُّشْدُ هُوَ: إِصْلَاحُ المَالِ) بتنميته، بالتكسب بالبيع والشراء، ونحوه، (وَصَوْنِهِ) أي: صونِ المالِ (عَـ) ـنْ صرفه في (مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ)، كالقمار، والغناء، وكأن يشتري نفطاً؛ ليحرقه؛ لأجل التفرج عليه، وشراء المحرمات - كالخمر، وآلات اللهو -؛ لأنَّ مَنْ صرف ماله في ذلك عُدَّ سفيهاً. وليس الصدقة به، وصرفه في جهة بِر - كغزو، وحج -، وفي مطعم، ومشرب، وملبس، ومنكَحٍ لا يليقُ بهِ، تبذيراً؛ لأنه لا إسراف في الخير.
قال في الاختيارات: «الإسرافُ: ما صرفه في المحرمات، أو كان صرفه في المباح يضرُّ بعياله، أو كان وحده ولم يثق بإيمانه، أو صرف في المباح قدراً زائداً على المصلحة». انتهى.
وقال الشيخ العلامة الشيخ موسى الحجاوي - صاحب الإقناع - في حاشيته (١): «الفرقُ بين الإسراف والتبذير: أنَّ الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي، زائداً على ما ينبغي. والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي» (٢).
ولا تعتبر العدالة في الرشدِ؛ فيُدفَعُ إليه ماله، ولو كان مفسداً لدينه، كمن ترك الصلاة، ومنع الزكاة، ونحو ذلك. ويستحبُّ التجارة بمال اليتيم؛ لقول عمر وغيره: «اتَّجِرُوا فِي أَمْوالِ اليَتَامَى؛ لِئَلَا تَأْكُلَهَا الصَّدَقَةُ» (٣).
تنبيه: لا يُدفع إلى محجورٍ عليه لحظ نفسه ماله، ممَّن وُجدت
стр. 920
شروطه، إلا بعد اختباره، بامتحانه بما يليقُ بهِ، ويُعلم رشده. فإنْ كان من أولاد التجار؛ بأن يتكرر منه البيع والشراء، فلا يُعْبَنُ - غالباً - غبناً فاحشاً، ويحفظ ما بيده من صرفه فيما لا ينبغي. وإن كان من أولاد المزارع؛ بما يتعلق بالزراعة، والقيام على العمال، ونحو ذلك. وإن كانَ مِنْ أولادِ أهلِ الحِرَف؛ بما يتعلق بحرفته. ويختبر ابن الريس، والصدر الكبير، وابن الكاتب - الذينَ يُصانُ أمثالهم عن الأسواق - بدفع النفقة إليه مدةً، فإن صرفها في مصارفها ومواقعها، واستوفى على وكيله فيما وُكِّلَ فيهِ، واستقصى عليه، دل ذلك على رشده، فيُعطى ماله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإِنْ نُوزع في الرشد، فشهد شاهدان، قُبِلَ؛ لأنه قد يعلم بالاستفاضة. ومع عدمها له اليمين على وليه أنه لا يعلمُ رشده».
وتختبر الأنثَى بدفعِ كَتَّانٍ، أو قطن؛ لغزله، وشراء ذلك، وبحفظ الأطعمة من الهرّ، وغيرِه. فإن وُجد ذلك فهي رشيدة.
ووقت اختبار الصغير قبل البلوغ؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، فبتسميتهم يتامى دلَّ على أنه قبل البلوغ، ومَدَّ اختبارهم إلى البلوغ بلفظ «حتى»، فدل على أنه قبله، ولأن تأخيره إلى البلوغ يفضي إلى الحجر على البالغ الرشيد؛ لكونه ممتداً حتّى يختبر ويُعلَم رشده. ولا يختبر إلا المراهق المميز، الذي يعرفُ البيع والشراء، والمصلحة والمفسدة. وما أبيع وما اشتري وقت الاختيار فصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]، ولا يأمرُ بغير الصحيح.
стр. 921
(فصل)
(وَ) تثبتُ (وِلَايَةُ المَمْلُوكِ) أي: الرقيق، ذكراً أو أنثى (لِمَالِكِهِ) أي: لسيده، (وَلَوْ) كان السيد (فَاسِقاً) غير عدل. (وَ) تثبتُ (وِلَايَةُ الصَّغِيْرِ) الذي دون البلوغ، (وَالْبَالِغِ) الذي (ب) هـ (سَفَةٌ، أَوْ) به (جُنُونُ لِأَبِيْهِ)؛ لكمال شفقته، ولو كافراً على ولده الكافر. ولا ولاية لكافرٍ على ولده المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١]. هذا إذا كان الأب بالغاً، وأما من كان دون البلوغ، فلا ولاية له.
وصورته: إذا ألحق الولد بابن عشر، فأكثر، ولم يكن ثبت بلوغه. (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أبٌ، (فَوَصِيُّهُ) أي: وصي الأب العدل الذي اختاره، ولو كان بجعل وهناك متبرع؛ لأنه نائب الأب، كوكيله في الحياةِ. (ثُمَّ) إن عُدِمَ وصيُّ الأب، ثبتت الولاية في ذلكَ (لِحَاكِم)؛ لأنَّ الحاكم وليُّ مَنْ لا وليَّ له، بعد انقطاعها من جهة الأب. (فَإِنْ عُدِمَ الْحَاكِمُ) لفقده [ونحوه]، (فَأَمِينٌ يَقُومُ مَقَامَهُ) أي: مقام الحاكم.
سأل الأثرمُ الإمام أحمد عن رجل مات، وله ورثة صغار، كيف يصنع؟ فقال: «إنْ لمْ يكُن لهم وصي، ولهم أم مشفقةٌ، تُدفَعُ إليها» (١).
قال شيخ الإسلام - الشيخ تقي الدين ابن تيمية -: «نقل
стр. 922
ابن الحكمِ فِيمَن عنده مالٌ، فطالبه الورثة، فيخَافُ من أمره، ترى أن يخبر الحاكم ويدفعه إليهِ؟ قَالَ: أَمَّا حكامنا اليوم هؤلاء فلا أرى أن يتقدم إلى أحد منهم، ولا يدفع إليه شيئاً» (١).
(وَشُرِطَ فِي الْوَلِيّ) مِنْ أبِ، أو وصيه، أو حاكم، أو أمين: (الرُّشْدُ)، كما تقدم تعريفه: هو إصلاح المال، وصونه عن صرفه فيما لا فائدة فيهِ. (وَ) شُرِطُ فيهِ أيضاً: (الْعَدَالَةُ، وَلَوْ ظَاهِراً).
وكذلك تشترط - في الولي الكافر على ابنه الكافر - العدالة في دينه، ولو ظاهراً.
(وَالْجَدُّ) لا ولاية له؛ لأنه لا يدلي بنفسه، وإنما يدلي بالأب. (وَالْأُمُّ، وَسَائِرُ الْعَصَبَاتِ لَا وِلَايَةَ لَهُمْ)؛ لأنَّ المال محلُّ الخيانة، (إِلَّا) إذا كانت ولايةُ مَنْ ذُكِرَ، أو غيرهم من الأجانب (بِالْوَصِيَّةِ) من قبل أب، أو من قبل حاكم نصبه.
(وَيَحْرُمُ عَلَى وَلِيّ الصَّغِيْرِ، وَ) وليّ (المَجْنُونِ، وَ) وليِّ (السَّفِيهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَالِهِمْ إِلَّا بِمَا فِيْهِ حَظٌّ وَمَصْلَحَةٌ) لجهتهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢، والإسراء: ٣٤]، والمجنون والسفيه في معناه. ويجب على الولي إخراج زكاة مال موليه، وفطرته، ومن تلزمه مؤنته، من مال موليه.
تتمة: فإنْ تبرَّعَ ولي، أو باع بناقص، أو اشترى بزيادة، أو زادَ على النفقة بالمعروف، ضمِنَ. قال في المبدع: «ومراده - والله
стр. 923
أعلم -: أنه يضمَنُ القدر الزائد على الواجب، لا مطلقاً». ولو أفسد كسوته ستر عورته فقط.
ولا يصح لولي أن يرتهِنَ، أو يشتري من مال موليه شيئاً لنفسه، إلا الأب. وللوليّ السفر بمال موليّه لتجارة، ونحوها، في مواضع آمنة. وما ربحه الولي بتجارة، كفله لليتيم (١). ولا يدفعه إلا للأمناء، لتجارة، أو مضاربة بجزء من الربح. ولا يقترض ولي ولا حاكم منه لنفسه شيئاً. وللولي رهنه عند ثقة لحاجة، وله شراء عقار، وعمارته بما فيه الحظ والمصلحة.
وللولي أن يدفعَ موليه لمن يُقرِّئُه، ويكتبه، ويعلمه الأدب، والرماية بالسهام، ويعلمه الصناعة، إذا كانت مصلحة له. وأجرة ذلك مِنْ مالِ مُوليه؛ لأنه من مصلحته. وكذا مداواته، بلا إذن حاكم في جميع ذلك. وله بيع عقار موليه لمصلحة. والشيخ الكبير إذا اختل عقله حُجِرَ عليه، بمنزلة الجنون؛ لعجزه.
ولا يصح تزويج محجورٍ عليه، إلا بإذن وليه، إن لم يكن السفيه محتاجاً إليه، وإلا، صح؛ لأنه مصلحة. ويتقيد بمهر المثل.
ويستحب للولي شراء أضحية موسرٍ، نصّاً. وحمله في المغني على يتيم يعقلُها؛ لأنه يوم سرور وفرح، فيحصل بذلك جبر لقلبه، وإلحاقه بمن له أب، كالثياب الحسنة، مع استحباب التوسعة في هذا اليوم. وله شراءُ لُعَبِ غير مصوّرة لصغيرة، من مالها؛ للتمرن. وله
стр. 924
تجهيزها إذا زوَّجَها، أو كانت مزوَّجةً، بما يليقُ بها، من لباس، وحلي، وفُرُشٍ، على عادتهنَّ في ذلك البلد.
تنبيه: «يستحبُّ إكرام اليتيم، وإدخال السرور عليه، ودفع الإهانة والنقص والأذى عنه؛ لجبر قلبه؛ لأنَّ جبر قلبِه مِنْ أعظم مصالحه». قاله شيخ الإسلام ابن تيمية (١)؛ لحديث أبي الدرداء مرفوعاً: «أَتُحِبُّ أَنْ يَلِيْنَ قَلْبُكَ وَتُدْرِكَ حَاجَتَكَ؟ اِرْحَمِ الْيَتِيمَ، وَامْسَحْ رَأْسَهُ، وَأَطْعِمْهُ مِنْ طَعَامِكَ، يَلِيْنُ قَلْبُكَ، وَتُدْرِكُ حَاجَتَكَ»، رواه الطبراني في الكبير (٢).
(وَتَصَرُّفُ الثَّلَاثَةِ) أي: الصغير، والمجنون، والسفيه غير المأذون له، بالتدبير، والوصية، صحيح؛ لأنه لا ضرر في ذلك. وتصرفهم (بِ) ل (بَيْعِ، أَوِ) ال (شِرَاءِ، أَوِ) ال (عِتْقِ، أَوِ) ال (وَقْفِ، أَوِ) ال (إِقْرَارِ أو) الهبة، ف (غَيْرُ صَحِيح)؛ لأنه تبرع، وليس هو من أهله.
ولولي مميز - ذكراً، أو أنثى -، ولسيد عبد مميز، أو بالغ، الإذن لهما في التجارة، فينفك عنهما الحجر فيما أُذن لهما فيه فقط.
وإن أُذِنَ لهما أن يشتري في ذمتهما، جاز. ويصح إقرارهما بقدر ما أُذِنَ لهما فيه. وليس لأحدٍ منهما أن يوكّل فيما يتولى مثله.
стр. 925
من العمل بنفسه، إذا لم يعجزه؛ لأنهما يتصرفان بالإذن، فاختصا بما أُذِنَ لهما فيه، كالوكيل. وإنْ أَذِنَ لهما في جميع أنواع التجارة، لم يجز لأحد منهما أن يؤجر نفسه، ولا أن يتوكل لغيره، ولو لم يقيد عليه (١).
والمجنون، والطفل دون التمييز، لا يصح تصرفهما بإذن، ولا غيره؛ لعدم الاعتداد بقولهما.
ويصح شراء العبدِ مَنْ يعتُقُ على سيده لرحم أو غيره، وشراء امرأة سيده، وزوج صاحبة المال، وينفسخ نكاحهما. وإن رأى سيد عبد، أو ولي مميز يتجر فلم ينهه، لم يصِرْ مأذوناً له به.
ولا يصح تبرع مأذون له بدراهم، ولا بكسوة ثياب، ونحوه.
ويجوز له هدية مأكول، وإعارة دابة، وعمل وليمة، ونحوه، بلا إسراف.
(لَكِنَّ السَّفِيهَ إِنْ أَقَرَّ بِحَدّ) زناً، أو شرب، أو قذف، (أو) أقرَّ بِ (نَسَبٍ، أَوْ) أقرَّ ب (طَلاق)، أو خلع بمال، أو طلق، أو خلع (٢) (أَوْ) أقرَّ ب (قَصَاصِ) بما يوجبه في نفس، أو طرف، ونحوه، (صَحَ) الإقرار بذلكَ، وَأُخِذَ بِهِ) أي: ألزم بحكم ذلك (فِي الْحَالِ)؛ لأنه غير متهم في نفسه، والحجر إنما يتعلق بماله. (وَإِنْ أَقَرَّ) السفيه (بِمَالٍ) صحَ إقراره، لكن ل (ا) يُ (ؤْخَذُ بِه)
стр. 926
(إِلَّا بَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ) عنه. قال في الشرح، وفي الوجيز (١): «إن علم الولي صحة ما أقرَّ به السفيه، كدين جناية، ونحوه، لزمه أداؤه» (٢).
وإن حجر السيد على رقيقه، وفي يده مال، فأقر به لإنسان، لم يصح إقراره في حق سيده. ثم إن أذن السيد له فأقر بالمال للإنسان، صح إقراره؛ لأنَّ المانع من صحة إقراره الحجر عليه، وقد زال. ولا يملك رقيق، ولو أم ولد - غير مكاتب، ومكاتبة -، بتمليك سيد له، أو بغير تمليك؛ لأنه مال فلا يملك المال.
(فصل)
(وَلِلْوَلِيِّ) غيرِ الحاكم وأمينه؛ لأنهما لا يأكلان شيئاً؛ لاستغنائهما بمالهما في بيت مال المسلمينَ (مَعَ الْحَاجَةِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ مُوْلِيّهِ)؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦].
وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أنَّ رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إِنِّي فَقِيرٌ، وليس لي شيء، ولي يتيم؟ فقال: «كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ» (٣). رواه أبو بكر (٤). فيأكل من يباح له الأكل ب (الْأَقَلِّ) مِنْ أمرين: (مِنْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ، أَوْ) مِنْ قدرِ
стр. 927
(كِفَايَتِهِ). وإن كان الوليُّ غنياً، لم يجز له الأكل من مال اليتيم؛ ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: ٦]. هذا إن لم يكن … لقوله تعالى: أباً؛ لأنَّ الأب له أن يتملك من مال ولده ما شاء.
(وَمَعَ عَدَمِ الْحَاجَةِ) إلى الأكل، جازَ لَهُ أَنْ (يَأْكُلَ مَا فَرَضَهُ لَهُ الْحَاكِمُ)، ولو كان غنياً. فإن فرض الحاكم للولي شيئاً، جاز له أخذه، ولو كان غنياً.
تتمة: ويأكلُ ناظرُ الوقفِ بالمعروفِ، نصاً (١)، إن لم يشرط الواقف له شيئاً. قالَ فِي القواعد: «وظاهره: ولو لم يكن الناظر محتاجاً». وقال الشيخ ابن تيمية: «له - أي: للناظر - أخذُ أجرة عمله، مع فقره، كوصي اليتيم» (٢).
تنبيه: يقبل قول الوليّ في وجود ضرورة، وغبطة، ومصلحة اقتضَتْ بيع عقار، ونحوه، مع يمين غير حاكم؛ لأنَّ الحاكم إذا كانَ ولياً، لا يحلف مطلقاً؛ لعدم تهمته. وعُلِمَ منه أنه لا يعتبر ثبوته عند حاكم. لكن ثبوته أحوط؛ دفعاً للتهمة. ويقبل قول الولي في دفع المال إلى اليتيم بعد بلوغه ورشده وعقله، إن كان الولي متبرعاً؛ لأنه أمين. وإن لم يكن متبرعاً، وكان بأجرة، فلا يقبل قوله في دفع المال إلا ببينة.
(وَلِزَوْجَةٍ) غير مأذون لها في صدقة، (وَلِكُلِّ مَنْ تَصَرَّفَ فِي بَيْتٍ) من جارية، وغلام وقريب، وأجير، ونحو ذلك (أَنْ
стр. 928
يَتَصَدَّقَ مِنْهُ) أي: منَ القُوتِ، (بِلا إِذْنِ صَاحِبِهِ) أي: صاحب البيتِ، (بِمَا لَا يَضُرُّ) صاحب البيتِ، (كَرَغِيْفٍ، وَنَحْوِهِ) من بعض طعام، وغيره؛ لأنَّ ممَّا جرت العادة بالمسامحة فيه؛ لحديث عائشة ترفعهُ: «إِذَا أَنْفَقَتِ المَرْأَةُ مِنْ طَعَام زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئاً» متفقٌ عليهِ (١). ولم يذكر إذناً، إذ العادة السماحُ، وطيب النفسِ بهِ. (إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهُ) الزوج زوجته، أو ربُّ البيت للمتصرف فيه، من الصدقة مطلقاً. (أَوْ يَكُونَ) الزوج أو ربُّ البيت (بَخِيْلاً)، فيُشَكُّ في رضاه، (فَيَحْرُمُ) الصدقة في شيءٍ من ماله بغير إذنه. ويحرم على الزوج الصدقة بطعام المرأة بغير إذنها؛ لأنَّ العادة لم تجر به.
تتمة: ومن اشترى من قنّ شيئاً، فوجد به عيباً، فأراد رده، قال القن: أنا غير مأذون لي في التجارة، لم يقبل قوله، ولو صدقه سيده على عدم الإذن؛ لأنه يدَّعي فساد العقد، والخصم يدَّعي صحته.
стр. 929
(بابٌ) (الْوَكَالَةِ)
- بفتح الواو وكسرها -: اسم مصدر بمعنى التوكيل (١).
(وَهِيَ) أي: الوكالة لغةً: التفويض، يقال: وَكَلْتُ أمري إلى الله تعالى؛ أي: فوَّضتُه إليهِ، واكتفيتُ بهِ. وتطلق ويراد بها: الحفظ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾ [الأنعام: ١٠٧].
ومنه: «حسبُنَا اللهُ ونِعمَ الوَكيلُ» أي: الحفيظ.
وشرعاً: (اسْتِنَابَةُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) فيما وَكَّلَ فِيهِ، (مِثْلَهُ) أي: جائز التصرف (فِيْمَا تَدْخُلُهُ النِّيَابَةُ) من حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميِّينَ، (كَعَقْدِ) بيع، أو نكاح، ونحوه؛ لأنه ﷺ وكل في الشراء والنكاح، وألحق بهما سائر العقود، (وَفَسْخِ) عقود، (وَطَلَاقِ) زوجة، (وَرَجْعَتِ) ها، (وَكِتَابَةِ) رقيق، (وَتَدْبِيرِ) هـ، (وَصُلح)؛ لأنه عقد على مالٍ، أشبه البيعَ، (وَتَفْرِقَةِ صَدَقَةٍ، وَنَذْرٍ، وَكَفَّارَةٍ)، وإقرار.
«وصفته: أن يقول: وَكَّلْتُكَ في إقرار، لا: أقرَّ عنِّي؛ فإنه لم يكن وكالةً». قاله المجد (٢). ولا بد من تعيين الموكل ما يقرُّ به
стр. 930
وَكِيْلُهُ عنه، وإلا رَجَعَ الوكيلُ إلى الموكِّل في تفسيره، وعتق، وإبراء، ولو لأنفسهما، كأن يقول سيدٌ لَقَنَّه: أعتق نفسك، وحوالة، ورهن، وضمان، وكفالة، وشركة، ووديعة، ومساقاة، وإيقاف، وقسمة، ووقف، وإجارة، ونحوها (وَ) ك (فِعْلِ حَجَّ وَ) فعل (عُمْرَةٍ)، وركعات طواف تدخل تبعاً لهما. أو فعلٍ، كقبض، وإقباض.
وجوازها بالإجماع (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] أي: الزكاة، حيث جوّز العمل عليها، وهو بحكم النيابة عن المستحقين، ولفعله ﵊، ولدعاء الحاجة إليها، إذ لا يمكن كلُّ أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه.
(لا) أي: لا تصح الوكالةُ (فِيْمَا لَا تَدْخُلُه النِّيَابَةُ)، من حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين، (كَصَلَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَحَلْفٍ، وَطَهَارَةٍ مِنْ حَدَثٍ)؛ لتعلقها ببدن الفاعل ممَّنْ تلزمه.
والحاصل: أنَّ الحقوق ثلاثة أنواع، نوع تصح الوكالة فيه مطلقاً، وهو: ما تدخله النيابة من حقوق الله تعالى، وحقوق الآدميين. ونوع لا تصح الوكالة فيه مطلقاً، كالصلاة، والصوم، والطهارة. ونوع تصح فيه مع العجز عنه، دون القدرة، كحج فرض وعمرته.
(وَتَصِحُّ الْوَكَالَةُ مُنَجَّزَةً) أي: في الحال. (وَ) تصح (مُعَلَّقَةً)، كإذا قدم الحاج فخُذْ كذا، أو إذا جاء الشتاء فاشتر كذا، أو إذا
стр. 931
طلب أهلي شيئاً فادفعه، أو خذ لهم، ونحو ذلك. (وَ) تصح (مُؤَقَّتَةً)، كأنتَ وكيلي شهراً، أو سنةً، ونحو ذلك.
(وَتَنْعَقِدُ) الوكالةُ (بِكُلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) أي: على الوكالة، (مِنْ قَوْلٍ)، كوكَّلْتكَ في كذا. وينعقد أيضاً بكل قول يدلُّ على إذن، كبع عبدي فلاناً، أو أعتقه، ونحو ذلك، أو فوضْتُ إليكَ أمره، أو جعلتك نائباً عني في كذا، أو أقمتك مقامي؛ لأنه لفظ دل على الإذن، فصح، كلفظها الصريح.
قال في الفروع: «(وَ) دلَّ كلامُ القاضي على انعقادها - أي: الوكالة - بكلِّ (فِعْلٍ) دال، كبيع. وهو ظاهر كلام الشيخ تقي الدين. وكمن دفع ثوبه إلى قصارٍ، أو خياط، وهو أظهر، كالقبول» (١).
ويصح قبول وكالة بكل قول أو فعل دلَّ عليه؛ لأنَّ وكلاءه ﵊ لم ينقل عنهم سوى امتثال أوامره الشريفة، ولأنه إذن في التصرف، فجاز قبوله بالفعل، كأكل الطعام. ولو كانَ القبول متراخياً؛ فلو بلغ أنَّ زيداً وكله في بيع كذا منذ سنة، فقبل، أو باعه من غير قول، ولأنَّ الإذن قائم مستمر، ما لم يرجع عنه.
وكذا كل عقد جائز، كشركة، ومساقاة؛ لأنه كالوكالة.
(وَشُرِطَ) لوكالة (تَعْيِينُ الْوَكِيلِ)، كأن يقول: وكلْتُ فلاناً كذا في كذا. فلا يصح وكلْتُ أحد هذينِ. وَ (لَا) يشترط لصحة التصرفِ (عِلْمُهُ) أي: الوكيل (بِهَا) أي: بالوكالة؛ فلو باع عبداً
стр. 932
على أنه فضولي، فظهر أنَّ سيّده وكله في بيعه قبْلَهُ، صح. وللوكيل التصرف فيما وُكِّلَ فيه بخبرٍ مَنْ ظنَّ صدقه في أنه موكَّل فيه، ويضمن إن أنكر زيد الوكالة. وإنْ أبَى وكيل قَبول وكالة، فكَعَزْلِه نفسه.
ويصح توكيل امرأة في طلاق نفسها. ولا يصح وكالة في بيع ما سيملكه، أو في طلاقِ من يتزوجها؛ لأنَّ الموكل لا يملكه حين التوكيل. ويصح: إن ملَكْتُ فلاناً فقد وكلتك في عتقه؛ لأنه يصح تعليقه على ملكه، بخلافِ: إن تزوجتُ فلانةً فَقَدْ وكَلْتُكَ في طلاقها (١). وتصح وكالة المميّز بإذن وليه في كل تصرف لا يعتبر له البلوغ، كتصرفه بإذن وليه.
ولو أذن لشخص بالتصدق عنه، لم يجز له أن يأخذ منه لنفسه، إذا كان من أهل الصدقة، ولا شيئاً لأجل العمل. «وفي دفعه لولده، أو والده، وجهان، أولاهما: جوازه (٢)». قاله في المغني. وكذا لا يصح بيع الوكيل لابنه أو لأبيه، أو لمكاتبه، أو لزوجته، أو لسائر مَنْ تُرَدُّ شهادته؛ للتهمة في ذلك. وكذا حاكم، وأمينه، ووصي، وناظر وقف، فلا يبيعُ مِنْ مالِ الوقفِ، ولا يشتري منه لنفسه، ولا لمن ذُكِرَ.
وأما إجارته، فقال الهمام ابن عبد الهادي (٣) في كتابه «جمع الجوامع»: «إن كان الوقف على نفس الناظر، فإجارته لولده صحيحة، بلا نزاع. وإن كان الوقف على غيره، ففيه تردد يحتمل أوجهاً،
стр. 933
منها: الصحة، وحكمَ بهِ جماعةٌ من قضاة مذهبنا، منهم: العلامة البرهان ابن مفلح. وثاني (١): تصح بأجرة المثل فقط. والثالث: لا تصح مطلقاً، وهو الذي أفتى به بعض إخواننا. والمختار من ذلك: الثاني» (٢). انتهى كلامه ملخصاً.
وقد أفتى بعده علماء المذهب بعدم الصحة.
والصوم المنذورُ ونحوُه الذي يُفعلُ عن الميت، إنما هو أداء لما وجب عليهِ لِما أمر الشرعُ بهِ، وليسَ هوَ بوكالة.
(وَتَصِحُ) الوكالةُ (فِي بَيْعِ مَالِهِ كُلِّهِ)؛ لأنه يعرف ماله، فيقل الغررُ. (أو) في بيع (مَا شَاءَ مِنْ مالِهِ).
(وَ) تصح الوكالة (بِالمُطَالَبَةِ بِحُقُوقِهِ كُلِّهَا)، أو بعضها.
(و) تصح الوكالة (بِالْإِبْرَاءِ مِنْهَا) أي: مِنْ حقوقه (كُلِّهَا، أَوْ) بالإبراء مِ (مَّا شَاءَ مِنْهَا) أي: من الحقوق.
(وَلَا تَصِحُ) الوكالةُ (إِنْ قَالَ: وَكَّلْتُكَ فِي كُلِّ قَلِيْلٍ وَكَثِيْرِ) (وَتُسَمَّى) هذه الوكالة (المُفَوَّضَةُ). ذكره الأزجِي (٣) باتفاق الأصحاب. وكذا لو قال: وكلتُكَ في كلِّ شيءٍ، أو في كل تصرف يجوز لي، أو في كلّ ما لي التصرف فيه؛ لأنه يدخل فيه كل شيء،
стр. 934
من هبة ماله، وطلاق نسائه، وإعتاق أرقائه، فيعظم الغرر والضرر، ولأنَّ التوكل لا بدَّ أن يكون في تصرف معلوم. قال في المبدع: «ومثله: وكلْتُكَ في شراء ما شئتَ مِنْ المتاع الفلاني». ومَن قَالَ للوكيل: اشتَرِ ما شئتَ، أو عبداً بما شئتَ، لم يصح، ما لم يعيِّنِ النوع، وقدر الثمن.
ولا تصح الوكالة في ظهار؛ لأنه قول منكر، ولا في لعان، ويمين، ونذر، وإيلاء، وقسامة؛ لتعلقها بالحالف والناذر، فلا تدخلها النيابة، ولا في قسم الزوجات؛ لاختصاصه بالزوج، ولا في شهادة؛ لتعلقها بالشاهد، وإخباره بما رآه أو سمعه، ولا في التقاط؛ لأنَّ المغلبَ فيه الائتمان، ولا في اغتنام؛ لأنه يستحقُّ بالحضور، فلا طلب للغائب به، ولا في معصية، من زناً، وغيره، ولا في رضاع؛ لاختصاصه بالمرضعة.
(وَلِلْوَكِيْلِ أَنْ يُوَكَّلَ فِيْمَا يَعْجَزُ عَنْهُ)، وكذا وصي موكل، فيما يعجز عنه لكثرته، فله التوكيل في جميعه؛ لأنَّ الوكالة اقتضت جواز التوكيل، فجاز في جميعه. كتوكيله فيما لا يتولى مثله بنفسه، كالأعمال الدنيئة في حقِّ أشراف الناس المرتفعين عن فعلها عادةً. وكذا الحاكم في الاستنابة كالوكيل. قال في الأحكام السلطانية: «ويجوز لمن يعتقد مذهب أحمد أن يقلد القضاء من يقلد مذهب الشافعي؛ لأنَّ على القاضي أن يجتهد رأيه في قضائه، ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهب». انتهى.
قال ابن نصر الله: «وهذا في ولاية المجتهدين. أما المقلّدِينَ الذين ولاهم الإمام ليحكموا بمذهب إمامهم، فولايتهم خاصة،
стр. 935
لا يجوز لهم أن يولُّوا مَنْ ليسَ مِنْ مذهبهم؛ لأنهم لم يفوض إليهم ذلك. أما لو فُوِّضَ إليهم فلا تردد في جوازه، كما كان أولاً، يولي الإمام للقضاء قاضياً واحداً، يولي في جميع الأقاليم والبلدان (١) فهذا ولايته عامة يجوز أن يولي من مذهبه، ومن غيره، كالإمام نفسه إذا كان مقلّداً لإمام، لم يمتنع أن يولي القضاء من يقلد غير إمَامِه؛ لعموم ولايته، قال في الفروع - بعد ذكر المسألة -: «ولعل ظاهر ما سبق: يستنيب نائب في الحج المرض، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي (٢)» (٣)
وليس لوكيل توكيل فيما يتولى مثله بنفسه، إلا بإذن موكل، أو أنه يفوِّضُ له في الوكالة، فيتناول أنه يوكِّلُ، ولو فيما يتولّى مثله بنفسه. ويكونُ مَنْ وُكِّلَ وكيل الوكيل (٤). وإن قال الموكل للوكيل: وكل عنك، صح، وكان وكيل وكيله، فينعزل بعزل الوكيل، وبموته.
وإن قال: وكل عنِّي، أو أطلق، كان وكيل موكَّلِه، لا ينعزل بعزل الوكيل، ولا بموته. وكذا قول الموصي لوصيه: أوص إلى من يكون وصياً عاماً لي.
ويصح التوكيل في إثبات الحدود، وفي استيفائها ممن وجبَتْ
стр. 936
عليه، (لا) أي: لا يصح (أَنْ يَعْقِدَ) الوكيلُ (مَعَ فَقِيْرٍ)؛ لعدمِ قدرته على الثمن، (أَوْ) معَ (قَاطِعِ طَرِيق)؛ لإضرار الموكَّل به. وكذ (ا) لا يصح لو وَكَّلَ أن (يَبِيعَ) فباعَه (مُؤَجَّلاً)؛ لأنَّ الأصل في البيع الحلول، (أَوْ) باعَه (بِمَنْفَعَةٍ)، إجارة، ونحوها، (أو) باعه (بعرض) من عروض التجارة؛ لأنَّ العقد لا يقتضيهما، (أو) باعه (بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ)؛ لأنَّ إطلاق النقدِ لا ينصرف إلا لنقد البلد. (إِلَّا) إن كان تصرف فيما ذُكِرَ (بإِذْنِ مُوَكِّلِهِ)؛ لأنه بعدم الإذنِ رَبَّما لا يكون له غرض (١) فيه. أو إلَّا أن تكون وكالته مطلقة مفوضةً لوكيله، فيتناول ذلك جميعه.
ويشترط في توكيل نكاح تسمية الموكل في صلب العقد، فيقولُ الولي: زوجتُ موكَّلَكَ فلاناً فلانةً، أو زوجتُ فلاناً وينسبه، فلانةً، ويقول الوكيل: قبلْتُ هذا النكاح لفلان، أو لموكلي فلان، وينسبه. فإن قال: قبلْتُ هذا النكاح، ونوى أنه قبله لموكله، ولم يذكره في العقدِ، لم يصح النكاحُ.
ومَن وُكِّلَ في خصومة، لم يكن وكيلاً في القبض. وإن وُكِّلَ في القبض كان وكيلاً في الخصومة. وإن وُكِّلَ في قبض الحق من إنسان، تعيَّن القبضُ منه، ومن وكيله. ولا يملك قبضه من مورثه لو مات؛ لأنه لم يأمره بذلك، ولا يقتضيه العرف.
وفي الفنون: «لا تصح الوكالةُ مِمَّنْ عَلِمَ ظُلْمَ موكله في الخصومة». قال في الإنصاف: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَابِنِينَ
стр. 937
خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وكذا لو ظن ظلمه. ومع الشك احتمالان» (١).
(فصل)
(وَالوَكَالَةُ، وَالشَّرِكَةُ، وَالمُضَارَبَةُ، وَالمُسَاقَاةُ، وَالمُزَارَعَةُ، وَالوَديعَةُ، وَالجِعَالَةُ) كلُّها (عُقُودٌ جَائِزَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ) أي: من طرف الموكِّلِ والوكيل؛ لأنها من جهة الموكل إذن، ومن جهة الوكيل بذل نفع. (لِكُلٍّ مِنَ المُتَعَاقِدَيْنِ)، من موكَّل ووكيل (فَسْخُهَا) أي: فَسخُ الوكالة أيَّ وقت شاء؛ لعدم لزومها. ويصح لو قال الموكل لوكيله: كلَّما عزلْتُكَ فقد وكلتك، وهي وكالة دورية (٢).
ولو قال: كلَّما وكلتُكَ فقد عزلتك فقط - أي: دون قوله: عزلتك فلا ينعزل بها -، فهو فسخ معلق بشرط، وهو التوكيل، والفسخ المعلق صحيح. وعلى هذا فلا يصير وكيلاً إِذا وكَّلَه بعد العزلِ الدَّورِي؛ لأنه متى صار وكيلاً انفسخ. ذكر معناه في شرح المنتهى للمصنف.
ولا ينعزل إلَّا إذا قال: عزلتُكَ، وسكتَ عَنْ قول: كلَّما عزلتك فقد وكلتُكَ، فينعزلُ بِهِ.
(وَتَبْطُلُ كُلُّهَا) أي: الوكالة وغيرها من العقود الجائزة
стр. 938
المذكورة، (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أي: المتعاقدين. (وَ) تبطل الوكالة ب (جُنُونٍ) مطبقٍ مِنْ أحد (هـ) ما. (وَ) تبطل أيضاً (بِالْحَجْرِ) عَلَى أحدهما (لِسَفَةٍ حَيْثُ أنهُ اعْتُبِرَ الرُّشْدُ)؛ لأنَّ السفيه لا يكون رشيداً.
(وَتَبْطُلُ الْوَكَالَةُ بِطُرُؤ أي: حدوثِ (فِسْقٍ لِمُوَكِّلٍ وَوَكِيْلٍ فِيمَا يُنَافِيْهِ) الفسقُ فقط، كَإِيْجَابِ النِّكَاحِ)؛ لأنه يشترط فيه العدالة، بخلاف الوكيل في قبوله. وأما فيما لا ينافيه، فلا تبطل بطرو الفسق.
(وَ) تبطل أيضاً (بِفَلَسِ مُوَكِّلٍ فِيْمَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيْهِ) (١).
(وَ) تبطل الوكالة أيضاً (بِرِدَّتِهِ)؛ لعدم صحة تصرفه في ماله. وفي الشرح: لا تبطل بردةِ الموكَّلِ فيما لهُ التصرف فيهِ (٢).
(وَ) تبطل الوكالةُ أيضاً (٣) (بِتَدْبِيْرِهِ) قنّاً، (أَوْ بِكِتَابَتِهِ قِنّاً وُكِّلَ فِي عِتْقِهِ). (وَ) تبطل الوكالة أيضاً (بوطئه زوجتـ) ــه التي (٤) (وَكَّلَ فِي طَلَاقِهَا)؛ لأنه دليل رجوعه. لا بقبلته، ومباشرته دون الفرج.
стр. 939
(و) تبطل الوكالةُ (بِمَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ مِنْ أَحَدِهِمَا)، من قول أو فعل. وتبطل الوكالة وغيرها بتلف العين.
(وَيَنْعَزِلُ الْوَكِيلُ بِمَوْتِ مُوَكِّلِهِ، وَبِعَزْلِهِ) لَهُ، (وَلَوْ لَمْ يَعْلَمِ) الوكيل بعزل نفسه. (وَيَكُونُ مَا بِيَدِهِ) أي: بيدِ الوكيل (بَعْدَ الْعَزْلِ أَمَانَةٌ)، فلا يضمنه إذا تلف بغير تعد، ولا تفريط، حيثُ لم يتصرف. وأما ما تلف بتصرفه، فيضمنه. ويصح توكيل الكافر فيما يصح تصرفه فيه (١).
ولا يصح إقرارُ الوكيل على موكله بغير ما وُكِّلَ فيهِ، لا عند حاكم، ولا عند غيره، ولا الصلحُ عنه، ولا الإبراء، إلا إن صرح الموكَّلُ به للوكيل. وإن وكل اثنان؛ ليس لأحدهما التصرف دونَ الآخر (٢).
فائدة: «الوكيل في الضبط مثلُ مَنْ وكل رجلاً في كتابة ما له، وما عليه، كأهل الديوان. وهو أولى بالقبول من وكيل التصرف؛ لأنه مؤتمن على نفس الأخبار بما له وبما عليه. ونظيره: كُتَّابُ الأموال، وكُتَّابُ السلطانِ، بما على بيت المال، وسائر أهل الديوان بما على جهاتهم من الحقوقِ، من ناظرِ الوقف، وعامل الصدقة، والخراج، ونحو ذلك، فإن هؤلاء لا يخرجون عن وكالة أو ولاية». ذكره في الاختيارات.
стр. 940
(فَصْل)
(وَإِنْ بَاعَ الْوَكِيلُ بِأَنْقَصَ عَنْ ثَمَنِ المِثْلِ، أَوْ) بِأَنْقَصَ (عَمَّا قَدَّرَهُ لَهُ مُوَكِّلُهُ، أَوِ اشْتَرَى) الوكيلُ (بِأَزْيَدَ) مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ، (أَوِ) اشْتَرَى (بِأَكْثَرَ مِمَّا قَدَّرَهُ لَهُ، صَحَّ) البيع والشراء؛ لأنَّ مَنْ صَحَّ بيعه بثمن المثل، صح بيعه بدونه، وبأزيد منه، كالمريض.
(وَضَمِنَ فِي الْبَيْعِ) الَّذِي بَاعَهُ (كُلَّ النَّقْصِ) عَنْ ثَمَنِ المِثْلِ، أَوْ عَنِ المقدرِ لَهُ. (وَ) ضَمِنَ (فِي الشَّرَاءِ) الَّذِي اشْتَرَاهُ (كُلَّ الزَّائِدِ) عَنْ ثَمَنِ المِثْلِ، أَوْ عَنِ المقدرِ لَهُ. «وَكَذَا وَصِيُّ، وَنَاظِرُ وَقْفٍ، إِذَا بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ المِثْلِ، أَوِ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ مِنْهُ». ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. وكذا إنْ أجَّرَهُ بدون أجرة المثل (١).
وإنْ قَالَ: اشترِ لي شاةً، بدينار، فاشترى به شاتين، تساوي إِحْدَاهُمَا دِيناراً، أوِ اشْتَرَى شَاةً تساوي ديناراً بأقلَّ منه، صحَّ الشراء، وكان الزائد للموكل؛ لحديث عروة بن الجعد: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا أُضْحِيَّةً - وقال مرةً: أو شَاةً -، فَاشْتَرَى لَهُ اثْنَتَيْنِ، فَبَاعَ وَاحِدَةً بِدِينَارٍ، وأَتَاهُ بِالأُخْرَى، فَدَعَا لَهُ بالبركة، فكان لو اشترى الترابَ لربح فيه» (٢). وفي رواية: «قال: هذا دينارُكُم، وهذه شاتُكُمْ. قَالَ: «كَيْفَ صَنَعْتَ»؟ فذكره». رواه أحمد (٣). وكذا لو اشترى شاتين، كلَّ واحدةٍ تساوي ديناراً.
стр. 941
ولو قال موكل لوكيله: بع هذا الثوبَ ونحوه بعشرة، فما زاد فلَكَ، صح، نصاً. وإذا قال ربُّ دين لمدينه: اشتر لي بديني، أو بما عليك طعاماً ونحوه، لم يصح؛ لأنه لم يملكه، إلا أن يقبضه. وليس للوكيل شراء معيب. وللوكيل والموكل ردُّه. فإن رضي الموكَّلُ به معيباً، لم يملك الوكيل ردَّه.
(وَ) إن قال الموكل لوكيله: (بِعْهُ لِزَيْدٍ، فَبَاعَهُ لِغَيْرِهِ، لَمْ يَصِحَ) البيع؛ لمخالفته موكله؛ لأنه قد يقصد نفع زيد. قال في المغني والشرح: «إلَّا أن يعلم بقرينة، أو صريح، أنه لا غرض له في عين المشتري». وإن وكله في زمن مقيد، كشهر رجب، ونحوه، لم يملك التصرف قبله، ولا بعده. وللوكيل إثبات وكالته مع غيبة موكله، فيقيم البينة من غير دعوى، كما في القضاء.
(وَمَنْ أُمِرَ بِدَفْعِ شَيْءٍ) كثوبٍ (إِلَى) قصَّارٍ (مُعَيَّنٍ)، أو غزل إلى حياك معين (لِيَصْنَعَهُ) لهُ، فَدَفَعَهُ الوكيلُ، (وَنَسِيَهُ، لَمْ يَضْمَنِ) الوكيلُ؛ لأنه لم يَعُدْ مفرطاً؛ لأن التفريط من الموكل.
(وَإِنْ أَطْلَقَ المَالِكُ)، ولم يعيّن أحداً، (فَدَفَعَهُ) الوكيل (إِلَى مَنْ لَا يَعْرِفُهُ)، ولا يعرف اسمه، ولا دكانه، (ضَمِنَ) هـ؛ لتفريطه.
وإن وكل مدين شخصاً في قضاء دينه، ولم يأمره الموكل بإشهاد، فقضاه الوكيل في غيبته، ولم يُشْهِدْ على ما قضاه، فأنكر الغريمُ، ضمن الوكيلُ؛ لأنه مفرط حيثُ لم يُشْهِدْ. قال القاضي وغيره: «سواء صدَّقَه الموكل في القضاء، أو كذَّبَه؛ لأنه إنما أذن في قضاء مبرئ، ولم يوجَدْ، كما لو أمره بالإشهاد فلم يفعل»، إلا أن يقضيه بحضرة الموكَّلِ، فلا يضمن. وكذا لا يضمن إن أذِنَ له في
стр. 942
القضاء من غير إشهاد. فإن أشهد الوكيل على الغريم، فمات، أوغاب، فلا ضمان عليه.
وإن قال الوكيل لموكله: أشهدتُ فماتوا، أو أذنت لي في القضاء من غير إشهاد، أو قال: قضَيتُ بحضرتِكَ، فأنكر الموكَّلُ ذلك، فقول الموكّل بيمينه؛ لأنَّ الأصل عدمُه.
تتمةٌ: لو كان لرجل على آخر دراهم، فأرسل إليه رسولاً ليقبضها، فدفع للرسول ديناراً عوض الدراهم، فضاع الدينار من الرسول، فيضيعُ على المدين؛ لأنَّ ربَّ الدراهم لم يأمر بالمصارفة. فإن أخبر الرسولُ الإذن بقبض الدينار، صح، وكان الضمان على الرسول، إن أنكر ربُّ الدراهم ذلك، وإلا فيضيع على رب الدراهم.
تنبيه: لو باع وكيل شيئاً، فوُهِبَ للوكيل في زمن الخيارين شيئاً، فما وُهِبَ للموكل؛ لأنه زيادة في الثمن، فلحق به. قال شيخُنا في شرحه على الإقناع: «وعُلِمَ منه: لو وهبه شيئاً بعد زمن الخيارين، كان للوكيل الموهوب له».
(وَالْوَكِيلُ أَمِينٌ لَا يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِيَدِهِ) من ثمن، أو مثمن، أو غيرهما، إذا كانَ (بِلَا تَفْرِيطٍ) ولا تعد، سواء كان الوكيل بجعل أم لا؛ لأنه نائب المالكِ، فكما لو هلك في يد مالكه. (وَيُصَدَّقُ) قولُ الوكيل بِيَمِينِهِ فِي التَّلَفِ، وَفِي (أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطُ)، ولا يكلف بينةً؛ لأنهُ ممَّا تتعذر إقامة البينة عليه، ولئلا يمتنع الناس مِنَ الدخول في الأمانات مع الحاجة إليها. وإن ادَّعَى وكيل، وأجير مشترك - كصباغ، وصانع، ونحوه -، ومرتهن، ومودع، ومستأجر،
стр. 943
ونحو ذلك، تلفاً بحادث ظاهر - كحريق، ونهب، ونحوهما -، لم يقبل إلا ببينةٍ تشهد بوجودِ الحادث الظاهر؛ لعدم خفائه؛ لأنه لا تتعذر البينة عليه، ويقبل قوله فيما تلف، بعد إقامة البينة، بيمينه في تلفِ العين بسبب الحادثِ الظاهرِ؛ لتعذرِ إقامة البينة على تلفها به، كما لو تلفت بسبب خفي، فيقبل قوله بيمينه، من غيرِ إقامة بينةٍ.
(وَ) يصدَّقُ الوكيل أيضاً بيمينه، في (أَنَّهُ) أي: الموكَّلَ (أَذِنَ لَهُ فِي الْبَيْعِ مُؤَجَّلاً، أَوْ) في أنهُ أذِنَ له في البيع (بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ إِذا أنكر الموكل ذلك (وَإِنِ ادَّعَى) وكيل (الرَّدَّ) فيما هو موكَّلُ فيهِ (لِوَرَثَةِ المُوَكِّلِ مُطْلَقاً) أي: سواء كان بجعلٍ، أو بغير جعل، لمْ يقبل قوله؛ لأنهم لم يأتمنوه. وكذا لو ادعى الوكيل ردَّه إلى غير من ائتمنه، ولو بإذن الموكّل (١)؛ لأنه لا بد من إقامة الوكيل بينةً تشهد له في دفعه إذا أنكره.
وكذا لم يقبل قول ورثة وكيل في دفع لموكل؛ لأنه لم يأتمنهم. وكذا لو (ا) دَّعَى (وَ) كِيلٌ الردَّ (لَهُ) أي: للموكل، وهو حي، (وَكَانَ) الوكيلُ بِجُعْلٍ، لَمْ يُقْبَلْ قوله بيمينه، ولا بدَّ من بينة (٢)
(وَمَنْ عَلَيْهِ حَقٌّ) لإنسانٍ، فَادَّعَى إِنْسَانٌ) آخرُ (أَنَّهُ وَكِيلٌ)
стр. 944
عن (رَبِّهِ) أي: ربُّ الحقِّ (في قَبْضِ الحقِّ مِنْهُ، فَصَدَّقَهُ) المدين على أنه وكيل، (لَمْ يَلْزَمُهُ) أي: المدينَ (دَفْعُ) مَا عَلَيْـ (ــهِ إِلَيْهِ) أي: إلى مَنْ ادَّعى الوكالة. (وَإِنِ ادَّعَى مَوْتَهُ) أي: موتَ رَبِّ الدين، (وَأَنَّهُ وَارِثُهُ، فإِنْ صدَّقَهُ المدين، (لَزِمَهُ) الدَّفْعُ) إلي (ـه)، (وَإِنْ كَذَّبَهُ) المدينُ، وإن لم يكن إثبات، (حَلَفَ) المدين على نفي العلم؛ ب (أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ وَارِثُهُ، وَلَمْ يَـ) ــلْزَمْهُ ال (دَفْعُ) إلي (ـه). ..................
تتمة: إن قال شخص لآخر: وكلْتَني أن أتزوج لك فلانةً، ففعلْتُ، وحلفت الزوجة الوكيل على تزويجها لموكله، وأنكره الموكلُ، فقولُ الموكَّلِ. ثمَّ إن تزوجها الموكلُ، أُقِرَّ العقد. وإن لم يتزوجها، لزمه تطليقها؛ لاحتمال كذبه في إنكاره، ولا ضرر عليه. ويحرم نكاحها لغيره قبل طلاقها؛ لاعترافها بالزوجية؛ لأنها تؤخذ بإقرارها، وإن كان ليس بطلاق.
فائدة: قال في المغني: «إِذَا قال العبد: اشتريتُ نفسي لِزَيد، وصدقه سيده، وزيدٌ، صح، ولزم زيد الثمن. وإن قال السيد: ما اشتريت نفسك إلا لنفسك، عتَقَ عليه، ولزمه الثمن لسيده في ذمته، ولا شيء على زيدٍ؛ لعدم حصوله في يده» (١).