← Акыда

Акыда · id 30148

لماذا التوحيد أولا

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (657 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

- قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذه الآية الكريمة كان النبي ﷺ يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحيانًا في الركعة الأولى من سُنَّة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦] ويقرأ بها في الرَّكعة الآخرة من سنَّة الصبح؛ لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد قد اتَّفق عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبنيِّ على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية لا يستحقُّ منهم أحدٌ شيئًا من خصائص الرُّبوبية ولا من نعوت الإلهية، فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا" (١). ٨٠. ومما يدل على أهميته أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد. قال تعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: إنني أنا المعبود الذي لا تصلح العبادة إلا له، لا إلَهَ إلا أنا فلا تعبد غيري، فإنه لا معبود تجوز أو تصلح له العبادة سواي ﴿فَاعْبُدْنِي﴾ يقول: فأخلص العبادة لي دون كلّ ما عبد من دوني ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ " (٢).

стр. 212

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: أي: أوحي إليك وإلى الأنبياء قبلك بالتوحيد، والتوحيد محذوف" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقوله ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يقول تعالى ذكره: ولقد أوحي إليك يا محمد ربك، وإلى الذين من قبلك من الرسل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يقول: لئن أشركت بالله شيئًا يا محمد، ليبطل عملك، ولا تنال به ثوابًا، ولا تدرك جزاء إلا جزاء من أشرك بالله" (٢). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ [الزُّمَر: ٦٥] وهذه كقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨٨] " (٣). - قال محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (ت ١٢٠٦ هـ) ﵀: "فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمى صلاة إلا مع الطهارة، فإذا دخل

стр. 213

الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة" (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "جميع الأعمال متوقفة في صحتها وقبولها على التوحيد" (٢). قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: " ومن أعظم فضائله: أن جميع الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة متوقفة في قبولها وفي كمالها، وفي ترتب الثواب عليها على التوحيد، فكلما قوي التوحيد والإخلاص لله كملت هذه الأمور وتمت" (٣) .. ٨١. ومما يدل على أهميته أن التوحيد إحسان للظن بالله. قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فُصِّلَت: ٢٣]. - عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀ قال: "الظنّ ظنان، فظنّ منج، وظنّ مُرْدٍ قال: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُّلَاقُوا رَبِّهِمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٦] قال ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحَاقَّة: ٢٠] وهذا الظنّ المنجي ظنا يقينا، وقال ها هنا: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾ [فُصِّلَت: ٢٣] هذا ظنّ مُرْدٍ" (٤).

стр. 214

- سئل الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) ﵀، كيف يكون سوء الظن بالله؟ قال: الوسوسة، والخوف الدائم من وقوع مصيبة، وترقب زوال النعمة كلها من سوء الظن بالرحمن الرحيم" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "قال الحسن: إنما عمل الناس على قدر ظنونهم بربهم؛ فأما المؤمن فأحسن بالله الظن، فأحسن العمل؛ وأما الكافر والمنافق، فأساءا الظن فأساءا العمل" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالشرك والتعطيل مبنيان على سوء الظن بالله، ولهذا قال إمام الحنفاء ﵇ لخصمائه من المشركين: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصَّافَّات: ٨٦ - ٨٧]، وإن كان المعنى: ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به، وقد عبدتم معه غيره، وجعلتم له ندا؟ فأنت تجد تحت هذا التهديد: ما ظننتم بربكم من السوء حتى عبدتم معه غيره؟ فإن المشرك إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو عون، وهذا أعظم التنقيص لمن هو غني عن كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشريك، وإما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لايرحم حتى تجعله

стр. 215

الواسطة يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما يريد بالعبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به، وتكثره به من القلة، وتعززه به من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده، حتى يسألوا الواسطة أن ترفع تلك الحاجات إليه، كما هو حال ملوك الدنيا، وهذا أصل شرك الخلق، أو يظن أنه لا يسمع دعاءهم لبعده عنهم، حتى ترفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه حقا؛ فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ولا يمكنهم مخالفته. وكل هذا تنقص للربوبية، وهضم لحقها، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله وخوفه ورجائه والتوكل عليه والإنابة إليه من قلب المشرك؛ بسبب قسمة ذلك بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص ويضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة والخوف والرجاء؛ بسبب صرف أكثره أو بعضه إلى من عبده من دونه. فالشرك ملزوم لتنقص الرب سبحانه، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم أبى، ولهذا اقتضى حمده سبحانه وكمال ربوبيته ألا يغفره، وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وإن زعم أنه يعظمه بذلك" (١). وقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ

стр. 216

بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفَتْح: ٦]. - قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل الإشراك، فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا الظن به لوحدوه حق التوحيد" (١). ٨٢. ومما يدل على أهميته أن التوحيد أول الحقوق. قال تعالى: ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)﴾ [النِّسَاء: ٣٦]. - قال عبد الرحمن بن قاسم (ت: ١٣٩٢ هـ) ﵀ " قوله ﴿* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾: "وتسمى هذه الآية آية الحقوق العشرة، وابتداؤه تعالى بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك أدل دليل على أنه هو أهمها. فإنه لا يبدأ إلا بالأهم فالأهم. فدلت على أن التوحيد أوجب الواجبات" (٢). فتسمية هذه الآية بآية الحقوق العشرة لأنها جمعت عشرة حقوق أولها حق

стр. 217

الله تعالى وهو التوحيد، وحق الوالدين، وحق ذي القربى، وحق اليتامى، وحق المساكين، وحق الجار ذي القربى، وحق الجار الجنب، وحق الصاحب، وحق ابن السبيل، وحق ملك اليمين وتلك هي عشرة حقوق" (١). ٨٣. ومما يدل على أهميته أن التوحيد نظامه القدر. عَنِ ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قَالَ: "الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ، فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ ، وَآمَنَ بِالْقَدَرِ، فَهِيَ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا، وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ تَعَالَى، وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ، نَقْضَ التَّوْحِيدَ" (٢). - قال علي بن خلف بن عبد الملك ابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) ﵀: "فإن قيل: ما معنى قول النبى ﷺ للذى رفع صوته بلا إله إلا الله، «ألا أدلك على كنز الجنة». فقال: «لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا إله إلا الله تغنى عن غيرها، وهى المنجية من النار؟» (٣)، فالجواب: أن النبى ﷺ كان معلما لأمته، وكان

стр. 218

لا يراهم على حالة من الخير، إلا أحب لهم الزيادة عليها فأحب للذى رفع صوته بكلمة الإخلاص والتوحيد أن يردفها بالتبرؤ من الحول والقوة لله تعالى وإلقاء القدرة إليه، فيكون قد جمع مع التوحيد الإيمان بالقدر" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا بد من الإيمان بالقدر فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد فمن وحد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحد الله، وكذب بالقدر نقض توحيده" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس ﵄: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد" (٣) ـ - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الإيمان بالقدر أصل الإيمان بالأمر وهو نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه إيمانه" (٤) ـ - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والذي دل عليه قول ابن مسعود ﵁، وهو قول الصحابة كلهم وأئمة السنة من التابعين ومن بعدهم هو إثبات القدر الذي هو نظام التوحيد؛ إثبات فعل العبد الاختياري، الذي هو نظام الأمر

стр. 219

والنهي، وهو متعلق المدح والذم والثواب والعقاب والله أعلم" (١) ـ - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "النبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة: الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد. والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره وذلك نظام الشرع. فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر؛ فأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد، أو القدح بإثباته في أصل الشرع، ولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر. وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: «أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز» (٢). وإن العاجز من لم يتسع للأمرين" (٣) ـ - قال الشيخ حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "الإيمان بالقدر نظام

стр. 220

التوحيد كما أن الإيمان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره هي نظام الشرع، ولا ينتظم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع، كما قرر النبي ﷺ الإيمان بالقدر ثم قال لمن قال له: "أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» (١)، فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته وجعل العبد مستقلا بأفعالهخالقا لها، فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن (جميع المخلوقين خالقون)، ومن أثبته محتجا به على الشرع محاربا له به نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها وكلفه بحسبها زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطاق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف، فقد نسب الله تعالى إلى الظلم وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى إذ يقول: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ [الأَعْرَاف: ١٦] وأما المؤمنون حقا فيؤمنون بالقدر خيره وشره وأن الله خالق ذلك كله، وينقادون للشرع أمره ونهيه ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا، والهداية والإضلال بيد الله يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وهو أعلم بمواقع فضله وعدله ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ [النَّجْم: ٣٠] وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع فعلا وتركا على القدر، وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، فإذا وفقوا لحسنه عرفوا الحق لأهله فقالوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ

стр. 221

لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأَعْرَاف: ٤٣] ولم يقولوا كما قال الفاجر: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القَصَص: ٧٨] وإذا اقترفوا سيئة قالوا كما قال الأبوان: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأَعْرَاف: ٢٣] ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحِجْر: ٣٩] وإذا أصابتهم مصيبة قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)﴾ [البَقَرَةِ: ١٥٦]، ولم يقولوا كما قال الذين كفروا: ﴿وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦)﴾ [ال عِمْرَان: ١٥٦] " (١).

стр. 222

الفصل الثاني ثمرات التوحيد

стр. 223

١. من ثمراته أن التوحيد سببٌ في منع وقوع النفوس في العلو وحب الرئاسة. - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال بعض العارفين: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون غير أن فرعون قدر فأظهر. وغيره عجز فأضمر. وذلك: أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس وسمع أخبارهم: رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة بحسب إمكانها فتجد أحدهم يوالي من يوافقه على هواه ويعادي من يخالفه في هواه. وإنما معبوده: ما يهواه ويريده. قال تعالى ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾ [الفُرْقَان: ٤٣] " (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فمن كان من المطاعين من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك متبعا للرسل: أمر بما أمروا به. ودعا إلى ما دعوا إليه. وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه. فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى. وهذا قصده في نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله. وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك: فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود. فله نصيب من حال فرعون وأشباهه. فمن طلب أن يطاع دون

стр. 224

الله: فهذا حال فرعون. ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أندادايحبونهم كحب الله. والله أمر: أن لا يعبد إلا إياه وأن لا يكون الدين إلا له وأن تكون الموالاة فيه والمعاداة فيه. وأن لا يتوكل إلا عليه ولا يستعان إلا به. فالمؤمن المتبع للرسل: يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ليكون الدين كله لله لا له. وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك: أحبه وأعانه وسر بوجود مطلوبه. وإذا أحسن إلى الناس فإنما يحسن إليهم: ابتغاء وجه ربه الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسنا ولم يجعله مسيئا فيرى أن عمله لله وأنه بالله. وهذا مذكور في فاتحة الكتاب التي ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء. ولهذا فرضت عليهم قراءتها في كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها. فإن فيها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفَاتِحَةِ: ٥]. فالمؤمن يرى: أن عمله لله لأنه إياه يعبد وأنه بالله. لأنهإياه يستعين. فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكورا. لأنه إنما عمل له ما عمل لله كما قال الأبرار ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإِنسَان: ٩] ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه. فإنه قد علم أن الله هو المان عليه إذ استعمله في الإحسان. وأن المنة لله عليه وعلى ذلك الشخص. فعليه هو: أن يشكر الله. إذ يسره لليسرى. وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر أو غير ذلك. ومن الناس: من يحسن إلى غيره ليمن عليه أو يرد الإحسان له بطاعته إليه

стр. 225

وتعظيمه أو نفع آخر. وقد يمن عليه. فيقول: أنا فعلت بك كذا. فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه. ولا عمل لله ولا عمل بالله. فهو المرائي. وقد أبطل الله صدقة المنان وصدقة المرائي. قال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٤] ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٥] " (١). ٢. من ثمراته أن التوحيد جزاؤه الإحسان من الله تعالى. قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ [الرَّحْمَان: ٦٠]. - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄ والمفسرون: هل جزاء من قال لا إله إلا الله وعمل بما جاء به محمد ﷺ إلا الجنة" (٢). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وحكى النقاش أن النبي ﷺ فسر هذه الآية: «هل جزاء التوحيد إلا الجنة» " (٣).

стр. 226

٣. من ثمراته أن التوحيد سببٌ في حلول البركة: قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأَعْرَاف: ٩٦] - قال الشيخ السعدي: "لمَّا ذكر تعالى أنَّ المكذِّبين للرسل يبتلون بالضَّرَّاء موعظة وإنذارًا، وبالسَّرَّاء استدراجًا ومكرًا، ذكر أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانًا صادقًا صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى اللّه تعالى ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرِّم الله لفتح عليهم بركات السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمُهم، في أخصب عيش وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نَصَب، ولكنَّهم لم يؤمنوا ويتقوا: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦)﴾ بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلاَّ فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ [الرُّوم: ٤١] (١). ٤. من ثمراته أن التوحيد يجعل النفوس سماوية علوية. - قال عبد الله بن محمد بن مغيث بن عبد الله الأنصاري: (ت: ٣٥٢ هـ) ﵀: "أوثق عملي في نفسي ملامة صدري، إني آوي إلى فراشي ولا يأوي إلى صدري

стр. 227

غائلة لمسلم" (١) - قال ابن القيم ﵀: "النفوس ثلاثة: نفس سماوية علوية: فمحبتها منصرفة إلى المعارف واكتساب الفضائل والكمالات الممكنة للإنسان، واجتناب الرذائل، وهي مشغوفة بما يقربها من الرفيق الأعلى وذلك قوتها وغذاؤها ودواؤها فاشتغالها بغيره هو داؤها. ونفس سبعية غضبية: فمحبتها منصرفة إلى القهر والبغي والعلو في الأرض والتكبر والرئاسة على الناس بالباطل فلذتها في ذلك وشغفها به. ونفس حيوانية شهوانية: فمحبتها منصرفة إلى المأكل والمشرب والمنكح وربما جمعت الأمرين فانصرفت محبتها إلى العلو في الأرض والفسادكما قال الله تعالى ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القَصَص: ٤]. والحب في هذا العالم دائر بين هذه النفوس الثلاثة، فأي نفس منها صادفت ما يلائم طبعها استحسنته ومالت إليه ولم تصغ فيه لعاذل ولم تأخذها فيه لومة لائم" (٢). - قال الإمام ابن القيم ﵀: "فالقلب الطاهر لكمال حياته ونوره وتخلصه من الأدران والخبائث لا يشبع من القرآن، ولا يتغذَّى إلا بحقائقه، ولايتداوى

стр. 228

إلا بأدويته" (١). ٥. من ثمراته أن التوحيد لا يقبل من قلب الموحد أن يكون لغير الله. - قال ابن القيم: "وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٢] فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادًا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود منه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه" (٢). ٦. من ثمراته أن التوحيد طهر لصاحبه. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٢٢] - قال سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ): "التوابين من الشرك والمتطهرين من الذنوب" (٣). - قال مقاتل بن حيان (ت: في حدود ١٥٠ هـ) ﵀: "يحب التوابين من الذنوب والمتطهرين من الشرك" (٤).

стр. 229

وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الوَاقِعَة: ٧٧ - ٧٩]. - قال طلق بن حبيب (ت: قبل سنة ١٠٠ هـ) ﵀: "إن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين" (١). - قال ابن الجوزي (ت: ٥٩٧ هـ) ﵀: "المؤمن على طهارة التوحيد من يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢] غير أنه لما خالط أوساخ الهوى تدنست ثياب، وليس لها تنظف إلا بماء العلم في بيت العزلة" (٢). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ): "قال تعالى: ﴿* وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإِسْرَاء: ٧٠] فإذا كان الأصل فيه كونه مكرمًا، كان كونه مطهرًا على وفق الأصل، وكونه منسجما على خلاف الأصل، ثم إنا رأينا الإنسان متى أشرك صار نجسًا، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التَّوْبَة: ٢٨]، فإذا كان الشرك يقتضي كونه نجسًا مع ذلك خلاف الأصل، فكونه موحدًا بأن يقتضي كونه طاهرًا أولى، لأنه على وفق الأصل. وإذا ثبت أن الموحد كامل في كونه طاهرًا وجب أن يكون من خواص الله تعالى، لقوله: ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ [النُّور: ٢٦] " (٣).

стр. 230

- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون فمعانيه لا يهتدي بها إلا القلوب الطاهرة. وإذا كان المَلَك لا يدخل بيتًا فيه كلب، فالمعاني التي تحبها الملائكة لا تدخل قلبًا فيه أخلاق الكلاب المذمومة" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فنجد كثيرًا من المتفقهة والمتعبدة، إنما همته طهارة البدن فقط، ويزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا. ويترك من طهارة القلب ما أمر به؛ إيجابا، أو استحبابا، ولا يفهم من الطهارة إلا ذلك. ونجد كثيرا من المتصوفة والمتفقرة، إنما همته طهارة القلب فقط؛ حتى يزيد فيها على المشروع اهتماما وعملا؛ ويترك من طهارة البدن ما أمر به إيجابا، أو استحبابا. فالأولون يخرجون إلى الوسوسة المذمومة في كثرة صب الماء، وتنجيس ما ليس بنجس، واجتناب ما لا يشرع اجتنابه مع اشتمال قلوبهم على أنواع من الحسد والكبر والغل لإخوانهم، وفي ذلك مشابهة بينة لليهود. والآخرون يخرجون إلى الغفلة المذمومة، فيبالغون في سلامة الباطن حتى يجعلون الجهل بما تجب معرفته من الشر -الذي يجب اتقاؤه من سلامة الباطن، ولا يفرقون بين سلامة الباطن من إرادة الشر المنهي عنه، وبين سلامة القلب من معرفة الشر المعرفة المأمور بها ثم مع هذا الجهل والغفلة قد لا يجتنبون

стр. 231

النجاسات، ويقيمون الطهارة الواجبة مضاهاة للنصارى. وتقع العداوة بين الطائفتين بسبب ترك حظ مما ذكروا به والبغي الذي هو مجاوزة الحد إما تفريطا وتضييعا للحق، وإما عدوانا وفعلا للظلم. والبغي تارة يكون من بعضهم على بعض وتارة يكون في حقوق الله، وهما متلازمان" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ "دلت الآية بإشارتها وإيمائها على أنه لا يدرك معانيه ولا يفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرامٌ على القلب المتلوث بنجاسة البدع والمخالفات أن ينال معانيَه، وأن يفهمه كما ينبغي" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إن الطهر طهران: طهر بالماء من الأحداث والنجاسات، وطهر بالتوبة من الشرك والمعاصي" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل. فكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له. فليس عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به" (٤).

стр. 232

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ذِكرُ الله، والإقبالُ عليه، والإنابةُ إليه، والفزعُ إلى الصلاة، كم قد شُفِيَ به من عليلٍ، وكم قد عُوفِيَ به من مريض" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كانت شيمته التوبة والاستغفار؛ فقد هُدي لأعظم الشيم" (٢). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "من أسباب دواعي الإيمان: الإكثار من ذكر الله كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة؛ فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب، ويغذيها وينميها" (٣). * * * ٧. من ثمراته أن السعادة تنال بالتوحيد. - قال ابن حزم (ت: ٣٨٤ هـ) ﵀: "كل أملٍ ظفرت به فعقباه حزنٌ؛ إما بذهابه عنكوإما بذهابك عنه، ولابد من أحد هذين السبيلين. إلا العمل لله ، فعقباه على كل حال سرور في عاجل وآجل؛ أما في العاجل، فقلة الهم بما يهتم به الناس، وأنك به معظم من الصديق والعدو، وأما في الآجل فالجنة" (٤).

стр. 233

- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والقرآن كله مملوء من تحقيق هذا التوحيد والدعوة إليه، وتعليق النجاة والفلاح، واقتضاء السعادة في الآخرة به" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأنأهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرب إليه بما يحبه، ولا تتم محبة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فالغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم وسعادتهم ونجاتهم عبادة الله وحده، وهي حقيقة قول القائل: لا إله إلا الله، ولهذا بعث الله جميع الرسل، وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفس وتزكو وتكمل إلا بهذا، كما قال تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَت: ٦ - ٧] أي لا يؤتون ما تزكو به نفوسهم من التوحيد، والإيمان.

стр. 234

وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص لم يكن من أهل النجاة والسعادة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] " (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها ويكون أحب إليها مما سواه، والإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربه لا يكون إلا شقيا معذبا كما هو حال الكافرين. فالله تبارك خلق هذا الإنسان وركبه من الجسد والروح وشاء أن يكون خلق الجسد من التراب، قال تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحَج: ٥] وجعل قوام الجسد وحياته من التراب، فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها، وجعل في هذا الجسد الروح، قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحِجْر: ٢٩] وشاء أن يكون قوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته، فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبة فاطره وباريه ودوام ذكره والسعي في مرضاته، لذلك فإن من في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التبصر فيه، وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هوالكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأرسلت الرسل وقامت السموات والأرض، ووجدت الجنة والنار، ولأجله شرعت الشرائع، وأسست الملة، ونصبت القبلة،

стр. 235

وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه. وهو بحق أفضل ما اكتسبته القلوب وحصلته النفوس وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "السعادة في معاملة الخلق: أن تعاملهم لله فترجو الله فيهم، ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم، ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله، لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله، لا منهم" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "لا يزول فقر العبد وفاقته إلا بالتوحيد، وإذا حصل مع التوحيد الاستغفار؛ حصل للعبد غناه، وسعادته، وزال عنه ما يعذبه" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "من أراد السعادة الأبدية فليلزم عتبة العبودية" (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وهو أكبر من كل شيء، وهو المستحق

стр. 236

للتحميد والتنزيه، هو متصف بذلك كله في نفس الأمر. فالعباد لا يثبتون له بكلامهم شيئًا لم يكن ثابتا له، بل المقصود بكلامهم تحقيق ذلك في أنفسهم، فإنهم يسعدون السعادة التامة، إذاصار أحدهم ليس في نفسه إله إلا الله خلص من شرك المشركين" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَأَمَّا الْحُزْنُ فَلَمْ يَأْمُرْ اللَّهُ بِهِ وَلَا رَسُولُهُ بَلْ قَدْ نَهَى عَنْهُ فِي مَوَاضِعَ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِأَمْرِ الدِّينِ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ [ال عِمْرَان: ١٣٩] ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التَّوْبَة: ٤٠] ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ [يس: ٧٦] ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحَدِيد: ٢٣]. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَمَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لَا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ، نَعَمْ وَلَا يَأْثَمُ بِهِ صَاحِبُهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِحُزْنِهِ مُحَرَّمٌ وَقَدْ يَقْتَرِنُ الْحُزْنُ بِمَا يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَحْمُودًا مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ لَا مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، كَالْحَزِينِ عَلَى مُصِيبَةٍ فِي دِينِهِ وَعَلَى مَصَائِبِ الْمُسْلِمِينَ عُمُومًا، فَهَذَا يُثَابُ عَلَيْهِ عَلَى قَدْرِ مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ حُبِّ الْخَيْرِ وَبُغْضِ الشَّرِّ وَتَوَابِعِ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْحُزْنَ عَلَى ذَلِكَ إذَا أَفْضَى إلَى تَرْكِ مَأْمُورٍ مِنْ الصَّبْرِ وَالْجِهَادِ وَجَلْبِ مَنْفَعَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ نُهِيَ عَنْهُ وَإِلَّا كَانَ حَسْبَ صَاحِبِهِ رُفِعَ الْإِثْمُ عَنْهُ مِنْ جِهَةِ الْحُزْنِ، وَأَمَّا إذَا أَفْضَى إلَى ضَعْفِ الْقَلْبِ وَاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْ فِعْلِ مَا

стр. 237

أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ كَانَ مَذْمُومًا وَمَرْدُودًا عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ وَإِنْ كَانَ مَحْمُودًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "سر عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ويسكن إلا بالوصول إليه، وكل ما سواه مما يحب ويراد فمراد لغيره، وليس المراد المحبوب لذاته إلا واحدا إليه المنتهى، ويستحيل أن يكون المنتهى إلى اثنين كما يستحيل أن يكون ابتداء المخلوقات من اثنين، فمن كان انتهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غيره بطل عليه ذلك، وزال عنه وفارقه أحوج ما كان إليه، ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد. " (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وملاك النجاة والسعادة والفوز بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما مدار كتب الله تعالى، وبتحقيقهما بعث الله رسله عليهم الصلاة والسلام وإليهما رغب الرسل صلوات الله وسلامه عليهم كلهم، من أولهم إلى آخرهم. أحدهما: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص. والتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له

стр. 238

وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه والرضى به ربا وإلها ووليا، وأن لا يجعل له عدلا في شيء من الأشياء. وقد جمع هذين النوعين من التوحيد في سورتي الإخلاص وهما: سورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي، وسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد الخبري العلمي. فسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيان ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه من النقائص والأمثال، وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده، والتبري من عبادة كل ما سواه. ولا يتم أحد التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سنة الفجر والوتر، اللتين هما فاتحة العملوخاتمته، ليكون مبدأ النهار توحيدا وخاتمته توحيدا" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالنعمة المطلقة: هي المتصلة بسعادة الأبد، وهي نعمة الإسلام والسنة، وهي النعمة التي أمرنا الله سبحانه أن نسأله في صلواتنا؛ أن يهدينا صراط أهلها ومن خصهم بها وجعلهم أهل الرفيق الأعلى، حيث يقول تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النِّسَاء: ٦٩]. فهؤلاء الأصناف الأربعة هم أهل هذه النعمة المطلقة، وأصحابها" (٢).

стр. 239

- قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "ومن كان انتهاء محبته ورغبته ورهبته وطلبه هو سبحانه ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "لا سعادة لهم ولا فلاح ولا صلاح ولا نعيم إلا بأن يعرفوه ويعتقدوه، ويكون هو وحده غاية مطلوبهم، والتقرب إليه قرة عيونهم، فمتى فقدوا ذلك كانوا أسوأ حالا من الأنعام، وكانت الأنعام أطيب عيشا منهم في العاجل وأسلم عاقبة في الآجل" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فالغاية الحميدة التي يحصل بها كمال بني آدم وسعادتهم ونجاحهم هي معرفة الله ومحبته وعبادته وحده لا شريك له وهي حقيقة قول العبد لا اله إلا الله وبها بعث الرسل ونزلت جميع الكتب ولا تصلح النفس ولا تزكو ولا تكمل إلا بذلك" (٣). قال حافظ بن أحمد حكمي (ت: ١٣٧٧ هـ) ﵀: "هي سبيل السعادة في الدارين أي طريقهما لا وصول إليهما إلا بهذه الكلمة" (٤) ..

стр. 240

٨. من ثمراته أن التوحيد يرسخ في الإنسان أنه عبد لله وأنه إليه راجع وهذا معنى إنا لله وإنا إليه راجعون. - قال الحسين بن علي (ت: ٦١ هـ) ﵄: "من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمن غير ما اختار الله له" (١). - قال الفضيل بن عياض (ت: ١٨٧ هـ) ﵀ لرجل: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة. قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك توشك أن تبلغ. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون. فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ تقول: أنا لله عبد .. وإليه راجعفمن علم أنه لله عبد .. وأنه إليه راجع فليعلم أنه موقوف .. ومن علم أنه موقوف .. فليعلم أنه مسؤول. ومن علم أنه مسؤول .. فليعد للسؤال جوابا. فقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة. فقال الرجل: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي .. يغفر لك ما مضافإنك إن أسأت فيما بقي .. أخذت بما مضى وبما بقي" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "حقيقة الدين هو الطاعة والانقياد، وذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط، فمن لم يفعل لله شيئا فما دان الله دينا، ومن لا دين له فهو كافر" (٣).

стр. 241

- قال إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (ت ٧٩٠ هـ) ﵀: "المقصد الشرعي مِنْ وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً" (١). ٩. من ثمراته أن التوحيد يورث المحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء وتوابع ذلك. - قال عمر (ت: ٢٣ هـ) ﵁ في وصيته: "وشاور في أمورك الذين يخشون الله تعالى" (٢). - قال الحافظ عبيد الله بن أبي جعفر (ت: ١٣٤ هـ) ﵀: "ما استعان عبد على دينه بمثل الخشية من الله" (٣). - قال أبو علي الجوزجاني (ت: في القرن الرابع للهجرة) ﵀: "ثلاثة أشياء من عقد التوحيد: الخوف، والرجاء، والمحبة" (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "التوحيد للخالق بالرغبة إليه والرجاء له، والتوكل عليه، والحب له … فالرسول ﷺ أمر بتلك الأنواع الثلاثة الفاضلة المحمودة التي تصلح أمور أصحابها في الدنيا والآخرة" (٥).

стр. 242

- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وليس للقلوب سرور ولذة تامة إلا في محبة الله تعالى، والتقرّب إليه بما يحبّه، ولا تتمّ محبّة الله إلا بالإعراض عن كل محبوب سواه، وهذا حقيقة لا إله إلا الله" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبا﴾ [الأَنبِيَاء: ٩٠] وقال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [السَّجْدَة: ١٦] ولا يتصور أن يخلو داع لله دعاء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب من الخوف والطمع" (٢). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "مرض القلب يكون بالحب والبغض الخارجين عن الاعتدال، وهي الأهواء التي قال اللّه فيها: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القَصَص: ٥٠]، وقال: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الرُّوم: ٢٩] " (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "فَمن كَانَ الله يُحِبهُ اسْتَعْملهُ فِيمَا يُحِبهُ، ومحبوبه لَا يفعل مَا يبغضه الْحق ويسخطه من الْكفْر والفسوق والعصيان" (٥). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وقال الخليل: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا

стр. 243

تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾ [الزُّخْرُف: ٢٦] ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزُّخْرُف: ٢٧] والبراءة ضد الولاية وأصل البراءة البغض وأصل الولاية الحب وهذا لأن حقيقة التوحيد ألا يحب إلا الله ويحب ما يحبه الله لله فلا يحب إلا لله ولا يبغض إلا لله. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٦٥] " (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "الحنيفية: هي الاستقامة بإخلاص الدين لله وذلك يتضمن حبه تعالى والذل له لا يشرك به شيئا لا في الحب ولا في الذل فإن العبادة تتضمن غاية الحب بغاية الذل وذلك لا يستحقه إلا الله وحده وكذلك الخشية والتقوى لله وحده والتوكل على الله وحده" (٢). - قال ابن القيم: (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وروح هذه الكلمة وسرها: إفراد الرب جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، وتبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره بالمحبة والإجلال والتعظيم، والخوف والرجاء، وتوابع ذلك من التوكل والإنابة، والرغبة والرهبة، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فإنما يحب تبعا لمحبته، وكونه وسيلة إلى زيادة محبته، ولا يخاف سواه، ولا يرجي سواه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يرغب إلا إليه، ولا يرهب إلا منه، ولا يحلف إلا بإسمه، ولا ينذر إلا له، ولا يتاب إلا إليه، ولا يسجد إلا له، ولا يذبح إلا له وباسمه، ويجتمع ذلك في حرف واحد، وهو: أن لا يعبد إلا إياه بجميع أنواع العبادة، فهذا

стр. 244

هو تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله؛ ولهذا حرم الله على النار من شهد أن لا إله إلا الله حقيقة الشهادة، ومحال أن يدخل النار من تحقق بحقيقة هذه الشهادة وقام بها، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (٣٣)﴾ [المَعَارِج: ٣٣] " (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "كلما ازدادت معرفة العبد بربه ازدادت هيبته له وخشيته إياه، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا﴾ [فَاطِر: ٢٨] أي العلماء به، وقال النبي ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدكم له خشية» (٢) " (٣). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "إنّ تحقق القلب بمعنى لا إله إلا الله وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يرسخ فيه تألّه الله وحده، إجلالاً، وهيبة، ومخافة، ومحبة، ورجاء، وتعظيماً، وتوكلاً، ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تأله ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك، لم يبق فيه محبة، ولا إرادة، ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبه ويطلبه، وينتفي بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها، ووساوس الشيطان، فمن أحبّ شيئاً وأطاعه، وأحبّ عليه وأبغض عليه فهو إلهه، فمن كان لا يحبّ ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له، فالله إلهه حقّاً، ومن أحبّ لهواه، وأبغض لهواه، ووالى عليه،

стр. 245

وعادى عليه، فإلهه هواه" (١). - قال ابن رجب (ت: ٧٩٥ هـ) ﵀: "رقة القلوب تنشأ عن الذكر فإن ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقته ويذهب الغفلة عنه" (٢). - قال محمد عبد الرحمن بن عبد الرحيم المباركفورى (ت ١٣٥٣ هـ) ﵀: "قوله «أفضل الذكر لا إله إلا الله» لأنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء وهي الفارقة بين الكفر والإيمان ولأنها أجمع للقلب مع الله وأنفى للغير وأشد تزكية للنفس وتصفية للباطن وتنقية للخاطر من خبث النفس وأطرد للشيطان" (٣). ١٠. التوحيد مقرون بالعدل والعزة والحكمة في منهج السلف. - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "الحمد معناه الثناء الكامل، والألف واللام فيه لاستغراق الجنس من المحامد، وهو أعم من الشكر، لأن الشكر إنما يكون على فعل جميل يسدى إلى الشاكر، وشكره حمد ما، والحمد المجرد هو ثناء بصفات المحمود من غير أن يسدي شيئا، فالحامد من الناس قسمان: الشاكر والمثني بالصفات" (٤). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وعلى مذهب السلف: له الملك وله

стр. 246

الحمد تامين. وهو محمود على حكمته كما هو محمود على قدرته ورحمته. وقد قال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [ال عِمْرَان: ١٨] فله الوحدانية في إلهيته وله العدل وله العزة والحكمة. وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم. فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص الرب بعض حقه. والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ولا توحيد إلهية. بل توحيد ربوبيته. والمعتزلي أيضا لا يثبت في الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا في الحسنات والسيئات ولا عزة ولا حكمة في الحقيقة وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره. وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا لأمر يرجع إليه بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم بل سفيه. وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة فقد ثبت: أنه رأس الشكر. فهو أول الشكر. والحمد وإن كان على نعمته وعلى حكمته فالشكر بالأعمالهو على نعمته. وهو عبادة له لإلهيته التي تتضمن حكمته. فقد صار مجموع الأمور داخلا في الشكر. ولهذا عظم القرآن أمر الشكر. ولم يعظم أمر الحمد مجردا إذ كان نوعا من الشكر. وشرع الحمد الذي هو الشكر المقول أمام كل خطاب مع التوحيد. ففي الفاتحة: الشكر والتوحيد. والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد. والباقيات الصالحات نوعان. فسبحان الله وبحمده: فيها الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله. والله أكبر: فيها التوحيد والتكبير. وقد قال تعالى: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غَافِر: ٦٥] " (١).

стр. 247

١١. التوحيد مورث لخشية الله تعالى. قال تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاؤُا إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فَاطِر: ٢٨] - قال مطرف بن عبد الله الشخير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا؛ أحب إلي من أن أبيت قائمًا فأصبح معجبًا" (١). - قال أحمد بن صالح الأنطاكي ﵀: "من كان بالله أعرف؛ كان له أخوف" (٢). - قال عبد الله بن المبارك (ت: ١٨١ هـ) ﵀: "إن البُصَرَاء لا يأمنون من أربع: ذنبٍ قد مضى؛ لا يُدرَى ما يصنع فيه الربُّ ، وعمرٍ قد بقي؛ لا يُدرى ما فيه من الهَلَكةِ، وفضل قد أُعطي العبدُ؛ لعله مكرٌ واستدراجٌ، وضلالة قد زُيِّنت؛ يراها هدىً، وزيغِ قلب ساعة؛ فقد يُسلب المرءُ دينه ولا يشعر" (٣). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): ﵀ "ولن يخاف الرجل غير الله إلا لمرض في قلبه، كما ذكروا أن رجلًا شكى إلى الإمام أحمد بن حنبل ﵀ خوفه من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا، أي: خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك" (٤).

стр. 248

- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ): ﵀: "المشرك يخاف المخلوقين، ويرجوهم، فيحصل له رعب كما قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [ال عِمْرَان: ١٥١] والخالص من الشرك يحصل له الأمن كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] وقد فسر النبي ﷺ الظلم هنا بالشرك" (١). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "من خاف من الله خاف منه كل شيء، ومن خاف من غير الله خاف من كل شيء" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فإذا جرد العبد التوحيد فقد خرج من قلبه خوف ما سواه، وكان عدوه أهون عليه من أن يخافه مع الله، بل يفرد الله بالمخافة وقد أمنه منه. وخرج من قلبه اهتمامه به، واشتغاله به وفكره فيه، وتجرد لله محبة وخشية وإنابة وتوكلا، واشتغالا به عن غيره" (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "إنك إن تبيت نائما وتصبح نادما؛ خير من أن تبيت قائما وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل. وإنك إن تضحك وأنت معترف خير من أن تبكي وأنت مدل. وأنين المذنبين أحب إلى الله من زجل المسبحين المدلين. ولعل الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به

стр. 249

داء قاتلا هو فيك ولا تشعر" (١). ١٢. من ثمراته أنه كلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه. - قال الإمام ابن حبان: "الواجب على العاقل لزوم التوكل على من تكفل بالأرزاق؛ إذ التوكل هو نظام الإيمان، وهو قرين التوحيد، وهو السبب المؤدي إلى نفي الفقر ووجود الراحة، وما توكل أحد على الله -جل وعلا- من صحة قلبه حتى كان الله -جل وعلا- بما تضمن من الكفالة أوثق عنده بما حوته يده، إلا لم يكله الله إلى عباده، وآتاه رزقه من حيث لم يحتسب" (٢). - قال ابن تيمية: "والعبد إذا أنعم الله عليه بالتوحيد فشهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه، والإله هو المعبود الذي يستحق غاية الحب والعبودية بالإجلال والإكرام والخوف والرجاء يفنى القلب بحب الله تعالى عن حب ما سواه ودعائه والتوكل عليه وسؤاله عما سواه وبطاعته عن طاعة ما سواهحلاه الله بالأمن والسرور والحبور والرحمة للخلق؛ والجهاد في سبيل الله؛ فهو يجاهد ويرحم. له الصبر والرحمة قال الله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البَلَد: ١٧] وكلما قوي التوحيد في قلب العبد قوي إيمانه وطمأنينته وتوكله ويقينه.

стр. 250

والخوف الذي يحصل في قلوب الناس هو الشرك الذي في قلوبهم قال الله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ١٥١]. وكما قال الله ﷻ في قصة الخليل ﵇ ﴿أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ [الأَنْعَام: ٨٠] إلى قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢]. وفي الحديث الصحيح: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلةتعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" (١). فمن كان في قلبه رياسة لمخلوق ففيه من عبوديته بحسب ذلك. فلما خوفوا خليله بما يعبدونه ويشركون به الشرك الأكبر كالعبادة قال الخليل: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأَنْعَام: ٨١] يقول: إن تطيعوا غير الله وتعبدوا غيره وتكلمون في دينه ما لم ينزل به سلطانا: فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ أي تشركون بالله ولا تخافونه وتخوفوني أنا بغير الله فمن ذا الذي يستحق الأمن إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأَنْعَام: ٨٢] أي: هؤلاء الموحدون المخلصون؛ ولهذا قال الإمام أحمد لبعض الناس: لو صححت لم تخف أحدا" (٢).
следующие страницы →