← Акыда

Акыда · id 30148

لماذا التوحيد أولا

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (657 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

- قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "والمسلم الصادق إذا عبد الله بما شرع؛ فتح الله عليه أنوار الهداية في مدة قريبة. فالمهتدون من مشايخ العُبَّاد والزهاد يُوصون باتِّباع العلم المشروع، كما أن أهل الاستقامة من العلم يُوصون بعلمهم؛ الذي يسلكه أهل الاستقامة من العُبَّاد والزهاد. وأمَّا المنحرفون من الطائفتين فيُعْرِضون عن المشروع؛ إمّا من العلم وإمّا من العمل، وهما طريق المغضوب عليهم والضالين" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: "وَقَدْ أَوْعَبَتْ الْأُمَّةُ فِي كُلِّ فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ إيعَابًا فَمَنْ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ هَدَاهُ بِمَا يَبْلُغُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ أَعْمَاهُ لَمْ تَزِدْهُ كَثْرَةُ الْكُتُبِ إلَّا حَيْرَةً وَضَلَالًا" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فتبارك من جعل كلامه شفاء لصدور المؤمنين، وحياة لقلوبهم، ونورا لبصائرهم، وغذاء لقلوبهم، ودواء لسقامهم، وقرة لعيونهم، وفتح به منهم أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا، وأمطر على قلوبهم سحائب ديمه، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، فأشرقت به الوجوه، واستنارت به القلوب، وانقادت به الجوارح إلى طاعته ومحبته، فصبغ القلوب به معرفة وإيمانا، وملأها حكمة وإيقانا، ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ

стр. 597

اللَّهِ صِبْغَة وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٨] " (١). قال الإمام ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفَتْح: ٢٩] "الشيء الكامن في النفس يظهر على صفحات الوجه، فالمؤمن إذا كانت سريرته صحيحةً مع الله أصلح الله ظاهره للنّاس" (٢). - قال الشيخ محمد رشيد رضا (ت: ١٣٥٤ هـ) ﵀: " ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أي صبغنا بما ذكر من ملة إبراهيم صبغة الله وفطرته فطرنا عليها، وهي ما صبغ الله به أنبياءه ورسله والمؤمنين من عباده على سنة الفطرة" (٣). - وقال محمد بن صالح بن عثيمين (ت: ١٤٢١ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾؛ «الصبغة» معناها اللون؛ وقالوا: المراد بـ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ دين الله؛ وسمي «الدين» صبغة لظهور أثره على العامل به؛ فإن المتدين يظهر أثر الدين عليه: يظهر على صفحات وجهه، ويظهر على مسلكه، ويظهر على خشوعه، وعلى سمته، وعلى هيئته كلها؛ فهو بمنزلة الصبغ للثوب يظهر أثره عليه؛ وقيل: سمي صبغة للزومه كلزوم الصبغ للثوب؛ ولا يمنع أن نقول: إنه سمي بذلك للوجهين جميعا: فهو صبغة للزومه؛ وهو صبغة أيضا لظهور أثره على العامل به" (٤).

стр. 598

الاسم التاسع والثلاثون: ومن أسماء التوحيد "حبل الله". قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [ال عِمْرَان: ١٠٣]. - قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: "أي تمسكوا بعهده وهو التوحيد، كما قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مَرْيَم: ٧٨] أي توحيدا وتمسكوا بما ملككم من تأدية فرضه وسنة نبيه، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ١١٢] معناه إلا بعهد من الله ودينه، وإنما سماه حبلا لأنه من تمسك به توصل إلى الأمر الذي يؤمنه" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وقال آخرون: بل ذلك هو إخلاص التوحيد لله" (٢). - قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "أي: تعلقوا بأسباب الله ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ أي: تمسكوا بدين الله. والحبل في اللغة الذي يتوصل به إلى البغية. - قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁: حبل الله الجماعة. - عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "كتاب الله حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض" (٣). وقيل: حبله، عهده وأمره.

стр. 599

وأكثر المفسرين على أنه القرآن. - قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀ حبل الله الإخلاص والتوحيد. - قال ابن زيد (ت: ٢٨٢ هـ) ﵀: حبل الله: الإسلام. - وقال القتبي (وهو ابن قتيبة) (ت: ٢٧٦ هـ) ﵀: "حبل الله: دينه" (١). - قال ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) ﵀: " ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [ال عِمْرَان: ١٠٣]، قيل: حبل الله هو دين الإسلام وقيل: القرآن وقيل: عهده وقيل: طاعته وأمره وقيل جماعة المسلمين؛ وكل هذا حق" (٢). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀ في فضل كلمة التوحيد: "هي الحبل الذي لا يصل إلى الله إلا من يتعلق بسببه" (٣). الاسم الأربعون: ومن أسماء التوحيد "عهد الله". قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]. - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، قال: "العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوّة ولا يرجو إلا الله" (٤).

стр. 600

- قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: " ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: وقال بعضهم: العهد: التَّوْحِيدُ" (١). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم أخبر فقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] فنقضوا العهد الأول، ونقضوا ما أخذ عليهم في التوراة أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يؤمنوا بالنبي ﷺ ، وكفروا بعيسى وبمحمد، ﵉، وآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] يعني ويعملون فيها بالمعاصي، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] في العقوبة، يعني اليهود، ونظيرها في الرعد: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [الرَّعْد: ٢٥] من إيمان بمحمد ﷺ ، ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (٢٥)﴾ [الرَّعْد: ٢٥] " (٢). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "اختلف أهل المعرفة في معنى العهد الذي وصف الله هؤلاء الفاسقين بنقضه، فقال بعضهم: هو وصية الله إلى خلقه، وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه وعلى لسان رسوله ﷺ ، ونقضهم ذلك تركهم العمل به.

стр. 601

وقال آخرون: إنما نزلت هذه الَايات في كفار أهل الكتاب والمنافقين منهم، وإياهم عنى الله جل ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٦] وبقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البَقَرَةِ: ٨] فكل ما في هذه الَايات فعذل لهم وتوبيخ إلى انقضاء قصصهم. قالوا: فعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه: هو ما أخذه الله عليهم في التوراة من العمل بما فيها، واتباع محمد ﷺ إذا بعث، والتصديق به وبما جاء به من عند ربهم. ونقضهم ذلك هو جحودهم به بعد معرفتهم بحقيقته، وإنكارهم ذلك، وكتمانهم علم ذلك عن الناس، بعد إعطائهم الله من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه. فأخبر الله جل ثناؤه أنهم نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلاً. وقال بعضهم: إن الله عنى بهذه الآية جميع أهل الشرك والكفر والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثلها الشاهدة لهم على صدقهم. قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب، مع علمهم أن ما أتوا به حق. وقال آخرون: العهد الذي ذكره الله جل ذكره، هو العهد الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم، الذي وصفه في قوله: وَإذْ أخَذَ رَبّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرّيّتَهُمْ وأشْهَدَهُمْ على أنْفُسِهِمْ الَايتين، ونقضُهم

стр. 602

ذلك، تركهم الوفاء به" (١). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] وهو الميثاق الذي أخذ عليهم في صلب آدم، وتفسيره في سورة الأعراف ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ): "يعني ما أمر الله به من الإيمان بالنبيين كلهم ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] أي يعملون فيها بالشرك والمعاصي ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧] خسروا أنفسهم أن يغنموها فيصيروا في الجنة، فصاروا في النار" (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ [مَرْيَم: ٧٨]، أي: لم يفعل، والعهد: التوحيد؛ في تفسير بعضهم" (٣). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀ في تفسيرها: "يعني: لا إله إلا الله" (٤). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "قال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧]: العهد: هو قول لا إله إلا الله.

стр. 603

وأقول: الذي يدل على صحة هذا القول وجوه: الأول: أن قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾ [مَرْيَم: ٨٧] نكرة في طرف الثبوت، وذلك لا يفيد إلا عهدًا واحدًا، فهذه الآية تدل على أن تلك الشفاعة تحصل بسبب عهد واحد، ثم أجمعنا على أن ما سوى الإيمان فإن الواحد منه، بل مجموعة لا يفيد تلك الشفاعة البتة، فوجب أن يكون العهد الواحد الذي يفيد تلك الشفاعة هو الايمان، وهو قول: لا إله إلا الله. والثاني: أن جماعة من المفسرين قالوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤٠]. هو عهد الإيمان، بدليل أن لفظ العهد مجمل، فلما أعقبه بقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٤١]. علمنا أن المراد من ذلك العهد هو الإيمان، وهو قول " لا إله إلا الله، محمد رسول الله ". والثالث: أن أول ما وقع من العهد قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢]، وذلك في الحقيقة هو قول لا إله إلا الله، فكأن لفظ العهد محمولًا عليه. والرابع: أنه تعالى قال: ﴿* إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ﴾ [التَّوْبَة: ١١١] فكأن العهد من جانبك عهد الإقرار بالعبودية، ومن جانب الحق عهد الكرم والربوبية، فثبت بهذه الوجوه: أن المراد من قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَم: ٨٧]. هو قول: لا إله إلا الله.

стр. 604

الخامس: قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ [البَقَرَةِ: ٨٠]. أي قلتم لا إله إلا الله" (١). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: "وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والقيام بحقها" (٢). - قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مَرْيَم: ٨٧] المراد توحيد الله والإيمان به" (٣). قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٧]. - قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: "واختلفوا في تفسير العهد على أقوال: أحدها: أنه وصية الله إلى خلقه، وأمره لهم بطاعته، ونهيه لهم عن معصيته في كتبه المنزلة وعلى ألسنة أنبيائه المرسلة، ونقضهم له تركهم العمل به. الثاني: أنه العهد الذي أخذه الله عليهم حين أخرجهم من أصلاب آبائهم في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ﴾ [الأَعْرَاف: ١٧٢] الآية، ونقضهم له كفر، بعضهم بربوبيته، وبعضهم بحقوق نعمته.

стр. 605

الثالث: ما أخذه الله عليهم في الكتب المنزلة من الإقرار بتوحيده والاعتراف بنعمه والتصديق لأنبيائه ورسله، وبما جاؤوا به في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [ال عِمْرَان: ١٨٧]، ونقضهم له نبذه وراء ظهورهم، وتبديل ما في كتبهم من وصفه ﷺ . الرابع: ما أخذه الله تعالى على الأنبياء ومتبعيهم أن لا يكفروا بالله ولا بالنبي ﷺ ، وأن ينصروه ويعظموه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٨١] الآية، ونقضهم له إنكارهم لنبوته وتغييرهم لصفته. الخامس: إيمانهم به ﷺ ورسالته قبل بعثه ونقضهم له جحدهم لنبوته ولصفته. السادس: ما جعله في عقولهم من الحجة على توحيده وتصديق رسوله، بالنظر في المعجزات الدالة على إعجاز القرآن وصدقه ونبوة محمد ﷺ ، ونقضهم هو تركهم النظر في ذلك وتقليدهم لآبائهم. السابع: الأمانة المعروضة على السموات والأرض التي حملها الإنسان، ونقضهم تركهم القيام بحقوقها. الثامن: ما أخذه عليهم من أن لا يسفكوا دماءهم ولا يخرجوا أنفسهم من ديارهم، ونقضهم عودهم إلى ما نهوا عنه، وهذا القول يدل على أن المخاطب بذلك بنو إسرائيل.

стр. 606

التاسع: هو الإيمان والتزام الشرائع، ونقضه كفره بعد الإيمان. وهذه الأقوال التسعة منها ما يدل على العموم في كل ناقض للعهد، ومنها ما يدل على أن المخاطب قوم مخصوصون، وهذا الاختلاف مبني على الاختلاف الذي وقع في سبب النزول، والعموم هو الظاهر. فكل من نقض عهد الله من مسلم وكافر ومنافق أو مشرك أو كتابي تناوله هذا الذم، ومن متعلقة بقوله ينقضون، وهي لابتداء الغاية، ويدل على أن النقض حصل عقيب توثق العهد من غير فصل بينهما، وفي ذلك دليل على عدم اكتراثهم بالعهد، فإثر ما استوثق الله منهم نقضوه" (١). الاسم الواحد والأربعون: ومن أسماء التوحيد "أمر الله". قال تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ [التَّوْبَة: ٤٨]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنى الكفر في غزوة تبوك، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ ظهرا لبطن كيف يصنعون، ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾، يعنى الإسلام، ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ يعنى دين الإسلام، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ للإسلام" (٢).

стр. 607

- قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "وَظَهَرَ أمْرُ اللّهِ يقول: وظهر دين الله الذي أمر به وافترضه على خلقه وهو الإسلام" (١). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ يعني: الشرك ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن تهاجروا ﴿حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ﴾ القرآن ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: ٤٨] الإسلام ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ لظهوره" (٢). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي المتصف بجميع صفات الكمال من الجلال والجمال حتى لا مطمع لهم في ستره ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ (٤٨)﴾ أي لجميع ذلك" (٣). الاسم الثاني والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الحسنة". قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾ [النَّمْل: ٨٩]. - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄، في قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ قال: من جاء بلا إله إلا الله، ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النَّمْل: ٩٠] قال: بالشرك" (٤). - قال زين العابدين علي بن الحسين (ت: ٩٥ هـ) ﵀: "هي لا إله

стр. 608

إلا الله" (١). - عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النَّمْل: ٨٩]، قال: "لا إله إلا الله" (٢). - عن إبراهيم بن يزيد النخعي (ت: ٩٦ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النَّمْل: ٨٩] قال: لا إلهَ إلاّ الله" (٣). - عن الشعبي (ت: ١٠٣ هـ) ﵀؛ قال: كان حذيفة ﵁، جالسا في مسجد الكوفة فيحلقة، فقال: ما تقولون في هذه الآية: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩) وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النَّمْل: ٨٩ - ٩٠]؟ فقالوا: نعم يا حذيفة، من جاء بالحسنة ضعفت له عشر أمثالها. فأخذ كفا من حصى فضرب بها الأرض، وقال: تبا لكم وكان حديدا (أي فيه حدة) وقال: من جاء بـ "لا إله إلا الله" وجبت له الجنة، ومن جاء بالشرك وجبت له النار" (٤). - عن مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [النَّمْل: ٨٩]، قال: "كلمة الإخلاص لا إله إلا الله" (٥).

стр. 609

- عن عكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀، قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: شهادة أن لا إله إلا الله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: السيئة: الشرك" (١). - عن عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀؛ في قوله ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: لا إله إلا الله، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾؛ قال: الشرك" (٢). - عن قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الإخلاص، ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ قال: الشرك" (٣). قَالَ قتادة بن دعامة السدوسي (ت: ١١٨ هـ) ﵀: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾، يَعْنِي: التَّوْحِيدَ" (٤).

стр. 610

- قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ في الآخرة يعنى بلا إله إلا الله" (١). - قال يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة، التيمي (ت: ٢٠٠ هـ) ﵀: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾: "لا إله إلا الله مخلصا بها قلبه" (٢). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: مَنْ جَاءَ الله بتوحيده والإيمان به، وقول لا إله إلا الله موقنا به قلبه، فَلَهُ من هذه الحسنة عند الله خَيرٌ يوم القيامة، وذلك الخير أن يثيبه الله مِنْهَا الجنة، ويؤمّنه مِنْ فَزَعِ الصيحة الكبرى وهي النفخ في الصور. ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يقول: ومن جاء بالشرك به يوم يلقاه، وجحود وحدانيته فَكُبّتْ وُجُوهُهُمْ في نار جهنم" (٣). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ بـ "لا إله إلا الله" (٤). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ بكلمة الإخلاص، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ولا يستثني: أن الحسنة لا إله إلا الله. وقال قتادة بن دعامة

стр. 611

السدوسي (ت: ١١٨ هـ): بالإخلاص" (١). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "قال ابن مسعود (ت: ٣٢ هـ) ﵁، ومجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، والقاسم بن أبي بزة (ت: ١٢٤ هـ) ﵀، وغيرهم: «الحسنة» لا إله إلا الله «والسيئة» الكفر" (٢). قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ أي: بالإيمان والتوحيد، وكلمة الإخلاص، وشهادة أن لا إله إلا الله" (٣). قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأَنْعَام: ١٦٠]. قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ [فُصِّلَت: ٣٤]. - قال منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد المروزى السمعاني التميمي الحنفي ثم الشافعي (ت ٤٨٩ هـ) ﵀: "وأما الحسنة والسيئة ففيهما أقوال: أحدها: أنهما التوحيد والشرك" (٤).

стр. 612

الاسم الثالث والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الحسنى". قال تعالى: ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ [اللَّيْل: ٦]. - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: " ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾: يقول: صدّق بلا إله إلاّ الله" (١). - عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: " ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾: بلا إله إلاّ الله" (٢). - عن أبي حصين (ت: ١٢٧ هـ) ﵀، عن أبي عبد الرحمن ﵀ (ت: ١٢٨ هـ) ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال: بلا إله إلاّ الله" (٣). - قال سهل التستري (ت: ٢٨٣ هـ) ﵀: " ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾، كلمة التوحيد" (٤). - قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: " ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ فيه سبعة تأويلات: أحدها: بتوحيد الله، وهو قول لا إله إلا الله، قاله الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ).

стр. 613

الثاني: بموعود الله، قاله قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀. الثالث: بالجنة، قاله مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀. الرابع: بالثواب، قاله خصيف (ت: ١٣٨ هـ) ﵀. الخامس: بالصلاة والزكاة والصوم، قاله زيد بن أسلم (ت: ١٣٦ هـ) ﵀. السادس: بما أنعم الله عليه، قاله عطاء بن أبي رباح (ت: ١١٤ هـ) ﵀. السابع: بالخلف من عطائ، قاله الحسن (ت: ١١٠ هـ) ﵀، ومعاني أكثرها متقاربة" (١). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال أبو عبد الرحمن (ت: ١٢٨ هـ) ﵀، والضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: "وصدق بلا إله إلا الله، وهي رواية عطية عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) " (٢). - قال برهان الدين البقاعي (ت: ٨٨٥ هـ) ﵀: " ﴿وَصَدَّقَ﴾ أي أوقع التصديق للمخبر ﴿بِالْحُسْنَى﴾ أي وهي كلمة العدل التي هي أحسن الكلام من التوحيد وما يتفرع عنه من الوعود الصادقة بالآخرة والإخلاف في النفقة في الدنيا وإظهار الدين وإن قل أهله على الدين كله، وغير ذلك من كل ما وعد به الرسول ﷺ " (٣).

стр. 614

- قال السيوطى (ت: ٩١١ هـ) ﵀: "وأخرج الفريابي (ت: ٢١٢ هـ) ﵀، وعبد بن حميد (ت: ٢٤٩ هـ) ﵀، وابن جرير (ت: ٣١٠ هـ) ﵀، وابن المنذر (ت: ٣١٨ هـ) ﵀، وابن أبي حاتم (ت: ٣٢٧ هـ) ﵀، عن أبي عبد الرحمن السلمي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀ ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦)﴾ قال: بلا إله إلا الله" (١). الاسم الرابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الأحسن". قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزُّمَر: ١٨]. - قال ابن زيد (ت: ١٨٢ هـ) ﵀، في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزُّمَر: ١٧] … الَايتين، حدثني أبي أن هاتين الَايتين نزلتا في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي (ت: ٣٣ هـ) ﵁، نزل فيهم: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزُّمَر: ١٧] في جاهليتهم ﴿أَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَر: ١٧ - ١٨] لا إله إلا الله" (٢). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: "نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون: لا إله إلا الله: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر الغفاري (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁، وسلمان الفارسي ﵁ (ت: ٣٣ هـ).

стр. 615

والأحسن: قول لا إله إلا الله" (١). - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "أحسن القول على من جعل الآية فيمن وحد الله قبل الإسلام "لا إله إلا الله" (٢). - قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزُّمَر: ١٨] فهذا في أبواب الاعتقادات" (٣). الاسم الخامس والأربعون: ومن أسماء التوحيد "العروة الوثقى". قال تعالى: ﴿* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ [لُقْمَان: ٢٢]. - عن عبد الله بن سلام (ت: ٤٣ هـ) ﵁ قال: "رأيت كأني في روضة، وسط الروضة عمود، في أعلى العمود عروة، فقيل لي: ارقه، قلت: لا أستطيع، فأتاني وصيف فرفع ثيابي فرقيت، فاستمسكت بالعروة، فانتبهت وأنا مستمسك بها، فقصصتها على النبي ﷺ فقال: «تلك الروضة روضة الإسلام، وذلك العمود عمود الإسلام، وتلك العروة عروة الوثقى، لا تزال مستمسكا

стр. 616

بالإسلام حتى تموت» (١). - عن ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: ﴿* وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢)﴾ قال: لا إله إلا الله" (٢). - عن سعيد بن جبير (ت: ٩٥ هـ) ﵀: العروة: لا إله إلا الله" (٣). عن الضحاك بن مزاحم (ت: ١٠٢ هـ) ﵀: العروة: لا إله إلا الله" (٤). - قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: "في قوله ﴿بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال: الإيمان" (٥). - قال السدي (ت: ١٢٨ هـ) ﵀: "العروة الوثقى: هو الإسلام" (٦). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿مَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ﴾ يعني: وجهته في الدين ﴿إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ لا إله

стр. 617

إلا الله" (١). - قال الكرماني (ت: ٧٨٦ هـ) ﵀: "قال الكرماني يحتمل أن يراد بالعروة الوثقى الإيمان" (٢). - قال عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت: ١٢٨٥ هـ) ﵀: "والعروة الوثقى هي: "لا إله إلا الله" (٣). الاسم السادس والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الدعوة التامة". - عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، أن رسول الله ﷺ ، قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٤). - قال ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ﵀: "الدعوة التامة المراد بها: دعوة التوحيد، كقولة: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرَّعْد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الشركة نقص، وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا الله" (٥).

стр. 618

الاسم السابع والأربعون: ومن أسماء التوحيد "دعوة الله". قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غَافِر: ١٢]. - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: " ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ﴾ يعني إذا ذكر الله ﴿وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ به يعني بالتوحيد ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يعني وإن يعدل به تصدقوا" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾، فأنكرتم أن تكون الألوهة له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] " (٢). - قال أبو إسحاق أحمد الثعلبي (ت: ٤٢٧ هـ) ﵀: " ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ [غَافِر: ١٢] في الدُّنيا كفرتم به وأنكرتم أن لا تكون الإلهية له خالصة، وقلتم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ [غَافِر: ١٢] غيره. ﴿تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا ذلك المشرك" (٣). - قال علي بن محمد الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) ﵀: "قوله : ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غَافِر: ١٢] أي كفرتم بتوحيد الله" (٤).

стр. 619

- قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ) ﵀: " ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ نكرتم وحدانيته ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ تصدقوا ذلك الشرك" (١). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وقوله: ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ معناه: بحالة توحيد ونفي لما سواه من الآلهة والأنداد. وقوله: ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ [غَافِر: ١٢] أي إذا ذكرت اللات والعزى وغيرهما صدقتم واستقرت نفوسكم" (٢). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي: إذا قيل: لا إله إلا الله أنكرتم، وقلتم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾، ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره ﴿تُؤْمِنُوا﴾ = تصدقوا ذلك الشرك" (٣). - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: " ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ﴾ [غَافِر: ١٢] أي وحد الله ﴿وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غَافِر: ١٢] وأنكرتم أن تكون الألوهية له خاصة، وإن أشرك به مشرك صدقتموه وآمنتم بقوله" (٤). - قال البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ﵀: " ﴿ذَلِكُمْ﴾ الذي أنتم فيه. ﴿بِأَنَّهُ﴾ بسبب أنه ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾ متحدا أو توحد وحده فحذف الفعل وأقيم

стр. 620

مقامه في الحالية. ﴿كَفَرْتُمْ﴾ التوحيد. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك. ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ﴾ المستحق للعبادة حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد الدائم. ﴿الْعَلِيِّ﴾ عن أن يشرك به ويسوى بغيره. ﴿الْكَبِيرِ﴾ حيث حكم على من أشرك وسوى به بعض مخلوقاته في استحقاق العبادة بالعذاب السرمد" (١). - قال عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي (ت: ٧١٠ هـ) ﵀: "قوله ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غَافِر: ١٢] أي ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط بسبب كفركم بتوحيد الله وإيمانكم بالإشراك به" (٢). - قال علي بن محمد بن إبراهيم الشيحي المعروف بالخازن (ت: ٧٤١ هـ) ﵀: " ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ معناه فأجيبوا أن لا سبيل إلى الخروج وهذا العذاب والخلود في النار بأنكم إذا دعى الله وحده كفرتم يعني إذا قيل لا إله إلا الله أنكرتم ذلك؛ ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ أي غيره ﴿تُؤْمِنُوا﴾ أي تصدقوا ذلك الشرك" (٣). - قال أبو حيان الأندلسي (ت: ٧٤٥ هـ) ﵀: " ﴿إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ﴾: أي إذا أفرد بالإلهية ونفيت عن سواه، ﴿كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾: أي ذكرت اللات والعزى وأمثالهما من الأصنام، صدقتم بألوهيتها وسكنت نفوسكم إليها" (٤).

стр. 621

- قال علي بن يحيى السمرقندي (ت: ٨٨٠ هـ تقريبًا) ﵀: " ﴿بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ يعني: إذا قيل لكم لا إله إلا الله جحدتم، وأقمتم على الكفر، ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ يعني: إذا دعيتم إلى الشرك، وعبادة الأوثان، تصدقوا" (١). - قال أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني (ت: ٨٨٠ هـ) ﵀: "قوله ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب والخلود من النار وأن لا سبيل لكم إلى خروج قط إنما وقع بسبب كفرهم بتوحيد الله، أي إذا قيل لا إله إلا الله كفرتم وقلتمْ ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: ٥] ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ [غَافِر: ١٢] أي تصدقوا ذلك الشرك" (٢). - قال محمد بن علي الشوكاني (ت: ١٢٥٥ هـ) ﵀: " ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾ [غَافِر: ١٢] أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده. ﴿وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ﴾ غيره من الأصنام أو غيرها ﴿تُؤْمِنُوا﴾ بالإشراك به، وتجيبوا الدّاعي إليه، فبيّن سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدّعاء" (٣).

стр. 622

الاسم الثامن والأربعون: ومن أسماء التوحيد "الكلمة السواء". قال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤]. - قال أبو العالية (ت: ٩٣ هـ) ﵀: "الكلمة السواء"، لا إله إلا الله" (١). - قال مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀: " ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾، كلمة التوحيد: لا إله إلا الله" (٢). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: " ﴿تَعَالَوْا﴾ هلمّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ يعني إلى كلمة عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ والكلمة العدل: هي أن نوحد الله فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه فلا نشرك به شيئا. وقوله: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله، ويعظمه بالسجود له، كما يسجد لربه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: اشهدوا بأنا مسلمون" (٣). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ

стр. 623

تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ أي: عدل ﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ يعني: لا إله إلا الله" (١). - قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قوله: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾. الكلمة ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وما بعده. وقيل: ﴿كَلِمَةٍ﴾ لا إله إلا الله. و ﴿سَوَاءٍ﴾: النَصَفَة والعدل والقصد" (٢). - قال الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٦ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ والعرب تسمي كل قصة لها شرح كلمة، ومنه سميت القصيدة كلمة (سواء) عدل بيننا وبينكم مستوية، أي أمر مستو يقال: دعا فلان إلى السواء، أي إلى النصفة، وسواء كل شيء وسطه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥)﴾ [الصَّافَّات: ٥٥] وإنما قيل للنصفة سواء لأن أعدل الأمور وأفضلها أوسطها سواء نعت لكلمة إلا أنه مصدر، والمصدر لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، فإذا فتحت السين مددت، وإذا كسرت أو ضممت قصرت، كقوله تعالى ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ [طه: ٥٨] ثم فسر الكلمة فقال: قوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] ومحل (أن) رفع على إضمار هي، وقال الزجاج: رفع بالابتداء، وقيل: محله نصب بنزع حرف الصلة، معناه بأن لا نعبد إلا الله، وقيل: محله خفض بدلاً من الكلمة، أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله. قوله تعالى: ﴿وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] كما فعلت اليهود والنصارى، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ

стр. 624

وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التَّوْبَة: ٣١] وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): هو سجود بعضهم لبعض، أي لا نسجد لغير الله، وقيل معناه: لا نطيع أحدا في معصية الله. قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي فقولوا أنتم يا أمة محمد ﷺ لهم اشهدوا. قوله تعالى: ﴿بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] مخلصون بالتوحيد" (١). - قال القرطبي (ت: ٦٧١ هـ) ﵀: "فالمعنى أجيبوا إلى ما دعيتم إليه، وهو الكلمة العادلة المستقيمة التي ليس فيها ميل عن الحق. وقد فسرها بقوله تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] " (٢). - قال ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) ﵀: " ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. ثم وصفها بقوله: ﴿سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي: عدل ونصف، نستوي نحن وأنتم فيها. ثم فسرها بقوله: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ لا وَثَنا، ولا صنما، ولا صليبا ولا طاغوتا، ولا نارًا، ولا شيئًا بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له. وهذه دعوة جميع الرسل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ [الأَنبِيَاء: ٢٥]. وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ

стр. 625

رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النَّحْل: ٣٦]. ثم قال: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] وقال ابن جُرَيْج (ت: ١٥٠ هـ): يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة (ت: ١٠٥ هـ): يعني: يسجد بعضنا لبعض. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾ [ال عِمْرَان: ٦٤] أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم" (١). - قال عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي (ت: ١٣٧٦ هـ) ﵀: "هذه الآية الكريمة كان النبي ﷺ يكتب بها إلى ملوك أهل الكتاب، وكان يقرأ أحيانًا في الركعة الأولى من سُنَّة الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البَقَرَةِ: ١٣٦] الآية، ويقرأ بها في الرَّكعة الآخرة من سنَّة الصبح؛ لاشتمالها على الدعوة إلى دين واحد قد اتَّفق عليه الأنبياء والمرسلون، واحتوت على توحيد الإلهية المبنيِّ على عبادة الله وحده لا شريك له، وأن يعتقد أن البشر وجميع الخلق كلهم في طور البشرية لا يستحقُّ منهم أحدٌ شيئًا من خصائص الرُّبوبية ولا من نعوت الإلهية، فإن انقاد أهل الكتاب وغيرهم إلى هذا فقد اهتدوا" (٢).

стр. 626

الاسم التاسع والأربعون: ومن أسماء التوحيد "كلمة النجاة". قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النِّسَاء: ٤٨]. - عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁: "إن هذه الآية أرجى آية في القرآن قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] " (١). - عن علي بن أبي طالب (ت: ٤٠ هـ) ﵁ قال "ما في القرآن آية أحب إلي من هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] " (٢). - عن ابن عمر (ت: ٧٣ هـ) ﵄: "كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ لا نشك في قاتل المؤمن، وأكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، يعني في الشهادة له بالنار حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨] فأمسكنا عن الشهادة" (٣).

стр. 627

- عن مجاهد (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، "أن الاستثناء لأهل التوحيد" (١). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، فيموت عليه، يعني اليهود، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ الشرك ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ لمن مات موحدا، فمشيئته ﵎ لأهل التوحيد، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ﴾ معه غيره، ﴿فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾، يقول: فقد قال ذنبا عظيمًا " (٢). قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ﴾ [غَافِر: ٤١]. - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ﴾: إلى الإيمان بالله ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ [غَافِر: ٤١]: إلى الكفر الذي يدخل به صاحبه النار" (٣). - عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵁، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموجبتين: فقال: "من مات لا يشرك بالله شيئادخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار" (٤). - قال محمد بن يعقوب الفيروزأبادي (ت: ٨١٧ هـ) ﵀: "والكلمة الموجبة: لا إله إلا الله" (٥). - عن أبي هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «مَنْ

стр. 628

قال: لا إلهَ إلا اللهُ؛ نَفَعتْه يومًا من دهرِه، يُصيبُه قبلَ ذلكَ ما أصابَه» (١). - قال فخر الدين الرازي (ت: ٦٠٦ هـ) ﵀: "الاسم الرابع عشر: كلمة النجاة، والذي يدل عليه القرآن والحديث والعقول: أما القرآن فمن وجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النِّسَاء: ٤٨]. فهذه الآية صريحة في أن النجاة لا تحصل بدون الإيمان بلا إله إلا الله، وتحصل مع الايمان بلا إله إلا الله. والثاني: قوله تعالى: ﴿* وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (٤١)﴾ [غَافِر: ٤١]. النجاة قول لا إله إلا الله. وأما الأخبار فيدل عليه الأخبار التي ذكرناها في الفصل الثاني، ونزيد ههنا أخبارًا أخرى. أحدها: ما روى جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الموحدين فقال: «مَنْ لقيَ الله لا يشركُ به شيئًا دخلَ الجنّة، ومَنْ لقيَ الله يُشركُ به شيئًا دخل النار» (٢). وثانيها: عن أبي سعيد الخدري (ت: ٧٤ هـ) ﵁، قال: قال ﷺ :

стр. 629

«لقَنوا موتاكُم لا إله إلا الله» (١). وثالثها: عن جابر بن عبد الله (ت: ٧٨ هـ) ﵄، قال: سمعت عمر بن الخطاب (ت: ٢٣ هـ) ﵁ يقول لطلحة بن عبيد الله ﵁: ما لي أراك قد شعثت واغبررت منذ توفي رسول الله ﷺ لعلك ساءك يا طلحة إمارة ابن عمك قال: معاذ الله إني لأحذركم أن لا أفعل ذلك إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: إني لأعلم كلمة لا يقولها أحد عند حضرة الموت إلا وجد روحه لها روحا حين تخرج من جسده وكانت له نورا يوم القيامة فلم أسأل رسول الله ﷺ عنها ولم يخبرني بها فذلك الذي دخلني قال عمر ﵁: فأنا أعلمها قال: فلله الحمد فما هي قال: هي الكلمة التي قالها لعمه لا إله إلا الله قال طلحة: صدقت رابعها" (٢). وروى أبو أمامة ﵁ (ت: ٨١ هـ أو ٨٦ هـ)، قال: بعث رسول الله ﷺ أبا بكر ينادي في الناس: «مَنْ شَهد أنْ لا إله إلا الله وجبت له الجنة» (٣). وخامسها: قال معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁ حين حضرته الوفاة: "اكشفوا عني سجف القبة أحدثكم حديثا سمعته من رسول الله ﷺ وقال

стр. 630

مرة: أخبركم بشيء سمعته من رسول الله ﷺ لم يمنعني أن أحدثكموه إلا أن تتكلوا، سمعته يقول: «من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا من قلبه أو يقينا من قلبه لم يدخل النار أو دخل الجنة وقال مرة: دخل الجنة، ولم تمسه النار» (١). وسادسها: عن عبد الله بن أبي قتادة ﵀ (ت: ٩٥ هـ)، عن أبيه ﵁ (ت: ٥٤ هـ) قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يجري بها لسانه، ويطمئن بها قلبه، حُرّمت عليه النار» (٢). وسابعها: روى أبو هريرة (ت: ٥٨ هـ) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر (ت: ٣٠ أو ٣١ هـ) ﵁: «ناد في الناس: من شهد أن لا إله إلا الله وجبت له الجنة». قال أبو ذر: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق» - حتى قالها ثلاث مرات فقال الثالثة: «وإن زنا وإن سرق على رغم أنف أبي ذر». وثامنها: روى معاذ بن جبل (ت: ١٨ هـ) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله، وفاضت نفسه بعده، دخل الجنة» " (٣). - قال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "وإنما ضمنت النجاة لمن حكم هدى الله تعالى على غيره، وتزود التقوى، وأتم بالدليل وسلك الصراط المستقيم، واستمسك من التوحيد واتباع الرسول ﷺ بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم" (٤).

стр. 631

الاسم الخمسون: ومن أسماء التوحيد "كلمة الاستقامة". قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ال عِمْرَان: ٥١]. قال تعالى: ﴿* أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] سئل أبو بكر الصديق (ت: ١٣ هـ) ﵁ عن الاستقامة فقال: "أن لا تشرك بالله شيئاً" (١). - قرأت عند أبي بكر الصدّيق (ت: ١٣ هـ) ﵁ هذه الَاية: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] قال: "هم الذين لم يشركوا بالله شيئًا" (٢). - عن أبي بكر (ت: ١٣ هـ) ﵁ أنه قال لأصحابه إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ ثُمّ اسْتَقامُوا قال: قالوا: ربنا الله ثم عملوا بها، قال: "لقد حملتموها على غير المحمل ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] الذين لم يعدلوها بشرك ولا غيره" (٣).

стр. 632

- فسر أبو بكر ﵁ الاستقامة في قوله تعالى: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠]، بأنهم لم يلتفتوا إلى غيره" (١). - قال عثمان بن عفان (ت: ٣٥ هـ) ﵁: "استقاموا: أخلصوا العمل لله" (٢). - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] وحّدوا الله تعالى" (٣). - قال ابن عباس (ت: ٦٨ هـ) ﵄: "قوله : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فُصِّلَت: ٣٠] على شهادة لا إله إلا الله" (٤). - قال الربيع (ت: قبل ٦٥ هـ) ﵀: "اعرضوا عما سوى الله" (٥). - قال مجاهد بن جبر (ت: ١٠٤ هـ) ﵀، وعكرمة (ت: ١٠٥ هـ) ﵀: "استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى لحقوا بالله" (٦). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "ثم أخبر عن المؤمنين،

стр. 633

فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فعرفوه، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على المعرفة، ولم يرتدوا عنها" (١). - قال محمد بن جرير الطبري (ت: ٣١٠ هـ) ﵀: "يقول تعالى ذكره: إنّ الّذِينَ قالُوا رَبّنا اللّهُ وحده لا شريك له، وبرئوا من الَالهة والأنداد، ثُمّ اسْتَقامُوا على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى" (٢). - قال ابن أبي زمنين (ت: ٣٩٩ هـ) ﵀: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ مخلصين له ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ عليها" (٣). - قال مكي بن أبي طالب (ت: ٤٣٧ هـ) ﵀: "قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ إن الذين وحدوا الله وعلموا أنه لا رب لهم غيره، ثم استقاموا على التوحيد والطاعة إلى الوفاة" (٤). - قال الواحدي (ت: ٤٦٨ هـ): ﵀ " ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ أي وحدوه ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على التوحيد فلم يشركوا به شيئًا" (٥). - قال ابن عطية الأندلسي (ت: ٥٤٢ هـ) ﵀: "وذهب أبو بكر الصديق ﵁

стр. 634

(ت: ١٣ هـ) وجماعة معه إلى أن المعنى ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على قولهم: ﴿رَبُّنَا اللَّهُ﴾، فلم يختل توحيدهم ولا اضطرب إيمانهم. وروى أنس بن مالك (ت: ٩٠ هـ) ﵁ أن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية وقال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام. المعنى فهو في أول درجات الاستقامة من الخلود، فهذا كقوله ﵇: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة» (١)، وهذا هو المعتقد إن شاء الله، وذلك أن العصاة من أمة محمد ﵇ وغيرها فرقتان: فأما من قضى الله بالمغفرة له وترك تعذيبه، فلا محالة ممن تنزل عليه الملائكة بالبشارة، وهو إنما استقام على توحيده فقط، وأما من قضى الله بتعذيبه مرة ثم بإدخاله الجنة، فلا محالة أنه يلقى جميع ذلك عند موته ويعلمه، وليس يصح أن يكون حاله كحالة الكافر اليائس من رحمة الله، وإذ قد كان هذا فقد حصلت له بشارة بأن لا يخاف الخلود ولا يحزن منه وبأنه يصير آخراً إلى الخلود في الجنة، وهل العصاة المؤمنون إلا تحت الوعد بالجنة، فهم داخلون فيمن يقال لهم: ﴿أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ ومع هذا كله فلا يختلف أن الموحد المستقيم على الطاعة أتم حالاً وأكمل بشارة، وهو مقصد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وعلى نحو ذلك قال سفيان: ﴿اسْتَقَامُوا﴾، عملوا بنحو ما قالوا، وقال الربيع: أعرضوا عما سوى الله. وقال الفضيل: زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية، وبالجملة فكلما كان المرء أشد استعداداً كان أسرع فوزاً بفضل الله تعالى" (٢).

стр. 635

- قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "والصديق ﵁ استقى هذا المعنى من آيتين في كتاب الله تعالى .. الآية الأولى: قول الله عن عيسى ﵇ لقومه: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [ال عِمْرَان: ٥١]. والثانية: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ [يس: ٦٠ - ٦١] " (١). قال الإمام ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) ﵀: "فمن أعرض عن الله بالكلية؛ أعرض الله عنه بالكلية، ومن أعرض الله عنه؛ لزمه الشقاء والبؤس" (٢). الاسم الواحد والخمسون: ومن أسماء التوحيد "العمل الصالح". قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ﴾ [فَاطِر: ١٠]. - قال قتادة (ت: ١١٨ هـ) ﵀، " ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فَاطِر: ١٠] التوحيد؛ لا يرتفع العمل إلا بالتوحيد" (٣). - قال مقاتل بن سليمان (ت: ١٥٠ هـ) ﵀: "قوله تعالى: ﴿وَالْعَمَلُ
следующие страницы →