← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية كلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل جمعًا ودراسة رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في القرآن وعلومه إعداد عبد الرحمن بن أحمد بن محمد الحسن إشراف الدكتور/ تركي بن سعد بن فهيد الهويمل الأستاذ المشارك بقسم القرآن وعلومه العام الجامعي ١٤٤٤ هـ

стр. 2

المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد … فإن من أعظم نعم الله -تعالى- على البشرية أن أنزل عليهم كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، جعله الله معجزة خالدة إلى قيام الساعة، من عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن ابتغى الهدى بغيره أضله الله، فكم من قتيل لإبليس قد أحياه القرآن، وكم من ضال تائه قد هُدِيَ بالقرآن، وصفه الله بأنه نورٌ وهدى ورحمة، وفرقانٌ بين الحق والباطل، يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، أعز الله به من والاه واتبعه، وخذل به من عاداه وأعرض عنه. وأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، فهم أئمة الهدى ومصابيح الدجى، يُحيون بكتاب الله الموتى ويُبَصِّرون به أهل العمى، أعرضوا عن الدنيا الفانية، وأقبلوا على الآخرة الباقية، فهم تارة يعتنون بقراءة القرآن وتارة بالتدبر فيه وتارة بتفسيره وتبصير الناس به، فجزاهم الله عن الناس خير الجزاء، وبارك في حيهم، ورحم من مات منهم. وكان ممن اعتنى بتفسير كتاب الله- تعالى- جمال الدين القاسمي (ت: ١٣٣٢ هـ) الذي ألف كتاب: محاسن التأويل، الذي تميز بإيراد المأثور في التفسير من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين، واعتنى في تفسيره ببيان قضايا علوم القرآن والقراءات والنحو والبلاغة والأحكام الفقهية والمسائل العقدية وغيرها من القضايا التي تجلي الآية القرآنية. ولا يخفى على الباحث ولا على المتعلم أهمية دراسة أقوال العلماء السابقين وتعقباتهم على من سبقهم من الأعلام والمفسرين لما فيها من قيمة علمية، ولما في تحرير هذه التعقبات من طريق يوصل إلى معرفة الحق من الباطل، والصحيح من الضعيف في تفسير القرآن، ولما فيها من بيان لقدر أهل العلم وما آتاهم الله -تعالى- من بصيرة، تؤهلهم للنقد والتعقيب على من سبقهم.

стр. 3

ومن هنا وقع اختياري على جمع ودراسة المواضع التي تعقب بها جمال الدين القاسمي من سبقه من الأعلام والمفسرين ليكون موضوع رسالتي في مرحلة الدكتوراه بعنوان "تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل جمعًا ودراسة"، فأسأل الله -تعالى- أن يُعينني على هذا العمل، وأن يكون فيه النفع الكبير للناس عامة ولأهل العلم ممن اعتنى بعلم التفسير وعلوم القرآن خاصة، إنه جواد كريم وبالإجابة جدير. * * *

стр. 4

* أهمية الموضوع وأسباب اختياره: تتجلى أهمية الموضوع وأسباب اختياره في الآتي: أولاً: قيمة الكتاب العلمية وقيمة مؤلفه. ثانيًا: جودة أسلوب المؤلف، فكتابه يتميز بسهولة العبارة، وحسن الترتيب، وكثرة النقولات عن المتقدمين والمتأخرين. ثالثًا: أن المتَعقب عليهم بعضهم من الأعلام المشهورين، وبيان أخطائهم إن كانوا مخطئين من رحمة الله بهم كي لا يسير الناس عليها. رابعًا: عدم وجود دراسة تتبعت تعقبات القاسمي على من سبقه من الأعلام والمفسرين بحسب ما وقفت عليه. * أهداف البحث: ١ - جمع تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه: "محاسن التأويل" ودراستها. ٢ - ابراز منهج جمال الدين القاسمي على من سبقه. ٣ - بيان القيمة العلمية لتعقبات القاسمي على من سبقه. * حدود البحث: يقوم هذا البحث على جمع ودراسة تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه: "محاسن التأويل" من أول تفسير القرآن إلى آخره، وقد وقفت له على ما يقارب (٢٠٠) موضعًا من تعقباته في التفسير على من سبقه. * الدراسات السابقة: بعد التتبع والنظر في الكتب والمؤلفات والبحوث والرسائل الجامعية، لم يجد الباحث- في حدود اطلاعه- من قام بتتبع وجمع تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه بدراسة وافية تجمع الأدلة وتناقشها وتحرر الأقوال وتنسبها إلى أصحابها، وإنما تمثلت الدراسات

стр. 5

السابقة فيما يلي: ١ - الدلالات الدعوية لعلاقة الداعية بالمدعو في تفسير محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي، وهي رسالة ماجستير للباحث سعيد بن محمد العيسى، جامعة الإمام محمد بن سعود (الرياض). ٢ - جهود القاسمي البلاغية في تفسيره المسمى محاسن التأويل، وهي رسالة ماجستير للباحث عبد الوهاب حسين الجبوري، جامعة تكريت. ٣ - العلامة القاسمي وما في تفسيره من إشارات علمية: دراسة مقارنة، وهي رسالة ماجستير للباحث محمد محمد حسانين، جامعة الأزهر (المنصورة) ٤ - أصول التفسير عند جمال الدين القاسمي من خلال محاسن التأويل، للباحث محمد مغربي، جامعة الجزائر. ٥ - القاسمي ومنهجه في تفسيره محاسن التأويل، وهي رسالة ماجستير للباحث ابراهيم بن علي الحسن، جامعة الإمام محمد بن سعود (الرياض). ٦ - جمال الدين القاسمي ومنهجه في تفسيره محاسن التأويل، وهي رسالة ماجستير للباحث يوسف مرزوق الضاوي، جامعة الكويت. ٧ - مباحث علم البيان في تفسير محاسن التأويل للقاسمي، وهي رسالة دكتوراه للباحث أحمد فريد أبو سالم، جامعة القاهرة. ٨ - اختيارات القاسمي في تفسيره محاسن التأويل من سورة الفاتحة إلى نهاية الجزء الأول من سورة البقرة: دراسة استقرائية تحليلية وصفية، وهي رسالة ماجستير للباحثة نبيلة عبد الستار كوراني، جامعة أم درمان (السودان). ٩ - الاستنباط عند الإمام القاسمي من خلال تفسيره محاسن التأويل، وهي رسالة دكتوراه للباحث محمد بن صالح بالطيور، جامعة أم القرى (مكة). وأما عن الدراسة التي نحن بصددها فتختلف عن سابقتها من الدراسات، فهي في موضوع جمع ودراسة تعقبات القاسمي على من سبقه من الأعلام والمفسرين، فلا تعارض بينها وبين الدراسات السابقة.

стр. 6

* منهج الرسالة العلمية: سأسلك في هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي، وذلك في القسم الأول من البحث. وأما القسم الثاني فإني سأسير فيه على المنهج الاستقرائي المقارن، وبيان ذلك وفق الآتي: ١ - جمع تعقبات القاسمي الصريحة وغير الصريحة في التفسير من خلال كتابه: محاسن التأويل. ٢ - ترتيب المادة العلمية المستخرجة حسب ترتيب السور والآيات في المصحف. ٣ - إذا تكرر كلام القاسمي بنصه أو قريبًا منه، نقلت أوفاه، وكتبت مصدره بعده في المتن، وأحلت على الموضع الآخر في الحاشية، أما إذا وجد في الموضع الآخر ما ليس في الموضع الأول فإني أذكرهما معًا. ٤ - الالتزام بنص القاسمي مع التعليق في الحاشية على ما يحتاج إلى تعليق. ٥ - دراسة أقوال القاسمي في التعقبات دراسة مقارنة، وموازنتها مع أقوال غيره من العلماء المعتبرين، وتحقيق القول فيها، وبيان الراجح منها. ٦ - يكون ترتيب عرض البحث كما ما يلي: عنوان باسم السورة- ثم نص الآية- ثم نص كلام القاسمي- ثم نص الدراسة. ٧ - إذا كان في كلام القاسمي أكثر من مسألة فإني أفرد كل مسألة بدراسة مستقلة. ٨ - كتابة الآيات القرآنية وفق رسم المصحف العثماني برواية حفص عن عاصم، مع بيان اسم السورة ورقم الآية، وذلك في متن البحث بين قوسين. ٩ - إرجاع القراءات: متواترها وشاذها إلى مظانها في الكتب المعتمدة، مع بيان من قرأ بها. ١٠ - إحالة كلام أهل العلم إلى موضعه في كتبهم. ١١ - تخريج الأحاديث الواردة في البحث من مصادرها الأصلية، فإن كانت في

стр. 7

الصحيحين أو أحدهما أكتفي بذلك، وإن كانت في غيرهما عزوتها إلى مصدرها مع ذكر قول المحدثين فيها وحكمهم عليها. وأما الآثار الواردة عن الصحابة والتابعين فأكتفي بعزوها إلى مصادرها الأصلية. ١٢ - إيضاح الغريب من الكلمات، والضبط بالشكل لما يُظن التباسه. ١٣ - عزو الأبيات الشعرية إلى مصادرها، متبعًا المنهج الآتي: - إن كان لصاحب الشعر ديوان وثقت شعره من ديوانه. - إن لم يكن له ديوان وثقت مما تيسر من دواوين الأدب وكتب اللغة العربية. ١٤ - التعريف بغير المشهور من الأعلام والفرق والأماكن تعريفًا موجزًا في الحاشية عند ذكره في أول موضع من الأقوال محل الدراسة. * **

стр. 8

* خطة البحث: تتكون خطة البحث من مقدمة وتمهيد، وقسمين، وخاتمة وفهارس: المقدمة: وتحتوي على: أهمية الموضوع وأسباب اختياره، وأهداف البحث، وحدود البحث، والدراسات السابقة، ومنهج البحث. وخطة البحث التمهيد: وفيه: التعريف بالقاسمي وكتابه محاسن التأويل. القسم الأول: قسم الدراسة النظرية، وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها. وفيها ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها. المبحث الثالث: أهمية التعقبات ونشأتها. الفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها: وفيها ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الصيغ الصريحة. المبحث الثاني: الصيغ غير الصريحة. المبحث الثالث: مصادره في التعقبات. الفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي، وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأول: التعقبات في التفسير. المبحث الثاني: التعقبات في علوم القرآن. المبحث الثالث: التعقبات في العلوم الأخرى المتعلقة بالتفسير. الفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته على من سبقه وقيمتها العلمية، وفيه مبحثان:

стр. 9

المبحث الأول: منهجه في عرض التعقبات. المبحث الثاني: القيمة العلمية لتعقبات القاسمي في تفسيره. القسم الثاني: الدراسة التطبيقية. وفيها دراسة تعقبات القاسمي في تفسيره على من سبقه من أول تفسير القرآن إلى آخره بحسب ترتيب سور القرآن الكريم. الفهارس: وتشتمل على: - فهرس الآيات القرآنية. - فهرس الأحاديث النبوية. - فهرس الآثار. - فهرس الأشعار. - فهرس الأعلام المترجم لهم. - فهرس المصادر والمراجع. - فهرس الموضوعات. * * *

стр. 10

شكر وتقدير الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإنني امتثالاً لقوله ﷺ : «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» (١) أُسجل هنا شكري وعرفاني بالجميل وتقديري. أما الشكر فيكون لله أولا على هدايته وتوفيقه، ثم للوالدين لما لهما من فضل بعد الله من حسن التربية، ثم للأستاذ الفاضل المرشد العلمي على الرسالة، فضيلة الأستاذ الدكتور: محمد بن أحمد الكردي، على ما بذله من توجيه ونصح ومتابعة وإرشاد، فله الفضل بعد الله تعالى في اختيار موضوع الرسالة. وأخص بالشكر كذلك أستاذي وشيخي المشرف على الرسالة فضيلة الشيخ الدكتور: تركي بن سعد الهويمل - سلَّمه الله ورعاه- على ما بذله معي من جهد في قراءة الرسالة وإسداء النصح والتوجيه طوال فترة الإشراف فجزاه الله عني كل خير. كما أُسجل هنا تقديري للجهود الكريمة التي تبذلها جامعة الإمام محمد بن سعود عامة، وكلية أُصول الدين خاصة، لتيسير طريق العلم أمام طلابه، فجزاهم الله خيراً. ولا أنسى أن أشكر أسرتي على مساندتهم لي وصبرهم على انشغالي، فبارك الله فيهم وأثابهم خير الجزاء في الدنيا والآخرة. ولا يفوتني تسجيل شكري ودعائي لجميع أساتذتي، ومشايخي، الذين أفادوني كثيراً، ولجميع إخواني، من أعارني منهم كتاباً، أو أبدى تشجيعاً، فلهم مني كل شكر وتقدير، جزى الله الجميع خيراً. * * *

стр. 11

التمهيد وفيه: أولا: التعريف بالقاسمي ثانيًا: التعريف بكتابه: محاسن التأويل

стр. 12

التعريف بالقاسمي * أولا: عصر القاسمي: يحسن قبل الحديث عن القاسمي ﵀ ونشأته وحياته العلمية، أن نذكر على سبيل الإجمال الحالة السياسية في عصره، والحالة العلمية، والحالة الدينية، ليكون التعريف بالمؤلف شاملا بشكل أكبر. أما عن الحالة السياسية: فعند البحث فيها نجد أن السلطة المتولية في ذلك الوقت هي الدولة العثمانية في القرن الثالث عشر، حيث كانت الشام - بلد القاسمي- تابعة لها. فقد عاش القاسمي في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وقد توالى في هذه الفترة على الدولة العثمانية أربع سلاطين (١)، وهم: ١ - السلطان عبد العزيز خان (٢): (١٨٦١ م - ١٨٧٦ م). ٢ - السلطان مراد الخامس (٣): (١٨٧٦ م - ١٨٧٦ م). ٣ - السلطان عبد الحميد الثاني (٤): (١٨٧٦ م - ١٩٠٩ م). ٤ - السلطان محمد رشاد الخامس (٥): (١٩٠٩ م - ١٩١٨ م).

стр. 13

وفي هذه المدة الزمنية أصبحت الأوضاع في الدولة العثمانية متدهورة حتى أصبح يُطلق عليها اسم: "الرجل المريض"، ففي عهد السلطان عبد العزيز، كانت الدول الأوروبية تقوم بالضغط عليها، وتتدخل في الشؤون الداخلية بزعم الإصلاح والنهوض والتقدم على النهج الغربي والفكر الأوروبي والمبادئ العلمانية اللادينية بفرض القوانين والأنظمة والعادات المخالفة لدين الإسلام (١). ومن أهم العهود التي عاش فيها القاسمي ﵀ هو عهد السلطان عبد الحميد الثاني، الذي تولى الحكم بعد مراد الخامس، وهو ابن السلطان عبد المجيد من زوجته الثانية، تزوج وعمره أربع وثلاثون سنة، تسلم السلطة والدولة محفوفة بالمخاطر العظيمة، والثورات الأهلية، فحرص على الإصلاح وإعادة الأمور إلى مجاريها الطبيعية، فسدد معظم الديون التي بلغت أكثر من ٢٥٢ مليون ليرة عثمانية، وألغى الدستور، وشرَّد زعماء التغريب، وشرع في إصلاح الدولة وفق المبادئ الإسلامية، إلا أن هذا الجو لم يدم طويلا فروسيا أعلنت الحرب على الدولة العثمانية وكان النصر حليفها، وذلك سنة: ١٨٧٧ م (٢)، وفرنسا احتلت تونس وبريطانيا مصر (٣)، وفي الأحوال الداخلية نجد هيمنة المحافل الماسونية (٤) على عقول زعماء التوجه القومي في داخل الشعوب الإسلامية، الشيء الذي نتج عنه الفتن والقلاقل والثورات الشعبية (٥). ولما وصل مدحت باشا (٦) إلى الصدارة العظمى: انحرف في القيادة العثمانية على

стр. 14

المستوى العسكري والعلمي، حيث كان حريصًا على تطبيق السياسة التغريبية بقيادة جمعية العثمانيين الجدد (١). وفي عهد السلطان محمد رشاد الخامس، ازداد تكالب الدول الأوروبية للإطاحة بالدولة وقسمة أراضيها، مع ذلك لم يمنعه هذا الوضع من القيام بإصلاحات سياسة داخلية وحربية ومالية كان لها أثر في تأخر سقوط الدولة العثمانية (٢). فنلاحظ من خلال هذه الأحوال اضطراب الحياة السياسية مما أثر سلبًا على الحالة الدينية، وعلى الحالة العلمية ونهضتها بشكل نسبي. أما عن الحالة العلمية: فقد بدأت في عصر القاسمي بدمشق وما حولها نهضة علمية ثقافية على المستوى العام، تعد نقلة نوعية بالنظر لما مضى من أيام، وقد تجلى ذلك بتأسيس المدارس الحكومية، وظهور المطابع، وإنشاء دور الكتب. ففي عهد الوالي مدحت باشا تم تأسيس مدارس حكومية تُدرَّس فيها العلوم بالعربية، وتُعنى بتدريس آداب هذه اللغة. وفي عهد الوالي حمدي باشا أنشأت جمعية باسم (الجمعية الخيرية) أعانتها الحكومة بالمال، وخصصت لها أبنية وقفية وحكومية تفتح فيها المدارس، وألحقت بها مطبعة لطبع الكتب المدرسية وغيرها من أجل نهضة المعارف. وفي هذا العهد افتتح المكتب الإعدادي الملكي سنة ١٣٠٥ هـ، وهو المدرسة التجهيزية الثانوية الأولى في دمشق التي اشتهرت فيما بعد باسم مكتب عنبر، وبه تخرّج رجال البلد ومثقفوه ووطنيوه فيما بعد (٣). على أن إنشاء المدارس الحكومية النظامية بدأ بعد خروج جيش إبراهيم باشا حين تبين للدولة العثمانية أن سر نجاح جيش المصريين كان بسبب أخذهم بالعلم، فعملت على إنشاء

стр. 15

المدارس وخاصة بعد أن كثرت مدارس الإرساليات الأجنبية، فأحدثت في دمشق مدارس عدة منها: المكتب الرشدي (المدرسة الابتدائية) في جامع يلبغا (١)، والإعدادية العسكرية في جامع تنكز (٢)، ومكتب الصنائع بحلب (٣)، وغيرها (٤). ولا ننسى أن في هذه الفترة الزمنية تأسست الجامعة الإسلامية على يد جمال الدين الأفغاني (٥)، الذي استعان به السلطان عبد الحميد مع الأسف للم شمل المسلمين (٦). وفي هذه الفترة تقدمت وسائل الاتصالات بين العالم الاسلامي، وانتشرت الحركة الصحفية، إلا أن السلطان عبد الحميد الثاني فرض قيودا ورقابة على الصحافة، لأنه شَعر بتحريض بعض الصحف ضده، فلم يستطع الكُتاب أن يكتبوا صراحة عن السياسة بسبب الرقابة الشديدة، بل جنحوا إلى استخدام لغة ألطف وتعابير غير مباشرة، فأصبحت الصحافة تُنور الناس بالشؤون الاجتماعية، ولم يُسمح للصحافة إلا نشر القصائد والأدب، مما أدى إلى زيادة الثروة المعرفية وإنعاشها (٧). وما ذكر في الحالة العلمية من مظاهر النهضة، إنما هو في العلوم الدنيوية، وليس في العلوم الدينية. أما عن الحالة الدينية: فقد ابتعد كثير من الناس أبعد عن دينهم الصحيح، فقد اهتم السلاطين بزخرفة المساجد وتشييدها على الأضرحة والقبور في أقاليم الدولة، وانتشار

стр. 16

التصوف البدعي والشركي. وقد تعددت طرق التصوف، وانتشرت انتشار النار في الهشيم، فلا تكاد تجد عالمًا من غير طريقة، وكان من أكثر الطرق رواجًا الرفاعية (١)، والنقشبندية (٢)، والشاذلية (٣)، والسبب في انتشار التصوف هو أن الدولة العثمانية كانت تؤيد التصوف، وتبني لأربابه الزوايا والتكايا (٤). ففي سنة ١٢٩٣ هـ ورد أمر من السلطان عبد الحميد الثاني بتعمير المراقد الشريفة على نظارة والي البصرة (ناصر باشا السعدون). ثم في سنة ١٣٠٥ هـ، أمر السلطان عبد الحميد أيضًا بتبييض القبب وتعمير المساجد، وأمر أيضًا بكسوتين للضريحين (الزبير وعتبة بن غزوان) من الحرير الأحمر المفتخر المطرز بالفضة، وأمر أيضًا بوضع مباخر وقماقم من الفضة عند الضريحين (٥). وفي الشام كانت هناك عشرات من الأضرحة والمزارات المشهورة، فقد ذكر صاحب كتاب القول الحق في بيروت ودمشق أنه قام بزيارة إلى الشام عام ١٨٩٠ م الترب والأضرحة والمزارات فبلغت مائة وأربعة وتسعين موضعًا (٦). وكانت الحالة الدينية في جمود على القديم، وكتب صفراء يتداولها الطلاب، ومتون

стр. 17

كثيرًا ما يحفظونها بدون فهم، وحواش وشروح وتقريرات وتعليقات تزيد في اضطراب عقول الطلاب وتشويشها، وتقليد أعمى غُلّت منه العقول، فكتب الحديث لا تُقرأ إلا للتبرك، وكتب التفسير ممتنعة عند العامل بل الخاصة، وأما كتب اللغة والأدب فقد كان يقرؤها الطلاب على أنها أداة لفهم الكتاب والسنة لا لذاتها (١). وهذا ليس بمستغرب، فإن طرق التصوف كان مُنتشرة في تلك الفترة الزمنية، وأسلافهم يُقررون مشروعية قراءة كتب الحديث للتبرك (٢)، وأن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق (٣). ويُصور لنا القاسمي ﵀ هذا الحال في مقالة بعنوان: "أعداء الإصلاح" حيث قال: "وأصبح العلماء حملة أهواء لا حملة شريعة، غرضهم أن تُفَخَّم ألقابهم، وتملأ كراشهم وعبابهم، وترفع بين الغاغة - وهو ضرب من النبات- منازلهم" (٤). وكذلك ما سطره في كتابه القيم "إصلاح المساجد من البدع والحوادث" الذي كان غرضه من تأليفه بيان ما آل إليه المجتمع من الضلال وما انتشر في أوساطهم من البدع التي أبعدت الناس عن العلم الشرعي الصحيح، فسعى في تجلية المسائل وإيضاحها بأقوى الدلائل. إن هذه الأوضاع المتردية كان لها الأثر البارز في حياة القاسمي ﵀ ومنهجه الشرعي الذي ينطلق منه، حيث علم أن ما عليه الناس ليس هو الدين الصحيح، ولا هو النهج المستقيم، فوضع الإصلاح نصب عينيه، وتوخى الرفق في الدعوة إليه، معتمدًا على الكتاب والسنة، ومتأسيًا بمن سبقه من المصلحين من سلف هذه الأمة، متحمّلا أعباء الدعوة وقائمًا بواجبه الإصلاحي.

стр. 18

* ثانيًا: اسمه ونسبه ومولده ونشأته: هو أبو الفرج محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر المعروف بالقاسمي، نسبة إلى جده المذكور، وهو الإمام، فقيه الشام وصالحها في عصره، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق (١). ولد العلامة جمال الدين القاسمي في ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادى الأولى سنة ثلاث وثمانين ومئتين وألف، بدمشق، وقد رآه جده المتقدم (الشيخ قاسم)، ووضعه في حجره، ودعا له بما يرجو حصول بركته (٢). نشأ القاسمي ﵀ في بيت عرف بالعلم والتقوى، فقد كان جده الشيخ قاسم (٣) فقيه الشام وصالحها، وكان أبوه فقيهًا أديبًا (٤)، وكان لا ينقطع من الدعاء لابنه، وإهدائه الكتب (٥). تربى في كنف والده، وقرأ القرآن على الحافظ المعمَّر الشيخ عبد الرحمن بن علي بن شهاب المصري نزيل دمشق، وكان يُعلم الأطفال في حجرة قبالة الشاذبكية (٦) في محلة القنوات إلى أن توفي سنة (١٣١٦ هـ)، ودفن بمقبرة الدحداح، وبعد أن كبُر القاسمي حضر دروسه الفقهية والحديثية والتفسيرية كثير. بعد أن ختم القرآن، أخذ في تعلم الكتابة عند الأستاذ الكامل، الشيخ محمود أفندي بن محمد بن مصطفى القرصي نزيل دمشق، من صُلحاء الأتراك وكرامهم، كان قاطنًا في تربة درويش باشا في القبة التي على الساباط، جوار جامع الدرويشية على الجادة، وبها كان

стр. 19

يُعلّم الأطفال وغيرهم. فمكث عنده نحوًا من ثلاث سنين، إلى أن أتقن الخط بالقلمين (١)، وذلك في سنة خمس وتسعين ومئتين وألف. ثم انتقل القاسمي إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، في إيوانها القبلي، وكان معلمه الفاضل الشيخ رشيد قزِّيها، الشهير بابن سنان. فقرأ عنده في المكتب المذكور مقدمات فنون شتى، قراءة جد واجتهاد، من توحيد وصرف ونحو، ومنطق وبيان وعَروض وغيرها وكان القاسمي خلال ذلك شارعًا في قراءة المختصرات الفقهية والنحوية أيضًا عند والده مع طلبة كثيرين. ثم جوَّد القرآن المجيد على شيخ القراء بالشام، الشيخ أحمد الحلواني ﵀ (٢)، فقرأ عليه ختمة وأكثر من نصف أخرى، على رواية الإمام حفص عن عاصم عليه رحمة الله. وكان يخرج من دار الأستاذ المذكور إلى دار الشيخ الفاضل سليم بن ياسين العطار (٣)، لقراءة حصة من الكتب المعينة وقتئذ، وقد حضر عنده في شرح الشذور للمصنف، مع مراجعة الحواشي، وابن عقيل، وشرح القطر للفكاهي، ومختصر السعد التفتازاني، وجمع الجوامع للسبكي، وتفسير البيضاوي. وحضر عنده في حصة وافرة من صحيح البخاري رواية، وسمع منه مجالس من البخاري أيضًا دراية. وحضر عنده في كتب وافرة بالجامع الأموي، منها حصة من الموطأ والشفا بتمامه، ومعظم مصابيح السنة للبغوي، والجامع الصغير للسيوطي، والطريقة المحمدية للبركلي، وغيرها.

стр. 20

وكتب له الشيخ إجازة عامة بجميع مروياته سنة إحدى وثلاثمائة وألف (١). وكان القاسمي منذ وعى على نفسه يعمل على تهذيبها، ولا يكاد يمضي عليه يوم لم يستفد منه فائدة ولم يقيد شاردة، فظهرت عليه مخايل النبوغ ولم يبلغ العشرين، فما بالك به وقد نيف على الأربعين وقارب أن يتم العقد الخمسين (٢). * ثالثًا: شيوخه: هيأ الله تعالى للقاسمي جوا من العلم والأدب، وهذا من فضل الله تعالى عليه أولا أن وفقه لتعلم العلم، ثم بفضل دعاء أبيه واهتمامه به وتشجيعه وحثه على تعلم العلم. وقد تقدم ذكر جملة ممن شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، إلا أن بعضًا من شيوخه كان لهم الأثر البارز في تكوين شخصية القاسمي العلمية والعملية. ١ - الشيخ عبد الرزاق البيطار: وهو عبد الرزاق بن حسن بن ابراهيم بن حسن بن محمد بن حسن البيطار، الميداني، الدمشقي. عالم، اديب، مؤرخ، مشارك في انواع من العلوم، كان سلفي العقيدة ومع ذلك كان يدعو إلى تجديد مذهب السلف فلا يقبل رأي أحد من دون حجة، وكان يأخذ الأحكام بالدلائل ويقبل قول الحق من أي قائل إذا كان علمه صحيحاً، مما جعله يختلف مع بعض الجامدين بسبب نشر دعوة الاجتهاد ويلقى منهم عنتاً ومعارضة. ومن أشهر مريدي عبد الرزاق البيطار وأصدقائه الشيخ جمال الدين القاسمي الذي قرأ عليه رسالة في الفلك، وكان شديد الإعجاب به دائم الذكر لفضله وعلمه، مات في دمشق سنة: (١٣٣٥ هـ) (٣).

стр. 21

٢ - الشيخ بكري العطار: وهو الشيخ بكري بن الشيخ حامد ابن الشيخ أحمد بن عبيد العطار الدمشقي، العالم العامل الذي أشرق ضوء شهابه، والفاضل الذي تقتطف البلاغة من إيجازه وأطنابه، والجهبذ الذي أوتي الحكمة وهو شاب، قرأ على علماء عصره الأكابر، وأجازوه بما تجوز لهم روايته عن شيوخهم كابراً عن كابر، مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف (١). حضر عنده القاسمي واستفاد منه في فنونٍ عدة في العقيدة والحديث والفقه والصرف والبلاغة وغيرها (٢). ٣ - الشيخ حسن جبينة: وهو الشيخ حسن جبينة بن أحمد آغا بن عبد القادر آغا جبينة، إمام صالح، أكب من صغره على طلب العلوم، واستفادة المنطوق والمفهوم، وكان يغلب عليه السكون، والخضوع والتواضع والركون، مات سنة ألف وثلاثمائة وخمس وعمره نحو الخمسة والستين (٣). استفاد منه القاسمي وحضر عنده في الفقه والحديث، وانتفع بصحبته وآدابه وإرشاداته، وكان يحضه على الأخلاق الحسنة، ودواعي رقَّة الحاشية، وله لطائف كثيرة ومحاسن غزيرة (٤). ٤ - الشيخ أحمد الحلواني: وهو الشيخ أحمد بن محمد بن علي بن محمد الحلواني الدمشقي، شيخ القراء في دمشق الشام، عالم بالقراءات، شافعي المذهب، أخذ القراءات عن علمائها بدمشق وبمكة. وصنف (المنحة السنية) منظومة في التجويد، وشرحا لها سماه (اللطائف البهية) ومنظومة في (قراءة ورش) وشرحها، يغلب عليه الخضوع والسكينة والخشوع وتلاوة القرآن، في غالب

стр. 22

الأحيان، مات سنة ألف وثلاثمائة وسبع (١). قرأ عليه القاسمي ختمة وأكثر من نصف أخرى، واستفاد منه التجويد وعلوم القرآن خصوصًا (٢)، ويرجع الأثر البالغ في تأثيره على شخصية القاسمي ونبوغه، بأنه من أوائل المشايخ الذين أخذ عنهم، والله أعلم. وبهذا يظهر لنا الأثر البالغ لشيوخ القاسمي في طلبه للعلم والهمة في تحصيله، حتى كان له الأثر البارز على من جاء بعده، وكان جميع أساتذته من المعجبين به وبنبوغه والمقرين بفضله. يقولون عنه: "إن له مستقبلا زاهرا" (٣). وقد تحقق كما قالوا: "من كانت بدايته محرقة كانت نهايته مشرقة" (٤). * رابعًا: تلاميذه: تتلمذ على يد القاسمي كثر من طلبة العلم الذين أصبحوا فيما بعد أركان العلم والعمل بدمشق وغيرها من البلدان، فرجل عالم كالقاسمي يجب أن يكون له تلاميذ بارزون، وأناس يأخذون من معين علمه وينتفعون، ومن هؤلاء: جودت المارديني (٥)، ومحمد كرد علي (٦)، وشكيب أرسلان (٧)، وشكري العسلي (٨)، وصلاح الدين القاسمي (٩)، وغيرهم ممن كان

стр. 23

يحضر دروسه ويستفيد من توجيهه وإرشاداته. إلا أن القاسمي له تلامذة كبار بارزون قد لازموه وتأثروا بمنهجه العلمي، وأبرزهم ما يلي: ١ - محمد بهجة البيطار: وهو الشيخ محمد بهجة البيطار، من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق، وهو من أصل جزائري، نشأ في حجر والده محمد بهاء الدين، وتلقى على يده مبادئ العلوم الدينية، وعلى يد جده لأمه عبد الرزاق البيطار. وعلى أعلام عصره مثل جمال الدين القاسمي، ومحمد الخضر الحسين، واشتغل في عدة مناصب دينية آخرها توليه إدارة دار التوحيد السعودية، وعضوا عاملا في المجمع العلمي بدمشق والقاهرة. له مؤلفات كثيرة منها: (حياة شيخ الإسلام ابن تيمية) و (رسالة في الرد على من طعن في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) و (رسالة في الرد على الكوثري)، وله دفاع وذب عن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، توفي ﵀ بدمشق في ثلاثين جمادى الأولى سنة ست وتسعين وثلاثمائة وألف (١). ومن عظيم أثر القاسمي عليه ما ذكره عنه ابنه عاصم البيطار حيث قال: "لقد صحبت والدي عشرات السنوات ولازمته في الحل والترحال فما سمعته يذكر القاسمي مرة في بيته أو في ملأ من قومه إلا بقوله: شيخنا علامة الشام (٢). ٢ - محمد الشطي: وهو الشيخ محمد جميل بن عمر بن محمد بن حسن بن عمر جلبي الشطي: فقيه حنبلي فرضي، من المعنيين بالتأريخ. أصله من بغداد، ومولده ووفاته في دمشق. تعلم بها وعمل

стр. 24

موظفا في المحاكم الشرعية بدمشق إلى أن ولي إفتاء الحنابلة. ومن تصانيفه: السيف الرباني، و البرهان على صحة رسم مصحف الحافظ عثمان، ومختصر طبقات الحنابلة، وغير ذلك، مات سنة: ١٣٧٩ هـ (١). قال الشيخ محمد بهجة البيطار في تقديمه لكتاب "أعيان دمشق" عن محمد الشطي: " إن محمد جميل هو أخونا في الطلب والتحصيل على أستاذنا الجمال القاسمي" (٢). ٣ - محمد بن مانع: وهو العلامة الفقيه الشيخ محمد بن عبد العزيز بن محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن مانع الوهبي التميمي النجدي، تلقى مبادئ العلوم على علماء بلده، ثم سافر إلى بغداد وقرأ على علمائها ثم إلى مصر كذلك، ثم سافر إلى دمشق الشام ولازم الشيخ جمال الدين القاسمي وسمع عليه صحيح البخاري. رحل إلى بلاد عديدة وقرأ على علمائها حتى أصبح من علماء عصره الذين يُشار إليهم بالبنان، عينه الملك عبد العزيز رئيسا لثلاث هيئات: هيئة تمييز القضايا وهيئة الأمر بالمعروف وهيئة الوعظ والإرشاد، مات سنة ١٣٨٥ هـ (٣). ٤ - حامد بن أديب التقي: وهو حامد (أو محمد حامد) بن أديب ابن أرسلان التقي: فقيه حنفي متأدب، دمشقي. تولى الإفتاء بالنبك، وتعليم التربية الدينية واللغة العربية في بعض المدارس، وكان يحرص على ما يحصل عليه من إجازات شيوخه ووثائق تعيينه فجمع في الظاهرية ٣٨ ورقة بخطوط من أدركهم من علماء دمشق. كبكري العطار وعبد الرزاق البيطار وعبد الحكيم الأفغان والقاسمي ومحمد المبارك. وله كتاب (أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح)، وكان من أقارب الشيخ جمال الدين القاسمي، فقد لازمه (١٧) عامًا، فأخذ عنه العلم، وتأدب بآدابه،

стр. 25

وحمل دعوته، وأخذ عنه علوم تفسير القرآن، والحديث واللغة والنحو والصرف، وهو يُعتبر من أكبر تلامذته، وكانت طريقة تدريسه محاربة البدع والضلالات، ونشر الإصلاح على مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية مات سنة ١٣٧١ هـ (١). * خامسًا: مؤلفاته: كان للقاسمي دور كبير في نشر العلم الشرعي عن طريق عقد الدروس العلمية، أو الخطب الوعظية، أو كتابة المؤلفات النافعة، فقد كان يجعل ضحوة النهار للتأليف، وقد كان سيال القلم سيال القريحة، وقد كتب كثيرا من الكتب والرسائل تصنيفًا وشرحًا واختصاراً لبعض المطولات تزيد على السبعين، وكلما أخرج مؤلفًا من مؤلفاته انبرى الكُتّاب والعلماء إلى تقريضه والثناء عليه (٢). وهذه بعضًا من أشهر مؤلفاته: ١ - الجرح والتعديل. طُبع في مطبعة المنار بمصر، الطبعة الأولى، سنة ١٣٣٠ هـ، ويقع في ٤٠ صفحة. ٢ - المسح على الجوربين. طُبع في دار الترقي بدمشق، الطبعة الأولى، سنة ١٣٣٢ هـ. بتحقيق: قاسم خير الدين القاسمي. ويقع في ٦٤ صفحة. ٣ - موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين، طُبع بدار النفائس في بيروت، الطبعة الثالثة سنة ١٩٨٠ هـ، بتحقيق عاصم البيطار، ويقع في ٤٢٢ صفحة. ٤ - إصلاح المساجد من البدع والعوائد. طُبع بالمكتبة السلفية (مصر) الطبعة الأولى، سنة ١٣٤١ هـ، ويقع في ٣١٩ صفحة، بتحقيق محب الدين الخطيب. ٥ - الأوراد المأثورة. طبع في بيروت سنة ١٣٢٠ هـ. ويقع في ٦٤ صفحة. ٦ - دلائل التوحيد. طُبع في دار المقتبس بدمشق، سنة ١٣٢٢ هـ. ويقع في ٢٠٧

стр. 26

صفحة. ٧ - حياة البخاري. طُبع في دار العرفان بصيدا، الطبعة الأولى، سنة ١٣٣٠ هـ، ويقع في ٣٠ صفحة. ٨ - الشاي والقهوة والدخان. طبع بدمشق سنة ١٣٢٢. ويقع في ٥٥ صفحة. ٩ - محاسن التأويل. وهو كتابنا الذي عليه دراسة التعقبات في هذا البحث، طُبع في دار إحياء الكتب العربية بمصر، الطبعة الأولى، سنة ١٣٨٠ هـ. ويقع في ١٧ جزءا. ١٠ - تاريخ الجهمية والمعتزلة. نُشر أولاً بمقالات متسلسلة في المجلد السادس من مجلة المنار، ثم جُرِّد في كتاب مستقل بمطبعة المنار بمصر سنة ١٣٣١ هـ. ويقع في ٨٤ صفحة. * سادسا: محنته: في ظل الجمود الفكري والتعصب المذهبي الذي كان يطغى على الناس في ذلك الوقت وفي بلاد الشام، رأي القاسمي أنه من الواجب عليه أن يحث الناس بالرجوع إلى الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة. ومن سنة الله في خلقه أنه يبتليهم بالخصوم والأعداء كما هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما قال الله في محكم تنزيله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ﴾ [سورة الفرقان: ٣١]، فاتهموه من كان في قلبهم مرض، وابتُلوا بالبدع والمحدثات، والتعصب والأهواء، أن هذا الشيخ يعمل ضد الحكومة العثمانية وضد المذهب الحنفي، وأخذوا يُحرِّضون عليه الوالي وأرباب المناصب بأن هذا الشيخ قد أنشأ مذهبًا جديدًا وهو: "المذهب الجمالي"، فقبضت عليه الحكومة وحققت معه، ولكنه ثبت بكل شجاعة، واستطاع بفضل الله تعالى أن يرد التهمة. وذلك أنه عندما قالوا له: بلغنا عنك أنك تريد أن تجتهد وتؤسس مذهبًا خامسًا تسمِّه بالمذهب الجمالي. قال لهم: إنني أتمنى أن تكون المذاهب الأربعة ثلاثة، والثلاثة اثنين، والاثنين واحداً لجمع كلمتهم. فهل يُتصور أن أزيد عليها خامسًا لتفريق المسلمين وجعلهم شيعًا وأحزابًا.

стр. 27

ارتسمت الحيرة على وجوه المفترين، ووجدوا أنفسهم أمام عالم قوي الحجة، حاضر البديهة، سريع التخلص، ولكنهم بدلا من الرجوع إلى الحق والهدى بعد ما تبين لهم، لجأوا إلى سلاح العاجز فأغروا الوالي بسجنه، فسخَّر الله له أحد المصلحين وجاء إلى دار الوالي ليلاً وأقنعه أن سجن القاسمي ظلم، وهو لم يقم ضد الحكومة، فأطلق سراحه صباحًا وأقيمت له وليمة من قبل القاضي - وكيل الوالي- دعا إليها جمع من أصحاب القاسمي ممن اتهموا معه، واعتذر إليهم مما وقع، وأن الحكومة راضية عنهم (١). * سابعًا: ثناء العلماء عليه: قال عنه الشيخ محمد رشيد رضا (٢): "هو علامة الشام، ونادرة الأيام، والمجدد لعلوم الإسلام، محيي السنة بالعلم والعمل، والتعليم، والتهذيب والتأليف، وأحد حلقات الاتصال بين هدي السلف، والارتقاء المدني الذي يقتضيه الزمن، الفقيه الأصولي، المفسر المحدث، الأديب المتفنن، التقي الأواب، الحليم الأواه، الحليم النزيه، صاحب التصانيف الممتعة، والأبحاث المقنعة" (٣). وقال عنه أمير البيان شكيب أرسلان (ت: ١٣٦٦): "وإني لأوصي جميع الناشئة الإسلامية التي تريد أن تفهم الشرع فهمًا ترتاح إليه ضمائرها، وتنعقد عليه خناصرها، ألاَّ تقدم شيئًا على قراءة تصانيف المرحوم الشيخ جمال القاسمي" (٤). وقال عنه الشيخ أحمد شاكر (ت: ١٣٧٧): "كان في مقدمة من سار على النهج القويم أستاذنا القاسمي ﵀. وقد زار مصر قبل وفاته وكنت ممن اتصل به من طلاب العلم، ولزم حضرته، واستفاد من توجيهه إلى الطريق السوي والسبيل القويم" (٥).

стр. 28

وقال عنه الأستاذ محب الدين الخطيب (ت: ١٣٩٨) (١): "والسيد جمال الدين القاسمي ﵀ مصباح من مصابيح الإصلاح الإسلامي التي ارتفعت فوق دياجير حياتنا الحاضرة في الثلث الأول من القرن الهجري الرابع عشر فنفع الله بعلمه وعمله ما شاء أن ينفعهم، ثم انتقل إلى -رحمة الله- تاركاً من آثاره العلمية المطبوعة ما لا تكاد تخلو منه مكتبة قائل بالإصلاح في العالم الإسلامي" (٢). وقال عنه الأستاذ محمد كرد علي: "فهو علامة بين العلماء منور ممدن بين المنورين بنور المدنية الصحيحة، ذهب مثال الرجل الصالح، عفيف الطعمة، لم يسف إلى ما يسف إليه بعض من يتذوقون قليلا من المعارف، وما أنكر إلا المنكر ولا أمر إلا بالمعروف، ومن ضيق ذات يده كان يتصدق في السر، ولا يخلو ساعة من عبادة وذكر، وما فقده جلل على دمشق بل على الشام بل على أهل الإسلام وشهرته التي نالها في العالم الإسلامي في هذه السن من الكهولة هي مما استحقه أو أقل مما يستحقه لأنه حقيقة العالم العامل الذي يحبب الدين حتى لمن لم يتدين حياته" (٣). وكان الشيخ العلامة الألباني ﵀ كثير الثناء على القاسمي، وكذلك أثنى عليه العلامة ابن باز ﵀، وأثنى عليه العلامة محمد أمان الجامي ﵀ (٤). * ثامنًا: عقيدته: نشأ القاسمي بداية عمره في بيئة صوفية أشعرية، فقد تتلمذ على الشيخ أحمد بن محمد الحلواني أحد شيوخ الأشعرية (٥).

стр. 29

وكان مُتأثرا بأئمة الصوفية، فكان ينقل عنهم في تفسيره، كابن عربي (١)، والشعراني (٢) والقاشاني (٣)، والمهايمي (٤). ومن سنة الله تعالى في عباده أنه يهدي من يشاء منهم ويُضل من يشاء، فرغم تأثر القاسمي بأئمة الصوفية إلا أنه رد من أقوالهم وعقائدهم التي تُخالف الكتاب والسنة وما عليه أهل السنة، فلا يقول بالاتحاد والحلول ولا بالتبرك بالمشايخ والتوسل بهم، حتى الكرامات فلا يعتبر بها إلا بعد عرض عمل صاحبها على الكتاب والسنة، ولعل السبب في عدم تأثره هو ما انتهجه من نهج اتباع الكتاب والسنة وذم التقليد. ففي تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة يونس: ٦٢] نقل كلامًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية من كتابه: الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان مفاده: أن الرجل لا يكون وليًا لله إلا إذا وافق عمله الكتاب والسنة. وكان ينهى عن الاختلاط بشيوخ التصوف ولو من أجل الاطلاع على أحوالهم؛ فقد زجر تلميذاً له مرة حينما أحب الذهاب لمشاهدة حلقاتهم والسماع لأناشيدهم

стр. 30

وموسيقاهم، وقال له: "لا تكثر سواد المبتدعة، ولاتكن قدوة سيئة لغيرك" (١). وقد آلمه كثيراً تصرفات مشايخ الطرق في دمشق وأعمالهم وادعاءاتهم وكثرة بدعهم، فشنَّع عليهم وبيَّن ضلالهم، وقد وصف ما يفعلون من منكرات أنها تضر بالدين، ففي حديثه عن مواكبهم التي كانت تخرج في الربيع، يقول: "لا تزال هذه الطوائف تبتدع أموراً تُضحك السفهاء وتُبكي العقلاء وتحتال لمطامعها البهيمية ما جلب العار على الأمة وسلط عليها الأجنبي يهزأ بديننا ويقبح أعمالنا ظناً منه أن ما يجريه هؤلاء الجهلة من الدين ..... الخ" (٢). وكان مُتأثر بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله التي كانت سببًا لتنوير بصيرته وصفاء فؤاده. يقول القاسمي: "إني -ولله الحمد- نشأت على حب مؤلفات شيخ الإسلام، والحرص عليها، والدعوة إليها، وأعتقد أن كل من لم يطالع فيها .. لم يشم رائحة العلم الصحيح، ولا ذاق لذة فهم العقل، وهم يعلمون ما ندعو إليه، وما نسعى لإشهاره. فطوراً يرموننا بالاجتهاد، وطورا بما قدمنا، وسيأخذ الحق بناصيتهم إن شاء الله" (٣). وكان يُكثر من النقل عن ابن تيمية وابن القيم في تفسيره وخصوصًا في آيات الصفات لتقرير عقيدة السلف، كما سيأتي في الحديث عن منهجه في التفسير. ويُبين القاسمي عقيدته في أسماء الله وصفاته فيقول: "أعدل المذاهب مذهب السلف؛ فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه، وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوقات، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل، فمثّلوا أولا، وعطّلوا آخرا، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم، فعطلوا ما يستحقه من الأسماء والصفات اللائقة به ، بخلاف سلف الأمة، وأجلاء الأئمة، فإنهم

стр. 31

يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه نبيه من غير تحريف ولا تشبيه" (١). ولكنه عفا الله عنه كان مما آخر ما ألف كتاب: تاريخ الجهمية والمعتزلة الذي لم يُوَفّق لتأليفه لما تضمنه من الثناء على رأس الضلالة الجهم بن صفوان والدفاع عنه، والتشنيع على الأمير خالد بن عبد الله القسري، إضافة على ذلك أنه في هذا الكتاب رمى أهل الحديث والأثر بالتعصب المذموم، وعد الجهمية والمعتزلة من أهل الاجتهاد (٢)، وقد فرغ من تأليفه قبل وفاته بنحو سنتين، فهو من آخر رسائله (٣). ونحن إذا نظرنا في مواقف السلف مع المبتدعة نجد أنهم ينهون عن مجالستهم والاستماع لهم، فكيف بمن أثنى عليهم أو دافع عنهم؟! يقول أبو داود السجستاني قلت: لأبي عبد الله أحمد بن حنبل أرى رجلا من أهل السنة مع رجل من أهل البدعة أترك كلامه؟ قال: لا أو تعلمه أن الرجل الذي رأيته معه صاحب بدعة فإن ترك كلامه فكلمه وإلا فألحقه به (٤). وقال الفضيل بن عياض (٥): "من عظم صاحب بدعة، فقد أعان على هدم الإسلام، ومن تبسم في وجه مبتدع فقد استخف بما أنزل الله على محمد ﷺ ، ومن زوج كريمته مبتدع فقد قطع رحمها، ومن تبع جنازة مبتدع لم يزل في سخط الله حتى يرجع" (٦).

стр. 32

وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: الذي يثني على أهل البدع ويمدحهم، هل يأخذ حكمهم؟ فأجاب: "نعم ما فيه شكٌّ، من أثنى عليهم ومدحهم هو داعٍ لهم، يدعو لهم، هذا من دعاتهم، نسأل الله العافية" (١). والقاسمي له مواقف وجهود عظيمة في نشر السنة وقمع البدعة وتقرير عقيدة السلف لمن اطلع على ما كتبه في كتاب إصلاح المساجد، ودلائل التوحيد، والرسائل المُتبادلة بينه وبين الآلوسي، إلا أن كتاب تاريخ الجهمية الذي ألفه يُعد نقطة سوداء في صفحاته البيضاء، فليس من العدل والانصاف أن تُنسف جهوده في تقرير عقيدة أهل السنة، بسبب ما وقع منه في هذا الكتاب. ولعل السبب في وقوع القاسمي في مثل هذا الزلل ما يلي: أولا: أنه قد نشأ على خلاف منهج السلف ثم تعرف عليه في وقت غربة وشدة، فكان ما وقع فيه من اللوث الذي بقي فيه، والله أعلم. ثانيا: أنه مات شاباً فلم تمتد به الحياة ليدرك خطأه في تلك المسائل، وكان في وقت لا زالت فيه كثير من المخطوطات التي تبين الصواب والحق، فلعله لم يتمكن من الوقوف عليها. ثالثًا: أن ما ذكره في هذا الكتاب من مسائل لم تكن العمدة في منهجه، فهو مقابل الثناء على الجهمية والمعتزلة كان ينقل عن ابن تيمية وغيره أقوالا تقضي بضلالهم وتضليلهم، دون ردٍ لهذه الأقوال. رابعً: لم يثبت عن أحدٍ أنه نصح القاسمي بالرجوع عما كتبه في هذا الكتاب، أو أقام عليه الحجة، حتى يُحكم عليه بالتضليل والالحاق بأهل البدع. خامسًا: أن حب القاسمي للتقريب، والاتحاد بين الفرق الإسلامية ربما هو الذي دفعه

стр. 33

إلى مثل هذا الثناء، لكنه أخطأ في سلوك هذا المسلك، فكم من مريد للخير لا يُصيبه، والله أعلم. سادسًا: يحتمل أنه كان يلتمس المعاذير لأصحاب المذاهب المخالفة فيما ذهبوا إليه؛ بغية هداية أتباعهم إلى عقيدة السلف، وتحبيبهم لذلك، وهذا اجتهاد منه لا يُتابع عليه. الخلاصة: أن القاسمي كان على عقيدة السلف في أصول المعتقد، كما هو مقرر في مؤلفاته وكتاباته، وجهوده في نشر العلم والصبر على الأعداء، وثناء الناس عليه، إلا أنه وقع في زلل عظيم عندما ألف كتاب تاريخ الجهمية الذي خالف فيه منهج أهل السنة مع أهل البدع عفا الله عنه. * تاسعًا: وفاته: بعد أن عاد القاسمي من رحلة فلسطين التي أقام بها في سبيل الاجتماع بالمصلحين والعلماء والاطلاع على الكتب النادرة، أصيب بالحمى أيامًا قليلة وعاده الطبيب عبد الرحمن الشهبندر (١)، وعرف أن مرضه خطير وقد يتسبب في وفاته وقال: أف لعن الطب إذا كان صاحبه لا يستطيع أن ينجي حبيبه (٢). حيث لم تمض أيامًا معدودة وتطفئ إحدى مصابيح العلم التي أنارت بعلمها مدة من الزمن، فكانت إحدى المصائب التي حلت على الأمة حينئذ، فقد وافاه أجله مساء السبت ٢٣ جمادى الأولى ١٣٣٢ ودفن في مقبرة الباب الصغير بدمشق. وقد خرجت له جنازة قل أن يكون لها نظير في كثرة المشيعين حتى أعدائه. وهنا صح ما قاله الإمام أحمد ﵀ "قولوا لأهلِ البدعِ: بيننا وبينكم يومُ

стр. 34

الجنائزِ" (١)، حيث يخفى الجسد ويعرف الناس من خدم الدين من غيره (٢). * * *

стр. 35

التعريف بكتاب محاسن التأويل للقاسمي تعددت مناهج العلماء قديمًا وحديثًا في تفسير كتاب الله تعالى، فكل من برع في علم من العلوم أو فن من الفنون من العلماء نجده يوظف هذا العلم أو هذا الفن في تفسيره لكتاب الله تعالى، فيكون تفسيره مميزًا بما أودعه فيه، ويكون طابعًا غلب عليه هذا الفن. فمثلاً: نجد تفسير ابن أبي حاتم وتفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن كثير يغلب عليهم الطابع الأثري، ونجد أبا حيان يغلب على تفسيره الطابع اللغوي، ونجد ابن العربي والقرطبي وغيرهم يغلب على تفاسيرهم الطابع الفقهي، ونجد الزمخشري يغلب عليه الطابع البلاغي، وهكذا. إلا أن بعضًا من المفسرين كان يتمتع بطول النفس في التأليف، فكان يجتهد بكثرة النقولات، ويذكر في تفسيره للآيات جميع المسائل والعلوم التي تكشف عن معاني الآيات، وهو ما يُسمى عند المعاصرين بالتفسير التحليلي، وهو: أن يذكر المفسر جميع الأوجه التي تكشف عن معاني الآيات وأحكامها وحِكمها، من معاني أثرية، أو لغوية، أو بلاغية، أو مناسبات، أو أحكام فقهية، أو لطائف، وغير ذلك. وكان ممن نحى هذا المنحى: جمال الدين القاسمي في تفسيره المسمى: محاسن التأويل. التعريف بكتاب محاسن التأويل: يُعرف هذا التفسير بـ"تفسير القاسمي" طبع في سبعة عشر مجلدا، ويقع في ٦٣١٦ صفحة، ما عدا المجلد الأول الذي جعله مقدمة لتفسيره وصدرت الطبعة الأولى بين عامي ١٣٧٦ - ١٣٧٧ من دار إحياء الكتب العربية، ووقف على طبعه، وتصحيحه، ورقمه، وخرج آياته وأحاديثه وعلق عليه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وأصدرت دار الفكر ببيروت الطبعة الثانية سنة ١٣٩٨ مصورة عن الطبعة الأولى. طريقته في التفسير: بين -رحمه الله تعالى- في مقدمة تفسيره أنه اطلع على ما قدر له من تفاسير السابقين وتعرف ما تخللها من الغث والسمين، ثم بعد أن صرف في الكشف عن حقائق التفسير

стр. 36

شطرا من عمره ووقف على فحص دقائقه قدرا من دهره. وقد جعل -رحمه الله تعالى-- الجزء الأول مقدمة لتفسيره، قال عنها: "وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة جعلتها مفتاحا لمغلق بابه، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه" (١). والقاسمي -رحمه الله تعالى- كثيرا ما ينقل نقولا طويلة عن علماء السلف وغيرهم، فينقل عن أحمد بن حنبل، وابن جرير الطبري، وابن حزم (٢)، والراغب (٣)، والزمخشري (٤)، والرازي (٥)، والقرطبي (٦)، والعز بن عبد السلام (٧)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والشاطبي (٨). والبقاعي (٩)، وغيرهم، ﵏ أجمعين.

стр. 37

وكثيرا ما يستشهد ﵀، وهو من علماء الحديث- بالأحاديث النبوية من الصحاح والسنن والمسانيد. وفي اللغة يرجع إلى كتب اللغة، كالقاموس والصحاح وغيرهما. منهجه في تفسير آيات العقيدة والأسماء الصفات: أفرد القاسمي -رحمه الله تعالى- في المجلد الأول من مقدمات تفسيره بيانا في أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف. أورد فيه نقولا لبعض العلماء في إثبات ذلك، فنقل قول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث .... الخ" ووصفه بالقول الشامل في الصفات كما يقول ابن تيمية (١). ثم نقل عن الأوزاعي (٢) من كتابي الأسماء والصفات للبيهقي، والسنة لأبي بكر الخلال، ثم نقل شرح ابن القيم لحديث: "فرح الله بتوبة عبده" من كتابه: طريق الهجرتين، مما يقرر به مذهب السلف في الأسماء والصفات (٣). ومن الأمثلة على ذلك: تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى: ١١] قال: "كما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على المعطلة؛ ولذا كان أعدل المذاهب مذهب السلف، فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فجمعوا بين التمثيل والتعطيل فمثلوا أولا وعطلوا آخرا، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من

стр. 38

أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم فعطلوا ما يستحقه من الأسماء والصفات اللائقة به بخلاف سلف الأمة وأجلاء الأئمة، فإنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ من غير تحريف ولا تشبيه قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، فرد على المشبهة بنفي المثلية، ورد على المعطلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١). وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]. أثبت فيها رؤية الله ، وردَّ على المعتزلة الذين ينفون الرؤية (٢). كما أنه في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤] قد أكثر من النقول عن السلف في إثبات صفة الاستواء لله (٣). منهجه في التفسير بالمأثور: ومرادنا بالمأثور: ما أُثر إلينا من القرآن والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين (٤). فيُلاحظ أن القاسمي ﵀ يُفسر الآيات بنظيرها من الآيات الأخرى وهو ما يُسمى بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يُفسر بعض الآيات بإيراد ما ورد فيها من التفسير النبوي (٥) أو التفسير بالسنة (٦)، وكذلك يورد الآثار المروية عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات.

стр. 39

فمن تفسير القرآن بالقرآن: تفسيره لقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: ٧] بأنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٦٩] (١). ومن تفسير القرآن بما ورد عن النبي ﷺ : تفسيره المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. الشرك، ويورد أثر عبد الله ابن مسعود ﵁: "لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣]» (٢). ثم يُنبه القاسمي ﵀ على هذا التفسير ويقول: "حيث علم أن الصادق المصدوق ﷺ فسر الآية بما تقدم فليعض عليه بالنواجذ" (٣). ومن تفسير القرآن بما ورد عن الصحابة والتابعين: تفسيره لقوله تعال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧]. أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك: ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف (٤). منهجه في قضايا علوم القرآن: يُلاحظ على القاسمي في تفسيره أنه يذكر بعضًا من العلوم التي تتعلق بعلوم القرآن، من حيث مكية السورة من مدنيتها، وعن سبب نزول بعض الآيات، وتعرّضه للقراءات المتواترة

стр. 40

والشاذة وتوجيهها، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك مما يتعلق بعلوم القرآن. ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٤]. ذكر القاسمي في المسألة الثالثة أن أكثر الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفي. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه (١). منهجه في القضايا اللغوية: يبين القاسمي ﵀ عند تفسيره لبعض الآيات، معاني المفردات الغريبة، فتارة ينقل عن قواميس اللغة المعتمدة، كالصحاح والقاموس المحيط للفيروز آبادي (٢)، وغيرهم، ويعتني كذلك بالإعراب، فيتحدث بإيجاز في الغالب، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الآيات. ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] قال: "نصب على الظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام" (٣). منهجه في القضايا البلاغية: يتعرض القاسمي -رحمه الله تعالى- لبعض الجوانب البلاغية التي تتعلق ببعض الآيات الكريمات، وذلك ببيان سر التعبير القرآني في بعض الكلمات والعبارات، والسر في تقديم بعض الألفاظ في موضع وتأخيرها في موضع آخر وغير ذلك، ويرد كذلك على من يقول بالمجاز، وما يوهم ظاهره التكرار، وينقل عن الزمخشري، وأبي السعود وغيرهما.
следующие страницы →