← Тафсир

Тафсир · id 30149

تعقبات جمال الدين القاسمي على من سبقه من خلال كتابه محاسن التأويل

عبد الرحمن الحسن

Полный текст (1 202 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

شطرا من عمره ووقف على فحص دقائقه قدرا من دهره. وقد جعل -رحمه الله تعالى-- الجزء الأول مقدمة لتفسيره، قال عنها: "وهي قواعد فائقة وفوائد شائقة جعلتها مفتاحا لمغلق بابه، ومسلكا لتسهيل خوض عبابه، تعين المفسر على حقائقه وتطلعه على بعض أسراره ودقائقه" (١). والقاسمي -رحمه الله تعالى- كثيرا ما ينقل نقولا طويلة عن علماء السلف وغيرهم، فينقل عن أحمد بن حنبل، وابن جرير الطبري، وابن حزم (٢)، والراغب (٣)، والزمخشري (٤)، والرازي (٥)، والقرطبي (٦)، والعز بن عبد السلام (٧)، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، والشاطبي (٨). والبقاعي (٩)، وغيرهم، ﵏ أجمعين.

стр. 37

وكثيرا ما يستشهد ﵀، وهو من علماء الحديث- بالأحاديث النبوية من الصحاح والسنن والمسانيد. وفي اللغة يرجع إلى كتب اللغة، كالقاموس والصحاح وغيرهما. منهجه في تفسير آيات العقيدة والأسماء الصفات: أفرد القاسمي -رحمه الله تعالى- في المجلد الأول من مقدمات تفسيره بيانا في أن الصواب في آيات الصفات هو مذهب السلف. أورد فيه نقولا لبعض العلماء في إثبات ذلك، فنقل قول الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-: "لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز القرآن والحديث .... الخ" ووصفه بالقول الشامل في الصفات كما يقول ابن تيمية (١). ثم نقل عن الأوزاعي (٢) من كتابي الأسماء والصفات للبيهقي، والسنة لأبي بكر الخلال، ثم نقل شرح ابن القيم لحديث: "فرح الله بتوبة عبده" من كتابه: طريق الهجرتين، مما يقرر به مذهب السلف في الأسماء والصفات (٣). ومن الأمثلة على ذلك: تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [سورة الشورى: ١١] قال: "كما أن صدر الآية فيه رد على المشبهة فكذا تتمتها وهو قوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ رد على المعطلة؛ ولذا كان أعدل المذاهب مذهب السلف، فإنهم أثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه وذلك أن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله تعالى وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات فجمعوا بين التمثيل والتعطيل فمثلوا أولا وعطلوا آخرا، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من

стр. 38

أسمائه وصفاته تعالى بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم فعطلوا ما يستحقه من الأسماء والصفات اللائقة به بخلاف سلف الأمة وأجلاء الأئمة، فإنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه ﷺ من غير تحريف ولا تشبيه قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، فرد على المشبهة بنفي المثلية، ورد على المعطلة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ (١). وفي تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [سورة الأعراف: ١٤٣]. أثبت فيها رؤية الله ، وردَّ على المعتزلة الذين ينفون الرؤية (٢). كما أنه في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف: ٥٤] قد أكثر من النقول عن السلف في إثبات صفة الاستواء لله (٣). منهجه في التفسير بالمأثور: ومرادنا بالمأثور: ما أُثر إلينا من القرآن والسنة والآثار عن الصحابة والتابعين (٤). فيُلاحظ أن القاسمي ﵀ يُفسر الآيات بنظيرها من الآيات الأخرى وهو ما يُسمى بتفسير القرآن بالقرآن، وكذلك يُفسر بعض الآيات بإيراد ما ورد فيها من التفسير النبوي (٥) أو التفسير بالسنة (٦)، وكذلك يورد الآثار المروية عن الصحابة والتابعين في تفسير الآيات.

стр. 39

فمن تفسير القرآن بالقرآن: تفسيره لقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة: ٧] بأنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [سورة النساء: ٦٩] (١). ومن تفسير القرآن بما ورد عن النبي ﷺ : تفسيره المراد من الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]. الشرك، ويورد أثر عبد الله ابن مسعود ﵁: "لما نزلت هذه الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال: «ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣]» (٢). ثم يُنبه القاسمي ﵀ على هذا التفسير ويقول: "حيث علم أن الصادق المصدوق ﷺ فسر الآية بما تقدم فليعض عليه بالنواجذ" (٣). ومن تفسير القرآن بما ورد عن الصحابة والتابعين: تفسيره لقوله تعال: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧]. أي: أخرجه وهو محب له راغب فيه، نص على ذلك: ابن مسعود، وسعيد بن جبير، وغيرهما من السلف والخلف (٤). منهجه في قضايا علوم القرآن: يُلاحظ على القاسمي في تفسيره أنه يذكر بعضًا من العلوم التي تتعلق بعلوم القرآن، من حيث مكية السورة من مدنيتها، وعن سبب نزول بعض الآيات، وتعرّضه للقراءات المتواترة

стр. 40

والشاذة وتوجيهها، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك مما يتعلق بعلوم القرآن. ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [سورة البقرة: ٢٣٤]. ذكر القاسمي في المسألة الثالثة أن أكثر الفقهاء على أن هذه الآية ناسخة لما بعدها من الاعتداد بالحول وإن كانت متقدمة في التلاوة، فإن ترتيب المصحف ليس على ترتيب النزول بل هو توقيفي. وذهب مجاهد وغيره إلى أنهما محكمتان. كما سيأتي بيانه (١). منهجه في القضايا اللغوية: يبين القاسمي ﵀ عند تفسيره لبعض الآيات، معاني المفردات الغريبة، فتارة ينقل عن قواميس اللغة المعتمدة، كالصحاح والقاموس المحيط للفيروز آبادي (٢)، وغيرهم، ويعتني كذلك بالإعراب، فيتحدث بإيجاز في الغالب، وقد يتوسع أحيانًا في إعراب بعض الآيات. ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] قال: "نصب على الظرف، أي: كتب عليكم الصيام في أيام" (٣). منهجه في القضايا البلاغية: يتعرض القاسمي -رحمه الله تعالى- لبعض الجوانب البلاغية التي تتعلق ببعض الآيات الكريمات، وذلك ببيان سر التعبير القرآني في بعض الكلمات والعبارات، والسر في تقديم بعض الألفاظ في موضع وتأخيرها في موضع آخر وغير ذلك، ويرد كذلك على من يقول بالمجاز، وما يوهم ظاهره التكرار، وينقل عن الزمخشري، وأبي السعود وغيرهما.

стр. 41

ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ١٤] يقول: "واعلم أن مساق هذه الآية بخلاف ما سبقت له أول قصة المنافقين، فليس بتكرير؛ لأن تلك في بيان مذهبهم، والترجمة عن نفاقهم وهذه لبيان تباين أحوالهم، وتناقض أقوالهم في أثناء المعاملة والمخاطبة حسب تبيان المخاطبين" (١). منهجه في تفسير آيات الأحكام: إذا مر القاسمي في تفسيره بآيات الأحكام نجد أنه يُفسّرها ويُبين معاني المفردات الغريبة فيها، ثم يتعرض لما استنبط منها من الأحكام الشرعية بتوسع، وفي بعض المواضع من تفسيره لآيات الأحكام يختصر، ونادرا ما يذكر آراء ومذاهب الأئمة الأربعة، ولعل السبب في ذلك ما انتهجه من محاربة التقليد، والله أعلم. ومن الأمثلة على ذلك: في تفسير قوله تعالى: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] لم يذكر فيها أقوال العلماء وخلافهم في الأحكام المتعلقة بالصيام، بل اقتصر على بيان أن النبي ﷺ صام في السفر وأفطر، وأنه خيّر بعض الصحابة بين الصوم والفطر، وأورد الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك، وبعض المسائل المتعلقة بالصيام (٢). وعند حديثه عن آيات الطلاق في سورة البقرة من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٦]، نجد أنه يتوسع في ذكر أحكام الطلاق بإيراد الأحاديث وأقوال السلف، وغيرهم من العلماء، وبعض المسائل التي تتفرع من أحكام الطلاق كطلاق الغضبان وطلاق الحائض والخلع، بما يزيد على أربعين صفحة (٣).

стр. 42

عنايته بالتفسير العلمي: يظهر من خلال تفسير القاسمي -رحمه الله تعالى- اهتمامه بالتفسير العلمي أو بالآيات ذات المضامين العلمية، ولكنه مع ذلك لم يتحدث عن جميع الآيات التي فيها إشارات إلى العلم، ويظهر اهتمامه من خلال نقله عن بعض علماء الفلك. ومن الأمثلة على ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢] حيث قال: "قال بعض علماء الفلك في معنى الآية: أي كالبنيان يشد بعضه بعضًا فجميع السماوات أو الكواكب كالبناء المرتبط بعضه ببعض من كل جهة، المتماسك كأجزاء الجسم الواحد بالجاذبية التي تحفظ نظامها في مداراتها، وهو جذب الشمس لها" (١). أبرز المآخذ التي استُدركت على القاسمي ﵀ في تفسيره: القاسمي ﵀ كغيره من المفسرين الذين يصيبون ويُخطئون في تفسيرهم وآرائهم، ومن رحمة الله تعالى بعباده أن يُهيئ لهم من يكشف عن أخطائهم وزلاتهم، كي لا يُتابعون عليها، ويَستغفر لهم من قرأها وأدرك مُجانبتها للصواب، ولعلي أذكر بعضًا مما يؤخذ على تفسيره بعد جولات فيه: أولا: كثرة النقول في تفسيره عن كل من هب ودب، وتكاد تكون نسبة النقل عن من سبقه في تفسيره تُشكل النصف أو أكثر، وقد ينقل عبارات ويستطرد في مسائل لا علاقة لها في تفسير الآية، فليته لم يُكثر من هذه النقول التي تُسبب الملل للقارئ والتقليل من قدر هذا التفسير، وقد يكون هذا السبب هو الذي جعل كثير من الناس يزهدون في تفسيره، والله أعلم. ثانيًا: وجود نقولات عن التوراة والإنجيل في تفسيره: من ذلك ما نراه عند تفسيره عند قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ

стр. 43

سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [سورة البقرة: ٢٤٨]، ينقل عن الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج (١)، وكذا عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [سورة البقرة: ١٨٣] ينقل عن سفر عزرا، الإصحاح الثاني، وينقل عن إنجيل متى، الإصحاح السادس (٢)، فهل يا تُرى نحن بحاجة إلى الاعتماد على نصوص تعرَّضت للتحريف والتغيير، وأين القاسمي من حديث جابر بن عبد الله رضي اللهـ تعالى عنه: أن عمر بن الخطاب ﵁ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتب، فقرأه النبي ﷺ فغضب فقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذِّبوا به، أو بباطل فتصدقوا به، والذي نفسي بيده، لو أن موسى ﷺ كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني" (٣). ثالثًا: فيما يتعلق بالقراءات فإنه في بعض الأحيان يورد بعض القراءات دون نسبتها لقرائها فيذكرها بصيغة المبني للمجهول أو مالم يُسم فاعله، فيقول: قُرئ بكذا أو نحوه، فيتوهم القارئ أن هذه القراءة صحيحة، ثم يتبين له أنها شاذة، فيقع القارئ في اللبس، فيظن أنها صحيحة. ومما يُمثل على ذلك: أن القاسمي ﵀ عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [سورة البقرة: ١٣٢] قال: "وقرئ ويعقوبَ بالنصب عطفا على بنيه" (٤)، وهذه قراءة طلحة وهي شاذة (٥)، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [سورة البقرة: ١١١] قال: "وقرئ ﴿إلا من كان يهوديا أو

стр. 44

نصرانيا﴾ " (١)، وهي قراءة أبي بن كعب، من القراءات الشاذة (٢). رابعًا: يُلاحظ على القاسمي ﵀ في تفسيره لبعض الآيات التي تتعلق بالتفسير العلمي أنه يُفسرها بالنظريات العلمية، وهذا في الحقيقة مسلك خطير، لأن هذه النظريات العلمية لم تثبت صحتها يقينًا، بخلاف الحقائق الثابتة التي ثبتت يقينًا ولا أحد يُنكرها، وذلك أن المفسِّر قد يُصحح نظرية علمية استناداً على آية من كتاب الله تفيد ذلك، ثم يتبين للعلماء بطلان هذه النظرية، فيؤدي إلى التشكيك في صدق كتاب الله تعالى وتكذيبه، والتعرض له بالطعن من قبل أعداء الدين. ومما يُمثّل على ذلك: أنه عند تفسير قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [سورة البقرة: ٢٩] ذكر أن بعض علماء اللغة يرى أن العرب تستعمل لفظ سبع، وسبعين، وسبعمائة للمبالغة في الكثرة. فالعدد إذن غير مراد. وذهب بعض علماء الفلك إلى أن الحصر في السبع حقيقي وأن المراد: العالم الشمسي وحده دون غيره ..... وبذلك تتجلّى الآن معجزة واضحة جليّة. لأنه في عصر التقدّم والمدنية العربية، حينما كان العلم ساطعا على الأرض بعلماء الإسلام، كان علماء الفلك لا يعرفون من السيارات إلّا خمسا- بأسمائها العربية إلى اليوم- وهي: عطارد، الزهرة، المريخ، المشتري، زحل ..... ولمّا اكتشف بعد (بالتلسكوب) سيّار لم يكن معلوما، دعوه «أورانوس» ثم سيّر آخر سمّوه «نبتون» - صارت مجاميع السيارات سبعا، فهذا الاكتشاف- الذي ظهر بعد النبي ﷺ بألف ومائتي سنة- دلّ على معجزة القرآن، ونبوّة المنزل عليه ﷺ (٣). وينقل عن بعض علماء الفلك: "إن المراد بالسموات السبع العالم الشمسي وحده دون غيره" (٤).

стр. 45

ثم يأتي من بعد ذلك من يرد على هذا الكلام وأنه يُخالف العلم الحديث، ولا يتفق مع وصف القرآن لهذه السموات بأنها (طباقا) و (شدادا)، ذلك أن الكواكب ليست مصطفة أفقيًا كما يُفهم من الوصف (طباقا) بسبب تباين فترات دورانها، وليست ثابتة كما يُفهم من وصفها بأنها شداد، فهي معرّضة للتأثر بأجرام سماوية أخرى أكثر ثباتًا منها ..... إلخ (١). خامسًا: مما يلاحظ على القاسمي ﵀، أنه خالف جمهور أهل العلم في مسألة مهمة وهي: إتيان المرأة في دبرها، فعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة البقرة: ٢٢٣] أورد فيها روايات وآثارًا تبيح ذلك وتجيزه، بل وينتقد الإمام ابن القيم ويقول عنه إنه أوَّل في هذه المسألة، وأن الأحاديث التي استدل بها على التحريم ضعيفة، لا تقوى للاحتجاج بها، ويمكن أن يكون هناك حديث صحيح في هذا الباب (٢)، فإيراده لهذه الآثار دون تعقب عليها يدل على أنه إن لم يرى بجواز هذا الفعل، فإنه يعتد بالخلاف فيه، والحق الذي دلت عليه الأدلة الصحيحة خلاف ما ذهب إليه القاسمي ﵀ وغفر له. سادسًا: يفهم من كلام القاسمي ﵀ أنه ينكر أن القمر انشق في عهد رسول الله ﷺ في تفسير قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [سورة القمر: ١]، يخطئ الحافظ ابن كثير في قوله بتواتر حديث انشقاق القمر، حيث يقول: " وزعم ابن كثير أن أحاديثه متواترة" (٣)، ويأتي بنقولات في غير محلها تسوِّغ الخلاف في حجية خبر الآحاد (٤). ولم يعلم القاسمي ﵀ أنه إن رد الخبر بكونه آحادًا أنه يُوافق أهل البدع، فإن السلف مجمعون على حجية خبر الآحاد، وأن الخلاف في قبول خبر الآحاد من رده خلاف بين أهل

стр. 46

السنة وأهل البدع (١). فهذه عبارة عن لمحات وقبسات ومُلاحظات من هذا التفسير القيم، الذي امتاز بالفوائد الجمة في شتى الفنون الشرعية المختلفة من سلامة العقيدة وتوضيح للأحكام ومسائل في علوم القرآن ولغة وبلاغة وغير ذلك من النقولات المفيدة. وما أُخذ عليه في تفسيره لا يقدح في منزلة القاسمي ويُقلل من قدره، فهو عالم جليل ذو اطلاع وعلم واسع، وذو عمل خالص كما نحسبه بذلك والله حسيبه. * * *

стр. 47

القسم الأول قسم الدراسة النظرية وفيه أربعة فصول: الفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها. الفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها. الفصل الثالث: أنواع التعقبات عند القاسمي. الفصل الرابع: منهج القاسمي في تعقباته على من سبقه وقيمتها العلمية.

стр. 48

الفصل الأول: التعقبات: تعريفها ونشأتها وفيها ثلاثة مباحث: المبحث الأول: تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح. المبحث الثاني: الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها. المبحث الثالث: أهمية التعقبات ونشأتها.

стр. 49

المبحث الأول تعريف التعقبات في اللغة والاصطلاح. أولا: تعريف التعقبات في اللغة: من خلال النظر في المعاجم المعتمدة عند أهل اللغة، نجد أن معاني مادة العين والقاف والباء في الجملة تدور حول "تأخير الشيء وإتيانه بعد غيره" (١). ومنه "عَقَبَ" الليلُ النهارَ: جاءَ بعدَه. وعاقَبه أَي جاءَ بعَقِبه، فهو مُعاقِبٌ وعَقِيبٌ أَيضاً؛ والتَّعْقِيبُ مِثْلُهُ، وذَهَبَ فلانٌ وعَقَبَهُ فلانٌ بعدُ، واعْتَقَبَه أَي خَلَفَه، و (الْعَقِبُ) بكسر القاف مُؤَخَّرُ الْقَدَمِ، و (الْعُقْبُ) و (الْعُقُبُ) العاقبة مثل عُسْرٍ وَعُسُرٍ ومنه قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾ [سورة الكهف: ٤٤] (٢). وتَعقَّبت الرجل إِذا أخذتَه بذنب كان منه، وتَعَقَّبْتُ عَنِ الْخَبَرِ إِذا شَكَكْتَ فِيهِ، وعُدْتَ للسُّؤَال عَنْهُ (٣). والتَّعْقيبُ: انصرافك راجعاً من أمر أردتَه أو وجه. والمُعَقِّبِ: الذي يتتبع عَقِبَ إنسانٍ في طلب حق أو نحوه (٤). وقال الأزهري (٥): "استعقبت الرجل وتعقبته، إذا طلبت عورته وعثرته. ويقال استعقب فلان من كذا وكذا خيرا وشرا" (٦).

стр. 50

قال ابن فارس (١): "تعقبت ما صنع فلان، أي تتبعت أثره. ويقولون: ستجد عقب الأمر كخير أو كشر، وهو العاقبة" (٢). وقال الزمخشري: "تعقبت ما صنع فلان: تتبعته. ولم أجد عن قولك معقّباً أي متفحّصاً يعني أنه من السداد والصحة بحيث لا يحتاج إلى تعقب" (٣). ومنه ما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد: ٤١] أي: لا أحد يتعقب حكمه بنقض ولا تغيير (٤). وقال ابن منظور (٥): "تَعَقَّبَ الخبر: تَتَبَّعَه. ويُقال: تَعَقَّبْتُ الأمر إِذا تدبرته. والتَّعَقُّبُ: التدبر، والنظر ثانية، (٦). وقال أبو حيان (٧): "المعقب الذي يكر على الشيء فيبطله، وحقيقته الذي يعقبه أي: بالرد والإبطال، ومنه قيل لصاحب الحق: معقِّب، لأنه يقفي غريمه بالاقتضاء والطلب" (٨). ومما تقدم من كلام أهل اللغة يتلخص لنا أن التعقب يدور حول المعاني التالية، وهي: الاتيان بعدُ، والتفحص، والرجوع، والمآل، والتدبر، إعادة النظر، والتتبع، وطلب العثرة، والإبطال، والنقض، والتغيير، ونحو ذلك مما ذكره اللغويون.

стр. 51

ثانيًا: تعريف التعقبات في الاصطلاح: بحسب البحث والنظر في تعريف التعقبات عند المتقدمين والمتأخرين لا نجد أحدًا منهم عرَّفه بتعريف اصطلاحي صريح، ولعل السبب في ذلك والله أعلم أن معنى التعقبات كان مُستقرا في الأذهان عندهم، فلم تكن الحاجة ماسة بتعريفه تعريفًا جامعًا مانعًا. ولكن عند النظر في المعنى اللغوي والمعاني التي تدور حول معنى التعقبات، يُمكن بذلك أن يُستخلص منها المعنى الإصطلاحي. فالتعقب اصطلاحًا: تتبُّع عَلَم متأخِّرٍ لِعلم متقدِّمٍ أو في عصره بالتعليق على قوله، بنقدٍ، أو انتقاص، ورده وإبطاله. وعرَّفه بعض المعاصرين بقوله: "نظر العالم استقلالا في كلام غيره أو كلامه المتقدم تخطأة أو استدراكًا" (١). والمقصود بقوله: استقلالاً: أن لا يكون العالم قد نقل التعقب عن غيره. ثالثًا: تعريف التعقب عند المفسرين: من خلال ما تقدم من التعريف اللغوي والإصطلاحي توصل الباحث إلى أن معنى التعقب عند أهل التفسير: إتباع المفسر قولا يذكره عن من سبقه في بيان معاني القرآن الكريم بوصف فيه نقد لهذا القول، يُصلحه ويُبين الصواب منه. فخرج بقول: "إتباع المفسر" ما عداه من أنواع الاختلاف المعتبرة بين المُفسرين، إذ إن التعقبات في التفسير بهذا المعنى يُعتبر نوعا خاصًا من أنواع الاختلاف في التفسير، يتميز عن مجرد عرض الأقوال الأخرى والاعتداد بها، بنوع من نقد أو انتقاص. وخرج بقول: "في بيان معاني القرآن الكريم": إخراج لما عدا ذلك مما يذكره المفسر من مسائل يستطرد فيها وليست لها علاقة بتفسير الآية.

стр. 52

وخرج بقول: " يُصلحه ويُبين الصواب منه" يُبين غرض المتعقب من تعقبه، وهو إصلاح الخطأ من القول، وذلك ببيان وجه الخطأ فيه، وإصلاحه ببيان القول الصحيح المراد من الآية. المراد من تعقبات القاسمي: تتبع القاسمي لأقوال من سبقه من الأعلام في بيان معاني كتاب الله تعالى بنقد صريح أو غير صريح، وبيان الصواب منه. * * *

стр. 53

المبحث الثاني الفروق بين التعقبات والألفاظ المقاربة لها من خلال النظر في معنى التعقبات المتقدم، نجد أن بعض الألفاظ في اللغة قد ترادفها في المعنى، إلا أنه بعد التأمل والنظر في الدلالات اللغوية وما كتبه أهل العلم في كتبهم وتطبيقاتهم لها نجد أن بينها فرقًا، وإن كان مؤداها ينتهي إلى معنى النقد والابطال. فمن الألفاظ اللغوية التي تدل على معنى التعقبات: النكت، والتتبع، والاستدراكات، والنقد، والرد، والنقض. الفرق بين التعقبات، والألفاظ المقاربة لها: التَعَقب: اسم جامع لكل ما جاء لاحقًا لنص ما أو غيره، سواء كان ذلك استدراكًا أو نقدًا أو نقضًا، ونحو ذلك، ويدل على ذلك ما تقدم ذكره من أنه يدل على تأخير الشيء وإتيانه بعد غيره. وفيه كذلك تتبع لكلام الغير والنظر فيه لنقضه وإبطاله، ويتضمن بعض الألفاظ التي تدل على تحقير القول أو الانتقاص منه بوصفه بالبعد أو الشذوذ أو شدة الضعف ونحو ذلك. وأما النُكَت: فهو من نَكت الأَرض، إذا أثّر فيها بقضيب، والنَّكات: لطعّانُ فِي الناسِ مثلُ النزّاكِ والنّكّازِ واحد، قال: والنكيت: المطعون (١). وتُعرّف في الاصطلاح: "الدقائق التي تستخرج بدقة النظر إذ يقارنها غالبا نكت الأرض بإصبع أو غيرها" (٢). وهو يُرادف التقب بالجملة إلا أنه يزيد على التعقب باستخراج الفوائد المهمة من كتاب ما، والتعليق عليه، ومن ذلك كتاب: النُكت على مقدمة ابن الصلاح للزركشي، وكذا للحافظ ابن حجر.

стр. 54

وأما التَتَبُع: فهو من التبع: "وهو التَلو والقَفو. يقال تبعت فلانا إذا تلوته" ويقال: "فلان يتتبع مساوي فلان وأثره ويتتبع مداق الأمور ونحو ذلك" (١). ويُعرَّف عند المنطقيين بأنه: "قول مؤلَّف من قضايا تشتمل على الحكم على الجزئيات لإثبات الحكم الكلّي" (٢). فمعنى التتبع في اللغة يُرادف معنى التعقب إلا أن بينهما عموم وخصوص، فالتتبع أعم من التعقب، فقد يتتبع عالمٌ عالمًا بألفاظ غير صريحة بتخطأته وانتقاده ظاهرها لا يدل على التعقب ومن ذلك: ما أورده الدارقطني في كتابه: (الإلزامات والتَتَبُع) من رواية الإمام البخاري أنه قال: حدثنا إسحاق، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» (٣). قال الدارقطني (٤): "وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه. والصواب ما رواه الزهري ومحمد بن إبراهيم ويحيى بن أبي كثير ومحمد بن عمرو وغيرهم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "ما أذن الله لشيء أذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به". وقول أبي عاصم وهم وقد رواه عقيل ويونس وعمرو بن الحارث وعمرو بن دينار وعمرو ابن عطية وإسحاق بن راشد ومعمر وغيرهم عن الزهري بخلاف ما رواه أبو عاصم عن ابن جريج باللفظ ذكره. وإنما روى ابن جريج هذا اللفظ الذي ذكره أبو عاصم عنه بإسناد آخر رواه عن ابن

стр. 55

أبي مليكة عن أبي نهيك عن سعيد قاله ابن عيينة عنه. " (١). فقول الدارقطني: " وهذا يقال إن أبا عاصم وهم فيه" لا يصل إلى درجه التعقب الصريح، وإنما هو من التتبع الذي قد يُراد من التعقب غير الصريح أو يُراد منه الأولى والراجح من الأقوال، فهو أعم من التعقب، والله أعلم. أما الاستدراك: فهو في اللغة من الدَّرَك وهو: " وهو لحوق الشيء بالشيء ووصوله إليه" (٢)، و "إِتْباعُ الشيءِ بعضِهِ على بعضٍ" (٣). وهو يقتضي مغايرة الكلامين - يعني السابق واللاحق- نفيا وإثباتا (٤). أو هو: "دفع توهم يتَوَلَّد من الكلام المتقدم دفعا شبيها بالاستثناء" (٥). وهو كالتعقب بإبطال خطأ القول وإثبات صوابه، إلا أنه يُطلق أيضًا على الزيادات والإضافات التي يُدرك بها اللاحق ما قات من السابق، ومن ذلك إذا استدرك إمام من المحدثين على إمام أحاديث لم يُخرجها وهي موافقة لشرطه أو العكس (٦). فبين التعقب والاستدراك عموم وخصوص، إذ إن الاستدراك أعم من حيث أنه يشمل التعقب والزيادات والإضافات، وهذا ليس في مصطلح التعقب والله أعلم. وأما النَّقد: فهو في اللغة: تمييز الدراهم وإعطاؤكها إنساناً وأخذها (٧)، ونقدت الدراهم وانتقدتها إذا أخرجت منها الزيف، وفي حديث أبي الدرداء أنه قال: "إن نقدت الناس نقدوك وإن تركتهم تركوك" (٨)؛ معنى نقدتهم: أي عبتهم واغتبتهم (٩).

стр. 56

ويُعَرَّف النقد عند أهل الأدب بأنه: عملية وصفية تبدأ بعد عملية الإبداع مباشرة وتستهدف قراءة الأثر الأدبي ومقاربته قصد تبيان مواطن الجودة والرداءة (١). فالتعقب يُرادف كذلك النقد بالجملة فكلاهما فيه تمييز جيد الكلام من رديئه، وصحيحه مِنْ فاسده، إلا أن الفرق في ذلك أن عمل الناقد في الكتابة يختلف عن عمل المتعقب، وذلك أن المتعقب يتميز بالألفاظ والأوصاف على الأقوال أو الاستنباطات التي تدل على ضعفها دون أن يعتد بها، أو يذكر لها احتمال وجه، بينما الناقد يزيد على المتعقب بذكر بعض المحاسن لهذا القول أو لهذا الاستنباط ونحو ذلك، ويكون الكلام فيه أكثر عمومًا من التعقبات، والله أعلم (٢). وأما الرَّد: فهو " صَرْفُ الشَّيْءِ ورَجْعُه " (٣)، ويُقال: "ورد إليه جوابا أي رجع" (٤)، ورد عليه الشيء، إذا لم يقبله، وكذالك إذا خطأه (٥). فالردود العلمية هي نوع من المراجعات التي يُقصد بها التخطأة والرفض، ولا تأتي إلا عقبها، وفيهما يتعقب اللاحق على السابق، فهي تُرادف التعقبات بالجملة. إلا أن الفرق بين الردود والتعقبات: - أن التعقبات قد تكون صريحة وغير صريحة إذا قيل أن هذا قول فيه نظر، أو فيه بُعد، بخلاف الردود العلمية التي تكون صريحة في رد القول بتخطأة صاحبه أو تضليله. - وفي التعقبات قد يكون الصواب مع المُتعقب وقد يكون مع المُتَعقب له، بخلاف الردود العلمية التي في الغالب يكون الحق مع صاحب الرد لأن صاحب الرد يكون ردّه مبنيًا على التتبع والدقة وتحري الحق، ومن ذلك كتاب الرد على الزنادقة والجهمية للإمام أحمد، وكتاب الرد على بشر المريسي للدارمي، وكتاب الاستغاثة في الرد على البكري لابن تيمية،

стр. 57

وغيرها كثير، والله أعلم. وأما النَّقض: فهو "نكثُ الشيء" (١)، ويقال: ناقضني ناقضته: أَي يَنْقُضُ قَوْلِي وأَنْقُضُ قَوْلَهُ، وناقضَه فِي الشَّيْءِ مُناقَضةً ونِقاضاً: خالَفَه (٢). ويُعرّف في الإصطلاح بأنه: "إبطال دليله المعلل بعد تمامه متمسكا بشاهد يدل على عدم استحقاقه للاستدلال به لاستلزامه فسادا" (٣). وهو يُرادف التعقب من حيث الجملة، إلا أنه يزيد على التعقب مرتبة في الشدة، لأن النقض إبطال الشيء من أصله وأساسه، بخلاف التعقب الذي يدور حول معنى الابطال إلا أنه لا يصل إلى درجة النقض، كأن تكون المسائل المُتعقب عليها توصف بأن فيها نظر أو توصف أو أنها ضعيفة، ونحو ذلك من الألفاظ. ومما يُمثّل عليه بالنقض: ما ألفه بعض الأعلام في نقض أصول أهل البدع كنقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي على بشر المريسي (٤)، ونقض التأسيس المُسمى ببيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (٥)، ففي هذين الكتابين وغيرهما اتيان على أصول أهل البدع من الجهمية وغيرهم ونقضها عروة عروة. فالملاحظ أن هذه الألفاظ تدور حول محور واحد في استعمالها العلمي، فكل لفظ منهن يأتي تبعًا للنص، وفيها تعقب اللاحق السابق، سواء أكان ذلك بتتبع واستدراك أو نقد أو نقض.

стр. 58

* خلاصة المبحث: أن لفظ التعقب يُرادف بعض الألفاظ في اللغة من حيث الجملة، إلا أن بينهم تفاوت من حيث القوة في الاستعمال من خلال النظر في تطبيقات أهل العلم. فأقوى هذه الألفاظ: النقض، ويليه الرد، ويليه التعقب، ويليه النقد، ويليه الاستدراك، ويليه التتبع، والله أعلم. * * *

стр. 59

المبحث الثالث أهمية التعقبات ونشأتها أهمية التعقبات: لا شك أن التعقب عمل له قيمته العلمية، فليس من الانصاف اعتباره عملا سلبيًا عديم الفائدة، فهو يُساعد على بناء الحوار الفكري الذي تتبادل فيه الآراء والمفاهيم التي تهدف إلى الوصول لمعرفة الصواب والحق الذي يجب اتباعه. والانسان بطبعه معرَّض للخطأ والزلل، كما قال النبي ﷺ : "كل ابن آدم خطاء … الحديث" (١)، فكان من رحمة الله تعالى بعباده أنه يهيئ لهم من يُبين الصواب من الخطأ والحق من الباطل، كي لا يسير الناس على خُطى من أخطأ ولم يُوَفق، فيتحمل أوزار من تبعه. فللتعقبات أهمية وفوائد جمة مُجملها فيما يلي: أولا: أنه يُحرر الباحث من قيود التعصب والتقليد الذي ذمه العلماء قديمًا كما قال الشافعي ﵀: "وبالتقليد أغفلَ من أغفلَ منهم، والله يغفر لنا ولهم" (٢)، ويُنمي فيه ملَكة التحري والتثبت، والبحث في الأدلة للوصول إلى وجه الحق، فكل إنسان يؤخذ من قوله ويُرَد. ثانيًا: معرفة مكانة وقدر أهل العلم، فكُلَّما قلَّ خطأ العالم كلَّما ازدادت الثقة فيه بالبحث بأقواله في المسائل التي يُخالف فيها غيره من أهل العلم. ثالثًا: في دراسة التعقبات إثراء للعلم، وترسيخ لأصول البحث العلمي المبني على التحقيق والتمحيص وروح الحوار والمناظرة وتقبل النقد، للوصول إلى الحق.

стр. 60

رابعًا: التعقب بين العلماء، يُثري المكتبة الإسلامية بكثير من البحوث العلمية التي يحتاجها المحققين، لما فيها من تحقيق وتحرير لكثير من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين العلماء. خامسًا: من مميزات التعقبات أنها تزيد من قيمة الكتاب العلمية، فكثيرا ما ترجع قيمة الكتاب إلى كثرة الدراسات التي تُجرى عليه من شروحات علمية، أو بيان الغامض منه، أو تذييل، أو عرض الاختيارات ومن ذلك التعقبات. سادسًا: في التعقبات كذلك كشف لخبايا دقائق العلم، وإضافة الجديد على القديم، وتمييز الرديء من الجيد، والصحيح من السقيم، فهي تُسهم في جعل العلم بمجموعه أقرب إلى الصواب، لأن كل عالم يتعقب غيره فهو يُصَوب ما بدر منه من أخطاء، وسيأتي معنا في دراسة التعقبات عند القاسمي ﵀ تفصيل ذلك. سابعًا: أن بعضًا من الكتب والمصنفات المشهورة التي تميزت بالتعقبات من اللازم أن تُسرد في حاشية بعض الكتب التي تعقبتها، إذ إنه لا استغناء للباحث والقارئ لأحدهما عن الآخر، ومن ذلك: أن حاشية ابن المنير المسماة (بالانتصاف لما تضمنه الكشاف من الاعتزال) مطبوعة في الحاشية مع كتاب الكشاف للزمخشري (١)، لضرورة الرجوع إليها، وكذا كتاب: (المتدارك على المدارك) لابن ضياء العدوي الحنفي (ت: ٨٥٤)، قد وضعه على تفسير النسفي ووصل فيه إلى آخر سورة هود (٢). ثامنًا: الاستفادة من صفات المُتَعقب إذا تعقّب من سبقه بالإنصاف والعدالة في الحكم، وسعة الصدر وطول البال، ورحابة الفكر، وسلامة المنطق، وسلاسة القلم في التعبير عن المراد (٣).

стр. 61

نشأة التعقبات: نشأت التعقبات والاستدراكات في التفسير مع أول نشأة التفسير وظهوره، إذ هي طريقة معتبرة في بين المعاني الصحيحة من البعيدة، بل كان أسلوب التعقبات والنقد في التفسير من الأساليب المميزة في الرد والتصحيح والتنقيح التي سلكها سلفنا الصالح رضوان الله عليهم من المفسرين. وقد كان أول ظهورها منذ العهد النبوي، ويظهر ذلك في بيان رسول الله ﷺ لمعاني القرآن الكريم، فقد أخذ هذا الأسلوب بحظه من البيان النبوي، ومن ثم صار منهجًا مُتبعًا في تفاسير الصحابة والتابعين وتابعيهم، ومن بعدهم أئمة التفسير، اقتداء بالهدي النبوي في ذلك، فظهرت آثاره الحميدة وعوائده الجليلة بفوائد جمة في تفسير كتاب الله تعالى. وقد تنوعت التعقبات والاستدراكات النبوية، وتعقبات الصحابة واستدراكهم على بعضهم، وعلى التابعين، وكذا التابعين على الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى بعضهم، وعلى أتباعهم (١). ولعلي أذكر بعضًا من الأمثلة على ما سبق ذكره مما هو متعلق بعلم التفسير: أولا: التعقب في التفسير: من أمثلة ذلك ما تعقبه ﷺ على الصحابة في فهمهم لمعنى الظلم في آية الأنعام كما روى البخاري عن عبد الله، قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [سورة الأنعام: ٨٢] شق ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ ، وقالوا: أينا لا يظلم نفسه؟ فقال رسول الله ﷺ : "ليس هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة لقمان: ١٣] " (٢)، فهذا تعقب صريح من النبي ﷺ على

стр. 62

صحابته في فهم المراد من الظلم في الآية. ثانيًا: التعقب في القراءات: ويكون ذلك برد قراءة شاذة لم تتحقق فيها شروط قبول القراءة الصحيحة، ومن ذلك: ما جاء عن القاسم بن ربيعة الثقفي (١) قال: يقول: " قلت لسعد بن أبي وقاص ﵁: إني سمعت ابن المسيب (٢)، يقرأ: «ما ننسخ من آية أو تُنْسَهَا» فقال سعد: إن الله لم ينزل القرآن على المسيب ولا على ابنه، إنما هي: «ما ننسخ من آية أو تَنْسَهَا» يا محمد. ثم قرأ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [سورة الأعلى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [سورة الكهف: ٢٤] " (٣). ثالثًا: التعقب في علوم القرآن: كأن يُتَعَقب على ادعاء النسخ في الآية، ومن ذلك أن ابن عباس ﵁ كان يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [سورة البقرة: ١٨٤] ويقول: «ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا» (٤).

стр. 63

رابعًا: التعقب على الروايات الإسرائيلية: الإسرائيليات: كل ما أخذه العلماء عن بني إسرائيل (اليهود والنصارى) من أخبار (١). وقد تعقب بعض السلف على بعض من الروايات الإسرائيلية، ومن ذلك أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الصافات: ١٠٧] «المفدى إسماعيل، وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود» (٢). ولما كانت التعقبات في التفسير عند السلف بهذه المثابة والانتشار، صارت بعد ذلك منهجًا مسلوكًا في كثير من كتب التفسير، ورُبما أُفردت كتب خاصة في التعقبات على تفاسير متقدمة (٣)، ولم يخل من ذلك سوى التفاسير المختصرة التي قصد مؤلفوها الاختيار والعرض دون التعقب والرد. وكلما اشتهر كتاب في التفسير وعظم اهتمام الناس به، كُلما كثُرت التعقبات عليه، ومن أظهر الأمثلة على ذلك تفسير: (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) لابن جرير الطبري (ت: ٣١٠) الذي يُعد من أفضل التفاسير الذي تميَّز مؤلفه بالإمامة في الدين وإيراده أقوال السلف في تفسير الآية بأسانيدها، وبترجيح ما يختاره من الأقوال، مع عنايته بالقراءات، وسلامة العقيدة، وتعقباته على بعض من سبقه. وقد تعرض هذا التفسير للتعقب والاستدراك على بعض المسائل ممن جاء بعده من أهل العلم والفضل من المفسرين ممن جمع النقل والتحليل والترجيح، وكان أبرزهم في هذا الجانب: ابن عطية (ت: ٥٤٦ هـ)، في كتابه المحرر الوجيز، وابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ) في تفسيره، وغيرهما. ثم تتابع المفسرون على هذا المنهج، حتى أصبحت التعقبات سمتًا عامًا في كتب التفسير المتوسطة والموسعة، وصارت إحدى الدلائل على تمكن واقتدار من المفسر في علمه، لما في

стр. 64

التعقبات من النقل والتحرير، والتصحيح، وبيان الراجح (١). ثم أصبح هذا الباب مرتعًا خصبًا للرسائل العلمية، وخاصة في مرحلة الدراسات العُليا، فقد سُجلت فيه عددا من الرسائل العلمية، ومن ذلك: ١ - تعقبات الإمام ابن كثير على من سبقه من المفسرين من خلال كتابه: تفسير القرآن العظيم (جمعًا ودراسة)، للباحث: أحمد بن عمر السيد (٢). ٢ - تعقبات الزجاج للفراء في معاني القرآن وإعرابه، للباحث: عادل علي الصراف (٣). ٣ - تعقبات حديثية على ابن العربي في أحكام القرآن، للدكتور: محمد عبد الرحمن الأهدل (٤). ٤ - تعقبات أبي حيان النحوية لجار الله الزمخشري في البحر المحيط، للباحث: محمد حماد ساعد القرشي (٥). ٥ - تعقبات العلامة الشنقيطي على المفسرين (جمعا ودراسة)، للباحث: سعيد بن هندي بن شنان الغامدي (٦). ٦ - تعقبات ابن المنير البيانية على الكشاف وأثرها في التفسير، للباحث: محمد سلامة محمود (٧).

стр. 65

٧ - تعقبات رشيد رضا في تفسيره (المنار) على الفخر الرازي في تفسيره في مسائل التفسير وعلوم القرآن: (دراسة تحليلية نقدية)، للباحث: مرهج ذيب سالم المساعيد (١). ٨ - تعقبات الزركشي في البرهان للزمخشري في الكشاف وأثرها في التفسير وعلوم القرآن، للباحث: بلال محمود سالم لفاح (٢)، وغيرهم كثير. وعلى هذا النهج نقتدي بمن سلف ونُبين ما تعقب به القاسمي ﵀ على من سبقه، سائلين المولى أن يرزقنا التوفيق والسداد. * * *

стр. 66

الفصل الثاني: صيغ التعقبات عند القاسمي ومصادره فيها وفيها ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الصيغ الصريحة. المبحث الثاني: الصيغ غير الصريحة. المبحث الثالث: مصادره في التعقبات.

стр. 67

المبحث الأول الصيغ الصريحة من خلال استقراء تفسير القاسمي ﵀ والنظر في صيغ التعقبات منه على من سبقه من الأعلام والمفسرين، يتبين بعد النظر استخدامه صيغًا صريحة لتعقبه تتضمن الرَّد والنقد الصريح لأحد الأقوال، مع ذكره لاختياره الذي يراه صوابًا في المسألة في الغالب، وهذه الصيغ هي: ١ - التصريح بقول: (باطل، لا يخفى فساده، واهٍ، ليس بشيء، مدفوع، لا يُساوي فلسًا) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة البقرة: ٣٤] ذكر قول الخوارج (١): أن إبليس كفر بمعصية الله، وكل معصية كفر. فقال القاسمي مُعقِّبًا: "وهذا قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الأمة" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى:: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة: ٩٦] قال: " وما ذكره بعض المفسرين من أن البصير في اللغة بمعنى العليم لا يخفى فساده، فإن العليم والبصير اسمان متباينا المعنى لغة" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [سورة الأنعام: ٦٩] عقَّب على قول السيوطي (٤) بأن: "الآية

стр. 68

منسوخة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء: ١٤٠] " (١). ووصفه القاسمي بأنه: استدلال واهٍ (٢). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة البقرة: ١٣١] عقَّب على قول الزمخشري (٣)، بأن الآية تُحمل على المجاز من أن المعنى: "أخطر بباله دلائل التوحيد المؤدية إلى المعرفة الداعية إلى الإسلام" (٤). ووصف القاسمي ﵀ هذا القول أنه: "ليس بشيء" (٥). ج - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [سورة النساء: ٤٦] أورد قول الخفاجي (٦) بأن قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ "كان الوجه فيه الرفع على البدل لأنه من كلام غير موجب - أي: غير ثابت -" (٧). وأبي السعود (٨): "بأن فيه نسبة القراء إلى الاتفاق على غير المختار" (٩). وعقَّب عليهما بأن "قولهما مردود بأن النصب عربي جيد. وقد قرئ به في السبع في (قليلٌ) من قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة النساء: ٦٦] " (١٠).

стр. 69

ح - وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة: ٨٥] عقّب على تعقب ابن كثير على قول ابن عباس ﵁ بأن: "نزول الآية في النجاشي وأصحابه، الذين حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم. فيه نظر" (١)، فقال القاسمي: "إن نظره مدفوع" (٢). خ - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [سورة النساء: ٩٢] أورد قول أبي بكر الأصم المعتزلي (٣) وجمهور الخوارج، الذين أوجبوا الدية على القاتل لا على عاقلته. واحتجوا بوجوه خمسة عقلية. ساقها الفخر الرازي (٤). ثم وصف القاسمي ﵀ هذه الأوجه بقوله: " أنها لا تُساوي فلسًا. إذ هي من معارضة النص النبوي بالرأي المحض، اللهم: إنا نبرأ إليك من ذلك. وقد غفلوا عن حكمة المشروعية على العاقلة التي بيناها" (٥). ٢ - التصريح بقول: (زعم، زعموا)، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [سورة البقرة: ١٠٢] عقَّب على قول أبي مسلم (٦) الذي أورده الرازي في تفسيره بأن: "هاروت وماروت

стр. 70

كانا مَلَكين من الملائكة" (١)، فقال القاسمي: " وللقصاص في هاروت وماروت في أحاديث عجيبة. فزعموا أنهما كان ملكين من الملائكة" (٢). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ الآية [سورة المائدة: ٦] قال: " وزعم بعضهم أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ" (٣). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [سورة آل عمران: ١٠٢] ذكر قول أبي العالية (٤)، وقتادة (٥)، ومقاتل بن حيان (٦)، والربيع بن أنس (٧)، والسدي (٨)، بأن الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن: ١٦] (٩).

стр. 71

ثم قال القاسمي مُعقِّبًا: " وهذا الزعم لم يصب المحز، فإن كلا من الآيتين سيق في معنى خاص به، فلا يتصور أن يكون في هذه الجملة طلب ما لا يستطاع من التقوى، بل المراد منها دوام الإنابة له تعالى وخشيته وعرفان جلاله وعظمته قلبا وقالبا" (١). ٣ - التصريح بقول: (لا حُجة فيه، من الضعف بمكان، لا يصح، لا يصلح) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة: ١٥٨] ذكر قول أنس ابن مالك ﵁ (٢)، وابن الزبير ﵁ (٣)، ومجاهد (٤)، وعطاء (٥)، بأن: السعي سنة (٦). فقال القاسمي مُعقِّبًا: "أنه لا حُجة فيه" (٧). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ [سورة النساء: ٨] ذكر قول ابن عباس وغيره

стр. 72

بأن الآية منسوخة بآية الميراث (١)، فقال القاسمي مُعقِّبًا بأنه: "من الضعف بمكان" (٢). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ [سورة المائدة: ٢٦] عقَّب على قول من قال بأن قوله: ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ ظرف متعلق لـ (محرمة) ووصفه بأنه: "لا يصح إلا بتكلف" (٣). ث - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [سورة الصافات: ١٥٨]، ذكر قول من فسر (الجنة) بالملائكة. مستشهدا ببيت للأعشى يذكر سليمان ﵇: وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ الْمَلَائِكِ تِسْعَةً … قِيَامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلَا أَجْرِ. فقال معقِّبًا: وبيت الأعشى لا يصلح حجة، لفساد مصداقه" (٤). ٤ - التصريح بقول: (أبعد، بعيد، بعيد جدا) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ١٧٧] عقَّب على الحافظ ابن كثير الذي حمل الزكاة الواردة في الآية بزكاة النفس (٥). فقال القاسمي: "وقد أبعد من حمل الزكاة- هنا- على زكاة النفس وتخليصها من الأخلاق الدنيئة الرذيلة" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا

стр. 73

أَصَابَكُمْ﴾ [سورة آل عمران: ١٥٣] عقَّب على قول المُفَضِّل (١) بأن (لا) زائدة. قال القاسمي: "وعندي أنه بعيد، لا سيما مع تكرار (لا) في المعطوف" (٢). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٨] ذكر قول الفراء والزجاج (٣) بأن ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ منصوبا بالعطف على ﴿يكبتهم﴾ (٤). فقال القاسمي مُعقِّبًا: "هذا بعيد جدا" (٥). ٥ - التصريح بقول: (تكلَّف للجواب، تكلّفٌ لا يساعده نظم الآية، تكلَّفه جماعة من الفقهاء) ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [سورة البقرة: ٢٣٦] قال: " أخذ بعض المفسرين يحاول البحث بأن عنوان نفي الجناح- عما ذكر هنا- يفيد ثبوته فيما عداه، مع أنه لا جناح أيضا فيه. وتكلف للجواب- سامحه الله- ولا يخفاك أن مثل هذا العنوان كثيرا ما يراد به في التنزيل الترخيص والتسهيل" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة النساء: ٢٥] بعد أن ذكر شروط نكاح الإماء قال مُعقّبا: " وما ذكرناه هو المطابق لمعنى الآية. ولا

стр. 74

يخلو ما عداه عن تكلف لا يساعده نظم الآية" (١). ت - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [سورة النساء: ٣١] ذكر أن: "المرجع في تعريف الكبيرة إلى العد دون ضبطها بحد. كما تكلفه جماعة من الفقهاء (٢)، وطالت المناقشة بينهم في تلك الحدود. وإن منها ما ليس جامعا. ومنها ما ليس مانعا. فكله مما لا حاجة إليه بعد ورود صحاح الأخبار في بيان ذلك" (٣). ٦ - التصريح بقول: (شذَّ)، ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٣٩] قال: "وشذ قول الوافي (٤) وبعض الظاهرية: إن الخوف مختص بأن يكون من آدمي" (٥). ٧ - التصريح بخطأ فهم المُتعقب عليه من الآية لتقرير عقيدته، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة: ٢٧٥] قال: ". وبهذا تبين أن لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق. حيث بنوا على أن المتوعد عليه بالخلود العود إلى فعل الربا خاصة. ولا يخفى أنه لا يساعدهم على ذلك الظاهر الذي استدلوا به" (٦). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ

стр. 75

وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف: ١٩٨]. عقَّب على استنباط المعتزلة من الآية على أن: النظر غير الرؤية، وأنه لا يقتضي الرؤية بأقيسَة في غير محلها. فقال القاسمي: " ولا قرينة في الآية لتقاس على ما هنا. دع ما صح من الأخبار في وقوعها، مما هو بيان لها- فافهم-" (١). ٨ - التصريح بقول: (شبهة جهمية، نزعة اعتزالية)، ومن ذلك: أ - عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة آل عمران: ١٢٠] ذكر قول الرازي بأن: "إطلاق لفظ: (المحيط) على الله مجاز" (٢)، فقال القاسمي مُعقّبا: "ما ذكره شبهة جهمية مبناها قياس صفة القديم على الحوادث، وأخذ خاصتها به، وهو قياس مع الفارق" (٣). ب - وعند تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [سورة النساء: ١٤٨] عقَّب على قول بعض الزيدية (٤) من أن معنى المحبة المذكور في الآية: الإباحة، فقال: " هذه نزغة اعتزالية" (٥). ٩ - التصريح بقول: (غلط) ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء: ٥٩]. عقَّب على فهم كثير من الناس والمفسرين أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به. ووصفه بأنه: غلط (٦).
следующие страницы →