← Акыда

Акыда · id 30150

البينات في شرح كشف الشبهات

أحمد القاضي

Полный текст (147 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الحمد لله الذي قذف بالحق على الباطل فأزهقه، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على نبيه محمد، الذي بعثه بالهدى ودين الحق، وأظهره، وجعل من أتباعه، وحفاظ سنته من يسير على نهجه، ويقفو أثره، ويكشف شبهات المعرضين المزوَّقة. أما بعد: فقد جدد الله هذا الدين، في القرن الثاني عشر الهجري، بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (١١١٥ - ١٢٠٦ هـ)، ﵀. فدعا إلى توحيد الأنبياء والمرسلين، وحذر من مظاهر الشرك العقدية، والقولية، والعملية، التي تسللت إلى عوام المسلمين وخواصهم، فصنف المصنفات، ودبَّج الرسائل والعظات، ونازل أرباب الباطل، وسدنة الشرك، في مواطن مشهورة، ومواقف مذكورة. وكان منها هذا السفر البديع، والحجة البالغة، والسلاح المضَّاء، الذي اجتث به كل كلمة خبيثة تسوغ الشرك، وتروج له. فتتبع شبهات أهل الأهواء، وسدنة القبور والمشاهد، والمزارات، الذين يقتاتون من ورائها، ويأكلون بها أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سبيل الله. فاستخلص من كلامهم نحو ثلاث عشرة شبهة، درجوا على تسويقها، وتسليكها، والتذرع بها، لدى الأتباع، فكشفها، وزيَّفها، واحدةً تلو الأخرى، بحجج شرعية قاطعة، لا تبقي ولا تذر، فكان هذا الكتاب: (كشف الشبهات).

стр. 2

قال حفيده، الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، ﵀: (هذا الكتاب جواب لشبهٍ اعترض بها بعض المنتسبين للعلم في زمانه عليه؛ فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ لما تصدى لبيان التوحيد، والدعوة إليه، وتفصيل أنواعه، والموالاة والمعاداة فيه، ومصادمة من ضاده، وكشف شبه من شبَّه عليه -وإن كانت أوهى من خيط العنكبوت، وبيَّن ما عليه الكثير من الشرك الأكبر- اعترض عليه بعض الجهلة المُتَمعْلِمين؛ أزَّهم إبليس، فجمعوا شبهًا شبهوا بها على الناس، وزعموا أن الشيخ، ﵀، يكفر المسلمين، وحاشاه عن ذلك؛ بل لا يكفر إلا من عمل مكفرًا، وقامت عليه الحجة، فأجابهم المصنف بهذا الكتاب، وما يميز به المنصف ما عليه الشيخ وأتباعه، وما عليه أولئك) (١) وهذا الكتاب مكنز نفيس، ومرجع وثيق، وركن شديد، لدعاة التوحيد والسنة، في كل جيل وقبيل، يشهرون حججه في وجوه دعاة الشرك والوثنية، المتلبسة بالرفض والصوفية. وقد أتاح الله شرحه ومدارسته في إحدى الدورات العلمية، وجرى تفريغه من الأوعية الصوتية، ثم تنقيحه بما تقتضيه الصياغة التحريرية؛ فجاء-بحمد الله- على هذا النحو، وسميته: (البيّنات في شرح كشف الشبهات). والله المسؤول وحده، أن يعز دينه، ويعلي كلمته، وينصر أولياءه، ويخذل أعداءه. كتبه أ. د. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي رمضان ١٤٤١ هـ

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ بيان معنى التوحيد وأن التوحيد هو دين الرسل ﵈ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبه ثقتي: (كتاب كشف الشبهات). قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (اعلم، رحمك الله، أن التوحيد: هو إفراد الله بالعبادة، وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده. فأولهم: نوح ﵇، أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين؛ وداً، وسواعاً، ويغوث، ويعوق، ونسراً، وآخر الرسل: محمد ﷺ وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين). (بسم الله الرحمن الرحيم): قد تقدم معنى البسملة، وما تضمنته، ومعنى الرحمن والرحيم، في شرح ثلاثة الأصول فلا حاجة لإعادته (١). قوله: (اعلم رحمك الله): تقدم أيضًا، أن من طريقة المؤلف ﵀

стр. 4

أن يعبر بهذا الأسلوب: "اعلم" بصيغة فعل الأمر، لما يحصل بذلك من التنبه، وأنه يردف ذلك بالدعاء للمخاطب بالرحمة، وفي هذا استمالة لقلبه، وتحبب إليه. وهكذا ينبغي أن يكون الداعية إلى الله ، سواءٌ خطب، أو كتب، أو ناظر، رفيقًا، لطيفًا، ناصحًا. لأن المقصود نفع المخاطب، ولا يحصل ذلك غالبًا، إلا بالرفق. وتقدم تعريف العلم، وأنه: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. أما عدم الإدراك بالكلية، فهو الجهل البسيط، وأما إدراك الشيء على خلاف ما هو عليه، فهو جهل مركب، وأما الظن: فهو إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح، والوهم: إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح، والشك: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو. تلك أقسام المدارك. قوله: (التوحيد): التوحيد لغة: مصدر وحّد يوحد توحيدا، أي: جعْل الشيء واحدًا. والمراد به في هذا المقام اعتقاد الله واحدا، لا جعل الله واحدًا لأن الجعل ليس إلينا، لأنه سبحانه واحدٌ، شئنا أم أبينا. قوله: (هو إفراد الله بالعبادة): أراد المؤلف نوعًا من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة. ولكن التوحيد أعم من ذلك، فهو ثلاثة أنواع: ١) توحيد الربوبية. ٢) توحيد الألوهية. ٣) توحيد الأسماء والصفات. فالتعريف العام للتوحيد: هو اعتقاد الله واحدًا في ربوبيته، وألوهيته، وأسمائه وصفاته، وإفراده تعالى بذلك. فأما توحيد الربوبية؛ فهو الاعتقاد الجازم بأن الله: - هو الخالق، لا خالق سواه.

стр. 5

- وأنه المالك، لا مالك سواه. - وأنه المدبر، لا مدبر سواه. فمدار الربوبية على ثلاثة أوصاف: الخلق، والملك، والتدبير. وتوحيد الألوهية: هو توحيد العبادة، وهو: الاعتقاد الجازم بأن الله وحده هو المستحق للعبادة، دون ما سواه، فلا يشرك بعبادته أحدًا .. وهذا هو الذي أراده المؤلف ﵀ في [كتاب التوحيد]، وفي هذا الكتاب، لأنه حلبة الصراع، ومعترك النزاع، بين الأنبياء وأقوامهم؛ إذ كانت الأمم لا تنازع في توحيد الربوبية، بل تقر به، من حيث العموم؛ بأن الله هو الخالق، المالك، المدبر وإنما تنازع في توحيد العبادة. فبعث الله تعالى الرسل جميعًا، ليقولوا جملة واحدة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ﵈ كما رتبهم الله تعالى في سورة الأعراف، وغيرها، وهذا أساس دعوة المرسلين. وتوحيد الأسماء والصفات: الاعتقاد الجازم بأن الله لا سمي له، ولا ند له، ولا نظير له، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، فلا يماثله أحد في أي اسم سمى به نفسه، أو وصفٍ وصفَ به نفسه، بل له المثل الأعلى، في السموات والأرض. وهذا النوع الثالث وقع الخلاف فيه بين أهل القبلة: فصار منهم من يعطل، ومن يمثل، وهدى الله أهل السنة لما اختلف فيه من الحق بإذنه فأثبتوا إثباتًا بلا تمثيل، ونزهوا الله تعالى تنزيهًا بلا تعطيل. وصار طريقهم وسطًا بين طرفين وعدلًا بين عوجين.

стр. 6

فأراد المؤلف أن يخص النوع الثاني، وهو توحيد العبادة، إذ كان فاشيًا في زمنه مظاهر الشرك المتنوعة؛ في الأقوال، وفي الأفعال؛ من دعاء غير الله، والذبح لغير الله، وطلب الشفاعة من غير الله، إلى غير ذلك، ووجد من أهل الأهواء، والبدع، والخرافة، من يحتج لها، ويطلق الشبهات المضلة لتسويغها. فأراد المؤلف بهذه الرسالة كشف تلك الشبهات وتزييفها. قوله: (وهو دين الرسل الذي أرسلهم الله به إلى عباده): بين ﵀ أن التوحيد ليس دين محمد ﷺ وحسب، بل هو دين جميع النبيين من أولهم إلى آخرهم. قوله: (فأولهم نوح ﵇: الدليل على أوليته رسولًا في حديث الشفاعة: (فَيَأْتُونَ نُوحًا، فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) (١)، والدليل على أوليته نبيًا، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، فهو أول الأنبياء والمرسلين، ﵊، وبهذا يتبين خطأ بعض المؤرخين الذين يجعلون إدريس، أو شيت، قبل نوح ﵈، لأنه معارض لظاهر الكتاب والسنة. قوله: (أرسله الله إلى قومه لما غلوا في الصالحين؛ ودًا، وسواعًا، ويغوث، ويعوق، ونسرًا): سبب شرك قوم نوح هو الغلو في الصالحين. وأراد بهم المذكورين في سورة نوح: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣]، فهؤلاء الخمسة، قد بين ابن عباس ﵄ أنهم رجال صالحون، قال: (فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا،

стр. 7

وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ، وَتَنَسَّخَ العِلْمُ، عُبِدَتْ) (١). لما فني ذلك الجيل الأول، واندرس العلم، أتى الشيطان إلى من بعدهم، وقال: هؤلاء شفعاؤكم عند الله، هؤلاء يقربونكم إلى الله زلفى! فعبدوهم. هكذا نشأ الشرك في بني آدم. وكان عمرو بن لحي الخزاعي، الذي قال عنه النبي ﷺ : (رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ) (٢)، أول من أدخل الشرك، وعبادة الأصنام، إلى العرب. وقد كان العرب على الحنيفية، ملة إبراهيم. روى الكلبي في كتاب الأصنام: أن عمر بن لحي كان له رِئي من الجن، فقال له: ايت ضف جدة، تجد أصنامًا معدَّة، فأوردها تهامة ولا تهب، وادع العرب إلى عبادتها تجب. فدله على موضع عند سِيف البحر فكشف عن هذه الأصنام، واستخرجها، ثم بثها في قبائل العرب، فكان عند كل قبيلة من قبائل العرب صنم من هذه الأصنام ثم إنه ذهب إلى بلقاء الشام، واستحضر هبل، وجعله في مكة (٣). وليس المراد بكون أولئك الصالحين من قوم نوح، أنهم من معاصريه، وإنما المراد أنهم من أسلافهم، فلما هلكوا، جرى ما جرى من الشيطان، وتزيينه عبادتهم. قوله: (وآخر الرسل محمد ﷺ : لابد من هذه العقيدة؛ عقيدة "ختم النبوة" فلا نبي بعد رسول الله ﷺ فآخر الرسل محمد ﷺ K كما دل على ذلك صريح القرآن، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾

стр. 8

[الأحزاب: ٤٠]، وهو ﷺ قد صرح بذلك فقال (وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي) (١). فكل من ادعى النبوة بعده فهو كاذب أفاك، و قد أخبر ﷺ أنه سيكون بعده ثلاثون كذابون، كلهم يزعم أنه نبي. وقد وقع، فكان من أوائلهم: مسيلمة الكذاب، ومن أواخرهم: ميرزا غلام أحمد القادياني. فالنبيون من نوح إلى محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين دعوتهم واحدة؛ كلهم يدعون إلى إفراد الله بالعبادة.

стр. 9

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى أناس يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون الله، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله ؛ يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده؛ مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين). حينما دخل النبي ﷺ مكة عام الفتح، كان حول البيت ثلاثمائة وستين صنمًا، فجعل النبي ﷺ يطعنها برمحه، وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١]. ودخل جوف الكعبة، ووجد صورًا معلقة لإبراهيم، والمسيح، ﵉، فأمر بمحوها بالماء، وأزال جميع مظاهر الشرك ﷺ . فالأنبياء أتوا بإفراد الله بالعبادة قولاً، بقولهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وفعلاً، بقضائهم على مظاهر الشرك. وقد يظن بعض الناس، أن النبي ﷺ أرسل إلى قوم ملحدين، إباحيين، لا يأتون شيئًا من الشعائر ألبته، بمنزلة الغفل من الناس الذين لا دين لهم! كلا! قد بعث النبي ﷺ في العرب، وكان العرب يتعبدون، ويحجون، ويعظمون البيت وحرماته، ويتصدقون، ويذكرون الله في شعرهم، ونثرهم كثيرًا، ذلك أنهم قد بقي لهم بقية من دين إبراهيم، ﵇. فكانت جميع قبائل العرب تفد إلى مكة، في الموسم، ويخرجون من منى، ويجوزون المزدلفة، ويقفون بعرفة، إلا قريشًا، لم تكن تخرج

стр. 10

إلى عرفة، يقول قائلهم: نحن الحمس، نحن أهل الحرم، لا نخرج منه. ولهذا جاء في حديث جابر بن عبد الله، ﵁، في سياق حجة الوداع، قال: (وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ، فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، لَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ، إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، أَوِ الْمُزْدَلِفَةِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ، قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ) (١)، فخالف رسوم قريش، وإنما سميت المزدلفة جمعًا، لأنها تجمع قريشًا مع بقية العرب، فإذا أفاض الناس من عرفة، ونزلوا المزدلفة، اجتمعوا مع قريش، ثم إنهم بعد ذلك، يأتون منى، ويذكرون مفاخر آبائهم، طوال أيام التشريق. وكانوا يتصدقون، فكانت قريش تسقي الحجاج، وتطعمهم، بل كانوا ينزلونهم بيوتهم، ويعدون ذلك من القربات. وكان منهم من يفك العاني، وينصر المظلوم، ونحو ذلك من الأمور الحسنة، والمكرمات. منهم: عبد الله بن زيد بن جدعان، حتى إن عائشة ﵂، سألت النبي ﷺ ، عن ابن جدعان، فقالت: (يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ جُدْعَانَ، كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَيُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، فَهَلْ ذَاكَ نَافِعُهُ؟ قَالَ: " لَا يَنْفَعُهُ، إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) (٢)، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. قوله: (ولكنهم يجعلون بعض المخلوقين وسائط بينهم وبين الله : يعني أنهم أفسدوا عباداتهم تلك بالشرك، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، ملكته وما

стр. 11

ملك. فلأجل ذلك، لم يغن عنهم ما وقع من حج، وصدقة، وذكر، بسبب شائبة الشرك، شيئًا. والمقصود أن النبي ﷺ بعث في بيئة ذات تدين، لا في بيئة ملحدة تنكر الله، ولكنهم كانوا مشركين. قوله: (يقولون: نريد منهم التقرب إلى الله، ونريد شفاعتهم عنده، مثل: الملائكة، وعيسى، ومريم، وأناس غيرهم من الصالحين): بهذا خدعهم الشيطان، وسوَّل لهم، وأملى لهم. دخل عليهم من باب الغلو في الصالحين، فاتخذوهم شفعاء، يتقربون إليهم بالدعاء، وسائر صنوف العبادة، كما وقع لمشركي العرب، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]

стр. 12

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فبعث الله تعالى إليهم محمداً ﷺ ، يجدد لهم دينهم، دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب، والاعتقاد، محض حق الله -تعالى- لا يصلح منه شيء لغيره؛ لا لملك مقرب، ولا لنبي مرسل، فضلاً عن غيرهما): سبب بعثة محمد ﷺ : تجديد ملة إبراهيم ﵇، قال الله : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣]، ولهذا كان إذا دعا بعض العرب يغريه بذلك؛ لما جاءه التنوخي رسولاً من لدن هرقل، عرض عليه الإسلام، مع أنه رسول، وهذا يدل على أن الرسل يعرض عليهم الإسلام، لا يقال هو رسول لا نبادؤه بالدعوة، بل من حقه أن يدعى إلى الإسلام، فقال له النبي ﷺ : (يَا أَخَا تَنُوخٍ، هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ؟ " قُلْتُ: لَا، إِنِّي أَقْبَلْتُ مِنْ قِبَلِ قَوْمٍ وَأَنَا فِيهِمْ عَلَى دِينٍ، وَلَسْتُ مُسْتَبْدِلًا بِدِينِهِمْ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْهِمْ) (١)، ثم أنه أسلم بعد ذلك. فجدد دين إبراهيم ﵇، وهو الحنيفية، وبينّ لقومه أن هذا التقرب الذي يبذلونه لهؤلاء الوسطاء، من الملائكة، والمسيح، وأمه، والصالحين، حق خالص لله، وأن ذلك التقرب لا يجوز صرفه لكائن من كان، ولو كان ملكًا مقربًا، أو نبيًا مرسلاً، ا بل هو محض حق الله، وأنه لا يجوز دعاء غير الله.

стр. 13

فصل في بيان أن المشركين الأولين يقرون بالربوبية والدليل على ذلك قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وإلا، فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيها، كلهم عبيده، وتحت تصرفه، وقهره). العرب الذين بعث فيهم نبينا ﷺ كانوا مقرين بتوحيد الربوبية؛ مقرين بأن الله هو الخالق المالك ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، مقرين بأن الله، ﴿يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: ٨٨]، مقرين بأن الله ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: ٣]، مقرين بأن الله، ﴿يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢]، فلا ينازعون في توحيد الربوبية. ذلك أن توحيد الربوبية مغروس في الفطر، لا يكاد ينكره إلا أفاك أثيم، وأشهر من عرف في البشرية بإنكار توحيد الربوبية: فرعون، الذي حمله الإباء والاستكبار أن يقول: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]، لكنه كان في الحقيقة مكابرًا معاندً؛. فإن ما في قلبه خلاف ذلك، ودليل

стр. 14

ذلك أن موسى ﵇ قال بعبارة واثقة، وكأنما فلق صدره: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، أي: فلا تغالط! وكذلك حكى الله عنه وعن ملئه، فقال : ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، فهم في الحقيقة معترفون في قرارة أنفسهم بالحق. فتوحيد الربوبية أمر فطري. على أنه قد يلحقه نوع تشوش وغلط، فلا نقول إن المشركين كانوا على صفاء ونقاء في توحيدهم الربوبية، بل كان فيهم شوائب وشرك، كاعتقادهم بأن من المخلوقات من له تأثير وتدبير.

стр. 15

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإذا أردت الدليل على أن هؤلاء المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يشهدون بهذا، فاقرأ عليه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ﴾ [يونس: ٣١] وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] وغير ذلك من الآيات). لا مزيد ولا بيان، أوضح وأصرح من هذا البيان الذي ذكره الله تعالى في آيات سورة يونس، وفي سورة المؤمنون، من إقرار المشركين بالربوبية ومقتضيات ومقتضياتها. لكن العجب لا ينقضي كيف لا يسلمهم ذلك إلى الإقرار بتوحيد العبادة! لهذا كرر النكير عليهم بقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ٦٥]، ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩]. إن الترتيب المنطقي يقتضي إنك إذا أقررت بأن الله هو الخالق، المدبر، المالك، الذي يجير ولا يجار عليه، ويُطعم ولا يطعم، إلى غير ذلك من صفات الربوبية، أن تعبده وحده، ولا تعبد سواه. لكن الشيطان تلاعب بعقول بني آدم، فرغم إقرارهم بهذا، إلا أنهم صرفوا العبادة

стр. 16

لغير الله! فالعلاقة بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، تتلخص في قضيتين: ١ - توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية. ٢ - توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية. وبيان ذلك: أن توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية؛ لأن من أقر بربوبية الله فلازم ذلك أن يعبده وحده دون ما سواه، ومن كان يعبد الله وحده دون ما سواه، فذلك يدل على اعتقاده بأن الله تعالى هو الرب الخالق، المالك، المدبر. فبينهما علاقة وثيقة. لكن الشيطان فصم هذه العلاقة وبترها، حتى وجد هؤلاء المشركون الذين يقرون بتوحيد الربوبية، ولا يأتون بتوحيد الألوهية. إن أول أمر في كتاب الله قوله تعالى في سورة البقرة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾، هذا أمر بتوحيد الألوهية، ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، هذا استدلال بتوحيد الربوبية، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١، ٢٢]، هذا نهي عن الشرك المنافي لتوحيد الألوهية. فصدر النداء بالأمر بتوحيد الألوهية، وأسسه على الإقرار بتوحيد الربوبية، وختمه بنبذ الشرك. هذه طريقة القرآن في الإلزام.

стр. 17

فصل في بيان التوحيد الذي جاء به الرسل قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (إذا تحققت أنهم مقرون بهذا، وأنه لم يُدخلهم في التوحيد الذي دعت إليه الرسل ودعاهم إليه رسول الله ﷺ ، وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، الذي يسميه المشركون في زماننا (الاعتقاد)، وكانوا يدعون الله ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ، ليشفعوا لهم، أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى، وعرفت أن رسول الله ﷺ ، قاتلهم على هذا الشرك، ودعاهم إلى إخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن: ١٨] وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله، والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها بالله، وجميع أنواع العبادات كلها لله، وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم، وأموالهم، عرفت حينئذٍ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 18

هذه قطعة تضمنت خمسة أفعال شرط متعاطفة: (فإذا تحققت)، (وعرفت)، (وعرفت)، (وتحققت)، (وعرفت). ثم جاء الجواب: (عرفت حينئذ التوحيد)، وكأن جواب الشرط وجزاءه، لا يتحقق إلا بمجموعها. وقد يتشتت الذهن أثناء قراءة هذه المتعاطفات، فلا يدرك المراد. فلننظر كيف رتب المؤلف-﵀ النتيجة على هذه المقدمات يقول-﵀: ١ - إذا تحققت: يعني حصل عندك تحقيق، ويقين، أن المشركين مقرون بالربوبية. ولم يدخلهم في التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ : لو كان توحيد الربوبية هو التوحيد الذي دعاهم إليه رسول الله ﷺ لكان هذا تحصيل حاصل ولما كان هناك داع لبعثة محمد ﷺ . ٢ - وعرفت: أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة، يقول قائلهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: ٥ - ٧]. عن ابن عباس، ﵄، قال: (لما مرض أبو طالب، دخل عليه رهط من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فقالوا: إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعثت إليه فنهيته. فبعث إليه، فجاء النبي ﷺ فدخل البيت، وبينه وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، قال: فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب، أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس في ذلك المجلس، ولم يجد رسول الله ﷺ مجلسًا قرب عمه، فجلس عند الباب، فقال له أبو طالب: أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك؟ يزعمون أنك تشتم آلهتهم، وتقول وتقول! قال: فأكثروا عليه القول، وتكلم رسول الله ﷺ فقال: "يا عَمّ إنّي أُرِيدهُمْ عَلى كَلِمَةٍ

стр. 19

وَاحِدةٍ يَقُولُونَهَا، تَدِينُ لَهُمْ بِها العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِم بِها العَجَمُ الجِزْيَةَ"، ففزعوا لكلمته، ولقوله، فقال القوم: كلمة واحدة؟ نعم وأبيك، عَشْرًا. فقالوا: وما هي؟ فقال أبو طالب: وأيّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: "لا إلَهَ إلا الله". قال: فقاموا فزِعين، ينفضون ثيابهم، وهم يقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، قال: ونزلت من هذا الموضع إلى قوله: ﴿لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾) (١). هكذا كانت طريقة تفكيرهم! يريدون الإبقاء على تعدد الآلهة، لا يريدون أن يوحدوا الله الواحد القهار. فهذا معنى قول المؤلف: (وعرفت أن التوحيد الذي جحدوه هو توحيد العبادة الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد). ولعل هذا الاصطلاح (الاعتقاد)، كان ذا دلالة عرفية في زمن المؤلف، يعبر به مشركو زمانه عن تعلقهم ببعض المدعوين من المقبورين، أو الأولياء، فيقول أحدهم إنه يعتقد بالسيد فلان، يعتقد بالشيخ فلان؛ أنه وسيلة إلى الله في جلب النفع ودفع الضر، وقضاء الحاجات، وربما اعتقدوا أنه يملك ذلك أيضًا، فيدعونه. وقوله: (وكانوا يدعون الله ليلاً ونهاراً، ثم منهم من يدعو الملائكة، لأجل صلاحهم، وقربهم من الله ، ليشفعوا له، أو يدعوا رجلاً صالحاً مثل اللات، أو نبياً مثل عيسى): يعني أنهم كانوا يجمعون بين دعاء الله، ودعاء غير الله، وهو عين الشرك. واللاَّت بالتشديد: اسم لرجل كان يلت السويق للحجاج، فلما مات عظموه. وبالتخفيف: صخرة بيضاء منقوشة، كانت بالطائف. وقيل إنه كان يلت السويق على تلك الصخرة. والظاهر أن مراد المؤلف في هذا السياق الشخص، لا الصخرة.

стр. 20

٣ - وعرفت أن رسول الله ﷺ قاتلهم على هذا الشرك: يعني بلغ الأمر بالنبي ﷺ أن يقاتل قومًا مقرين بأن الله هو الخالق، الرازق، المالك، المدبر، بعد أن دعاهم إلى إخلاص العبادة لله، فأبوا، فأمر بقتالهم. ٤ - وتحققت أن رسول الله ﷺ قاتلهم ليكون الدعاء كله لله: أراد منهم النبي ﷺ توحيد العبادة، بأن يكون الدعاء كله لله، إذ الدعاء هو العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وفي الحديث: (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ (١). قوله: (والذبح كله لله، والنذر كله لله، والاستغاثة كلها لله، وجميع أنواع العبادات كلها لله): كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. ٥ - وعرفت أن إقرارهم بتوحيد الربوبية لم يدخلهم في الإسلام، وأن قصدهم الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، يريدون شفاعتهم، والتقرب إلى الله بذلك، هو الذي أحل دماءهم وأموالهم): فتوحيد الربوبية لم يحقن دماءهم، والشرك في العبادة أحل دماءهم وأموالهم. فبعد هذه المقدمات الشرطية الخمس، تأتي النتيجة القطعية: (عرفت حينئذ التوحيد الذي دعت إليه الرسل، وأبى عن الإقرار به المشركون): وهو توحيد العبادة. فهذا جواب الشرط وجزاؤه.

стр. 21

فصل في بيان أن التوحيد هو معنى لا إله إلا الله قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وهذا التوحيد هو معنى قولك: (لا إله إلا الله)، فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور، سواء كان ملكاً، أو نبياً، أو ولياً، أو شجرة، أو قبراً، أو جنياً، لم يريدوا أن الإله هو الخالق، الرازق، المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده، كما قدمت لك، وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ (السيد). فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد، وهي (لا إله إلا الله). بيَّن المؤلف ﵀ حقيقة مهمة وهي: أن مشركي العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ كانوا يدركون مدلولات الألفاظ: ويعرفون مراد النبي ﷺ بشكل جلي، ولم يلتبس عليهم الأمر. كانوا يعرفون معنى (الإله)، وأنه المعبود الذي يقصد لأجل كشف الضر، ويتقرب إليه بالدعاء، والنذر، والاستغاثة، والاستعانة، وغير ذلك من العبادات، ولا يفسرون الإله بأنه الرب، بل يميزون بين لفظ "الإله" وبين لفظ "الرب". فالرب عندهم: هو الخالق، المالك، المدبر. وأما الإله: فهو من تألهه القلوب محبة، وتعظيمًا، وتتعلق به، مشتق من: أَلُه يألُه أُلوهة، من الوله، وهو التعلق والانجذاب.

стр. 22

قوله: (وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ السيد): هذا، أيضًا، اصطلاح عرفي كان موجودًا زمن المؤلف، ولا يزال في بعض الأوساط، وخاصة عند الروافض، والصوفية، فيعتقدون في (السيد)، أنه وسيلة، وزلفى إلى الله فيتقربون إليه، ويدعونه، ويتمسحون به، ويتبركون بآثاره، ويعتقدون فيه. فهم في الواقع يخلعون صفة الإله لهؤلاء المعظمين ممن يدعونهم من دون الله . قوله: (فأتاهم النبي ﷺ يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله): هذه الكلمة الشريفة، الثقيلة، العظيمة، مكونة من شقين: نفي، وإثبات؛ ف "لا إله" نفي، و "إلا الله" إثبات، ولا يتم التوحيد إلا بنفي وإثبات؛ نفي كل ألوهية لغير الله، وإثباتها لله وحده. فلو اقتصرت على النفي وحده، لكان في ذلك تعطيلٌ لألوهية الله . ولو اقتصرت على الإثبات وحده، وقلت: الله إله! فهذا لا يمنع المشاركة؛ فقد يقول قائل: نعم هو إله، وفلان إله، وفلان إله. فإذا قلت: لا إله إلا الله، فقد أفردته بالألوهية. كما إذا قلت: زيد قائم، فقد أثبت القيام لزيد، لكن لا يمنع أن يكون عمرو قائم. وإذا قلت: لا قائم إلا زيد، فقد أفردت زيدًا بالقيام. ولهذا يقرن الله دومًا بين النفي والإثبات، ولما قال الله تعالى في موضع: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣]، أردفه فورًا بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣].

стр. 23

فصل في بيان أن المشركين الأولين أعلم من المشركين المتأخرين بمعنى لا إله إلا الله قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالتعلق، والكفر بما يعبد من دونه، والبراءة منه، فإنه لما قال لهم: ﴿قولوا: لا إله إلا الله﴾، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾). قوله: (والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها): لو أن إنسانا ملأ الجو ب "لا إله إلا الله"، وهو مقيم على الشرك، لم تغنِ عنه شيئًا. لو أن إنسانًا طقطق بسبحته ب"لا إله إلا الله" وهو يدعو غير الله، ويرجو غير الله، ويذبح لغير الله، لم تغنِ عنه شيئًا، لأن فعله ناقض قوله. وكثير من الناس يقول: لا إله إلا الله دون أن يدرك معناها، ومقتضاها؛ إما إنه يظن أنها كلمة تقال للبركة! وإما أن يظن أنها تعني: لا خالق إلا الله؛ يفسر الألوهية بالربوبية. فالعبرة باعتقاد المعنى، لا بمجرد اللفظ. قوله: (والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة هو

стр. 24

إفراد الله تعالى بالتعلق): قد يقول قائل: كيف يقول المؤلف والكفار الجهال يعلمون؟! هل الجهال يعلمون؟! مراد المؤلف بقوله الجهال: الدهماء والعامة، ومع ذلك يعلمون المعنى ولهذا كان رد فعلهم لما قال لهم قولوا لا إله إلا الله، قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص: ٥]، لم يحملهم على ذلك جهل بالمعنى، بل كبر في النفوس، كما وصف تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: ٣٥، ٣٦].

стр. 25

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام، وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفار، بل يظن أن ذلك: هو التلفظ بحروفها، من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني! والحاذق منهم يظن أن معناها لا يخلق، ولا يرزق إلا الله، ولا يدبر إلا الله. فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله). حُقَّ له أن يعجب، ﵀! إذا كان جهال الكفار وعوامهم ودهماؤهم يعرفون معنى لا إله إلا الله، ومقتضياتها ولوازمها، فكيف يخفى على من ينتسب إلى الإسلام، ولا يعرف تفسيرها كما يعرفه جهال قريش والعرب. بل يظن، مع انتسابه إلى الإسلام، بأن المراد التلفظ بحروفها فقط، دون فهم لمعناها. وربما كان مرد ذلك لأمرين: أحدهما: الجهل باللسان العربي، ومدلولات الألفاظ، فلا يفهم العامي اليوم، ما يفهمه العربي القُحُّ، في الجاهلية. الثاني: وجود علماء السوء، وسدنة الشرك، الذين يلبِسون على العوام دينهم، ويضلونهم على علم، لأجل لعاعة من الدنيا، وحفاظًا على وجاهتهم وسدانتهم. ولكن العجب لا ينقضي إذا كان حاذقًا، فإنه يفسرها بتوحيد الربوبية! وكأنه يشير بذلك إلى تفسير المتكلمين لكلمة التوحيد، حيث

стр. 26

يجعلون "الإله" على وزن الفاعل، لا المفعول، أي: بمعنى "الآلِه"، وليس "المألوه"، ويفسرونه بالقادر على الاختراع! أي بمعنى الرب الخالق. قال شيخ الإسلام، ابن تيمية، ﵀: (وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى «التوحيد»، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر - غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع) (١). ثم شرع في بيان غلطهم.

стр. 27

فائدة معرفة التوحيد والشرك قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (إذا عرفت ما قلت لك معرفة قلب، وعرفت الشرك بالله الذي قال الله فيه: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾، وعرفت دين الله الذي بعث به الرسل من أولهم إلى آخرهم، الذي لا يقبل الله من أحد سواه، وعرفت ما أصبح غالب الناس عليه من الجهل بهذا، أفادك فائدتين: الأولى: الفرح بفضل الله ورحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، وأفادك أيضًا الخوف العظيم). ذكر المؤلف-﵀ أربع معارف: ١. أولها: أن يعرف، معرفة قلب، حقيقة التوحيد، وأنه إفراد الله تعالى بالعبادة. ٢. ثانيها: أن يعرف حقيقة الشرك؛ وأنه جعل الأنداد لله، وأن الله لا يغفر لصاحبه أبدًا. ٣. ثالثها: أن يعرف دين الله الذي بعث به الأنبياء جميعًا، الذي لا يقبل دينًا سواه.

стр. 28

٤. رابعها: أن يعرف ما آل إليه حال الناس في الأزمان المتأخرة، من الجهل بمعنى التوحيد، والخلط بين معنى الإله ومعنى الرب، حتى صار كثير من الناس يظنون أن معنى لا إله إلا الله، أي لا خالق إلا الله. وقد بين المؤلف ﵀ هذه المسائل الأربع فيما تقدم. فإذا تيقن الإنسان، وتحقق من هذه المعارف، أثمر له ذلك فائدتين: ١) أحداهما: الفرح بفضل الله ورحمته: فإن ثمرة العلم الفرح، والسرور، والبهجة، لأن القلب لا يزال مضطربًا، قلقًا، حتى يصل إلى برد اليقين، وانثلاج الصدور، فحينئذ يسر، ويستبشر. فمن عرف حقيقة التوحيد، وحكمة الخلق، ووظيفته في هذه الدنيا، وعرف قبح الشرك، وشؤمه في الدنيا والآخرة، فإنه ينال سعادة عظيمة، ويرى أن الله استنقذه، واصطفاه، وصرف عنه شرًا مستطيرًا: فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة … وإلا فإني لا إخالك ناجيا ٢) الفائدة الثانية: الخوف من أن تزل به قدم، فيقع في هذه الورطة العظيمة، التي هي الشرك بالله . ولا مانع من اجتماع هذين الأمرين الذين يبدوان متقابلين؛ فرح، وخوف، فكما يجتمع في قلب المؤمن الخوف والرجاء، كذلك يجتمع في قلبه الفرح والخوف؛ الفرح بفضل الله ورحمته على الهدى، والتوفيق، والعلم، والخوف من أن يزيغ بعد إذ هداه الله ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].

стр. 29

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإنك إذا عرفت أن الإنسان يكفر بكلمة يخرجها من لسانه، وقد يقولها وهو جاهل، فلا يعذر بالجهل، وقد يقولها وهو يظن أنها تقربه إلى الله تعالى، كما كان يظن الكفار، خصوصاً إن ألهمه الله ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم، وعلمهم، أنهم أتوه قائلين: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، فحينئذٍ يعظم خوفه، وحرصه، على ما يخلصه من هذا وأمثاله). قد يقول الإنسان كلمة بائرة، توبق دنياه وأخراه، فمن تكلم بكلمة الكفر مريدًا لمعناها، عارفًا بمقتضاها، فلا ريب أن هذا من الكفر؛ إذ الكفر نوعان: كفر اعتقادي، وكفر عملي. فقد يكفر الإنسان بالاعتقاد، وقد يكفر بالقول، وقد يكفر بالفعل. ولكن المؤلف ﵀ في هذا الموضع، قال كلامًا فيه إجمال واشتباه: (وقد يقولها وهو جاهل فلا يعذر بالجهل)! وهذا من المواضع المشكلة التي لا تتناسب في ظاهرها مع كلام المؤلف وتقريره، في كتبه الأخرى. وذلك أن ظاهر هذه الجملة يفيد أن المؤلف لا يعذر بالجهل، وأنه يكفِّر به. والمحفوظ عنه في مواضع أخر، أنه يعذر به. وقد جعل الشارع للتكفير شروطًا: أحدها: العلم، المنافي للجهل: فلو كان جاهلا، بمعنى أنه لا يدري أن هذه الكلمة، أو أن هذا الفعل، يقتضي الكفر فإنه لا يؤاخذ به، لأن الله قد جعل الحجة الرسالية عذرًا لكل أحد. فالله تعالى لا يقبل من أحد حجةً إلا أن يقول: ما جاءني من بشير ولا نذير! فقطع الله

стр. 30

تعالى هذه الحجة، بأن أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩]، فإذا تحقق البلاغ، وانتفى الجهل، فحينئذ لا عذر للمخاطب. أما إذا لم يبلغه، فإنه معذور. ولهذا قال ربنا : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فدلت هذه الآيات البينات، المحكمات، على أن العلم شرط في التكليف، وأن الجهل مانع من موانع التكليف. الثاني: العمد المنافي للخطأ: فلو وقع منه سبق لسان، فإنه لا تترتب عليه آثاره لحديث: (لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ) (١). ومثله لو تكلم النائم دون قصد، أو هذى المحموم، وفاه بكلمة كفر، فلا إثم عليه، ولا مؤاخذة. الثالث: الاختيار، المنافي للإكراه: قال الله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]، فدل ذلك على أن المكره لو فاه بكلمة الكفر، فإنه لا يكون كافرًا بذلك.

стр. 31

جاء في الحديث: (أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ، فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَا وَرَاءَكَ؟» قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ قَالَ: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قَالَ: مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ قَالَ: «إِنْ عَادُوا فَعُدْ») (١). والمقصود أن الإنسان إذا لم تبلغه الحجة الرسالية فإنه معذور. وهذا الذي تدل عليه النصوص الشرعية، وهو الذي مشى عليه المؤلف وصرَّح به في بعض كتبه، ورسائله، وردوده على خصومه الذين يهيجون الناس ضده، ويشوهون دعوته، فقال ما نصه: (وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر، ويقاتل؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!) (٢) وهذا نص واضح الدلالة على مراد المؤلف؛ فإن المؤلف ﵀ يبرأ من أن يكفر هؤلاء الجهال الذين يطوفون بقبر عبد القادر، وقبر أحمد البدوي، التي عقدت عليها القباب، و شيدت لها المقامات، وأقيمت عندها الطقوس التي أحدثها سدنة الشرك، وعلماء السوء، وخدعوا بها العامة، ليأكلوا أموالهم بالباطل، فيصرِّح، ﵀ بأنه لا يكفر أولئك الجهال، بسبب جهلهم، وعدم من ينبههم، ويعجب ممن يرميه من خصومه بتكفير من لم يشرك بالله، إذا لم يهاجر إليه، أو يقاتل معه. ويبقي النظر في توجيه هذه الجملة، في هذا السياق: بعد التأمل، رأيت أن المؤلف ﵀: أراد بالجهل الذي لا يعذر

стр. 32

صاحبه، الجهلَ الذي وصف الله به المشركين، في مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وذكره المؤلف آنفًا بقوله: (جهال الكفار أعلم منه بمعنى لا إله إلا الله)، فسماهم جهالًا، مع علمهم، وقيام الحجة الرسالية عليهم، وليس مراده بالجهل، هنا، عدم العلم بمراد الرسول، فمن كان عالماً بحقيقة التوحيد، ومع ذلك قال كلمة منافية للتوحيد، فإنه يحقق عليه وصف الكفر. والخلاصة أن الجهل نوعان: - جهل بمعنى عدم الإدراك، وعدم العلم، فهذا مانع من موانع التكليف، يعذر صاحبه. - جهل بمعنى السفه، واطّراح العلم، إما بالإعراض عنه، أو برده وجحده، فهذا لا عذر به، كما في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]، وقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [القصص: ٥٥]، وقوله: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ومنه قول عمرو بن كلثوم: ألا لا يجهلن أحد علينا … فنجهل فوق جهل الجاهلينا وإذا اختلف كلام إمام ما، في موضع، مع كلامه في موضع آخر، ورأينا في أحد الموضعين اشتباهاً والتباساً، ورأينا في الموضع الآخر وضوحاً وبياناً، فالمنهج العلمي أن نحمل المتشابه من قوله على المحكم منه؛ فإن الله ، قد قال عن كتابه المنزل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: ٧]، فقد جعل الله بعض آيات الكتاب، وهن القليل، متشابهات، حمالة أوجه، ابتلاء وفتنة لعباده، ليعلم من يأوي إلى الحق، ممن تزيغ به الأهواء، ولهذا قال بعدها: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ

стр. 33

تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم أثنى على طريقة الراسخين في العلم، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فكان من شأن الراسخين في العلم رد المتشابه إلى المحكم؛ فيعتصمون بالمحكم، ويحملون عليه المتشابه، فإذا كان هذا مسلكا رشيدًا، راسخًا، في أعظم كتاب؛ وهو كتاب رب العالمين، القرآن المجيد، فلأن نصنع ذلك فيما دونه من باب أولى. فقول المؤلف هنا: (فلا يعذر بالجهل) لم يُرد بها المسألة التي اشتغل بها المتأخرون في العقود الأخيرة؛ "مسألة العذر بالجهل" هل يعذر بالجهل أم لا يعذر بالجهل؟ فليس من مذهب المؤلف ﵀ عدم العذر بالجهل، وإنما أراد بالجهل هنا مخالفة ما علم من حقيقة التوحيد، كما خالفها جهال المشركين زمن النبي ﷺ . ولا شك أن مسألة التكفير من المسائل الخطيرة، فهي مزلة أقدام، ومضلة أفهام، وتشتد الحاجة إلى تحريرها في هذه الأزمان التي ابتليت فيه الأمة الإسلامية ببعض المسارعين في التكفير للأعيان. والأمر لا يقتصر على كلام يقال باللسان، ويطير بالعنان، بل له تبعات خطيرة، وآثار وخيمة. لقد أدى هذا المسلك الغالي، إلى تفكك الأمة واحترابها، ونشأ عنه فساد عريض، ووجد في أهل الإسلام من يتنابزون بالألقاب، ويكفر بعضهم بعضًا، ويستحل بعضهم دماء بعض. وكان من آثار ذلك ومظاهره، استحلال التفجير؛ فيقصد قومًا غارِّين من جملة المسلمين، فيقتلهم أجمعين، بدعوى أن من يرى كفره، وقد لا يكون كذلك، أو يكون كذلك، لكنه من جملة المعصومين من المعاهدين والمستأمنين، يتترس بهم! ويهلك الحرث والنسل.

стр. 34

فيجب على طالب العلم أن يتقي الله تعالى في نفسه، وفي علمه، وفي مجتمعه، وأمته، وأن يحسب خطاه، فإنه لا يزال في سعة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا، وأن يحذر أن تزل به قدم، أو يذهب به فكر زائغ، ضال، وعاطفة هوجاء، فيخرج عن السبيل، وعما عليه أهل السنة والجماعة. وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية يحذر أشد التحذير من هذا الأمر، ويذكر عن نفسه ﵀ أنه من أشد الناس تحرزًا منه، فيقول: (إنِّي دَائِمًا، وَمَنْ جَالَسَنِي يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنِّي: أَنِّي مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ نَهْيًا عَنْ أَنْ يُنْسَبَ مُعَيَّنٌ إلَى تَكْفِيرٍ وَتَفْسِيقٍ وَمَعْصِيَةٍ، إلَّا إذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ الرسالية، الَّتِي مَنْ خَالَفَهَا كَانَ كَافِرًا تَارَةً، وَفَاسِقًا أُخْرَى، وَعَاصِيًا أُخْرَى. وَإِنِّي أُقَرِّرُ: أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَطَأَهَا؛ وَذَلِكَ يَعُمُّ الْخَطَأَ فِي الْمَسَائِلِ الْخَبَرِيَّةِ الْقَوْلِيَّةِ، وَالْمَسَائِلِ الْعَمَلِيَّةِ. وَمَا زَالَ السَّلَفُ يَتَنَازَعُونَ فِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَلَمْ يَشْهَدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ لَا بِكُفْرِ، وَلَا بِفِسْقِ، وَلَا مَعْصِيَةٍ)، إلى أن قال ﵀: (وَكُنْت أُبَيِّنُ لَهُمْ أَنَّمَا نُقِلَ لَهُمْ عَنْ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ، مِنْ إطْلَاقِ الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ مَنْ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَهُوَ أَيْضًا حَقٌّ، لَكِنْ يَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الْإِطْلَاقِ وَالتَّعْيِينِ). يعني أنه ﵀ كان يوجه كلام السلف في تكفير الجهمية، وغيرهم، أن ذلك خرج مخرج العموم، وأن ثم فرق بين التكفير المطلق، والتكفير المعين. ثم قال: (وَالتَّكْفِيرُ هُوَ مِنْ الْوَعِيدِ. فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ تَكْذِيبًا لِمَا قَالَهُ الرَّسُولُ، لَكِنْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ حَدِيثَ عَهْدٍ بِإِسْلَامِ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةِ بَعِيدَةٍ. وَمِثْلُ هَذَا لَا يَكْفُرُ بِجَحْدِ مَا يَجْحَدُهُ، حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ. وَقَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ لَا يَسْمَعُ تِلْكَ النُّصُوصَ، أَوْ سَمِعَهَا وَلَمْ تَثْبُتْ عِنْدَهُ، أَوْ عَارَضَهَا

стр. 35

عِنْدَهُ مُعَارِضٌ آخَرُ، أَوْجَبَ تَأْوِيلَهَا، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا) (١). فهذا الباب باب خطير، يجب التوقي منه، والحذر من التسرع فيه. وليس مقتضى ذلك ألا يحقق الكفر على مستحقه، فلا شك أن الله تعالى خلق الخلق؛ فمنهم كافر ومنهم مؤمن. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]. لكن تحقيق الكفر على معين يستلزم توفر شروط، وانتفاء موانع، كما أسلفنا. فإذا تحقق ذلك، فإنه يجب أن يوصف بما يستحق. وإذا لم يتحقق فإنه يجب التوقي والحذر، فلأَن تخطئ في إدخال أو في إبقاء وصف الإسلام على من لا يستحقه، خير من أن تخطئ في إخراج مسلم عن وصف الإيمان، لأن الخطأ في هذا أعظم. وهؤلاء الذين يأتون هذه المكفرات، إن كان الأصل فيهم الإسلام، كما هو حال كثير من عوام المسلمين، إما لأنهم نشأوا في بادية بعيدة، ولم يوجد من يعلمهم، أو أضلهم علماء السوء، وأغروهم ببعض الأعمال الشركية، فإنهم لا يكفرون بأعيانهم، لأن الأصل فيهم الإسلام. والحكم الدنيوي، إذا مات أحدهم: أن يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين، وأمره إلى الله. ولا يمكن أن نخرج من الإسلام من دخل فيه، إلا ببينة وبرهان، كالشمس في رابعة النهار، بأن يبلغه العلم البين الواضح، وتقوم عليه الحجة الرسالية، فيأبى ويستكبر. أما من كان من غير أهل الإسلام: - فإنه في الأحكام الدنيوية: يحكم عليه بالكفر، ويعامل معاملة الكفار، بحسب حاله؛ من ذمي، أو معاهد، أو مستأمن، أو حربي.

стр. 36

- أما الحكم الأخروي: فنقول كل كافر في النار، كل يهودي في النار، كل نصراني في النار. لكن ليس من لازم ذلك أن نحكم على معين بالنار، فلا نقول: فلان بن فلان في النار، فإن هذا أمر لا يعلمه إلا الله ، بل نكتفي بالحكم العام. فلعل هذا الإنسان يكتم إيمانه! كما يحكى عن بعض القسيسين، في بعض البلاد، أنه يفتح عليهم الباب فجأة، فيوجد قد صف قدميه يصلي! لكنه يخاف من قومه أن يقتلوه، فيستخفي بإيمانه، كمؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨]. وقد أخبر النبي ﷺ عن رجل أتى بكلمة كفر محققة، ومع ذلك ما لبث أن غفر الله له: فعنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " (أَنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَاشَهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَوْ لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي - وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ - ثُمَّ اسْحَقُونِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) (١) قد قال كلمة كفر، وشك في قدرة الله: "وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي"، فهذه الجملة في حد ذاتها كفرية، لأنها تتضمن الشك في قدرة الله، والشك في البعث، وذلك كفر باتفاق. وأخذ عليهم العهود والمواثيق على ذلك. فلما أن مات صنع بنوه ما أوصاهم به، فأحرقوه، وسحقوه. فلما كان في يوم شديد الريح، ذرُّوا رماده؛ نصفه في البر، ونصفه في البحر، كما جاء في بعض الروايات. أمر الله البحر، وأمر البر

стр. 37

فألقيا مادته، فاستقام بين يديه خلقًا سويًا، فقال: أي عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك. فما تلافاه أن غفر له. فهذا يدل على أن الحكم على معين يجب التوقي فيه، حتى وإن بدا منه ما يوجب وصفه بالكفر؛ من شك، أو كفر، أو فعل ناقض. فالذي يتعلق بنا هو الأحكام الدنيوية الظاهرية، المتعلقة بالحياة؛ كالنكاح، والولايات، وبعد الممات؛ من غسل، ودفن، وتكفين، وميراث. وأما الحكم الأخروي فإلى الله، والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين. قوله: (وقد يقولها وهو يظنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون): كما كان يظن المشركون، ويقول قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومع ذلك، فقد حقق عليهم الكفر. فكذلك من شابه المشركين من المعاصرين؛ شابهوهم في علمهم بلا إله إلا الله، وأنها تعني توحيد الله بالعبادة، وناقضوا ذلك بأن صرفوا بعض أنواع العبادة لغير الله. فإن وقع ذلك ممن يدعي الإسلام، فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي. قوله: (خصوصا إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين اجعل لنا إلها كما لهم آلهة): يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩]. قوله: (فحنئذ يعظم خوفه وحرصه على ما يخلصه من هذا وأمثاله): أراد المؤلف ﵀ التنبيه على خطر الشرك، وسرعة تسلله إلى

стр. 38

النفس؛ إذ الشيطان يسوغه، ويسلكه في النفس، لأنه أعظم مطالبه. فأعظم ما يتمنى الشيطان: - أن يوقع العبد في الشرك، لأنه يدرك أنه إن أشرك أكبه الله معه في النار. - فإن لم يتمكن من الشرك الأكبر، أوقعه في الشرك الأصغر. - فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في البدعة. - فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الكبائر. - فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الصغائر. - فإن لم ينل ذلك منه اكتفى منه بترك المستحبات، والوقوع في المكروهات. فالشيطان عدو مبين، يتفنن في إغواء بني آدم، ويحاول أن ينال منهم ما استطاع. ولا يعيذ العبد من الشيطان إلا الله . ولو أن إنسانًا اعتمد على علمه، وعقله، وحذقه، ولم يستعن بالله، فما أسهل أن يلتقمه الشيطان. ولهذا يجب أن يقوي العبد اعتصامه بالله، وأن يكثر من الاستعاذة به من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه، حتى يحفظه الله منه.

стр. 39

فصل في بيان حكمة الله أن جعل لكل داع إلى الحق أعداء قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وأعلم أن الله سبحانه، من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾). هذه فائدة عظيمة: وهي أن يعلم كل مؤمن أن من حكمة الله البالغة أن ينصب لرسله أعداء يخاصمونهم، ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى. وقد يقول قائل: لم لا يمكِّن الله لرسله، ويجنبهم الأذى، لتتم دعوتهم دون مواجهة؟ والجواب: أن الله حكيم في قدره، فإنه بذلك يتبين من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، ويتبين الصادق من الدَّعي. قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. فلو كان الأنبياء إذا دعوا إلى الله لم ينبرِ لهم أحد بالرد، والمحاربة، والمواجهة بالكلام ولا بالسنان، لكان كل أحد يدخل في

стр. 40

دينهم دون تمييز، ودون وعي، ودون تحقيق عبودية. لكن لما جعل الله الأمور على هذا المحك، أثمر هذه الفائدة التي يحصل بها تمحيص المؤمنين، واصطفاؤهم وإثابتهم. ومن لازم ذلك، أن من سار على طريق الأنبياء؛ من الأولياء، فليرتقب ما جرى للأنبياء؛ من سار على طريق الأنبياء في تحقيق التوحيد، والدعوة إلى دين الله، فلينتظر ما جرى للأنبياء! سينبري له الخصوم، من شياطين الإنس والجن؛ يؤذونه، ويحاربونه، ولكن عليه أن يعتصم بالله، فإن العاقبة للتقوى. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]. وتأمل قوله: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، فقد دل على أن أولئك الخصوم يستخدمون أسلوب التلبيس والإضلال، لكن الله، ، يدفعه بالهداية. ودل على أن أولئك الخصوم يستخدمون الأساليب العدوانية التي يرهبون بها أتباع الأنبياء، لكن الله ينصر أولياءه، ويؤيدهم. عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (١). قوله: (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾): هذه لفتة مفيدة، وهي أن يعلم الموحِّد أن المخالفين للتوحيد ليسوا،
следующие страницы →