- أما الحكم الأخروي: فنقول كل كافر في النار، كل يهودي في النار، كل نصراني في النار. لكن ليس من لازم ذلك أن نحكم على معين بالنار، فلا نقول: فلان بن فلان في النار، فإن هذا أمر لا يعلمه إلا الله ، بل نكتفي بالحكم العام. فلعل هذا الإنسان يكتم إيمانه! كما يحكى عن بعض القسيسين، في بعض البلاد، أنه يفتح عليهم الباب فجأة، فيوجد قد صف قدميه يصلي! لكنه يخاف من قومه أن يقتلوه، فيستخفي بإيمانه، كمؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾ [غافر: ٢٨].
وقد أخبر النبي ﷺ عن رجل أتى بكلمة كفر محققة، ومع ذلك ما لبث أن غفر الله له: فعنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : " (أَنَّ رَجُلًا فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، رَاشَهُ اللهُ مَالًا وَوَلَدًا، فَقَالَ لِوَلَدِهِ: لَتَفْعَلُنَّ مَا آمُرُكُمْ بِهِ أَوْ لَأُوَلِّيَنَّ مِيرَاثِي غَيْرَكُمْ، إِذَا أَنَا مُتُّ، فَأَحْرِقُونِي - وَأَكْثَرُ عِلْمِي أَنَّهُ قَالَ - ثُمَّ اسْحَقُونِي، وَاذْرُونِي فِي الرِّيحِ، فَإِنِّي لَمْ أَبْتَهِرْ عِنْدَ اللهِ خَيْرًا، وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي، قَالَ: فَأَخَذَ مِنْهُمْ مِيثَاقًا، فَفَعَلُوا ذَلِكَ بِهِ، وَرَبِّي، فَقَالَ اللهُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ فَقَالَ: مَخَافَتُكَ، قَالَ فَمَا تَلَافَاهُ غَيْرُهَا) (١)
قد قال كلمة كفر، وشك في قدرة الله: "وَإِنَّ اللهَ يَقْدِرُ عَلَيَّ أَنْ يُعَذِّبَنِي"، فهذه الجملة في حد ذاتها كفرية، لأنها تتضمن الشك في قدرة الله، والشك في البعث، وذلك كفر باتفاق. وأخذ عليهم العهود والمواثيق على ذلك. فلما أن مات صنع بنوه ما أوصاهم به، فأحرقوه، وسحقوه. فلما كان في يوم شديد الريح، ذرُّوا رماده؛ نصفه في البر، ونصفه في البحر، كما جاء في بعض الروايات. أمر الله البحر، وأمر البر
стр. 37
فألقيا مادته، فاستقام بين يديه خلقًا سويًا، فقال: أي عبدي! ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتك. فما تلافاه أن غفر له.
فهذا يدل على أن الحكم على معين يجب التوقي فيه، حتى وإن بدا منه ما يوجب وصفه بالكفر؛ من شك، أو كفر، أو فعل ناقض. فالذي يتعلق بنا هو الأحكام الدنيوية الظاهرية، المتعلقة بالحياة؛ كالنكاح، والولايات، وبعد الممات؛ من غسل، ودفن، وتكفين، وميراث. وأما الحكم الأخروي فإلى الله، والله تعالى أعلم بما كانوا عاملين.
قوله: (وقد يقولها وهو يظنها تقربه إلى الله كما كان يظن المشركون): كما كان يظن المشركون، ويقول قائلهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، ومع ذلك، فقد حقق عليهم الكفر. فكذلك من شابه المشركين من المعاصرين؛ شابهوهم في علمهم بلا إله إلا الله، وأنها تعني توحيد الله بالعبادة، وناقضوا ذلك بأن صرفوا بعض أنواع العبادة لغير الله. فإن وقع ذلك ممن يدعي الإسلام، فلا فرق بينه وبين المشرك الأصلي.
قوله: (خصوصا إن ألهمك الله تعالى ما قص عن قوم موسى ﵇ مع صلاحهم وعلمهم أنهم أتوه قائلين اجعل لنا إلها كما لهم آلهة): يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩].
قوله: (فحنئذ يعظم خوفه وحرصه على ما يخلصه من هذا وأمثاله): أراد المؤلف ﵀ التنبيه على خطر الشرك، وسرعة تسلله إلى
стр. 38
النفس؛ إذ الشيطان يسوغه، ويسلكه في النفس، لأنه أعظم مطالبه. فأعظم ما يتمنى الشيطان:
- أن يوقع العبد في الشرك، لأنه يدرك أنه إن أشرك أكبه الله معه في النار.
- فإن لم يتمكن من الشرك الأكبر، أوقعه في الشرك الأصغر.
- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في البدعة.
- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الكبائر.
- فإن لم ينل ذلك منه، أوقعه في الصغائر.
- فإن لم ينل ذلك منه اكتفى منه بترك المستحبات، والوقوع في المكروهات.
فالشيطان عدو مبين، يتفنن في إغواء بني آدم، ويحاول أن ينال منهم ما استطاع. ولا يعيذ العبد من الشيطان إلا الله . ولو أن إنسانًا اعتمد على علمه، وعقله، وحذقه، ولم يستعن بالله، فما أسهل أن يلتقمه الشيطان. ولهذا يجب أن يقوي العبد اعتصامه بالله، وأن يكثر من الاستعاذة به من الشيطان الرجيم؛ من همزه، ونفخه، ونفثه، حتى يحفظه الله منه.
стр. 39
فصل في بيان حكمة الله أن جعل لكل داع إلى الحق أعداء
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وأعلم أن الله سبحانه، من حكمته لم يبعث نبياً بهذا التوحيد إلا جعل له أعداء، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾. وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾).
هذه فائدة عظيمة: وهي أن يعلم كل مؤمن أن من حكمة الله البالغة أن ينصب لرسله أعداء يخاصمونهم، ويؤذونهم بشتى أنواع الأذى. وقد يقول قائل: لم لا يمكِّن الله لرسله، ويجنبهم الأذى، لتتم دعوتهم دون مواجهة؟ والجواب: أن الله حكيم في قدره، فإنه بذلك يتبين من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، ويتبين الصادق من الدَّعي. قال تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: ١ - ٣]. فلو كان الأنبياء إذا دعوا إلى الله لم ينبرِ لهم أحد بالرد، والمحاربة، والمواجهة بالكلام ولا بالسنان، لكان كل أحد يدخل في
стр. 40
دينهم دون تمييز، ودون وعي، ودون تحقيق عبودية. لكن لما جعل الله الأمور على هذا المحك، أثمر هذه الفائدة التي يحصل بها تمحيص المؤمنين، واصطفاؤهم وإثابتهم.
ومن لازم ذلك، أن من سار على طريق الأنبياء؛ من الأولياء، فليرتقب ما جرى للأنبياء؛ من سار على طريق الأنبياء في تحقيق التوحيد، والدعوة إلى دين الله، فلينتظر ما جرى للأنبياء! سينبري له الخصوم، من شياطين الإنس والجن؛ يؤذونه، ويحاربونه، ولكن عليه أن يعتصم بالله، فإن العاقبة للتقوى. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٣١]. وتأمل قوله: ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾، فقد دل على أن أولئك الخصوم يستخدمون أسلوب التلبيس والإضلال، لكن الله، ، يدفعه بالهداية. ودل على أن أولئك الخصوم يستخدمون الأساليب العدوانية التي يرهبون بها أتباع الأنبياء، لكن الله ينصر أولياءه، ويؤيدهم. عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ، حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (١).
قوله: (وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾): هذه لفتة مفيدة، وهي أن يعلم الموحِّد أن المخالفين للتوحيد ليسوا،
стр. 41
بالضرورة، قومًا أمِّيين، لا علم عندهم، ولا قلم، ولا محبرة، ولا كتب، كلا! قد يكون عندهم علوم كثيرة يشتغلون بها، وزخرفٌ من القول، وبهرجٌ من العمل؛ بدليل قوله: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، يعني زين لهم ما عندهم من العلوم، فيزدرون دعاة التوحيد، ويفتخرون بأن عندهم من علوم الآلة، ما لا يبلغونه ولا يدركونه، ويجلبون عليهم، ويستطيلون، كما وقع من المتكلمين.
والمتكلمون: طائفة ظهرت في الأمة الإسلامية، بعد ترجمة كتب اليونان، خاصة المنطق الأرسطي، فسرى هذا الداء في بعض الأذكياء، وأرادوا إثبات العقائد الدينية، بالطرق العقلية، بناءً على قواعد المنطق اليوناني، فوضعوا مقدمات أفضت إلى نتائج مخالفة لعقيدة السلف. وصاروا ينبزون أهل الحديث بألقاب السوء، ويهجنون طريقتهم، فإذا واجهوهم ودعوهم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، قالوا عندنا علوم، وقواعد، ومقدمات نسير عليها. وفرحوا بما عندهم من العلم.
أما السلف ﵏ فقد اعتمدوا الكتاب والسنة، واستغنوا بهما عما سواهما. فإن الله ، أودع فيهما حقائق إيمانية، صافيةً نقيةً من كل شائبة.
فالمؤلف ﵀ أراد أن ينبه دعاة التوحيد إلى أن أعداء التوحيد ليسوا، دومًا، أميين من دهماء الناس، بل قد يكونون من المنسوبين إلى العلم، المتبحرين في علوم الآلة، العارفين بفنون الفروع.
стр. 42
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه؛ أهل فصاحة، وعلمٍ، وحُجج، فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحاً تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾).
إذا عرف الموحد أن المخالفين له، على حظ من العلوم، والحجج، والفصاحة، والبيان، والتأثير، فإن ذلك يدعوه إلى التعرف على حججهم وشبهاتهم، ليتمكن من حلها، ونقضها، فلا يدخل في هذه المضامير خلو الذهن، فتفجؤه المسائل والإيرادات، وربما تدهشه، وتبلبله، فلا يحير جوابًا، ولو كان على يقين بما عنده من العلم. فعليه أن يتمكن من العلم الذي هُدي إليه، وأن يحيط علمًا بالشبهات التي تورد عليه، لكي يُعد لكل شبهة جوابًا، فإن هذا من أخذ العدة. وإذا كان الله تعالى أمرنا بالإعداد، والقوة، في جهاد العدو الحربي، بقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فلا يليق بنا أن نذهب إلى ساحة المعركة ونحن نحمل العِصي، وخصومنا يحملون الأسلحة المتطورة، فلأَن نتهيأ بسلاح العلم الذي نقارع به تلك الحجج، من باب أولى.
وكأن هذا من المؤلف ﵀ من التمهيد، وحسن المدخل، بين يدي "كشف الشبهات" التي يشبه بها مشركو الزمان.
стр. 43
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولكن إن أقبلت إلى الله، وأصغيت إلى حجج الله وبيناته، فلا تخف، ولا تحزن، ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾. والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح)
أحسن المؤلف ﵀ صنعَا، بهذا التقرير؛ إذ أنه لما عظَّم أمر الاستعداد، والتهيؤ لمواجهة المبطلين من أعداء التوحيد، ربما داخل القارئ نوع تهيب، فيجبن، ويرى من نفسه عدم الأهلية لخوض هذا الغمار. لكن المؤلف طمأنه طمأنة حقيقية، بأن الإقبال على الله بقلب صادق والإصغاء إلى حججه، وبيناته التي أودعها في كتابه، أو جاءت على لسان نبيه ﷺ تنفي الخوف والحزن. والخوف: يكون من أمر مستقبل، والحزن: على أمر ماض. فيقول: لا تخف، ولا تحزن، ولا يهولنك الكلام المنمق المزخرف، فليس تحته شيء. كما قيل:
حجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور
قال: (والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين): العامي من الموحدين الذي لم يتبحر في علوم الآلة، ولم
стр. 44
يتقن الفروع، ولكن أدرك حقيقة التوحيد، وأصل الدين، يغلب ألفًا من هؤلاء المشركين، لأن الحق معه، فحجته سهلة واضحة، وأولئك يحاولون مصادمة الحقائق بأنواع التكلفات، ولذلك يغلبهم بكلمة واحدة. فإذا استدل بقول الله، أو قوله رسوله، خضعت له الرقاب. وليس مراده بالعامي هنا الجاهل جهلًا مطلقًا.
وكل واحد من المسلمين يجب ألا ينزل عن هذا الحد، فقد الرجل يأتي النبي ﷺ فيعرض عليه الإسلام في مجلس واحد، ثم يذهب إلى قومه، فتسلم القبيلة بأكملها، ولا يستدعي الأمر أن يجتاز "دورة مكثفة" في فنون الشريعة، حتى يكون مؤهلاً للدعوة إلى الله.
(قدم الطفيل بن عمرو الدوسي مكة، ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفًا، شاعرًا، لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل! إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد اعضل بنا، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر؛ يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك، وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنَّه، ولا تسمعنَّ منه شيئًا.
قال: فوالله، ما زالوا بي، حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيَّ، حين غدوت الى المسجد، كرسفًا، فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت الى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ ، قائم يصلي عند الكعبة، قال: فقمت منه قريبًا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلامًا حسنًا، قال: فقلت في نفسي: واثكل أمي! والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفي علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن اسمع من هذا الرجل ما
стр. 45
يقول؟ فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته. قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ ، إلى بيته، فاتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد! إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك، حتى سددت أذنيَّ بكرسف، لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولاً حسنًا، فاعرض علي أمرك. قال: فعرض علي رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا علي القرآن، فلا والله، ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه. قال: فأسلمت، وشهدت شهادة الحق، وقلت، يا نبي الله، إن امرؤ مطاع في قومي، وأنا راجع إليهم، وداعيهم الى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه. فقال اللهم اجعل له آية) (١). لم يحتج الطفيل بن عمرو الدوسي، ﵁، أن ينخرط في دورة تأصيلية، أو مكثفة، حتى يعرف بالإسلام، ويدعو إليه.
فالواجب على كل مسلم يرى في نفسه الأهلية، أن يدعو إلى دين الله ، وتوحيده. ولا يلزم أن يكون مفتيًا، ولا فقيهًا، لكن الدعوة إلى التوحيد أول الأمر.
وقد طمأن المؤلف ﵀ دعاة التوحيد بأنهم منصورون، لأن الله قضى بذلك، فقال سبحانه: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣]. وهذا الظهور للدين يكون على نوعين:
١. ظهور بالحجة والبيان.
٢. ظهور بالسيف والسنان.
стр. 46
أما الظهور بالحجة والبيان: فهذا لا ينقطع أبدا لأنه لا دين يسامي، أو يداني دين الله بحال؛ فجميع الفلسفات، والأديان المحرفات، والنظريات المختلفات، كلها مجرد عبثيات، إذا قورنت بدين الله . فدين الله غالب بالحجة والبيان، لأنه دين كامل، شامل، متوازن، محقق لمصالح البشر، في كل مكان، وفي كل زمان، ولكل جيل، وقبيل.
وأما الظهور بالسيف والسنان: فهذا يختلف باختلاف الأحوال؛ لأنه سبقت سنة الله أن يداول الأيام بين الناس، كما قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. ولم يخرج عن هذه السنن أهل الإسلام لأن الله قد علق نصرهم بنصر دينه، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧].
ولما أخلوا بشيء من أسباب النصر يوم أحد، قال مذكرًا لهم، معاتبًا إياهم: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: ١٦٥]، لما قالوا: كيف نهزم وفينا رسول الله ﷺ ؟ - يقتل منا سبعون، ويجرح مثل ذلك، ونبينا ﷺ يُكْلم، ويقع في حفرة! كيف يكون هذا؟ فأجابهم: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾، أمرهم نبيهم ﷺ بالثبات، وعدم النزول من جبل الرماة، فخالفوا بعد ما أراهم ما يحبون، ذلك أن منهم من يريد الدنيا ومنهم من يريد الآخرة. فجعل الله هذا الظهور مقترنًا بالأسباب الشرعية، والأسباب الحسية التي يعتمدها البشر.
ولأجل ذا رأينا حال أهل الإسلام تعتريه أحوال مختلفة. مازال أمر الإسلام في ارتقاء زمن النبوة، فما مات رسول الله ﷺ إلا وقد استوسقت جزيرة العرب إسلامًا؛ طبَّق الإسلام الجزيرة بأكملها، فكان
стр. 47
علوًا وظهورًا بالحجة والبيان، وبالسيف والسنان. ثم جاء الخلفاء الراشدون من بعده، وأمر الإسلام يشتد، حتى بلغ الخافقين؛ بلغ المسلمون شرقًا بلاد الصين، وبلغوا غربًا المحيط الأطلسي، ووقفوا شمالًا على أبواب القسطنطينية، وفتحوا بلاد الأندلس، أسبانيا والبرتغال، وتسلقوا جبال البرانس، ودخلوا بلاد الغال، فرنسا، ومكثوا فيها سبعين سنة. وتحقق وعد الله : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥]، فلما وفوا بالشرط، وفى الله لهم بالجزاء، وحصل لهم ما يحبون. وحينما ارتخت قبضتهم، ومالوا إلى الدنيا، واشتغلوا بالخصومات، وتركوا الجهاد، سلط الله عليهم عدوهم، فغزاهم التتر، والصليبيون، وجاء الاستعمار الحديث.
فالله تعالى، يريد منا أن ننشر دينه بجهدنا، وبذلنا، وعملنا، لا بأمانينا، فإن نحن فعلنا نصرنا كما وعدنا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧] والله لا يخلف وعده، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، فإذا وجد هذا الجند، فإن الله ينصرهم ويمكنهم.
قوله: (وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح): ليس الخوف أن يتخلف نصر الله، فالله ناصر دينه، ومعز عباده، لكن الخوف على الموحد ألا يكون معه سلاح الحجة والبيان، التي يقارع بها شبهات المبطلين. لا يكفي، ولا يجدي إذا انبرى لك خصم من القبوريين والمشركين، وألقى عليك شبهة أن تقول له: اخرس! لا تتكلم! الواجب أن ترد الشبهة بالحجة. أقم عليه الحجة، واقصد في
стр. 48
دعوتك له هدايته، فقد يهديه الله تعالى على يديك. فإن لم يكن، فأقل الأحوال أن يسلم الآخرون من التأثر به، بانكشاف شبهته، وافتضاح أمره، فلا يلتفت إليه أحد. فلابد من سلاح العلم والإيمان لمواجهة المبطلين.
стр. 49
فصل في أن القرآن حجة على كل مبطل إلى يوم القيامه
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله (تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً)، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة).
زاد المؤلف القارئ طمأنة بأن الله -قد من عليه بمصدر العلم الحق، والسلاح المضاء، الذي يواجه به الأعداء، وهو الكتاب العزيز، فما أسعدنا بهذا الكتاب الذي حوى جميع هذه الأوصاف: التبيان، والهدى، والرحمة، والبشرى. لكن هذا التبيان:
- قد يكون تبيانًا تفصيليًا لمسألة معينة.
- وقد يكون تبيانًا عامًا، تندرج تحنه أفراد مسائل.
فلا يلزم أن يكون القرآن العظيم دائرة معارف يتضمن تفاصيل ودقائق المسائل، في الأمور الدنيوية المعاشية، في مختلف الفنون، لكنه يُرسي قواعد كلية ترسم منهجًا للمؤمنين، وفي بعض الحالات يعطي أمورًا تفصيلية لدعاء الحاجة إلى ذلك.
стр. 50
- فإذا قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ الآية [المائدة: ٣]، فهذا تبيان تفصيلي للمحرمات من المطعومات.
- وإذا قال الله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]، فهذا تبيان تفصيلي للمحرمات في النكاح؛ من النسب، المصاهرة، والرضاعة.
- وإذا قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فهذا تبيان إجمالي بوجوب التأسي والأتباع.
- وإذا قال الله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، فهذا تبيان إجمالي في الرجوع إلى أهل العلم.
فلا يخرج شيء عن القرآن، لأن فيه (تبيان)، لكل شيء (وهدى)، الهدى في مقابل الضلال، (ورحمة)، الرحمة في مقابل العذاب، و (بشرى) البشرى في مقابل الأمر المخوف. كل هذه المزايا، بحمد الله، موجودة في كتابنا. فكن أيها المؤمن الموحد على طمأنينة.
قوله: (فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها، ويبين بطلانها): لكن قد يُهدى إليها المرء، وقد لا يهدى إليها، وإنما يستنبطها الراسخون في العلم. فلا يوجد شبهة يطلقها مبتدع مبطل من؛ خرافي، أو قبوري، أو صوفي، أو متكلم، ممن يخالف السنة، إلا وفي القرآن العظيم لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾: يعني المشركون ليعارضوا به دينك ودعوتك. ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، وقد بقي هذا الحق الذي آتاه الله نبيه ﷺ مذخورًا، مزبورًا في كتابه، نرجع إليه في كل نازلة.
قوله: (قال بعض المفسرين هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة): ما ترك الله شاذة ولا فاذة، إلا وأودعها في كتابه، يستنبطها الراسخون في العلم.
стр. 51
ومن عجائب ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أنه ما من أحد من المبطلين يستدل بآية على باطله، إلا وكان في تلك الآية ما ينقض باطله، لأن القرآن كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١، ٤٢]، فكل مبطل من هؤلاء الزائغين، الذين يريدون أن يسوقوا الباطل وينشروا البدعة، ويستدلوا على باطلهم بآية من كتاب الله، فإنه يكون في هذه الآية ما ينقض مرادهم ويعكس القضية عليهم. وقد ذكر شيخ الإسلام هذا الملحظ في مقدمة كتابه "درء تعارض العقل والنقل" ولهذا أمثلة يطول ذكرها.
стр. 52
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله تعالى في كتابه، جواباً لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا. فنقول: جواب أهل الباطل من طريقين: مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، وقد صح عن رسول الله، أنه قال: «إِذَا رَأَيْتِم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المتَشَابَهَ ويتركون المحكم فأولئك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ في كتابه فَاحْذَرُوهُمْ) (١).
مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، أو: إن الشفاعة حق، أو: إن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو: ذكر كلاماً للنبي ﷺ يستدل به على باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره، فجاوبه بقولك: إن الله تعالى ذكر أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم، ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة، أو الأنبياء، أو الأولياء، مع قولهم: ﴿هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ
стр. 53
اللّهِ﴾، وهذا أمر محكم، لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرته لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام رسول الله ﷺ ، لا أعرف معناه، ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي لا يخالف كلام الله .
هذا شروع من المؤلف ﵀ بعد هذه المقدمة الحافلة، في الحديث عن الشبهات التي يحتج بها أهل البدع، من مروجي الشرك، ووسائله، وأسبابه. ذلك أن مشركي زمانه، من مروجي الشرك، ودعاء غير الله يتذرعون ببعض النصوص، والأدلة، يلبسون بها الحق بالباطل، ويشوشون بها أذهان العوام. فهم لا يقولون للعامة: أشركوا بالله! ادعوا غير الله! لكنهم يأمرونهم بأمور، هي في الحقيقة شرك في العبادة، ويلبسون على أتباعهم، ويحتجون على من نازعهم ببعض الأدلة. والمؤلف ﵀ قد تصدى لهم، ونازلهم في مواطن كثيرة، فجمع كثيرًا من هذه الشبهات في هذا السفر، الذي سماه كشف الشبهات. وقد ذكر فيه بضع عشرة شبهة من شبهاتهم التي يرددونها، وناقشهم على طريقة السؤال والجواب، وألحق بذلك فوائد متنوعة.
قوله: (فنقول إن جواب أهل الباطل من طريقين مجمل، ومفصل. أما المجمل: فهو الأمر العظيم، والفائدة الكبيرة لمن عقلها، وذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية): هذا تقعيد عام. والواقع أن هذه القاعدة تنطبق على كل شبهة من الشبهات. فيمكن للمرء أن يجيب جوابًا مجملًا، ويمكن أن يجيب جوابًا
стр. 54
مفصلً. ا أما الجواب المجمل: فهو المنهج الذي دل عليه قول الله تعالى في سورة آل عمران: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). ف (الكتاب): القرآن. و (منه): للتبعيض، (آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ): أي: واضحات الدلالة، لا تحتمل إلا معنى واحدًا في الأذهان. (هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ) أي: أكثره وغالبه. (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): آيات أخر قليلة، لأن أم الكتاب وعامته من المحكم، فصار ما سواه قليل. (مُتَشَابِهَاتٌ)، أي يشتبه معناها على بعض الناس، فهي حمالة أوجه، يقع في النفس أنها كذا، أو أنها كذا، بسبب احتمال اللفظ لعدة معان في بعض الأذهان. وقد جعل الله ذلك ابتلاء واختبارًا، لا أن هذه الآيات مجهولة المعنى بإطلاق، لا يمكن العلم بها، كلا! لكنها قابلة أن تلتبس على أهل الأهواء.
ثم ذكر انقسام الناس حيال هذا المتشابه، فجعلهم قسمين، وبدأ بالمذموم منهما:
١ - الزائغون: (فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ): يعني الذين انطوت قلوبهم على هوى وبدعة، (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ): لأن النفوس المريضة، والقلوب المعتلة، تكون شغوفة بتتبع المتشابه، وحمله على المحامل الباطلة. (ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ)، لإثارة الفتنة، والفتنة هنا: لبس الحق بالباطل. (وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ)، أي محاولة بلوغ حقيقته، وكنهه، الذي هو عليه في الواقع. (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ)، أي لا سبيل لهم بالعلم بحقيقته وكنهه، فإن ذلك مما اختص الله بعلمه. وهذا التوجيه على القراءة المشهورة، قراءة الوقف.
٢ - الراسخون: (وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا
стр. 55
يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. فقراءة الوقف، وهي القراءة المشهورة، مقتضاها أنه لا يعلم حقيقة ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، من الأمور المغيبة، على ما هي عليه في الواقع، إلا الله. فلا سبيل لأحد أن يكيف صفات الله ، ولا أن يكيف الأمور الغيبية مما يتعلق بيوم القيامة؛ من نصب الموازين، ونشر الدواوين، والمرور على الصراط، لا يمكن لأحد أن يحكي كيفيتها، بل هذا مما استأثر الله بعلمه.
قوله: (وعليه يحمل قول ابن عباس ﵄: (نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ)) (١):
١ - فالضرب الأول: تعرفه العرب من لغتها: كما تعرف العرب معنى "الغاسق"، ومعنى "وقب"، ومعنى "عسعس"، ومعنى "الرقيم"، ونحو هذه الألفاظ التي تطلب من المعاجم والقواميس، فيهتدي الإنسان إلى معاني هذه الألفاظ.
٢ - الضرب الثاني: لا يعذر أحد بجهالته: ومراده من ذلك المعلوم من الدين بالضرورة؛ فإذا قال الله تعالى: (أَقِيمُوا الصَّلَاةَ) فلا يسع أحدًا أن يفسر الصلاة على ما تعرفه العرب من لغتها، إذ الصلاة في لغة العرب معناها الدعاء، فليس لأحد أن يقول: إن معنى أقيموا الصلاة، أي: أقيموا الدعاء. معلوم أن الصلاة في لسان الشرع: عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم. فهذا الضرب لا يعذر أحد بجهالته، لأن الشرع نقله من الوضع اللغوي، إلى الوضع الاصطلاحي.
٣ - الضرب الثالث: ضرب لا يعرفه إلا العلماء: وذلك ما يتعلق
стр. 56
بالناسخ والمنسوخ، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والعام والخاص، وأسباب النزول. فهذه تتطلب سعيًا، وبحثًا، وإدراكًا. ولهذا لا يعرفها إلا العلماء، لكن يمكن الوصول إليها.
٤ - الضرب الرابع: لا يعلمه إلا الله: فمن ادعى علمه فقد كذب. وهو حقيقة، وكيفية ما أخبر الله تعالى به عن نفسه، أو عن اليوم الآخر، من الأمور المغيبة.
ومن أمثلة المتشابه:
الآيات الدالة على طلاقة المشيئة: كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر: ٨]، فيظن الجبري أن الإنسان مجبور على فعله، لا فعل له ولا اختيار. ويقابله القدري، بالآيات الدالة على إسناد الأفعال إلى العباد، كقول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: ٥ - ٧] فيعتقد أن الإنسان يخلق فعل نفسه، وأن الله ليس له مشيئة، ولا خلق لأفعال العباد. فيقع في نوع آخر من اتباع المتشابه.
أما المؤمن الراسخ، فيبصر هذه الطائفة من النصوص، وهذه الطائفة المقابلة من النصوص، بكلتا عينيه، فيفهم من مجموعها ما دل عليه قول الله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨، ٢٩]، فيتبين له أن الله أعطى العباد قدرة، ومشيئة، وفعلًا حقيقيًا، به يأتون ويذرون، وأن ذلك لا يخرج عن تقدير الله العام، الذي قدره منذ الأزل، فلا تتصادم عنده النصوص، بل تلتئم، وتتفق.
- مثال آخر: الآيات الواردة في إثبات الصفات: الدالة على أن الله له سمع، وبصر، ووجه، ويدان. فيقول الممثل: لا نعرف إلا ما هو
стр. 57
معهود في الأذهان، فيثبت لله تلك الصفات على وجه ويماثل صفات المخلوقين. ويقابله المعطل بالآيات الدالى على التنزيه كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤]، وقوله: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤] فيتوهم أن الله تعالى ليس له صفات، فيقع في التعطيل.
أما المؤمن الموحد، فيبصر هذه الطائفة من الآيات، وهذه الطائفة من الآيات، بكلتا عينيه، ويتبين له من مجموع الآيات أن لله سبحانه أسماء وصفات تليق بجلاله وعظمته، لا تماثل صفات المخلوقين، فيرتفع عنه التشابه.
وهكذا في جميع الأمور التي وقع فيها اشتباه عند أهل الزيغ والأهواء
أما الصنف المقابل لأهل الزيغ، فهم الراسخون في العلم، وهو مراد المؤلف بالجواب المجمل فقد وصف الله طريقتهم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أي أن الراسخين في العلم إذا أشكلت عليهم بعض هذه الآيات، واشتبهت عليهم لأول وهلة، لم يتهموا النقل، بل اتهموا العقل، وردوا المتشابه إلى المحكم، لأن مصدرها جميعًا من عند الله. فما دامت هذه من عنده، وهذه من عنده، فلا يمكن أن تتعارضا. فإذا رأوا آيات تدل على طلاقة مشيئة الله، وأن الله يقضي ما يشاء، ويحكم ما يريد، ووقع في نفس أحدهم كيف قدر عليهم المعصية والكفر وعذبهم عليه! رجعوا إلى المحكم، كقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠]، فاعتصموا بهذه المحكمات، وتمسكوا بها، وتأنوا حتى يتبين لهم محمل ما تشابه عليهم، وأمعنوا
стр. 58
النظر، وازدادوا بحثًا، وتأملًا، وسألوا أهل الذكر، فما قد يكون مشتبهًا على زيد، لا يلزم أن يكون مشتبهًا على عمرو، وما يكون مشتبهًا على طالب العلم في أول طلبه، لا يلزم أن يبقى مشتبهًا عليه طول عمره، فإن الله يكشف له الحقائق، ويزيل عنه اللبس، فيصبح المتشابه عنده محكمًا.
وليس في القرآن آيات مخصوصة، يشار إليها بالبنان، يقال عنها: الآيات المتشابهات بإطلاق، كلا! بل التشابه نسبي، مطلقا، إلا ما يتعلق بالكيفيات، فلا سبيل لدركه والإحاطة به. فثمَّ آيات تشتبه على أهل التمثيل، وآيات تشتبه على أهل التعطيل، آيات تشتبه على القدرية، وآيات تشتبه على الجبرية، آيات تشتبه على الوعيدية، وآيات تشتبه على المرجئة. أما أهل السنة والجماعة، فإنهم هدوا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فصار كتاب الله ، في حقهم، بمجموعهم، محكمًا.
وقد استدل المؤلف بقول النبي ﷺ : (إِذَا رَأَيْتِم الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ المتَشَابَهَ ويتركون المحكم فأولئك الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ في كتابه فَاحْذَرُوهُمْ) (١)، وهو حديث متفق عليه، حذر فيه ﷺ من أهل الأهواء والبدع، الذين يزوقون باطلهم، ويزخرفونه بأنواع الشبه، ليسلكوه بين الناس. فإذا رأى الإنسان الذين يتبعون المتشابه، فيجب أن يحذر منهم؛ من أشخاصهم، ومن أساليبهم، وطرائقهم، وينأى بنفسه عنها، ويسلك طريقة الراسخين في العلم، المعتصمين بالكتاب والسنة.
وقد وصف الله كتابه كله بالإحكام تارة، وبالتشابه تارة، وبالإحكام والتشابه معًا. فينبغي التمييز بين أربعة مصطلحات:
стр. 59
١ - الإحكام العام: قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١]، وهو بمعنى الإتقان في أخباره وأحكامه. فالقرآن كله محكم بهذا الاعتبار، فليس في القرآن خلل ولا اضطراب بحال. ولو وقع عند إنسان اشتباه والتباس فمرده إليه هو، لا إلى الكتاب.
٢ - التشابه العام: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]، وهو بمعنى تماثله وتناسبه، وأن بعضه يشبه بعضًا، ويصدق بعضًا، ويشهد بعضه لبعض.
٣ - التشابه الخاص: قال تعالى: (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ): وهو مشابهة الشيء لغيره من وجه، ومخالفته له من وجه آخر، فيقع من جراء ذلك اشتباه بعض الآيات على بعض الناس لعلة في الفهم والإدراك، أو نقص العلم، أو زيغ وهوى.
٤ - الإحكام الخاص: قال تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ): هو الفصل بين الشيئين المشتبهين من وجه، المختلفين من وجه آخر. أي رفع التشابه الخاص، وبيانه، وتوجيهه، بحيث لا يعارض بعضه بعضًا.
ومراد المؤلف-﵀ من إيراد الآية، بيان الطريق الأول، وهو الطريق المجمل، بأن تعلم أن ما يورده عليك هؤلاء المشركون من شبهات، يتذرعون فيها بآيات قرآنية، أو نصوص نبوية، ينبغي ألا يزعزعك، بل تجيبهم بالقول: أنا لا أعرف ما تقولون، لكني أعلم قطعًا بكذا وكذا، من المحكم الذي لا يختلف عليه اثنان.
قوله: (مثال ذلك إذا قال لك بعض المشركين: "أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ"): يقصد مشركي زمانه، ممن يسوق للبدعة والشرك، فيستدلون بكرامة الأولياء عند الله، ويقولون: نحن ندعوهم لمنزلتهم عند الله!
стр. 60
قوله: (أو: إن الشفاعة حق): أي: فلم تنكر علينا أن نطلبها من النبي ﷺ وندعوه قائلين يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك؟
قوله: (أو: إن الأنبياء لهم جاه عند الله): أي: فنحن ندعو إبراهيم، أو موسى، أو عيسى، لأن لهم جاه عند الله، كما قال إبراهيم، ﵇: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]، وعن موسى، ﵇: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]، وعن عيسى، ﵇: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٤٥].
قوله: (أو ذكر كلامًا للنبي يستدل به على شئ من باطله، وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره): وهذا أمر وارد، يقع لكثير من عامة المؤمنين، من غير العلماء.
فهذه أربع شبه يوردها أهل الأهواء والبدع، على آحاد الموحدين، فماذا يصنع الإنسان الذي قد يخفى عليه الجواب المفصل؟ يلجأ إلى الجواب المجمل:
قوله: (فجاوبه بقولك: إن الله تعالى ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه. وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية، وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء، مع قولهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله، هذا أمر محكم بين لا يقدر أحد أن يغير معناه): أرشده المؤلف إلى أن يستدل عليهم بأمر محكم: وهو أن مشركي العرب كانوا مقرين بتوحيد الربوبية، وكان كفرهم بسبب دعاء الأولياء والملائكة والنبيين والصالحين، فلم يسلموا من مغبة الشرك مع إقرارهم بتوحيد الربوبية، بل أكفرهم الله تعالى، وقاتلهم رسول الله ﷺ ولم يغن عنهم ذلك شيئًا. وهذا أمر لا شك فيه، ولا نزاع.
стр. 61
قوله: (وما ذكرت لي أيها المشرك من القرآن، أو كلام رسول الله ﷺ ، لا أعرف معناه): يعني: أنا، شخصيًا، لا أعرف معناه وتوجيهه، ولا غضاضة أن يقول المرء لما لا يعلم: لا أعلم.
قوله: (ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي ﷺ لا يخالف كلام الله : فإذا كان ذلك ممتنعًا، تبين أن في استدلالك خللًا. وهذا مسلك عام يمكن أن يسلكه المؤمن في جميع أبواب الدين والاعتقاد، وهو أن يعتصم بنص محكم، واضح، بيَّن، يأوي إليه، ويتشبث به، وكل ما اشتبه عليه نص رده إليه.
فلو احتج عليك معطل للأسماء والصفات، بشبهات عقلية مزعومة؛ كشبهة "التجسيم" أو "التركيب" في نفي الصفات الخبرية، أو "حلول الحوادث" في نفي الصفات الفعلية، فاعتصم بما أخبر الله تعالى به في سورة الصمد، وفي آخر سورة الحشر، وفي آية الكرسي، من إثبات الأسماء والصفات لله. وإذا ادعى مدعٍ أنها على وجه يماثل المخلوقين: فاقرأ عليه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
وإذا قال لك إنسان: إن العبد يخلق فعل نفسه، فاقرأ عليه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وإذا قال آخر: العبد مجبور على فعله، كالريشة في مهب الريح، فاقرأ عليه: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: ٢٨]، فأثبت لنا مشيئة، واقرأ عليه: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل: ٥]، فأثبت لنا فعلا.
ثم علق المؤلف ﵀ على هذا الجواب بقوله: (وهذا جواب جيد سديد، ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى، ولا تستهونه، فإنه كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾).
стр. 62
السداد: إصابة كبد الحقيقة. فمن عمل بالمحكم، وآمن بالمتشابه، فهو مسدد. وينبغي للعبد أن يسأل ربه الهدى والسداد، كما في حديث عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : (قُلِ اللهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ، بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ، وَالسَّدَادِ، سَدَادَ السَّهْمِ) (١). أي: إذا سألت الله الهدى، فاستحضر حالك، لو كنت بين مفارق طرق، تريد أن تقطع مفازة، لا تدري أين تذهب! كذلك الحال في هذه الدنيا، حيال الأقوال، والمذاهب، والاتجاهات. وفي الحديث القدسي: (يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ) (٢)، فيجب الإنسان أن يستهدي بربه .
وإذا سألت الله السداد فاستحضر حالك، لو كنت تصوب سهمًا تريد أن يقع على هدف معين، فكذلك في الأمور التي تقصدها، اسأل الله أن يوقعك الموقع الصواب، وأن يقود خطاك إلى مراده ومرضاته.
قوله: (ولكن لا يفهمه إلا من وفقه الله، ولا تستهونه): أي الاعتصام بالمحكم، وعدم اتباع المتشابه، وهو الجواب المجمل، فإنه من توفيق الله. وذلك يريحك من شر كثير، ومن لغط كثير، وقد لا تملك الجواب المفصل في كل موقف، فاعتصم بالجواب العام المحكم.
وأهل البدع يأتون إلى المناظرات، والسجالات، وقد تسلحوا بعديد من الشبهات، فربما يلقونها عليك دفعة واحدة، فتلحقك دهشة. فلا يهولنك ما ترى، و ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ [طه: ٦٨]، كن في موقع الهجوم، لا في موقف الدفاع.
وبعض من يتصدى للمناظرات من الصالحين، في القنوات
стр. 63
الإعلامية، أو في مواقع "الإنترنت"، يجره خصمه إلى مغالطات، ويشغله بأمور جانبية، فينسى موضوعه الأساسي. فلا تجعل الخصم يرسم لك الخطة! بادئه بناطق الكتاب، وصحيح السنة، ليشتغل هو بالجواب، ولا تجعل نفسك لقمة سائغة له، يقلبك يمنة ويسرة، ويوجه مسيرة الحديث، ارسم خارطة الطريق قبل أن تسير، واعرف ماذا تريد أن تدعوه إليه حتى لا يكسب الجولة، ويلبس على السامعين، ويضيع وقتك.
قوله: (فإنه كما قال تعالى: ﴿وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم﴾): استدل به المؤلف ﵀ بالمعنى العام للآية، وقد وقعت بعد قوله: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤، ٣٥]، يعني لا يصل إلى هذه المرتبة، وهي الدفع بالتي هي أحسن، إلا الصابرون، ممن لهم نصيب وافر. فهي تشمل فيما تشمل الدفع بالتي هي أحسن في مقام المناظرة. ومن ذلك: أن يوفق إلى جواب مجمل، يحسم به الأمر.
стр. 64
الشبهة الأولى
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وأما الجواب المفصّل: فإن أعداء الله لهم اعتراضات كثيرة على دين الرسل، يصدون بها الناس عنه، منها قولهم: نحن لا نشرك بالله شيئًا، بل نشهد أنه لا يخلق، ولا يرزق، ولا ينفع، ولا يضر، إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً ﷺ -لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فضلاً عن عبد القادر، أو غيره، ولكن أنا مذنب، والصالحون لهم جاه عند الله، وأطلب من الله بهم.
فجاوبه بما تقدم، وهو أن الذين قاتلهم رسول الله مُقرِّون بما ذكرت لي أيها المبطل، ومُقرِّون أن أوثانهم لا تدبر شيئاً، وإنما أرادوا ممن قصدوا الجاه والشفاعة. واقرأ عليه ما ذكر الله في كتابه، ووضحه).
هذه أولى الشبهات التي أراد المؤلف ﵀ كشفها. وهي من أشهر شبهاتهم عند المناظرة. يشهرها أولئك السدنة، الذين يحيطون بالقبور والمقامات والمشاهد المزعومة، حينما يُنكر عليهم صنيعهم، فيقولون: نحن لا نشرك بالله! ويفسرون ذلك بتوحيد الربوبية، ونفيه عمن سواه. ثم يظهرون التمسكن والانكسار، فيقول قائلهم: أنا مذنب! أنا متلطخ
стр. 65
بالذنوب والأوزار! من أنا حتى أسأل الله مباشرة؟ أحتاج إلى من يدخلني على الله . وهؤلاء الصالحون لهم جاه عند الله -أعطاهم إياه، ومنَّ عليهم به، فأنا أطلب من الله بهم. كما أن الإنسان، في هذه الدنيا، لو كان مذنبًا مجرمًا، لا يستطيع أن يدخل على السلطان إلا بواسطة. هكذا صوروا القضية! فلربما لو ألقيت هذه الشبهة على بعض البسطاء، لأُرتج عليه، ولم يُحر جوابًا.
قوله: (فجاوبه بما تقدم): يعني بما تقرر سابقًا، وخلاصته أنه لا فرق بين دعواكم هذه، وما ادعاه المشركون زمن النبي ﷺ ، فقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالربوبية، وأن الله هو الخالق، المالك، المدبر، مقرين بأن أوثانهم لا تدبر شيئًا، ومع ذلك أكفرهم، وقاتلهم. والذي أوقعهم في الشرك قولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. فلا فرق بين تسويغ المشركين الأوائل لشركهم، وبين ما تقولون وتفعلون أنتم، لتسويغ شرككم. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]
стр. 66
الشبهة الثانية
قوله: (فإن قال: إن هؤلاء الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، كيف تجعلون الصالحين مثل الأصنام؟ أم كيف تجعلون الأنبياء أصناماً؟).
هذا إيراد على الجواب السابق. سيقول لك: شتان! البون شاسع، هذه الآيات نزلت فيمن يعبد الأصنام، فكيف تنظِّرون بين حال الصالحين، وحال الأصنام؟! نحن ندعو قومًا صالحين، من أولياء الله، كعبد القادر الجيلاني، ﵀، وكان من سادات المسلمين، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، وكان من الصلاح والتقى بمكان، شهدت له الأمة بذلك. فكيف تجعلونه وأمثاله، بمنزلة الأصنام؟! بل وكيف تجعلون الأنبياء بمثابة الأصنام؟!
стр. 67
قوله: (فجاوبه بما تقدم، فإنه إذا أقر أن الكفار يشهدون بالربوبية كلها لله، وأنهم ما أرادوا ممن قصدوا إلا الشفاعة، ولكن أراد أن يفرق بين فعلهم وفعله بما ذكر، فاذكر له أن الكفار منهم من يدعو الأصنام، ومنهم من يدعو الأولياء، الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾،
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 68
ويدعون عيسى ابن مريم وأمه، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، واذكر قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم، رسول الله ﷺ .
نسف المؤلف شبهتهم من أصولها، لأنهم أرادوا أن يثبتوا فرقًا بين من يدعو الأصنام، ومن يدعو الصالحين. فبيَّن المؤلف-﵀ أن النكير على هذا، وعلى هذا سواء؛ لأن المقصود في الحالين هو دعاء غير الله بصرف النظر عن المدعو، وأن المشركين الذين أنكر عليهم النبي ﷺ وقاتلهم كانوا يدعون أناسًا صالحين من الخلق؛ فمنهم من كان يدعو الأولياء والصالحين كما قال الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧] يعني أن أولئك المدعوين، الذين يتخذونهم شفعاء، هم، أنفسهم، يتنافسون في التقرب إلى الله، ويرجون رحمته، ويخافون عذابه. فإذا كان هذا حالهم، فكيف تخالفونهم وتفعلوا غير فعلهم؟ كان الأجدر بكم أن تكونوا مثلهم؛ ترجون رحمته، وتخافون عذابه.
والمقصود أن الكفار الأولين، كانوا يدعون قومًا صالحين. ويدعون المسيح ابن مريم وأمه، فأعظم الله عليهم النكير وقال: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ
стр. 69
كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥) قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٥، ٧٦]، ويدعون الملائكة الكرام لهذا يقول الله للملائكة يوم القيامة، ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ: ٤٠، ٤١]، فدل ذلك على أن المشركين السابقين، كانوا يدعون قومًا صالحين، كالملائكة، وعيسى، وأمه، فسقطت حجة المشركين المعاصرين.
فلما كشف المؤلف شبهتهم قال: (فقل له: أعرفتَ أن الله كفَّر من قصد الأصنام، وكفَّر أيضًا من قصد الصالحين، وقاتلهم، رسول الله ﷺ ، فإن كان المخالف منصفًا فسيقول: عرفتُ. وهذا هو مقتضى العقل والإنصاف، إلا أن تأخذه العزة بالإثم، واتباع الهوى.
стр. 70
الشبهة الثالثة
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: الكفار يريدون منهم: وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار، المدبر، لا أريد إلا منه، والصالحون ليس لهم من الأمر شيء، ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم.
فالجواب: أن هذا قول الكفار سواء بسواءٍ، فاقرأ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللّهِ﴾.
واعلم أن هذه الشبه الثلاث هي أكبر ما عندهم، فإذا عرفت أن الله وضحها في كتابه، وفهمتها فهماً جيداً فما بعدها أيسر منها).
قوله: (الكفار): أي الذين بعث فيهم النبي ﷺ .
قوله: (يريدون منهم): يعني يريدون من أولئك الصالحين، مباشرة.
قوله: (وأنا أشهد أن الله هو النافع الضار): رجع إلى التذرع بتوحيد الربوبية.
стр. 71
قوله: (والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم): لاحظ هذا إقرار منه بحصول القصد، وطلب الشفاعة منهم.
فبين المؤلف-﵀: أنه لا فرق بين مقالته ومقالة المشركين الأولين، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقد حكم الله عليهم بالشرك، وأنكر عليهم قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فهذا عين ما وقع منك؛ توجهتَ إلى قبة زيد بن الخطاب ﵁، أو مشهد الحسين، أو قبر عبد القادر الجيلاني، أو مقام السيد البدوي، أو الدسوقي، أو غيرهم من أهل الصلاح، وصرتَ تدعوهم من دون الله ، وتطلبَ منهم المدد، والفرج، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وعلقتَ قلبك بهم. هذا عين الشرك الذي بعث الله تعالى أنبياءه ورسله بدفعه.
تجد من نشأ على هذا، وأشرب قلبُه حبَّه، إذا وقع في كربة، نادى في غيبة من مدعوِّه، قائلًا: مدد يا سيد! يطلب المدد من ولي مغيب في قبره منذ قرون، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلا عن أن يملك لغيره. يدعوه على بعد المسافات، دعاء عبادة، من دون الله.
لو طلب من إنسانٍ حاضرٍ، قادرٍ، المدد والمساعدة، ما أنكرنا عليه ذلك، لكنه يطلب غائبًا، غير قادر، لا يملك له نفعًا ولا ضرًا.
وتذهب بعض النساء اللواتي تأخر حملهن، ويطفن ببعض هذه القبور ويسألن الولد!. كان يوجد في بلاد نجد، في زمن المؤلف ﵀ فحل نخل تطوف به المرأة، وتطلب منه الزوج، قائلة: يا فحل الفحول، ابغني زوجًا قبل الحول!
وكانوا يصنعون أمورًا شركية، عند قبة زيد بن الخطاب، التي كانت
стр. 72
بموضع في اليمامة؛ كانوا يذبحون عندها، ويقدمون النذور، حتى قام المؤلف ﵀ بهدمها، وقضى على كثير من مظاهر الشرك. (١)
فينبغي لكل طالب علم موحد، أن يعرف هذه الشبهات، ويعرف كشفها. ومدار الجواب عنها أنه لا فرق أبدًا بين دعوى المشركين المعاصرين، ودعوى المشركين السابقين، فإن المشركين الأوائل مقرون، مثلكم، بتوحيد الربوبية، وأنه، سبحانه، الخالق، المالك، المدبر، النافع، الضار، وأن من سوى الله لا يملك من الأمر شيئًا، ولكنهم يعتقدون في أوليائهم، ومن يشركون بهم، أن لهم منزلة تسوِّغ دعوتهم من دون الله. فلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء. والواجب توحيد رب العالمين كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
стр. 73
الشبهة الرابعة
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله! وهذا الالتجاء إليهم، ودعاؤهم ليس بعبادةٍ.
فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة، وهو حقه عليك؟
فإذا قال: نعم.
فقل له: بيِّن لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة، وهو حقه عليك. فإنه لا يعرف العبادة، ولا أنواعها، فبيِّنها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾، فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل هو عبادة لله تعالى؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء من العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة لله، ودعوت الله ليلاً ونهاراً، خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً، أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم.
فقل له: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فإذا أطعت الله، ونحرت له، هل هذه عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 74
فقل له: إذا نحرت لمخلوق؛ نبي، أو جني، أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقول: نعم.
وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة، والصالحين، واللات، وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم.
فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء، والذبح، والالتجاء، ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيده، وتحت قهر الله، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم، والتجئووا إليهم، للجاه، والشفاعة، وهذا ظاهر جدا.)
لا مزيد على ما قرر المؤلف، ﵀، في هذه القطعة، من الأدلة القاطعة، والحجج الدامغة، بأسلوب الحوار المقنع، والإلزام المنطقي. فينبغي لطالب العلم أن يمرن نفسه على السجال، وأساليب الحوار، وقواعد المناظرة والجدال، لمقارعة المخالفين، وتفنيد الشبهات، بتصور ما يوردونه مما هو ناتج عن جهل، أو هوى، وإلزامهم باللوازم التي لا محيد عنها.
стр. 75
الشبهة الخامسة
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله، وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع، والمشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾، ولا تكون إلا بعد إذن الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾، ولا يُشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ، ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا).
هذه من الشبة المشهورة التي يحتج بها هؤلاء المشركون، فيقولون: ألا تثبتون شفاعة النبي ﷺ ؟ لماذا تنكرون علينا أن نقول: يا رسول الله اشفع لنا عند ربك؟ لماذا تعيبون علينا أن ندعو النبي ﷺ أن