الوجه الرابع:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف، وشمسان، وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم، وكفرهم؟ أتظنون الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟).
روى البخاري بسنده، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ)، وَلَقَتَلْتُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (١)
وروى الآجري بسنده، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ: ارْجِعُوا فَتُوبُوا، فَأَبَوْا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ خَدَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا، ثُمَّ قَالَ لِقَنْبَرٍ: ائْتِنِي بِحِزَمِ الْحَطَبِ، فَأَتَاهُ بِهَا، فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، ثُمَّ قَالَ:
стр. 107
لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا … أَوْقَدْتُ نَارًا وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا (١)
وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه. وأما ما نقل من استدراك ابن عباس عليه، بعدم التحريق بالنار، وقول علي، ﵄: (وَيْحُ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ) (٢)، فليس إنكارًا لقتلهم، وإنما على طريقة قتلهم. وإلا فلا يختلف الصحابة، رضوان الله عليهم أن هؤلاء السبئية كفار، مستحقون للقتل.
стр. 108
الوجه الخامس:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضاً: بنو عبيدٍ القدَّاحِ، الذين ملكوا المغرب ومصر، في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة. فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون، حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين).
العبيديون الذين يلقبون أنفسهم زورًا وبهتانًا بالفاطميين، كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويشهدون ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويتخذوا مؤذنين وقضاة، ومع ذلك أجمع علماء الملة على كفرهم، وعلى وجوب قتالهم، وأنهم ليسوا مسلمين.
وقد حكموا في القرن الرابع الهجري، وانطلقوا من بلاد المغرب، حتى استولوا على مصر، وبنوا القاهرة، ومدوا سلطانهم إلى بلاد فلسطين، وأطراف من شمال الجزيرة والحجاز، ولبَّسوا على الناس دينهم، وقتلوا علماءهم، وكانت سنوات عصيبة حلت بالمسلمين، حتى أهلكهم الله .
ولما ذكرهم السيوطي في تاريخ الخلفاء قال: (فصل: في الدولة
стр. 109
الخبيثة العبيدية) (١)، فهي دولة خبيثة وهي التي أسست للشرك في كثير من بلاد المسلمين، وأسست للبدعة، ولا زال المسلمون وللأسف يتجرعون آثار حكم العبيديين لبلادهم فقد غرسوا فيها البدع والشرك في أمور لم يكن يعرفها أهل الإسلام. قال الذهبي، ﵀: (وأزال اللَّه تلك الدّولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلّفًا، لا مستخلفًا) (٢)
стр. 110
الوجه السادس:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب "باب حكم المرتد"؟! وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أشياء كثيرة؛ كل نوعٍ منها يكفِّر، ويُحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب).
علماء الملة، في جميع المذاهب الأربعة، يعقدون هذا الباب، مع أن ذلك القائل، أو الفاعل، قد يأتي بشرائع الإسلام الأخرى؛ فيصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ومع ذلك يحكمون بكفره، بكلمة قالها، كالحلاج، وابن الفارض، والسهروردي، وغيرهم. فما معنى ذلك؟ فلو لم يكن الواحد يكفر إلا بما ذكرتم، لما كان هناك حاجة لعقد مثل هذا الباب.
стр. 111
الوجهان السابع والثامن:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ويقال أيضاً: الذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾، أما سمعت الله كفرهم بكلمة، مع كونهم في زمن رسول الله يجاهدون معه، ويصلون معه، ويزكون، ويحجون، ويوحدون، وكذلك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ فهؤلاء الذين صرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله في غزوة تبوك، قالوا كلمة ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح.
فتأمل هذه الشبهة، وهي قولهم: تكفرون المسلمين؛ أناساً يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون، ويصومون. ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق).
بين المؤلف مثالين من السيرة النبوية، يدلان على أنه ربما خرج المرء من حد الإيمان، رغم أنه يقع منه صلاة، وزكاة، بل وجهاد في سبيل الله.
المثال الأول: فهو من نزل فيه قول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]. وقد اختلف المفسرون في سبب نزولها على أقوال متعددة:
стр. 112
- فقال بعضهم: نزلت في الجُلاس بن سويد بن الصامت. فعن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت، قال: "إن كان ما جاء به محمد حقًّا، لنحن أشرُّ من الحُمُر! "، فقال له ابن امرأته: والله، يا عدو الله، لأخبرن رسول الله ﷺ بما قلت، فإني أن لا أفعل، أخاف أن تصيبني قارعةٌ، وأؤاخذ بخطيئتك! فدعا النبي ﷺ الجلاس، فقال: "يا جُلاس، أقلت كذا وكذا؟ فحلف ما قال، فأنزل الله ﵎: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [التوبة: ٧٤].
- وعن قتادة قال: ذكر لنا أنّ رجلين اقتتلا؛ أحدهما من جهينة، والآخر من غِفار، وكانت جهينة حلفاء، الأنصار، وظهر الغفاريّ على الجهنيّ، فقال عبد الله بن أبيّ للأوس: انصروا أخاكم، فوالله ما مثلنا ومَثَلُ محمد، إلا كما قال القائل: "سمِّن كلبك يأكلك"، وقال: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ) [المنافقون: ٨]، فسعى بها رجل من المسلمين إلى نبيّ الله ﷺ ، فأرسل إليه فسأله، فجعل يحلف بالله ما قاله، فأنزل الله ﵎: (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) (١).
فالآية تدل على أن أولئك المنافقين كانوا يشهدون مع النبي ﷺ الجمع والجماعات، ويجاهدون معه في سبيل الله، وربما أنفقوا من أموالهم، ولكن ذلك لم يكن مانعًا من أن تحقيق وصف الكفر عليهم، بسبب كلمة قالوها. فمم تعجبون أيها المشركون، إذا كنتم تأتون شيئًا من
стр. 113
الشرائع، ثم تخرقونها بالشرك الأكبر؛ من دعاء غير الله، والنذر لغيره، و التقرب إليه، فأنتم وهم سواء، لا فرق. فكما أن للإيمان شروط يجب توافرها، فله نواقض يجب تجنبها.
المثال الثاني: وهو ما جاء في قول الله تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥، ٦٦].
نزلت في نفر من المنافقين، قال قائلهم: (ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطونًا، ولا أكذبَ ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء! فقال رجل في المجلس: كذبتَ، ولكنك منافق! لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقًا بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ ، تَنْكُبه الحجارة، وهو يقول: "يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب! "، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾) (١).
فهؤلاء لم يكن خروجهم مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، ولا صلاتهم معه، ولا تظاهرهم بالإسلام، مانعًا من تحقيق وصف الكفر عليهم، بسبب استهزائهم. فمم تعجبون أيها المشركون؟ يا من تطوفون بالأضرحة والقبور، وتبذلون لها خالص العبادة، وهو الدعاء! فلا تنفعكم صلاتكم، ولا صومكم، ولا حجكم، حتى توحدوا الله تعالى. ولهذا عظم المؤلف هذا الجواب، وقال إنه من أنفع ما في هذه الأوراق، لقوة دلالته على المقصود، وصدق، ﵀.
стр. 114
الوجهان التاسع والعاشر:
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ومن الدليل على ذلك أيضاً: ما حكى الله عن بني إسرائيل، مع إسلامهم، وعلمهم، وصلاحهم، أنهم قالوا لموسى: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهاً)، وقول ناسٍ من الصحابة: (اجعل لنا يا رسول الله ذات أنواط)، فحلف رسول الله ﷺ أن هذا مثل قول بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَنَا إِلَهاً﴾.
ولكن للمشركين شبهة يدلون بها عند هذه القصة، وهي أنهم يقولون: إن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين سألوا النبي ﷺ : (أن يجعل لهم ذات أنواط).
فالجواب أن تقول: إن بني إسرائيل لم يفعلوا، وكذلك الذين سألوا النبي لم يفعلوا، ولا خلاف في أن الذين نهاهم النبي ﷺ لو لم يطيعوه، واتخذوا ذات أنواط، بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب)
استدل المؤلف بقصتين:
إحداهما: قصة وقعت في بني إسرائيل، قال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩]، وأنكر عليهم أنكارًا غليظًا،
стр. 115
فمع أنهم كانوا على علم، وصلاح، لكن ذلك لم يمنع موسى ﵇ من أن يحقق عليهم الخطأ، وينهرهم عنه، ويزجرهم زجرًا بليغًا.
الثانية: قصة وقعت لأصحاب النبي ﷺ : فعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (سُبْحَانَ اللَّهِ هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَرْكَبُنَّ سُنَّةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ) (١)، فشبه حالهم بحالهم.
لكن هؤلاء المغالطين يجيبون عن هذا الإيراد بالقول إن بني إسرائيل لم يكفروا، وأصحاب محمد ﷺ لم يكفروا، فلا يتم لكم الاستدلال بهاتين الواقعتين. فعاجلهم المؤلف بالجواب، وقال: إنهم لم يفعلوا! كان هذا مجرد اقتراح ألقاه الشيطان في قلوبهم، فسألوا نبيهم؛ سأل بنو إسرائيل موسى، ﵇، وسأل أصحاب محمد ﷺ نبينا محمدًا ﷺ ، إذ كانوا حدثاء عهد بإسلام. فهم ما فعلوا ذلك، ولا باشروه، ولا أصروا عليه، بل عرضوا هذا الاقتراح على نبيهم، فزجرهم فازدجروا - رضوان الله عليهم - فلم يقع منهم ما يوجب تحقيق الكفر.
وهذا يقال في حق كل من جرى منه مثل ذلك. فلا نحقق الكفر على من قال كلمة الكفر، أو فعل الكفر، إلا بتوافر شروطه، وانتفاء موانعه؛ من العلم المنافي للجهل، والذكر المنافي للنسيان، والقصد المنافي للإكراه. فإذا تحقق ذلك، وأصر على قوله، أو فعله، فحينئذ يحقق عليه وصف الكفر. وإن اعتذر بالجهل، أو الخطأ، أو الإكراه، فهو معذور.
стр. 116
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولكن هذه القصة تفيد أن المسلم، بل العالم، قد يقع في أنواع من الشرك لا يدري عنها، فتفيد التعلم، والتحرز، ومعرفة أن قول الجاهل: "التوحيد فهمناه" أن هذا من أكبر الجهل، ومكائد الشيطان)
ربما وقع الخطأ من العالم، فالعالم بشر كسائر البشر، يعتريه القصور والتقصير، حتى ولو بلغ في العلم مبلغًا عظيمًا، فربما أدركه خطأ، وربما أصابه ذهول، وربما جرى منه شيء الهوى، والظلم، والجهل، أدى به إلى التلبس بنوع شرك، لا يدرى أن ذلك من الشرك.
وثمرة علمنا بهذه القضية: أن يحملنا على دوام التعلم، والتحرز، فإن إبراهيم ﵇، وهو إمام الناس قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، عَنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: (مِنْ يأمن البلاء بعد قول إبراهيم وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ إِنَّ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ؟) (١)
فالشرك يتسلل إلى النفس بطرق خفية. فحري بالعاقل اللبيب أن يحذر مداخل الشيطان أن تنفذ إلى قلبه، فقول بعض الناس، زمن المؤلف: (التوحيد فهمناه)، وقول بعض الناس اليوم: نحن نشأنا في بلاد التوحيد، ودرسناه، ولا يوجد عندنا أضرحة، ولا مشاهد، ففيم الخوف؟! هذا ضرب من الغرور! يخيل إليه أنه أحاط علمًا بالتوحيد، وقد بقي عليه أشياء لم يدركها، وجدّت أشياء لم يستوعبها. فعلينا أن
стр. 117
نحذر من هذه الطمأنينة الخداعة؛ كأن يقول قائل: يجب على الإنسان أن يكون على وجل، وحذر من أن يقع في الشرك من حيث لا يعلم. فهذه الجملة المتداولة على ألسنة الناس في زمن المؤلف: (التوحيد فهمناه)، من أكبر أسباب الجهل، ومكائد الشيطان التي يخدر بها عقول الناس، فيتطرق إليها الشرك من حيث يعلم أو لا يعلم.
стр. 118
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وتفيد أيضاً أن المسلم المجتهد الذي إذا تكلم بكلام الكُفر، وهو لا يدري، فنبه على ذلك، وتاب من ساعته، أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل، والذين سألوا النبي ﷺ .
هذا - بحمد الله - من رحمة الله بعباده؛ إذ أن الإنسان ربما تكلم بكلمة الكفر، لا يدري أنها كفر، أو فعل الكفر لا يدرى أنه كفر، فبين له، فقبل الحق، فلا حرج، ولا إثم عليه. أَبْصَرَ النبي ﷺ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: "وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ " قَالَ: مِنَ الْوَاهِنَةِ؟ قَالَ: "أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا. انْبِذْهَا عَنْكَ؛ فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا) (١)، فسلم من عاقبة الشرك. وقال رجل للنبي ﷺ : مَا شَاءَ اللهُ، وَشِئْتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : " أَجَعَلْتَنِي وَاللهَ عَدْلًا! بَلْ مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ) (٢)، فنُبه فتنبه، وقبل الحق، فلا ضرر عليه.
стр. 119
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وتفيد أيضاً أنه لو لم يكفر، فإنه يغلظ عليه الكلام تغليظاً شديداً، كما فعل رسول الله ﷺ : وإن كان معذورًا فإنه لابد أن يجعل الإنكار مناسبًا للقول والفعل؛ فلا يكون إنكار مسألة فرعية كإنكار مسألة أصلية، بل لابد أن يظهر للمخاطب وللسامعين الاحتفاء بالقضية، وألا تساق المنكرات سوقا واحد:
- فإذا كان المنكر عظيمًا يتعلق بأصل الاعتقاد، ومفاصل الإيمان، فلابد أن تعلو النبرة ويظهر التأثر والإنفعال على من ينكر عليه، كما صنع مالك بن أنس، ﵀، إمام دار الهجرة، لما سأله رجل عن كيفية الاستواء! فأطرق ساعة، وعلته الرحضاء، ثم رفع رأسه، وقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب بدعه. ثم أمر به فأخرج (١). ولو كان العالم، أو المربي، إذا ألقيت عليه مثل هذه الكلمات الفظيعة ابتسم، وقابل الأمر برخاوة، ولم يظهر عليه تأثر، لهان الأمر في نفس مخاطِبه. فمن الخير للمخاطَب أن يظهر التأثر.
وليس المقصود بتغليظ الكلام، الفحش فيه؛ بأن يسب ويشتم ونحو ذلك، بل يعظم الأمر، والحال. لكي يكون ذلك أوقع في قلبه من
стр. 120
الناحية التربوية. ولا يخرج المعلم إلى نوع من البذاءة في المنطق، أو الإساءة الشخصية.
- كذلك في المنكرات العامة، فإذا جاءك الرجل يكلمك عن منكر، قد علمت به، فلا تظهر له سابق علمك، فتقول: عندي خبر! ونحو ذلك، بل أظهر احتفاءك، واهتمامك بالأمر، وليظهر على تعابير وجهك التأثر من ذلك، لأنك لو قابلته بشيء من البرود، وهزِّ الرأس، لربما هان ذلك في نفسه. ولست في هذا كاذبا أنت صادق فيما تقول وما تفعل. وكان شيخنا محمد بن صالح العثيمين- ﵀ يسلك هذا المسلك، ويحكيه عن الإمام مالك، ﵀. ومن كان في منزلته، يأتيه الناس يحدثونه؛ كل واحد يظن أنه أول من ساق الخبر، فربما سمع الخبر مرة، ومرتين، وثلاثًا، فيظهر الاهتمام لكل من حدثه، حتى يظن المتحدث أنه صاحب السبق في هذا، وما ذاك إلا ليعظِّم أثره في نفسه، فإذا حصل ما يشابهه، أو يقاربه، لم يهن في نفسه.
стр. 121
الشبهة الحادية عشرة
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وللمشركين شبهة أخرى، يقولون: إن النبي ﷺ أنكر على أسامة ﵁ قتل من قال: لا إله إلا الله، وقال له: ﴿أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟﴾ وكذلك قوله ﷺ : ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله﴾، وكذلك أحاديث أخرى في الكف عمن قالها، ومراد هؤلاء الجهلة أن من قالها لا يكفر، ولا يقتل، ولو فعل ما فعل.
فيقال لهؤلاء الجهلة المشركين: معلوم أن رسول الله قاتل اليهود، وسباهم، وهو يقولون: لا إله إلا الله، وأن أصحاب رسول الله ﷺ قاتلوا بني حنيفة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويصلون، ويدَّعون الإسلام، وكذلك الذين حرقهم على بن أبي طالب ﵁ بالنار).
حديث أسامة بن زيد، ﵄، المشار إليه، قوله: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، قَالَ: فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، قَالَ: وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ، قَالَ: فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،
стр. 122
قَالَ: فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، قَالَ: فَقَالَ لِي: (يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا، قَالَ: (أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟)، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ) (١)، فيحتجون به، ويقولون: ألا ترون أننا نقول لا إله إلا الله؟ ويحتجون أيضًا، بقول النبي ﷺ : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (٢)، فكيف تجعلوننا كفارًا، ونحن نقول لا إله إلا الله؟
وكشف هذه الشبهة التي يلبسون بها على العامة أن (لا إله إلا الله)، التي تعصم الدم والمال، ما اقتضت توحيد الله حقًا وصدقًا، وأنه لو قالها بلسانه، ولم يأت بمقتضاها فإنها لا تفيده. فلو أن مشركًا أعجميًا، لا يحسن العربية، كتب له بحروف لغته: لا إله إلا الله، وقالها وهو لا يعرف معناها، لم تغن عنه شيئًا، ولم تنجه من النار.
هذه الكلمة العظيمة ذات معنى، ولها أثر، فإذا قال لا إله إلا الله، حقًا وصدقًا، حصلت له العصمة، فإن أتى بما يناقضها، تبين بطلان دعواه. فنحن نقبل ممن قال لا إله إلا الله، ولم يكن النبي ﷺ يشترط على أحد أتاه مسلمًا إلا أن يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. فإن عمل ما يناقض هاتين الشهادتين، علم أنه نقض شهادته فلم تنفعه لا إله إلا الله.
واحتج المؤلف بعدة أمثلة:
المثال الأول: مقاتلة النبي ﷺ لليهود، مع أن اليهود كانوا يقولون:
стр. 123
لا إله إلا الله. وأول وصية فيما يسمى عندهم بالوصايا العشر: (لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي. لا تصنع لك منحوتًا ولا صورة شيءٍ مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض؛ لا تسجد لها، ولا تعبدها) (سفر الخروج: ٢٠/ ٣ - ٥) (١). فالتوحيد في أصل اعتقادهم، ومع ذلك لم تحقن دماءهم، لأنهم فعلوا خلاف مقتضاها.
المثال الثاني: بنو حنيفة، أصحاب مسيلمة الكذاب، كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ومع ذلك قاتلهم الصحابة قتال المرتدين.
المثال الثالث: السبئية الذين حرقهم علي ﵁، كانوا يقولون: لا إله إلا الله، وقد أجمع العلماء على أنهم زنادقة كفار. فيقال لهؤلاء العوام الجهلة: ليس مجرد النطق بلا إله إلا الله، مع فعل ما يناقضها، رافع لوصمة الكفر عنكم.
стр. 124
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وهؤلاء الجهلة مقرون: أن من أنكر البعث كفر، وقتل، ولو قال: لا إله إلا الله، وأن من أنكر شيئاً من أركان الإسلام كفر، وقتل، ولو قالها، فكيف لا تنفعه إذا جحد شيئًا من الفروع؟ وتنفعه إذا جحد التوحيد الذي هو أساس دين الرسل، ورأسه، ولكن أعداء الله ما فهموا معنى الأحاديث).
هذا إلزام لهم بما يناقض قولهم، فهم مقرون بأن من أنكر البعث، أو أنكر أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة، لم يغن عنه قول لا إله إلا الله، وكفر، وقتل. فدعواهم أن من قال لا إله إلا الله، فلا يمكن أن يكون مشركًا بحال، ولا تجري عليه أحكام الكفار بحال. دعوى مردودة، فإن لا إله إلا الله التي تعصم صاحبها من وصمة الشرك، هي لا إله إلا الله، التي بمعنى لا معبود بحق إلا الله، بحيث لا يصرف قائلها نوعًا من أنواع العبادة لغير الله. فإن أتى بها فنعم ونعمة عين، وحبًا وكرامة. هذا فيصل التفرقة بين الإيمان والكفر، أما إذا كانت مجرد كلمة تقال باللسان، وتخالف في العيان، فلا تغني عن صاحبها شيئًا.
стр. 125
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(فأما حديث أسامة ﵁، فإنه قتل رجلاً ادعى الإسلام، بسبب أنه ظن أنه ما ادعاه إلا خوفاً على دمه وماله، والرجل إذا أظهر الإسلام وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. وأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، أي تثبتوا، فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه، والتثبت، فإن تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قُتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها، لم يكن للتثبت معنى)
بهذا تبين الجواب عن قصة أسامة، وأن الأصل فيمن قال لا إله إلا الله الكف عنه. فليس لنا إلا الظاهر، ثم بعد ذلك ننظر في حاله؛ فإن أتى بما يناقضها تبين أنه إنما قالها نفاقًا وتعوذا، فنجري عليه أحكام الكفار، وأما إذا لم يفعل ما يناقض ذلك، فالأصل أنه من جملة المسلمين، معصومي الدم والمال. فلا حجة لهم في حديث أسامة. فلهذا الله تعالى أمر عباده المؤمنين أن يتبينوا ولا يسارعوا في قتل أحد، فنحن دعاة، لا عتاة، ولا جُباة، هدفنا أن يدخل الناس في دين الله، لا أن نسفك دماءهم، ونغنم أموالهم.
стр. 126
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(وكذلك الحديث الآخر وأمثاله. معناه ما ذكرت إن من أظهر الإسلام والتوحيد، وجب الكف عنه، إلا أن يتبين منه ما يناقض ذلك. والدليل على هذا أن رسول الله ﷺ الذي قال: (أقتلته بعد ما قال: لا إله إلا الله؟) (١)، وقال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) (٢)، هو الذي قال في الخوارج: (أينما لقيتموهم فاقتلوهم لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ) (٣)، مع كونهم من أكثر الناس عبادةً، وتهليلاً، حتى إن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم، وهم تعلموا العلم من الصحابة، فلم تنفعهم "لا إله إلا الله" ولا كثرة العبادة، ولا ادعاء الإسلام، لما ظهر منهم مخالفة الشريعة
وكذلك ما ذكرنا من قتال اليهود، وقتال الصحابة، ﵃، بني حنيفة، وكذلك أراد النبي ﷺ أن يغزو بني المصطلق، لما أخبره رجل منهم أنهم منعوا الزكاة، حتى أنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾، وكان الرجل كاذباً عليهم. فكل هذا يدل على أن مراد النبي ﷺ في الأحاديث التي احتجوا بها ما ذكرناه)
стр. 127
المثال الرابع: قتال الخوارج: في الحديث المتفق عليه: (يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ) (١)، مع أن القوم يقولون: لا إله إلا الله، ويجتهدون بأنواع العبادات، ووصفهم ابن عباس، ﵄، وصفًا عجيبًا، حين وفد عليهم لمناظرتهم، بأن جباههم، وأيديهم، وركبهم، قد ثفنت من طول القيام، كثفن البعير، وقد اصفرت وجوههم من كثرة الصيام، ومع ذلك، لم يغن ذلك عنهم شيئًا، إذ أنهم خرجوا عن مقتضى لا إله إلا الله.
стр. 128
الشبهة الثانية عشرة
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولهم شبهة أخرى: وهي ما ذكر النبي ﷺ أن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم، ثم بنوح، ثم بإبراهيم، ثم بموسى، ثم بعيسى، فكلهم يعتذرون، حتى ينتهوا إلى رسول الله ﷺ ، قالوا: فهذا يدل على أن الاستغاثة بغير الله ليست شركًا.
فالجواب أن تقول: سبحان من طبع على قلوب أعدائه! فإن الاستغاثة بالمخلوق على ما يقدر عليه، لا ننكرها، كما قال تعالى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾، وكما يستغيث إنسان بأصحابه، في الحرب وغيره، في أشياء يقدر عليها المخلوق، ونحن أنكرنا استغاثة العبادة، التي يفعلونها عند قبور الأولياء، أو في غيبتهم، في الأشياء التي لا يقدر عليها إلا الله تعالى).
هذه الاستغاثة التي شبهوا بها تجري يوم القيامة، وطلب الشفاعة ذلك اليوم، موجه لمن يقدر على ذلك، ويصح منه. بخلاف ما يفعلونه من الاستغاثة بالأموات، والغائبين؛ فهم يتوجهون إلى غير قادر، أو إلى غائب، فيستغيثون به، وربما كان المستغيث في صحراء من الأرض، أو
стр. 129
في عرض البحر، تفصله عن المستغاث به آلاف الأميال، وربما كان إلى جوار قبره، فاستغاث به أن يعافيه من المرض، أو يغنيه من الفقر، أو يهب له الذرية، أو غير ذلك من المطالب، فهذه استغاثة بغير قادر؛ بشخص مدفون قد فنيت عظامه، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلًا عمن دعاه. فهذه استغاثة شركية تورد صاحبها النار.
أما الاستغاثة بمن يقدر على الإغاثة، من حي قادر، فلا حرج فيها، كما قص الله علينا من نبأ موسى مع القبطي: قال الله : ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فأقر الله تعالى ذلك ولم ينكره. فالإسرائيلي قال لموسى: أغثني من هذا المعتدي. ومثل ما يقع لبني آدم دومًا، كما لو أن إنسانًا وقع في لجة البحر، وهو لا يحسن السباحة فجعل يخبط في الماء وينادي: الغوث! الغوث! النجدة! النجدة!. فهذه ليست استغاثة شركية. فقياس هؤلاء المبطلين قياس فاسد؛ ففرق بين استغاثتهم الشركية بغائب، أو حاضر غير قادر، وبين الاستغاثة الجائزة بمن يقدر على فعل الشيء.
стр. 130
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(إذا ثبت ذلك، فالاستغاثة بالأنبياء يوم القيامة؛ يريدون منهم أن يدعوا الله أن يحاسب الناس، حتى يستريح أهل الجنة من كرب الموقف، وهذا جائز في الدنيا والآخرة، أن تأتي عند رجل صالح، يجالسك، ويسمع كلامك، تقول له: ادع لي! كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه في حياته، وأما بعد موته، فحاشا، وكلا، أنهم سألوا ذلك عند قبره، بل أنكر السلف على من قصد دعاء الله عند قبره، فكيف بدعائه نفسه؟!)
طلب الدعاء من حي، قادر، حاضر، لا بأس به، فقد كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ أن يدعو لهم، كقول عكاشة بن محصن، ﵁: (ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ) (١) وكانوا يستسقون به، أي يطلبون منه أن يدعو ربه أن يسقيهم، كقول الرجل: (هَلَكَتِ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعْتِ السُّبُلُ، فَادْعُ اللَّهَ يُغِيثُنَا) (٢). فلا بأس أن يقصد الإنسان حيًا، يتوخى فيه الصلاح، ويقول: ادع الله لي.
إلا أن مسألة طلب الدعاء من الحي، من حيث الأفضلية والكمال محل نظر، فيرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن كمال التوحيد ألا تسأل أحدًا شيئًا، فعن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ،
стр. 131
تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً، فَقَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)، وَكُنَّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟)، فَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، ثُمَّ قَالَ: (أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟) قَالَ: فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا وَقُلْنَا: قَدْ بَايَعْنَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ قَالَ: (عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا) فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ، يَسْقُطُ سَوْطُ أَحَدِهِمْ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ (١). أرادوا أن يحققوا كمال الاستغناء بالله فلا يسألوا الناس شيئُا، ومن ذلك ألا يسأل غيره الدعاء، بل يدعو الله رأسًا، إلا أن ينوي بطلب الدعاء نفع الداعي، لترتفع المنَّة، وتحصل المكافأة، وذلك أن يستحضر معنى قول النبي ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ، إِلَّا قَالَ الْمَلَكُ: وَلَكَ بِمِثْلٍ) (٢)، فإذا استصحبت هذا المعنى ساغ لك أن تطلب من غيرك الدعاء، بأن تقول في نفسك: هذا أخي، رجل صالح، فأطلب منه أن يدعو لي، علَّ الله أن ينفعني وإياه، لأنني إذا طلبت منه الدعاء لي، فإن الملك سيدعو له، ويقول: آمين، ولك بمثل، فيحصل في هذا نوع مكافأة. فبهذا الاستصحاب يزول المحذور المنافي لكمال التوحيد. على أن الإنسان لو طلب من أحد أن يدعو له، دون ما ذكر، فلا بأس، ولا يعد ذلك ممنوعًا. لكن شيخ الإسلام رأى أن هذا الطلب ينافي كمال التوحيد، وناقش بعض الإيرادات عليه مثل: الحديث المروي أن النبي ﷺ لما أراد عمر ﵁ العمرة قال له النبي ﷺ : (لَا تَنْسَنَا يَا
стр. 132
أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ) (١)، فطلب منه الدعاء فأجاب عنه بجوابين (٢):
- جواب يتعلق بالحديث من حيث الثبوت، ففي سنده مقال.
- الجواب الثاني: أن فضل النبي ﷺ على الأمة يغمر كل شيء، فلا يمكن لأحد من الأمة أن يكافئ النبي ﷺ على ما ساق له من الخير. فالذي علَّم عمر ﵁ وغير عمر، الدعاء، هو رسول الله ﷺ فلا يسعف هذا المثال في هذا المقام.
وناقش قول النبي ﷺ لعمر ﵁: (يأْتِي عَلَيْكُمْ أُوَيْسُ بْنُ عَامِرٍ مَعَ أَمْدَادِ أَهْلِ الْيَمَنِ، مِنْ مُرَادٍ، ثُمَّ مِنْ قَرَنٍ، كَانَ بِهِ بَرَصٌ فَبَرَأَ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ دِرْهَمٍ، لَهُ وَالِدَةٌ، هُوَ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ فَافْعَلْ) (٣)، فأجاب أن هذه قضية عين، وحادثة خاصة.
ولا شك أن استغناء العبد بربه، من أكمل درجات التوحيد؛ فلا يحتاج إلى أحد، ولا يسأل أحدًا، وقد يقع فتنة لبعض الناس، إذا صار يُلاحق، ويؤتى إليه، ويقال: يا فلان! ادع لنا، ربما وقع في قلبه نوع عُجب، وزهو، وأراه الشيطان لنفسه مقامًا، ففاته الإخبات لله، ، ويروى أَنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، رَأَى نَاسًا يتَّبِعُونَهُ فَنَهَاهُمْ، وَقَالَ: (إِنَّ هَذَا مَذَلَّةٌ لِلتَّابِعِ، فِتْنَةٌ لِلْمَتْبُوعِ) (٤). فعلى الإنسان أن يحذر من هذه المداخل، لأن النفس الإنسانية ضعيفة، يمكن أن يقع منها الزلل والاستزلال لأدنى الأسباب. والمعصوم من عصمه الله.
وأنبه في هذا المقام على مسألة مهمة، وهو أن بعض طلبة العلم،
стр. 133
قال عن الرجل، يأتي إلى قبر رجل صالح، فيقول: يا فلان! سل الله أن يغفر لي، اشفع لي عند ربك! أو نحو هذا، أن هذا من البدع لا من الشرك.
والحقيقة أن هذا الصنيع كصنيع المشركين، لأنه دعاء لميت، مقبور، غائب، لا يسمع كلامه، ولا يرى مكانه، ولا يعلم حاله، ولا يملك لنفسه، فضلًا عن غيره، نفعًا ولا ضرًا، فلا يخرجه من صورة الشرك، أن يقول: ما سألته هو، وإنما سألته أن يدعو الله لي، أو يشفع لي! فلا يكفي وصفه بالبدعة، بل هو في الواقع شرك. فيجب الحذر من هذا، وعدم تأنيس هذه الأفعال المحدثة، التي يتوصل بها إلى الشرك الصراح، بل يجب سد الباب. وعندي أنها من بابة واحدة، لا تختلف. بل يُدعى الله وحده ، وكان من حرص النبي ﷺ ، وحمايته جناب التوحيد، النهي عن دعاء الله عند قبر رجل صالح، كما بوَّب المؤلف في "كتاب التوحيد". فكل ما يفضي إلى الشرك، من قريب أو بعيد، فيجب أن يُسد.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ -رحمه الله تعالى-: (وأما التوسل بالأموات إلى الله ، وجعلهم واسطة بينهم وبين الله، فهذا من أكبر المحرمات، بل هو عين ما يفعله المشركون؛ فإن المشركين ما كانوا يعتقدون أن اللات والعزى ونحوها تخلق، وترزق، وإنما كانوا يتوسلون بها إلى الله، كما قال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾) (١).
стр. 134
الشبهة الثالثة عشرة
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولهم شبهة أخرى: وهي قصة إبراهيم، ﵇، لما ألقي في النار، اعترض له جبرائيل في الهواء، فقال له: ألك حاجة؟ فقال إبراهيم ﵇: أما إليك فلا (١)، قالوا: فلو كانت الاستغاثة شركًا لم يعرضها على إبراهيم.
فالجواب: أن هذا من جنس الشبهة الأولى، فإن جبرائيل ﵇ عرض عليه أن ينفعه بأمر يقدر عليه، فإنه كما قال الله تعالى فيه: ﴿شَدِيدُ الْقُوَى﴾، فلو أذن الله له أن يأخذ نار إبراهيم، وما حولها من الأرض، والجبال، ويلقيها في المشرق أو المغرب، لفعل، ولو أمره الله أن يضع إبراهيم في مكانٍ بعيد لفعل، ولو أمره أن يرفعه إلى السماء لفعل. وهذا كرجل غني، له مال كثير، يرى رجلاً محتاجاً، فيعرض عليه أن يقرضه، أو يهبه شيئاً يقضي به حاجته، فيأبى ذلك الرجل المحتاج أن يأخذ، ويصبر، حتى يأتيه الله برزق لا منة فيه لأحد. فأين هذا من استغاثة العبادة والشرك، لو كانوا يفقهون؟).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 135
هذه القصة التي يشبهون بها، في ثبوتها نظر، والمحفوظ عنه ما رواه البخاري عن ابن عباس، ﵄، قال: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ) (١). وعلى فرض ثبوتها فهي لا تسعفهم في دعواهم. فأين هذا من هذا؟! بل هي عليهم، لا لهم؛ وذلك أن جبرائيل، ﵇، عرض عليه الغوث في أمر يستطيعه، وليس فيه أن إبراهيم استغاث به، بل قال له جبريل: (أَلَكَ حَاجَةٌ؟ فقَالَ إبراهيم: أَمَّا إِلَيْكَ فَلَا) (٢)، وليتهم نظروا إلى هذا الجانب الذي يدل على كمال التوحيد، لكنهم عموا عنه، ونظروا إلى كون جبرائيل عرض عليه الأمر، وقالوا: ما عرض ذلك عليه إلا لجوازه. ونحن نقول: إذا كان قادرًا فله العرض، وللمعروض عليه القبول أو، الرد. لكن إبراهيم ﵇ اختار الأكمل والأتم، وهو الاكتفاء بالله ، والاستغناء به عما سواه. فلا حجة لهم. والمثال الذي ضربه المؤلف للغني الذي يعرض على الفقير هبة أو قرضًا، مثال منطبق صحيح. وليس في ذلك شائبة من شوائب الشرك.
стр. 136
خاتمة المتن
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
(ولنختم الكتاب بذكر آية عظيمة، مهمة، تفهم بما تقدم، ولكن نفرد لها الكلام لعظم شأنها، ولكثرة الغلط فيها، فنقول:
لا خلاف أن التوحيد لا بد أن يكون بالقلب، واللسان، والعمل. فإن اختل شيءٌ من هذا لم يكن الرجل مسلماً، فإن عرف التوحيد ولم يعمل به، فهو كافر معاند، كفرعون، وإبليس، وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثير من الناس يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم، وغير ذلك من الأعذار، ولم يعرف المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق، ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار، كما قال تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾، وغير ذلك من الآيات، كقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾.
فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً، وهو لا يفهم، ولا يعتقد بقلبه، فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 137
وهذه مسألة طويلة، تَبينُ لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل، لخوف نقص دنياه، أو جاهه، أو ملكه، وترى من يعمل به ظاهراً، لا باطناً، فإذا سألته عما يعتقده بقلبه، إذا هو لا يعرفه).
هذه المسألة الأخيرة، التي عظم المؤلف من شأنها، وحُقَّ له، تتعلق بأصل الإيمان. فإن الإيمان قول وعمل؛ له حقيقة مركبة من القول والعمل، فليس الإيمان قولًا دون عمل، ولا عملًا دون قول. هذا مذهب أهل السنة والجماعة، حتى قال الإمام البخاري: لَقِيتُ أَكْثَرَ مِنَ أَلْفِ رَجُلٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْأَمْصَارِ؛ فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَخْتَلِفُ فِي أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ، وَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ (١).
فحد الإيمان يشمل اعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. وقول القلب مستلزم لقول اللسان وعمل الجوارح، لا ينفك عنه. والتوحيد هو أس الإيمان وأصله، فلو زعم زاعم أنه موحد بقلبه، لكن لا شأن للقول ولا للعمل بذلك، فدعواه باطله. وهذا مذهب غلاة المرجئة، من الجهمية، والصالحية، ومن وافقهم. بل التوحيد يتعلق باعتقاد القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح. ولا يمكن قصر معنى التوحيد على ما يقوم بالقلب، إذ لو كان كذلك لكان فرعون وإبليس، ومشركو العرب، وأهل الكتاب، موحدين:
- ففرعون وملؤه: كان مستيقنين بقلوبهم، كما أخبر تعالى:
стр. 138
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وجبهه موسى، ﵇، بهذا فقال: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، وكان من من الكافرين.
- فإبليس: يقول: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢]، ويثبت لله القدرة: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: ٧٦]، فكان عنده عقد قلبي بأن الله يخلق، ويقدر، ويأمر، وينهى. لكن ذلك لم يخرجه من أن يكون رأس الطواغيت.
- ومشركو العرب: كانوا يعتقدون في قلوبهم أن الله يخلق، ويرزق، ويدبر، ويطعِم، ولا يُطعَم، ويجير، ولا يجار عليه، ولكن هذا الاعتقاد القلبي، مع النطق اللساني لم ينفعهم، إذ كانوا لا يفعلون مقتضاه من العمل، بل يشركون مع الله غيره.
- واليهود والنصارى: أخبر الله عنهم في موضعين: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، [الأنعام: ٢٠]، فعلمهم بالحق، مع عدم انقيادهم له بالعمل، لم يخرجهم عن وصف الكفر.
كل هذه الشواهد تدل دلالة قطعية على أن التوحيد لا يكفي أن يكون عقيدة في القلب، حتى يعرب عنه اللسان، وتنقاد له الجوارح، اللهم إلا أن يقوم مانع وعذر دون ذلك.
وقد أشار المؤلف إلى حال بعض أهل زمانه، الذين يقول قائلهم: نحن نعلم أن هذا حق، وأن ما تدعو إليه هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، لكننا لا نقدر أن نفعله، لأن هذا لا يجوز عند أهل بلدنا، ولا يقبلون ذلك منا، ويفسدون علينا تجارتنا ودنيانا، ونحو ذلك من المعاذير، فبين المؤلف ﵀ أن هذا ليس عذرًا مانعًا مقبولًا، لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة، ورأى أن حالهم ينطبق عليه قول الله
стр. 139
تعالى: ﴿اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٩]. فلابد من العمل بالتوحيد ظاهرًا وباطنا.
ولو قُدِّر أن أحدًا عمل بالتوحيد ظاهرًا دون أن يعتقد ذلك باطنًا، لم ينفعه، بل كان كالمنافقين، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر. وهذا من أشد أنواع الكفر. فكذلك من أقر بالتوحيد باطنًا ولم ينقد له ظاهرًا، ولم يوحد الله تعالى؛ لا بلسانه، ولا بفعاله، فإنه لم يأت بحقيقة التوحيد. قال تعالى عن إبراهيم ومن آمن معه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]
فهذه مسألة عظيمة كان المؤلف ﵀ يقررها، ويلِحُّ عليها، ويرى أن كثيرًا من الناس يعرف الحق، لكنه يرعى دنياه، أو جاهه، أو ملكه، وليس في ذلك عذرًا له.
стр. 140
قال المؤلف -رحمه الله تعالى-:
ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله تعالى:
أولاهما: ما تقدم وهي قوله: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا الروم مع رسول الله ﷺ ، كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح، تبين لك أن الذي يتكلم بالكفر، ويعمل به، خوفاً من نقص مالٍ، أو جاهٍ، أو مداراة لأحد، أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللّهِ مِنْ بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾، فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره، مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا، فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً، أو طمعًا، أومدارة لأحد، أو مشحةً بوطنه، أو أهله، أو عشيرته، أو ماله، أو فعله على وجه المزح، أو لغير ذلك من الأغراض، إلا المكره.
فالآية تدل على هذا من جهتين:
-الأولى: قوله تعالى: (إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ)، فلم يستثن إلا من أكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على العمل، والكلام، والفعل، لا عقيدة القلب، فلا يكره عليها أحد.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 141
- الثانية: قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الْدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)، فصرح أن العذاب لم يكن بسبب الاعتقاد، والجهل، والبغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين. والله أعلم).
الآية الأولى: أفادت أن قائل كلمة الكفر، ولو على سبيل المزاح، يكون كافرًا، ولو كان من عِداد الصحابة، فكيف بمن يقول، ويعمل، من غيرهم؟!.
الآية الثانية: أفادت أن تارك التوحيد لا يعذر إلا أن يكون مكرهًا، كما جرى لعمار بن ياسر، ﵄، فقد كان الْمُشْرِكُونَ يعذبونه فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ ﷺ وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَا وَرَاءَكَ؟)، قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ، وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ؟! قَالَ: (كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟)، قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ. قَالَ: (إِنْ عَادُوا فَعُدْ) (١).
أما غير المكره، الذي لم يبلغ به الأمر مبلغ الضرر، فإنه لا يسعه أن يوافق المشركين على شركهم، ولا أن يضاهيهم على فعلهم، بل عليه أن يلزم التوحيد، وأن ينكر الشرك، ولا يمنعه من ذلك خوف على دنياه، فقد أبطل الله ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، فأفاد بأن من تعلل بهذا اللون، وهو حب الدنيا، والتجارة، والخوف
стр. 142
على المنصب، ونحو ذلك من الأغراض الدنيوية، لا يبيح له الوقوع في الشرك، أو إقراره، وإنما يعذر في حالة واحدة؛ وهي أن يكون مكرها.
قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ-رحمه الله تعالى-: (فالإنسان الذي يُلجئُه من يُلجئُه إلى أن يصدر منه الكفر، له حالات:
أحدها: أن يمتنع ويصبر عليها، فهذه أفضل الحالات.
الثانية: أن ينطق بلسانه، مع اعتقاد جنانه الإيمان، فهذا جائز له، تخفيفًا ورحمة.
الثالثة: أن يُكره، فيجيب، ولا يطمئن قلبه بالإيمان؛ فهذا غير معذور، وكافر.
الرابعة: أن يُطلب منه، ولا يُلجأ؛ فيجيب، -ما وصل إلى حد الإكراه- ولكن يوافق بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان، فهذا كافر.
الخامسة: أن يُذكر له، ولا يصل إلى حد الإكراه، فيوافق بقلبه ولسانه، فهذا كافر) (١)
وبهذا أتم المؤلف ﵀ هذا الكتاب العظيم، المفيد "كشف الشبهات"، والذي خرج من معاناة واقعية، ومن تجربة شخصية، خاضها المؤلف ﵀ عمره كله، وهو يدعو إلى توحيد الله تعالى، ورد الناس إلى الجادة، وتمسيكهم بالكتاب، ودلالتهم إلى دين البينة، الذي قال الله تعالى عنه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ١ - ٥].
стр. 143
فنبغي أن تكون عناية طالب العلم بتحقيق التوحيد، والدعوة إليه، مقدمة على كل شيء، فإن هذا هو أصل الدين، وهو إرث الأنبياء والمرسلين، وما بعده تبع له. فإذا أصلحنا القلوب ووجهناها إلى بارئها، فإنها حينئذ تنقاد، وتقبل الأوامر والنواهي، ويهون عليها فعل الواجبات، وترك المحرمات. أما إذا كان القلب موزعًا مفرقًا، لا يوحد الله تعالى، ثقل عليه ذلك.
فرحم الله شيخ الإسلام، الإمام المجدد، محمد بن عبد الوهاب، على ما أودع في هذا الكتاب النافع، من حجج، وبينات، تكشف الشبهات.
وصلِّ اللهم علي نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 144
فهرس المراجع
١. تاريخ ابن غنام روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعدداد غزوات ذوي الإسلام. المؤلف العلامة الشيخ: حسين بن أبي بكر بن غنام. اعتنى به سليمان بن صالح الخراشي.
٢. تاريخ الإسلام وَوَفيات المشاهير وَالأعلام. المؤلف: شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي (المتوفى: ٧٤٨ هـ)، المحقق: الدكتور بشار عوّاد معروف الناشر: دار الغرب الإسلامي الطبعة: الأولى، ٢٠٠٣ م.
٣. تاريخ الخلفاء. المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: ٩١١ هـ)، المحقق: حمدي الدمرداش الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز، الطبعة: الطبعة الأولى: ١٤٢٥ هـ-٢٠٠٤ م.
٤. التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع. المؤلف: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: ٧٢٨ هـ)، المحقق: د. محمد بن عودة السعوي الناشر: مكتبة العبيكان - الرياض الطبعة: السادسة ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م.
٥. تفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم. المؤلف: أبو محمد عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر التميمي، الحنظلي، الرازي ابن أبي حاتم (المتوفى: ٣٢٧ هـ)، المحقق: أسعد محمد الطيب الناشر: مكتبة نزار مصطفى الباز - المملكة العربية السعودية. الطبعة: الثالثة - ١٤١٩ هـ.
٦. جامع البيان في تأويل القرآن المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: ٣١٠ هـ)، المحقق: أحمد محمد شاكر الناشر: مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م عدد الأجزاء: ٢٤.
стр. 145
٧. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. المؤلف: أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠ هـ)، الناشر: السعادة - بجوار محافظة مصر، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م، ثم صورتها عدة دور منها دار الكتاب العربي - بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، دار الكتب العلمية- بيروت (طبعة ١٤٠٩ هـ بدون تحقيق) عدد الأجزاء: ١٠.
٨. الدرر السنية في الأجوبة النجدية. المؤلف: علماء نجد الأعلام، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم. الطبعة: السادسة، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م.
٩. سنن ابن ماجه، المؤلف: ابن ماجة أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، وماجة اسم أبيه يزيد (المتوفى: ٢٧٣ هـ)، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - فيصل عيسى البابي الحلبي، عدد الأجزاء: ٢.
١٠. سنن أبي داود المؤلف: أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: ٢٧٥ هـ)، المحقق: محمد محيي الدين عبد الحميد، الناشر: المكتبة، العصرية، صيدا - بيروت، عدد الأجزاء: ٤.
١١. سنن الترمذي المؤلف: محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: ٢٧٩ هـ)، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر (ج ١، ٢)، ومحمد فؤاد عبد الباقي (ج ٣)، وإبراهيم عطوة عوض المدرس في الأزهر الشريف (ج ٤، ٥)، الناشر: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي - مصر، الطبعة: الثانية، ١٣٩٥ هـ - ١٩٧٥ معدد الأجزاء: ٥ أجزاء.
١٢. السنن الصغرى للنسائي، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي (المتوفى: ٣٠٣ هـ)، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ - ١٩٨٦، عدد الأجزاء: ٩ (٨ ومجلد للفهارس).
١٣. السنن الكبرى المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: ٤٥٨ هـ)، المحقق: محمد عبد القادر عطا الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان الطبعة: الثالثة، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.