← Акыда

Акыда · id 30150

البينات في شرح كشف الشبهات

أحمد القاضي

Полный текст (147 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

قوله: (والصالحون ليس لهم من الأمر شيء ولكن أقصدهم أرجو من الله شفاعتهم): لاحظ هذا إقرار منه بحصول القصد، وطلب الشفاعة منهم. فبين المؤلف-﵀: أنه لا فرق بين مقالته ومقالة المشركين الأولين، الذين كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، وقد حكم الله عليهم بالشرك، وأنكر عليهم قولهم: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]. فهذا عين ما وقع منك؛ توجهتَ إلى قبة زيد بن الخطاب ﵁، أو مشهد الحسين، أو قبر عبد القادر الجيلاني، أو مقام السيد البدوي، أو الدسوقي، أو غيرهم من أهل الصلاح، وصرتَ تدعوهم من دون الله ، وتطلبَ منهم المدد، والفرج، وكشف الكربات، وقضاء الحاجات، وعلقتَ قلبك بهم. هذا عين الشرك الذي بعث الله تعالى أنبياءه ورسله بدفعه. تجد من نشأ على هذا، وأشرب قلبُه حبَّه، إذا وقع في كربة، نادى في غيبة من مدعوِّه، قائلًا: مدد يا سيد! يطلب المدد من ولي مغيب في قبره منذ قرون، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فضلا عن أن يملك لغيره. يدعوه على بعد المسافات، دعاء عبادة، من دون الله. لو طلب من إنسانٍ حاضرٍ، قادرٍ، المدد والمساعدة، ما أنكرنا عليه ذلك، لكنه يطلب غائبًا، غير قادر، لا يملك له نفعًا ولا ضرًا. وتذهب بعض النساء اللواتي تأخر حملهن، ويطفن ببعض هذه القبور ويسألن الولد!. كان يوجد في بلاد نجد، في زمن المؤلف ﵀ فحل نخل تطوف به المرأة، وتطلب منه الزوج، قائلة: يا فحل الفحول، ابغني زوجًا قبل الحول! وكانوا يصنعون أمورًا شركية، عند قبة زيد بن الخطاب، التي كانت

стр. 72

بموضع في اليمامة؛ كانوا يذبحون عندها، ويقدمون النذور، حتى قام المؤلف ﵀ بهدمها، وقضى على كثير من مظاهر الشرك. (١) فينبغي لكل طالب علم موحد، أن يعرف هذه الشبهات، ويعرف كشفها. ومدار الجواب عنها أنه لا فرق أبدًا بين دعوى المشركين المعاصرين، ودعوى المشركين السابقين، فإن المشركين الأوائل مقرون، مثلكم، بتوحيد الربوبية، وأنه، سبحانه، الخالق، المالك، المدبر، النافع، الضار، وأن من سوى الله لا يملك من الأمر شيئًا، ولكنهم يعتقدون في أوليائهم، ومن يشركون بهم، أن لهم منزلة تسوِّغ دعوتهم من دون الله. فلا فرق بين هؤلاء وهؤلاء. والواجب توحيد رب العالمين كما قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].

стр. 73

الشبهة الرابعة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإن قال: أنا لا أعبد إلا الله! وهذا الالتجاء إليهم، ودعاؤهم ليس بعبادةٍ. فقل له: أنت تقر أن الله فرض عليك إخلاص العبادة، وهو حقه عليك؟ فإذا قال: نعم. فقل له: بيِّن لي هذا الذي فرضه الله عليك، وهو إخلاص العبادة، وهو حقه عليك. فإنه لا يعرف العبادة، ولا أنواعها، فبيِّنها له بقولك: قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾، فإذا أعلمته بهذا، فقل له: هل هو عبادة لله تعالى؟ فلا بد أن يقول: نعم، والدعاء من العبادة، فقل له: إذا أقررت أنها عبادة لله، ودعوت الله ليلاً ونهاراً، خوفاً وطمعاً، ثم دعوت في تلك الحاجة نبياً، أو غيره، هل أشركت في عبادة الله غيره؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فإذا أطعت الله، ونحرت له، هل هذه عبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 74

فقل له: إذا نحرت لمخلوق؛ نبي، أو جني، أو غيرهما، هل أشركت في هذه العبادة غير الله؟ فلا بد أن يقول: نعم. وقل له أيضاً: المشركون الذين نزل فيهم القرآن، هل كانوا يعبدون الملائكة، والصالحين، واللات، وغير ذلك؟ فلا بد أن يقول: نعم. فقل له: وهل كانت عبادتهم إياهم إلا في الدعاء، والذبح، والالتجاء، ونحو ذلك، وإلا فهم مقرون أنهم عبيده، وتحت قهر الله، وأن الله هو الذي يدبر الأمر، ولكن دعوهم، والتجئووا إليهم، للجاه، والشفاعة، وهذا ظاهر جدا.) لا مزيد على ما قرر المؤلف، ﵀، في هذه القطعة، من الأدلة القاطعة، والحجج الدامغة، بأسلوب الحوار المقنع، والإلزام المنطقي. فينبغي لطالب العلم أن يمرن نفسه على السجال، وأساليب الحوار، وقواعد المناظرة والجدال، لمقارعة المخالفين، وتفنيد الشبهات، بتصور ما يوردونه مما هو ناتج عن جهل، أو هوى، وإلزامهم باللوازم التي لا محيد عنها.

стр. 75

الشبهة الخامسة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإن قال: أتنكر شفاعة رسول الله، وتبرأ منها؟ فقل: لا أنكرها، ولا أتبرأ منها، بل هو ﷺ الشافع، والمشفع، وأرجو شفاعته، ولكن الشفاعة كلها لله، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعا﴾، ولا تكون إلا بعد إذن الله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾، ولا يُشفع في أحد إلا بعد أن يأذن الله فيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وهو لا يرضى إلا التوحيد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، فإذا كانت الشفاعة كلها لله، ولا تكون إلا بعد إذنه، ولا يشفع النبي ﷺ ، ولا غيره في أحدٍ حتى يأذن الله فيه، ولا يأذن إلا لأهل التوحيد، تبين أن الشفاعة كلها لله، وأطلبها منه، فأقول: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفعه في، وأمثال هذا). هذه من الشبة المشهورة التي يحتج بها هؤلاء المشركون، فيقولون: ألا تثبتون شفاعة النبي ﷺ ؟ لماذا تنكرون علينا أن نقول: يا رسول الله اشفع لنا عند ربك؟ لماذا تعيبون علينا أن ندعو النبي ﷺ أن

стр. 76

يشفع لنا عند ربه؟ ويجلبون بخيلهم، ورجلهم، ويشغبون بهذا الكلام على دعاة التوحيد، ويصورونهم وكأنما هم مبغضين للنبي ﷺ ! وما ذاك إلا ضرب من التهويش والإثارة. ولكن عند النظرة المطمئنة يتبين الحق: فأهل التوحيد المحض، يثبتون شفاعة النبي ﷺ بالكتاب والسنة، فقد قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهي الشفاعة العظمى. وفي الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ. أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ، أَوْ نَفْسِهِ) (١)، فنحن لا ننكرها ولا نبرأ منها بل نرجوها، ونطلبها، فإنه ﷺ في عقيدتنا الشافع المشفع، لكن غاب عنكم أن ﴿الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]، فنحن نطلبها من مالكها، وهو الله ، ولا نطلبها ممن لا يملكها، كما قال: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. فنقول: اللهم شفع فينا نبيك، ولا نقول: يا رسول الله! اشفع لنا عند ربك، وقد مات. لو كان ذلك في حياته لساغ، لأن شفاعته في حياته دعاؤه لنا، وكذلك تطلب منه يوم المحشر، لأنه حي حاضر. أما وقد واراه الثرى، وغاب عن المخاطب، فلا يجوز أن يدعى، ويقال: يا رسول الله! بل تطلب من الله ، كما عبر المؤلف ﵀ بمثل هذه العبارات: اللهم لا تحرمني شفاعته، اللهم شفِّعه فيَّ، وأمثال ذلك. وسر الأمر أن نفقه معنى قول الله، : ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٤٤]،

стр. 77

فلا تكون كذلك، إلا بشرطين: إذن الله للشافع أن يشفع، ورضاه عن المشفوع له. فلا يمكن لأحد أن يشفع إلا من بعد إذنه، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ولا يقبل سبحانه شفاعة في أحد إلا أن يكون المشفوع له مرضيًا عنده، كما قال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]. وقد جمع الله تعالى بين الشرطين في آية النجم فقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]. فإذا كانت الشفاعة كلها لله، فإنها تطلب منه سبحانه. ولهذا أبطل ربنا -سبحانه وبحمده- جميع متعلقات المشركين بغيره، فقال سبحانه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣]، فهذه أربع مراتب: ١ - ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، فمن تدعونهم من دون الله لا يملكون استقلالًا. ٢ - ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾، ولا يملكون مشاركة. ٣ - ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾، ولا يملكون معاونةً، كشأن الوزراء، والأعوان، الذين لا يستغني عنهم السلطان. ٤ - ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولا يملكون الشفاعة، التي يستطيلون بها على ذي السلطان، لأن الشفاعة لا تنفع إلا لمن أذن له. فما بقي شيء يتعلقون به. فما دام أن الأمر كله بيد الله فعلام التعويل على غيره؟ بهذا محق الله ، جميع متعلقات المشركين. فتبين أن الشفاعة عند الله، ، ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا. الشفاعة عند ملوك الدنيا تقع إما رغبة، أو رهبة؛ يفاجأ السلطان، أو

стр. 78

الأمير، بداخل يدخل عليه قائلًا: اقبل شفاعتي في فلان! اعف عنه! أعطه كذا! دون ترتيب وإذن سابق. فقد يستجيب السلطان لهذا الشافع رغبة، أو رهبة؛ إما رغبة في استمالته، ليتخذ يدًا عنده، أو رهبة من شره، لو رد شفاعته، فيخشى أن ينتقض عليه. وربما كان ساخطًا على المشفوع فيه. لكن الله ، لا يستكثر بنا من قلة، ولا يستعز بنا من ذلة، هو الغني الحميد، سبحانه وبحمده. فإن قال قائل: ما دام الأمر كذلك فما فائدة الشفاعة؟ لم جعل الله تعالى لنبيه، ولغيره من النبيين، والشهداء، والصالحين، الشفاعة، وهي كلها له؟ فالجواب عن هذا أن يقال: إن ذلك لإظهار كرامة الشافع، وبيان منزلته عند الله، ، على رؤوس الخلائق، فتكون له حظوة، ومنزلة، وكرامة، عند الله تعالى.

стр. 79

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإن قال: النبي ﷺ أعطي الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله، فالجواب: أن الله أعطاه الشفاعة، ونهاك عن هذا، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾، وطلبك من الله شفاعة نبيه ﷺ عبادة، والله نهاك أن تشرك في هذه العبادة أحدًا، فإذا كنت تدعو الله أن يشفعه فيك، فأطعه في قوله: ﴿فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾، وأيضاً، فإن الشفاعة أُعطيها غيرُ النبي، فصح أن الملائكة يشفعون، والأفراط يشفعون، والأولياء يشفعون، أتقول: إن الله أعطاهم الشفاعة، فأطلبها منهم؟ فإن قلت هذا، رجعت إلى عبادة الصالحين التي ذكرها الله في كتابه، وإن قلت لا، بطل قولك: أعطاه الله الشفاعة، وأنا أطلبه مما أعطاه الله). هذا جواب مفحم سديد، ليس عليه مزيد. فقد أبطل شبهته من جهتين: إحداهما: أن طلب الشفاعة منه ﷺ ، دعاء، والدعاء عبادة، ودعاء غير الله شرك. الثانية: أن الله تعالى أعطى الشفاعة لغير نبيه ﷺ ، فهل يستجيز المخالف طلبها منهم؟ وبهذا يتبين أن هذه الشبهات التي يتذرع بها، ويشبه بها دعاة الشرك، أوهى من بيت العنكبوت، ولكنها تبدو للوهلة الأولى منتفشة في

стр. 80

زخرف من القول، تشوش الأذهان، وتبلبل العوام. وعند البحث والنظر والتحقيق، تتلاشى وتضمحل، ويتبين مناقضتها للتوحيد الخالص. فالواجب علينا أن نحفظ سرائرنا، وقلوبنا من التعلق بغير الله الواحد القهار، فلا تلتفت لغير الله محبة، وخوفًا، وتوكلًا، ورجاء، لأنه سبحانه، هو المستحق أن يعبد وحده، وأن يتوجه إليه وحده.

стр. 81

الشبهة السادسة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإن قال: أنا لا أشرك بالله شيئاً، حاشا وكلا! ولكن الالتجاء إلى الصالحين ليس بشرك، فقل له: إذا كنت تقر أن الله حرم الشرك أعظم من تحريم الزنا، وتقر أن الله لا يغفره، فما هذا الأمر الذي عظمه الله، وذكر أنه لا يغفره؟ فإنه لا يدري، فقل له: كيف تبرئ نفسك من الشرك وأنت لا تعرفه؟! كيف يحرم الله عليك هذا، ويذكر أنه لا يغفره، ولا تسأل عنه، ولا تعرفه؟! أتظن أن الله يحرمه، ولا يبينه لنا). كما أن هؤلاء المشركين لا يحسنون معرفة العبادة، ولا يدركون حقيقتها، فهم أيضًا لا يعرفون الشرك. فإذا سئل أحدهم عن الشرك، فقد يقر بأنه لا يدري، فيقال له: كيف تُبرئ نفسك من شيء لا تعرفه؟ كان الأجدر بك أن تعرفه لئلا تقع فيه. وكيف تسوِّغ لنفسك الجهل به مع عظيم خطره؟ هل تظن أن الله تعالى يغلِّظ تحريم أمر من الأمور، ولا يبينه غاية البيان؟! لابد أن يكون ذلك المحرم من الوضوح بمكان، بحيث لا يلتبس على كائنٍ من كان.

стр. 82

الشبهة السابعة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإن قال: الشرك عبادة الأصنام، ونحن لا نعبد الأصنام. فقل له: ما معنى عبادة الأصنام؟ أتظن أنهم يعتقدون أن تلك الأحجار، والأخشاب، تخلق، وترزق، وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن. فإن قال: إنهم يقصدون خشبة، أو حجراً، أو بَنِيَّةً على قبر، أو غيره، يدعون ذلك، ويذبحون له، ويقولون: إنه يقربنا إلى الله زلفى، ويدفع عنا الله ببركته، ويعطينا ببركته. فقل: صدقت، وهذا هو فعلكم عند الأحجار، والبِنَا الذي على القبور وغيرها، فهذا أقرَّ أن فعلهم هذا هو عبادة الأصنام، وهو المطلوب). هذا تحرير، وتمحيص لمعنى عبادة الأصنام، التي يبرئ المشبِّه نفسه منها، بدعوى أنه لم يتخذ صنمًا، أو نصبًا، أو ثنًا، يركع له ويسجد من دون الله. فبين المؤلف، أن مشركي العرب الذين قاتلهم النبي ﷺ ما كانوا يعتقدون أن هذه الأحجار، والأشجار، والمباني وغيرها، أنها تخلق وترزق وتدبر. فهذا المعنى يكذبه القرآن، فالقرآن

стр. 83

يثبت أن المشركين ينسبون الخلق، والرزق، والتدبير، إلى الله . وإن أقرَّ أن عبادة الأصنام: أن يقصدها يدعوها، ويذبح لها، ويدعي إنها تقربه إلى الله زلفى، وأن الله يدفع عنه ببركتها، أو يعطيه ببركتها، فقد أصاب كبد الحقيقة، ووصف الشرك حقًا، وأقر على نفسه أنه يفعل الشرك الذي فعله الأولون.

стр. 84

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وأيضاً قولك: "الشرك عبادة الأصنام"، هل مرادك أن الشرك مخصوص بهذا، وأن الاعتماد على الصالحين، ودعاءهم، لا يدخل في ذلك؟ فهذا يرده ما ذكر الله تعالى في كتابه من كفر من تعلَّق على الملائكة، أو عيسى، أو الصالحين. فلا بد أن يقر لك أن من أشرك في عبادة الله أحداً من الصالحين، فهو الشرك المذكور في القرآن. وهذا هو المطلوب). بل إن الشرك في دعاء غير الله، من هؤلاء الصالحين، أبين؛ فإن الذي يتوجه إليهم، ويتضرع لهم، ويرجوهم، ويتوكل عليهم، ويقول: أنا في حسبك، قد وقع في الشرك الأعظم بصفة أبين ممن أطاف بصنم، أو سجد له، دون أن يدعوه؛ فإن الأول قد أتى بحقيقة العبادة، والثاني أتى بصورتها، لأن الدعاء هو العبادة. فأجلى ما تتمظهر به العبادة هو الدعاء ولهذا قال ربنا : ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠]، فسمى الله الدعاء عبادة. فالشرك لا ينحصر بصورة واحدة، بل له عدة صور. ومنها ما رواه عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، ﵁ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ "، قَالَ: قُلْتَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ قَالَ: " أَجَلْ، وَلَكِنْ يُحِلُّونَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ اللهُ

стр. 85

فَيَسْتَحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ اللهُ فَيُحَرِّمُونَهُ، فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ لَهُمْ) (١). فينبغي أن تتسع المدارك لحقيقة الشرك، وأن يعلم الإنسان أن صور العبادة لا تنحصر في الركوع أو السجود للأصنام، بل كل عبادة صرفت لغير الله، فهي شرك أكبر. - سواء كانت عبادة قلبية: كالمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والاستعانة، والاستغاثة وغير ذلك، مما لا ينبغي إلا لله، وفيما لا يقدر عليه إلا الله. - أو كانت عبادة لسانية: كالدعاء، والاستعاذة، والاستغاثة. - أو كانت عبادة بدنية: كالركوع، والسجود، والطواف. - أو كانت عبادة مالية: كالذبح، والنذر. فإن صرف ذلك لغير الله شرك أكبر. لو أن إنسانا حلق رأسه تعظيمًا لفلان من الناس، فقد وقع في الشرك الأكبر! لأن حلق الرأس عبادة ونسك، كما لو دعا ذلك الشخص من دون الله، .

стр. 86

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله، فقل له: وما الشرك بالله؟ فسره لي. فإن قال: هو عبادة الأصنام، فقل له: وما عبادة الأصنام؟ فسرها لي. وإن قال أنا لا أعبد إلا الله، فقل: ما معنى عبادة الله؟ فسرها لي. فإن فسرها بما بينته فهو المطلوب، وإن لم يعرفه، فكيف يدَّعي شيئاً وهو لا يعرفه؟! وإن فسره بغير معناه بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله، وعبادة الأوثان، أنه الذي يفعلون في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده، لا شريك له، هي التي ينكرون علينا، ويصيحون منه، كما صاح إخوانهم، حيث قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾). كرر المؤلف ﵀-في هذه القطعة ما تقدم من الكشف عن حال كثير من هؤلاء المعاندين، والمغالطين؛ وأنه لا يخلو من ثلاث أحوال: - إما أن يكون عارفًا بمعناها، فذاك هو المطلوب، وقد قامت عليه الحجة. - وإما أن لا يعرف حقيقة الشرك، ولا حقيقة العبادة، فكيف ينافح عما يجهل؟! - وإما أن يفسرها بغير معناها، فالواجب تعريفه، وإقامة الحجة عليه.

стр. 87

ولابد لدعاة التوحيد أن يستصحبوا النصح والشفقة للمدعوين، لأن منهم من يكون جاهلًا غُرر به، وسُقي هذه الأباطيل منذ نعومة أظفاره، ففتح عينيه، وأذنيه، على هذه المشاهد والممارسات، ولو أتيح له أن يسمع الحق واضحًا جليًا لكان أسرع الناس إليه. فينبغي التحلي بروح الرحمة والشفقة على هؤلاء، حتى لاستنقاذهم، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، ليحي من حي عن بينة، ويهلك من هلك عن بينة. ولنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة: فعن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ، وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ، فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ، حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ ﷺ ، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ، فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ) (١). وعن عَائِشَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ، فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ،

стр. 88

قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ، وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا) (١). ولهذا فإني أدعو إخواني - وفقهم الله - إذا قُدِّر لهم أن يواجهوا أمثال هؤلاء مواجهة مباشرة، أو عن طريق الوسائل الإعلامية، أن يستصحبوا روح الشفقة والرحمة في أول الأمر، فلعل الله أن يستنقذ بهم من شاء من النار. فأما إذا تمحض الإنسان لبدعته، وشركه، فلا، ولا كرامة! وليس أهلا للرحمة، ولا للشفقة. لأن الإنسان مطالب أن يبرأ من كل من عادى الله ورسوله. وأعظم الظلم الشرك بالله . قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]. فينبغي للمؤمن أن يستفرغ جهده، ووسعه، في هداية العباد، فإن أبى من أبى، وأصر من أصر، فحينئذ يمحض العداوة له، لأنه صار عدوًا لله رب العالمين، وهكذا كان أصحاب نبينا ﷺ يدعون الناس، ويجتهدون في هدايتهم، ودلالاتهم، فإن هم أبوا، لم يجدوا لهم مودة، مهما كان الحال. قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ

стр. 89

أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: ٢٢]، مثال ذلك: أم المؤمنين، أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، ﵂، لما قدم عليها أبو سفيان، وكان إذ ذاك مشركًا، لتوثيق عقد صلح الحديبية، بعد أن أخفرته قريش وبكر، بقتل خزاعة، قال ابن كثير، ﵀: خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَة، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طَوَتْهُ، فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْتِ بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ، أَوْ رَغِبْتِ بِهِ عَنِّي؟ فَقَالَتْ: هُوَ فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجِسٌ، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ! وَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَكِ بَعْدِي شَرّ!) (١). ولا والله، ما أصابها بعده إلا الخير، والإيمان، والتقى، والتوحيد. ثم إن الله منَّ عليه فأسلم.

стр. 90

الشبهة الثامنة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: فإن قال: إنهم لم يكفروا بدعاء الملائكة، والأنبياء، وإنما كفروا لما قالوا: الملائكة بنات الله. ونحن لم نقل: إن عبد القادر، ولا غيره، ابن الله. فالجواب: إن نسبة الولد إلى الله تعالى كفر مستقل؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ﴾، والأحد: الذي لا نظير له، والصمد: المقصود في الحوائج. فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد آخر السورة. ثم قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾، فمن جحد هذا فقد كفر، ولو لم يجحد أول السورة. وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾، ففرَّق بين النوعين، وجعل كلًا منهما كفراً مستقلاً. وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ﴾، ففرَّق بين الكفرين). يزعم هؤلاء المشركون أن دعاء عبد القادر، وغيره، ليس شركًا، وإنما الشرك الذي حصل عند الأولين كان بزعمهم أن الملائكة بنات الله، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]، وإنما الكفر

стр. 91

لو قلنا: إن عبد القادر ابن الله، كما قالت النصارى: المسيح ابن الله. فأبطل المؤلف شبهتهم هذه ببيان أن الكفر أنواع، وله موارد شتى، فمن سلم من نوع، ووقع في آخر، لم يسلم من وصمة الكفر. والشرك نوع من أنواع الكفر، قال تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]، فالكفر أعم من الشرك، والشرك أحد أنواعه، كما أن كفر أهل الكتاب نوع آخر. قال ابن القيم، ﵀: (وَأَمَّا الْكُفْرُ الْأَكْبَرُ، فَخَمْسَةُ أَنْوَاعٍ: كُفْرُ تَكْذِيبٍ، وَكُفْرُ اسْتِكْبَارٍ وَإِبَاءٍ مَعَ التَّصْدِيقِ، وَكُفْرُ إِعْرَاضٍ، وَكُفْرُ شَكٍّ، وَكُفْرُ نِفَاقٍ. - فَأَمَّا كُفْرُ التَّكْذِيبِ: فَهُوَ اعْتِقَادُ كَذِبِ الرُّسُلِ، وَهَذَا الْقِسْمُ قَلِيلٌ فِي الْكُفَّارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَيَّدَ رُسُلَهُ، وَأَعْطَاهُمْ مِنَ الْبَرَاهِينِ وَالْآيَاتِ عَلَى صِدْقِهِمْ مَا أَقَامَ بِهِ الْحُجَّةَ، وَأَزَالَ بِهِ الْمَعْذِرَةَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وَقَالَ لِرَسُولِهِ ﷺ ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وَإِنَّ سُمِّيَ هَذَا كُفْرَ تَكْذِيبٍ أَيْضًا فَصَحِيحٌ، إِذْ هُوَ تَكْذِيبٌ بِاللِّسَانِ. - وَأَمَّا كُفْرُ الْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ: فَنَحْوُ كُفْرِ إِبْلِيسَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَجْحَدْ أَمْرَ اللَّهِ وَلَا قَابَلَهُ بِالْإِنْكَارِ، وَإِنَّمَا تَلَقَّاهُ بِالْإِبَاءِ وَالِاسْتِكْبَارِ، وَمِنْ هَذَا كُفْرُ مَنْ عَرَفَ صِدْقَ الرَّسُولِ، وَأَنَّهُ جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ إِبَاءً وَاسْتِكْبَارًا، وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى كُفْرِ أَعْدَاءِ الرُّسُلِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧]، وَقَوْلِ الْأُمَمِ لِرُسُلِهِمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: ١٠] وَقَوْلِهِ:

стр. 92

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا﴾ [الشمس: ١١]. وَهُوَ كُفْرُ الْيَهُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وَقَالَ: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، وَهُوَ كُفْرُ أَبِي طَالِبٍ أَيْضًا، فَإِنَّهُ صَدَّقَهُ، وَلَمْ يَشُكَّ فِي صِدْقِهِ، وَلَكِنْ أَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ، وَتَعْظِيمُ آبَائِهِ أَنْ يَرْغَبَ عَنْ مِلَّتِهِمْ، وَيَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ. - وَأَمَّا كُفْرُ الْإِعْرَاضِ: فَأَنْ يُعْرِضَ بِسَمْعِهِ وَقَلْبِهِ عَنِ الرَّسُولِ، لَا يُصَدِّقُهُ وَلَا يُكَذِّبُهُ، وَلَا يُوَالِيهِ وَلَا يُعَادِيهِ، وَلَا يُصْغِي إِلَى مَا جَاءَ بِهِ الْبَتَّةَ، كَمَا قَالَ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ يَالِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ : وَاللَّهِ أَقُولُ لَكَ كَلِمَةً: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَأَنْتَ أَجَلُّ فِي عَيْنِي مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ، وَإِنْ كُنْتَ كَاذِبًا، فَأَنْتَ أَحْقَرُ مِنْ أَنْ أُكَلِّمَكَ. - وَأَمَّا كُفْرُ الشَّكِّ: فَإِنَّهُ لَا يَجْزِمُ بِصِدْقِهِ وَلَا يُكَذِّبُهُ، بَلْ يَشُكُّ فِي أَمْرِهِ، وَهَذَا لَا يَسْتَمِرُّ شَكُّهُ إِلَّا إِذَا أَلْزَمَ نَفْسَهُ الْإِعْرَاضَ عَنِ النَّظَرِ فِي آيَاتِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ جُمْلَةً، فَلَا يَسْمَعُهَا، وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْتِفَاتِهِ إِلَيْهَا، وَنَظَرِهِ فِيهَا فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَكٌّ، لِأَنَّهَا مُسْتَلْزِمَةٌ لِلصِّدْقِ، وَلَا سِيَّمَا بِمَجْمُوعِهَا، فَإِنَّ دَلَالَتَهَا عَلَى الصِّدْقِ كَدَلَالَةِ الشَّمْسِ عَلَى النَّهَارِ. - وَأَمَّا كُفْرُ النِّفَاقِ فَهُوَ أَنْ يُظْهِرَ بِلِسَانِهِ الْإِيمَانَ، وَيَنْطَوِيَ بِقَلْبِهِ عَلَى التَّكْذِيبِ، فَهَذَا هُوَ النِّفَاقُ الْأَكْبَرُ) (١)

стр. 93

قوله: (والدليل على هذا أيضاً: أن الذين كفروا بدعاء اللات، مع كونه رجلاً صالحاً؛ لم يجعلوه ابن الله، والذين كفروا بعبادة الجن، لم يجعلوهم كذلك، وكذلك العلماء أيضاً، في جميع المذاهب الأربعة؛ يذكرون في "باب حكم المرتد" أن المسلم إذا زعم أن لله ولداً؛ فهو مرتد، وإن أشرك بالله فهو مرتد، فيفرِّقون بين النوعين، وهذا في غاية الوضوح). هذه أدلة متضافرة، متوافرة، على عدم انحصار الكفر في صورة واحدة، كما زعم المشبه. فعبَّاد اللات، والجن، وغيرهم، لم يدَّعوا فيهم البنوَّة، وعلماء الملة يذكرون في حد الردة صورًا متعددة، على سبيل التمثيل، لا الحصر، سوى دعوى البنوة.

стр. 94

الشبهة التاسعة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (وإن قال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فقل: هذا هو الحق، ولكن لا يُعبدُون، ونحن لا ننكر إلا عبادتهم مع الله، وإشراكهم معه، وإلا؛ فالواجب عليك حبهم، واتباعهم، والإقرار بكرامتهم، ولا يجحد كرامات الأولياء إلا أهل البدع والضلالات، ودين الله وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين). هذا مسلك من مسالك الشغب التي يهوش بها هؤلاء القبوريون على الموحدين، ويضلون أتباعهم من السذّج المغفلين، فيتهمون أهل التوحيد بأنهم لا يحبون الصالحين، ولا يحبون النبي ﷺ ! والغِر الساذج، إذا قيل له هذا الكلام، شعر بالتغيظ والغضب. فيهيجونهم بمثل هذه المزاعم والتهم على دعاة التوحيد. فيجب على أهل السنة والتوحيد أن يدفعوا هذه الشائنة عنهم، ويقطعوا الطريق على هؤلاء المضلين، وأن يظهروا محبتهم للنبي ﷺ وأنهم أولى الناس به، ويظهروا محبتهم للصالحين، وإثبات كراماتهم، وبيان أن محبتهم الحقيقية تكون بالتأسي بهم، واتباعهم. وبهذا يقلب الأمر عليهم.

стр. 95

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا "الاعتقاد"، هو الشرك الذي أنزل فيه القرآن، وقاتل رسول الله ﷺ الناس عليه، فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل وقتنا بأمرين: أحدهما: أن الأولين لا يشركون، ولا يدعون الملائكة، أو الأولياء أو الأوثان، مع الله، إلا في الرخاء، وأما في الشدة فيخلصون الدين لله، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ﴾، إلى قوله: ﴿مَا تُشْرِكُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ الآية. فمن فهم هذه المسألة التي وضحها الله في كتابه، وهي أن المشركين الذين قاتلهم رسول الله يدعون الله، ويدعون غيره في الرخاء، وأما في الشدة، فلا يدعون إلا الله وحده، وينسون ساداتهم، تبين له الفرق بين شرك أهل زماننا، وشرك الأولين، ولكن أين من يفهم قلبُه هذه المسألة فهماً راسخاً؟ والله المستعان). . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 96

ذكر المؤلف، ﵀، هذين الوجهين، في القاعدة الرابعة من "القواعد الأربع"، في بيان أن شرك المتأخرين أغلظ من شرك المتقدمين. وهذا الوجه مشاهد لدى الرافضة والقبوريين، فتسمعهم يهتفون في المآزق، ويصيحون: يا علي! يا حسين! يا زهراء! يا سيد!

стр. 97

قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (والأمر الثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناساً مقربين عند الله؛ إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا، وأشجاراً مطيعة لله تعالى، ليست بعاصية. وأهل زماننا يدعون مع الله أناساً من أفسق الناس، والذين يدعونهم هم الذين يحكون عنهم الفجور؛ من الزنا، والسرقة، وترك الصلاة، وغير ذلك. والذي يعتقد في الصالح، والذي لا يعصي؛ مثل الخشب، والحجر، أهون ممن يعتقد فيمن يشاهد فسقه، وفساده، ويشهد به). هذا هو الوجه الثاني في المقارنة بين شرك المعاصرين، وشرك الأولين. فالأولون يصرفون ذلك الاعتقاد لقوم صالحين، لا يحفظ عنهم شيء من الفجور والشرك، أو لمخلوقات خاضعة لله، مسبحة بحمده؛ كالأشجار والأحجار. أما المشركون في زمن المؤلف ﵀ -فإنهم يصرفون هذا الاعتقاد الذي يسمونه "كبير الاعتقاد"، لقوم يمارسون صنوف الفسق والفجور! ومع ذلك على أعينهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، وعلى قلوبهم أكنة. ولا شك أن من اعتقد بحجر أو شجر مطيع لله ، أو رجل صالح موافق لأمر الله، مجتنب لنهيه، أهون ممن اعتقد فيمن يبارز الله تعالى بالعصيان، ويقع في الموبقات.

стр. 98

ومن قرأ في "طبقات الشعراني"، وجد العجب العجاب! يترجم لأشخاص يصفهم بالولاية، ويحكي عنهم من مقارفة الموبقات، ما تقشعر له الأبدان، من اللواط، وإتيان البهائم، وشرب الخمور، ويزعم أن هذه أحوال خاصة، وأن لهم مع الله حال ليس كحال العامة، وأنه يجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وأنهم تخطوا درجة التكليف، لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]، فهم قد بلغوا درجة اليقين، فحلت له المحرمات، وسقطت عنه الواجبات! هكذا تلاعب الشيطان في عقول هؤلاء المهووسين. وتروج هذه الخرافات على أصحاب العقول البليدة، بسبب سدنة المشاهد والقبور، الذين يروجون للشرك ويأكلون أموال الناس بالباطل. حدثني بعض الإخوة السودانيين، أن شركة صينية كانت تعمل في بلاد السودان، فمات أحد أفرادها، وكان بوذيًا، أو كنفوشيسيًا، فحزن عليه أصحابه، فدفنوه، وأقاموا على قبره قبة، وزوقوها بالزخارف، كعادة الصينيين في مقابرهم. ثم لم تلبث هذه الشركة بضع سنين، حتى نفذت المشروع، ورحلت إلى بلادها. يقول محدثي: فما هي إلا سنة أو سنتان، حتى صار العامة يقصدون هذا القبر، ويطوفون به، ويتبركون بتربته، ويدعونه من دون الله، ويسمونه مقام الشيخ الصيني! تحول هذا البوذي إلى ولي! وحُدِّثت أيضًا، عن قبر كان يزار في بلاد الجزائر، فنبش لسبب من الأسباب، فلم يجدوا فيه إلا عظام كلب! وهكذا يتلاعب الشيطان بهذه العقول، ويوردها المهالك، ويوقعها في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله .

стр. 99

الشبهة العاشرة قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (إذا تحققت أن الذين قاتلهم رسول الله ﷺ أصح عقولًا، وأخف شركاً من هؤلاء، فاعلم أن لهؤلاء شبهة يوردونها على ما ذكرنا، وهي من أعظم شبههم، فاصغ سمعك لجوابها. وهي أنهم يقولون: إن الذين نزل فيهم القرآن لا يشهدون ألا إله إلا الله، ويكذبون رسول الله، وينكرون البعث، ويكذبون القرآن، ويجعلونه سحراً، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ونصدق بالقرآن، ونؤمن بالبعث، ونصلي، ونصوم، فكيف تجعلوننا مثل أولئك؟ فالجواب: أنه لا خلاف بين العلماء كلهم، أن الرجل إذا صدَّق رسول الله في شيء، وكذبه في شيء، أنه كافر لم يدخل في الإسلام. وكذلك إذا آمن ببعض القرآن، وجحد بعضه؛ كمن أقر بالتوحيد، وجحد وجوب الصلاة، أو أقر بالتوحيد والصلاة، وجحد وجوب الزكاة، أو أقر بهذا كله، وجحد وجوب الصوم، أو أقر بهذا كله، وجحد وجوب الحج. ولمَّا لم ينقد أناس في زمن . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 100

النبي ﷺ للحج، أنزل الله تعالى في حقهم: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾. ومن أقر بهذا كله، وجحد البعث، كفر بالإجماع، وحل دمه وماله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية، فإذا كان الله تعالى قد صرح في كتابه أن من آمن ببعضٍ وكفر ببعض، فهو الكافر حقاً، وأنه يستحق ما ذكر. زالت هذه الشبهة، وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الإحساء في كتابه الذي أرسل إلينا). هذه الشبة شبهة يتذرع بها أهل الإشراك، ويروجونها على بعض العقول الساذجة، وهو أن يقول قائلهم: إن الذين أكفرهم القرآن قوم لا يقرون بالشهادتين، ولا بالبعث، ولا بالقرآن، ويزعمون أنه سحر، ونحن نقر بذلك كله، فكيف تجعلوننا مثلهم؟! فأجاب المؤلف عن هذه الشبهة من وجوه متعددة: الوجه الأول: أن العلماء مجمعون على أن من آمن ببعض الكتاب، وكفر ببعض، فإنه لا ينفعه إيمانه ذلك. بل الواجب أن يصدق النبي ﷺ في كل ما جاء به، ويقبل كل ما جاء به، وليس لأحد، كائنًا من كان، أن يصطفي، وينتقي، ويختار من الدين والشرع ما يروق له، ويرفض ما لا يروق له. فلو قال قائل للنبي ﷺ : أنا أومن بكل ما جئت به، إلا كذا وكذا، فإنه

стр. 101

لا يقبل منه إيمانًا. ولما قالت ل ثقيف، حينما دعاهم للإسلام، سألوه، مع ترك الطاغية، أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا أوثانهم بأيديهم، فقال ﷺ : أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، وأما الصلاة فإنه لا خير في دين لا صلاة فيه. فقالوا: يا محمد فسنؤتيكها وإن كانت دناءة. (١) فتبين أن شبهتهم ساقطة، وأنهم إذا أقروا بكل شيء، وأنكروا التوحيد، لم يغن عنهم عملهم شيئًا. وإذا كان الله قد قال لنبيه ﷺ : ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فكيف بمن دونه؟ فالشرك محبط لجميع الأعمال. فلا يغني عن الإنسان أن يؤمن ببعض الكتاب، ويكفر ببعض. قال الله : ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ٨٥]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠، ١٥١]، وذم الله المشركين بقوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، أي اقسامًا، وأجزاءًا، مفرقًا، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وقوله: (وهذه هي التي ذكرها بعض أهل الأحساء في كتابه الذي أرسله إلينا): كان المؤلف ﵀ يناظر، ويراسل، ويرد على مخالفيه،

стр. 102

ويردون عليه. وهذا واضح لمن قرأ "الدرر السنية" التي ضمت مراسلات المؤلف إلى أهل زمانه، من الكبار، والعلماء، والأمراء، ويدعوهم إلى توحيد الله. وكان بعضهم علماء سوء، يردون عليه بالباطل، فأشار إلى بعض من وقع منه ذلك، من أهل الإحساء.

стр. 103

الوجه الثاني: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويقال: إذا كنت تقر أن من صدق الرسول ﷺ في كل شيء، وجحد وجوب الصلاة، فهو كافر، حلال الدم والمال، بالإجماع، وكذلك إذا أقر بكل شيء إلا البعث، وكذلك لو جحد وجوب صوم رمضان، وكذَّب بذلك لا يُجحد هذا، ولا تختلف المذاهب فيه، وقد نطق به القرآن كما قدمنا، فمعلوم أن التوحيد هو أعظم فريضة جاء بها النبي محمد ﷺ ، وهو أعظم من الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، فكيف إذا جحد الإنسان شيئًا من هذه الأمور كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول، وإذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل كلهم لا يكفر؟!، سبحان الله! ما أعجب هذا الجهل!). حق للمؤلف له أن يعجب. لأن التوحيد أعظم مأمور به. ما عُبد الله بأعظم من التوحيد، ولا عُصي بأعظم من الشرك. فإذا كان يقر أنه لو جحد الصلاة، أو الزكاة، أو الحج، صار كافرًا، حلال الدم والمال، فلأن يقول ذلك في التوحيد من باب أولى.

стр. 104

الوجه الثالث: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويقال أيضاً لهؤلاء: أصحابُ رسول الله ﷺ ، قاتلوا بني حنيفة، وقد أسلموا مع النبي ﷺ ، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، ويصلون، ويؤذنون، فإن قال: إنهم يشهدون أن مسيلمة نبي، قلنا: هذا هو المطلوب، إذا كان من رفع رجلًا في رتبة النبي ﷺ ، كفر، وحل ماله ودمه، ولم تنفعه الشهادتان، ولا الصلاة، فكيف بمن رفع شمسان أو يوسف (١)، أو صحابيًا، أو نبيًا، في مرتبة جبار السماوات والأرض؟ سبحانه ما أعظم شأنه ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾).

стр. 105

لله دره! ألهمه الله الحجة. فإن هؤلاء لما استدل عليهم المؤلف ﵀ بقتال الصحابة لبني حنيفة، الذين ناصروا مسيلمة الكذاب، وخرجوا عن دين الإسلام، زعموا أن كفرهم لكونهم اعتقدوا مسيلمة نبيًا، فقال: هذا هو المطلوب، وقلب عليهم الأمر. فإذا كان من رفع مسيلمة عن رتبته إلى مرتبة النبي ﷺ كفر، فكيف بمن رفع فلانًا وفلانًا من البشر الآدميين إلى رتبة الألوهية، أي ذلك أعظم؟ لا شك أن الثاني أعظم. فهم أولى أن يوصفوا بالشرك، ويستحقوا القتال حتى يرجعوا إلى التوحيد.

стр. 106

الوجه الرابع: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويقال أيضاً: الذين حرقهم علي بن أبي طالب ﵁ بالنار، كلهم يدعون الإسلام، وهم من أصحاب علي ﵁، وتعلموا العلم من الصحابة، ولكن اعتقدوا في علي مثل الاعتقاد في يوسف، وشمسان، وأمثالهما، فكيف أجمع الصحابة على قتلهم، وكفرهم؟ أتظنون الصحابة يكفرون المسلمين؟ أم تظنون أن الاعتقاد في تاجٍ وأمثاله لا يضر، والاعتقاد في علي بن أبي طالب يكفِّر؟). روى البخاري بسنده، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ عَلِيًّا ﵁، حَرَّقَ قَوْمًا، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ)، وَلَقَتَلْتُهُمْ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) (١) وروى الآجري بسنده، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الشِّيعَةِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ هُوَ؟ قَالَ: وَيْلَكُمْ مَنْ أَنَا؟ قَالُوا: أَنْتَ رَبُّنَا. قَالَ: ارْجِعُوا فَتُوبُوا، فَأَبَوْا فَضَرَبَ أَعْنَاقَهُمْ، ثُمَّ خَدَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أُخْدُودًا، ثُمَّ قَالَ لِقَنْبَرٍ: ائْتِنِي بِحِزَمِ الْحَطَبِ، فَأَتَاهُ بِهَا، فَأَحْرَقَهُمْ بِالنَّارِ، ثُمَّ قَالَ:

стр. 107

لَمَّا رَأَيْتُ الْأَمْرَ أَمْرًا مُنْكَرَا … أَوْقَدْتُ نَارًا وَدَعَوْتُ قَنْبَرَا (١) وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينكروا عليه. وأما ما نقل من استدراك ابن عباس عليه، بعدم التحريق بالنار، وقول علي، ﵄: (وَيْحُ ابْنِ أُمِّ الْفَضْلِ إِنَّهُ لَغَوَّاصٌ عَلَى الْهَنَاتِ) (٢)، فليس إنكارًا لقتلهم، وإنما على طريقة قتلهم. وإلا فلا يختلف الصحابة، رضوان الله عليهم أن هؤلاء السبئية كفار، مستحقون للقتل.

стр. 108

الوجه الخامس: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويقال أيضاً: بنو عبيدٍ القدَّاحِ، الذين ملكوا المغرب ومصر، في زمان بني العباس، كلهم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويدعون الإسلام، ويصلون الجمعة والجماعة. فلما أظهروا مخالفة الشريعة في أشياء دون ما نحن فيه، أجمع العلماء على كفرهم وقتالهم، وأن بلادهم بلاد حرب، وغزاهم المسلمون، حتى استنقذوا ما بأيديهم من بلدان المسلمين). العبيديون الذين يلقبون أنفسهم زورًا وبهتانًا بالفاطميين، كانوا يتظاهرون بالإسلام، ويشهدون ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويتخذوا مؤذنين وقضاة، ومع ذلك أجمع علماء الملة على كفرهم، وعلى وجوب قتالهم، وأنهم ليسوا مسلمين. وقد حكموا في القرن الرابع الهجري، وانطلقوا من بلاد المغرب، حتى استولوا على مصر، وبنوا القاهرة، ومدوا سلطانهم إلى بلاد فلسطين، وأطراف من شمال الجزيرة والحجاز، ولبَّسوا على الناس دينهم، وقتلوا علماءهم، وكانت سنوات عصيبة حلت بالمسلمين، حتى أهلكهم الله . ولما ذكرهم السيوطي في تاريخ الخلفاء قال: (فصل: في الدولة

стр. 109

الخبيثة العبيدية) (١)، فهي دولة خبيثة وهي التي أسست للشرك في كثير من بلاد المسلمين، وأسست للبدعة، ولا زال المسلمون وللأسف يتجرعون آثار حكم العبيديين لبلادهم فقد غرسوا فيها البدع والشرك في أمور لم يكن يعرفها أهل الإسلام. قال الذهبي، ﵀: (وأزال اللَّه تلك الدّولة المخذولة. وكانوا أربعة عشر متخلّفًا، لا مستخلفًا) (٢)

стр. 110

الوجه السادس: قال المؤلف -رحمه الله تعالى-: (ويقال أيضاً: إذا كان الأولون لم يكفروا إلا لأنهم جمعوا بين الشرك، وتكذيب الرسول والقرآن، وإنكار البعث، وغير ذلك، فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب "باب حكم المرتد"؟! وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أشياء كثيرة؛ كل نوعٍ منها يكفِّر، ويُحل دم الرجل وماله، حتى أنهم ذكروا أشياء يسيرة عند من فعلها، مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب). علماء الملة، في جميع المذاهب الأربعة، يعقدون هذا الباب، مع أن ذلك القائل، أو الفاعل، قد يأتي بشرائع الإسلام الأخرى؛ فيصلي، ويزكي، ويصوم، ويحج، ومع ذلك يحكمون بكفره، بكلمة قالها، كالحلاج، وابن الفارض، والسهروردي، وغيرهم. فما معنى ذلك؟ فلو لم يكن الواحد يكفر إلا بما ذكرتم، لما كان هناك حاجة لعقد مثل هذا الباب.
следующие страницы →