الرابعة عشرة: كشف العالم الشبهة عن المتعلم.
لأنه قد يظن الجابي للزكاة من قوله: "تُؤخذ من أغنيائهم" أن أخذ كرائم الأموال أولى، صوناً لحق الله، فدفع ذلك ببيان أن المتعين هو الأخذ من الوسط، لا من الكرائم.
الخامسة عشرة: النهي عن كرائم الأموال.
لقوله: "وإياك وكرائم أموالهم" لأن معنى: (إياك) احترز واتقِّ، فهي تدل على النهي والتحذير.
السادسة عشرة: اتقاء دعوة المظلوم.
لقوله: "واتقِّ دعوة المظلوم" ويكون اتقاؤها بعدم ظلمه، بأي نوع من أنواع الظلم، وهذا لا يختص بالزكاة فقط.
السابعة عشرة: الإخبار بأنها لا تحجب.
لقوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" أي: ليس لها ما يصرفها، ولو وُجد في المظلوم مانع من موانع الإجابة، كأن يكون مطعمه حراماً، أو غير ذلك، وليس من شرطها أن يكون المظلوم مؤمناً، فدعوة الكافر المظلوم تصعد إلى الله تعالى؛ لأن كفره على نفسه؛ ولأن الله قد تكفّل بنصرة المظلوم، كما جاء في الحديث: "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" (١)، والتاريخ مليء بصفحات أمم سادت ثم بادت بسبب دعوات المظلومين والمعذبين. قال الحافظ ابن رجب ﵀: "فالغالبُ أنَّ الظالمَ تُعجَّل له العقوبةُ في الدنيا، وإنْ أُمهل" (٢).
стр. 107
الثامنة عشرة: من أدلة التوحيد: ما جرى على سيد المرسلين، وسادات الأولياء من المشقة، والجوع والوباء.
كما جرى للنبي ﷺ وأصحابه يوم فتح خيبر، وفي غيرها، من البلاء والمشقة والعنت، ووجه كون ذلك من أدلة التوحيد: أن الصبر والتحمل في مثل هذه الأمور يدل على إخلاص الإنسان في توحيده، وأن قصده الله، ولذلك صبر على البلاء، فيتحقق التوحيد: استعانة بالله، وتوكلاً عليه، ودعاء إليه.
التاسعة عشرة: قوله: "لأعطين الراية .. إلخ"، علم من أعلام النبوة.
ووجه كونه كذلك، قوله: "يفتح الله على يديه" حيث أخبر بأمر غيبي فتحقق.
العشرون: تفله في عينيه عَلَمٌ من أعلامها أيضاً.
أي: تفله في عيني علي -رض الله عنه-، حصل به الشفاء، وهذا من علامة نبوته ﷺ .
الحادية والعشرون: فضيلة علي ﵁.
وهي فضيلة ظاهرة، فقد أخبر ﷺ أنه "يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
الثانية والعشرون: فضل الصحابة في دوكهم تلك الليلة، وشغلهم عن بشارة الفتح.
أي: أن الصحابة -رضوان الله عليهم- اشتغلوا تلك الليلة في التشوف لحصول هذه المنقبة
لأنفسهم، طمعاً في فضل الله، ولم يفكروا في الغنائم والفتح، وإنما فكروا فيمن يُعطى الراية، وهذا يدل على فضلهم؛ لأنهم آثروا المنقبة المتعلقة بالآخرة على الفتح والغنائم.
الثالثة والعشرون: الإيمان بالقدر؛ لحصولها لمن لم يسع لها، ومنعها عمن سعى.
فالذين غدوا وبكروا وتشوفوا لم يقع لهم ذلك، والذي لم يحضر، ولم يسع سيقت إليه، فهذا دليل على الإيمان بالقدر، وإن كان هذا لا يمنع المؤمن
стр. 108
من السعي في مصالحه، لكن مشيئة الله نافذة، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩].
الرابعة والعشرون: الأدب في قوله: "على رسلك".
أدب من آداب القتال، وهو أن يمضي الإنسان على مهله، دون ضجيج، ليباغت العدو.
الخامسة والعشرون: الدعوة إلى الإسلام قبل القتال.
لقوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام".
السادسة والعشرون: أنه مشروع لمن دُعوا قبل ذلك، وقوتلوا.
فلا شك أن النبي ﷺ قد دعاهم أولاً، ولما أرسل إليهم حملة ثانية كُررت عليهم الدعوة؛ لعلهم يستجيبون.
السابعة والعشرون: الدعوة بالحكمة؛ لقوله: "أخبرهم بما يجب".
فمن الحكمة أن تُرتب الأمور ترتيباً حسناً، فيبتدئ أولاً: بعقد الإسلام، فإن هم قبلوا به، انتقل بعد ذلك إلى الحديث عن تفاصيله ولوازمه.
الثامنة والعشرون: المعرفة بحق الله تعالى في الإسلام.
فينبغي على من دخل في عقد الإسلام أن يعلم بأن دخوله في عقد الإسلام يستلزم حقوقاً لله تعالى.
التاسعة والعشرون: ثواب من اهتدى على يده رجل واحد.
لقوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" وهذا ثواب عظيم، فلا يزهد بالدعوة الفردية.
الثلاثون: الحلف على الفتيا.
لقوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً" وهذا مما يبيح الحلف دون استحلاف.
стр. 109
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله
وقول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [سورة الإسراء: ٥٧].
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٢٦ - ٢٨].
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [سورة التوبة: ٣١].
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة: ١٦٥].
وفي الصحيح: عن النبي ﷺ أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يُعبَد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله " (١).
وشرح هذه الترجمة: ما بعدها من الأبواب.
الشرح:
قوله: "باب: تفسير التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله" عطف الشهادة على التوحيد لتغاير اللفظين، وإلا فالمعنى واحد، وقد تقدم في رواية البخاري في قصة معاذ ﵁: "فليكن أول ما تدعوهم إليه: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله"، وفي رواية: "أن يوحدوا الله" (٢)، فدل على أنهما بمعنى واحد.
стр. 110
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ذكر المصنف ما يتعلق بالتوحيد وحقيقته، وفضله، وما يكفر من الذنوب، وأن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وبين حقيقة الشرك، ووجوب الدعوة إلى شهادة: أن لا إله إلا الله، أتى بهذا الباب مزيد بيانٍ لحقيقة التوحيد، وتفسير الشهادة، ورفع اللبس الذي يحصل لدى بعض الناس، فإن منهم من لا يحسن فهم التوحيد، ولا معنى: (لا إله إلا الله).
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾:
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أي: الذين يدعونهم المشركون من دون الله، من الملائكة، والصالحين، والأنبياء، وغيرهم، أنهم أنفسهم.
قوله: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ ففاعل (يدعون) المشركون، وفاعل (يبتغون) المدعوون، من الملائكة والصالحين والأنبياء، فكيف يدعونهم من دون الله، وهم عبادٌ أمثالهم يتقربون إلى الله، ويبتغون -أي: يطلبون- إليه الوسيلة؟! والوسيلة: مأخوذة من الوسْل، وهو الوصل، يقال: وسيلة ووصيلة، بمعنىً واحد، والمراد بهما: التوسل إلى الله ، وطلب القرب منه.
قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ هذه الجملة تدل على التنافس بين هؤلاء الصالحين في طلب الوسيلة، ولا شك أن التنافس في مرضاة الله وعبادته هو التنافس المطلوب، قال الله تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
قوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ فهم يحققون ثلاث عبادات عظيمة:
إحداهما: المحبة: فهم يبتغون إليه الوسيلة، وذلك يدل على التعلق والانجذاب.
الثانية: الرجاء، فهم يرجون رحمته.
الثالثة: الخوف، فهم يخافون عذابه، وعلّله بقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ أي: مخوفاً.
فالله أخبر عن حال هؤلاء المشركين أنهم يدعون قوماً من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، المتنافسين في طلب القرب من الله، ويعبدونه وحده، ولا
стр. 111
يشركون به أحداً سواه، ويرجون رحمته، ولا يرجون أحداً غيره، ويخافون عذابه، ولا يخافون أحداً غيره، فإذا كان هذا حالهم، فالأولى والأحرى بمن دعاهم أن يحتذي حذوهم، وينسج على منوالهم، ويدعو من دعوه، ويرجو من رجوه، ويخاف ممن خافوه.
وتبيّن من هذه الآية: أن المشركين ربما دعوا عبداً صالحاً، من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، وربما دعوا أصناماً، وأوثاناً، فالمذكورون في هذه الآية من الصنف الأول.
مناسبة الآية للباب:
أن هذه الأوصاف التي وصف الله تعالى بها هؤلاء المدعوين هي حقيقة التوحيد؛ إذ أنها جمعت أمهات العبادات القلبية، وهي: (الخوف، والرجاء، والمحبة):
وهذه الثلاثة تُصوّر بصورتين:
إحداهما: جناحا الطائر: فالطائر له جسم، وله جناحان، فكأن المحبة الجسم، والجناحان هما الخوف والرجاء.
الثانية: المركبة التي تسير: فالمحبة هي المركبة التي يستقلها السائر إلى الله ، والرجاء يحدوها إلى الأمام، والخوف يمنعها من الحيدة يمنة أو يسرة.
فهذه حقيقة الإيمان، فإن مداره على هذه العبادات القلبية الثلاث:
المحبة: وهي شعور يقوم في النفس يجذبه إلى ربه ومولاه، فيحس بالتعلق والانجذاب إليه ، وهذه أشرف الثلاث؛ لأنها لا تنقطع لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ ولذا قال النبي ﷺ : "أحبوا الله من كل قلوبكم" (١).
الرجاء: فإنه يحفزه على العمل الصالح؛ لأنه يتشوف للوصول إلى جنته سبحانه، لكن الرجاء ينقطع بالوصول إلى المقصود، فإذا بلغ الإنسان مبتغاه، وهو رضوان الله وجنته، فقد تحقق مراده، وانقطع رجاؤه.
стр. 112
الخوف: وهو ما يحجزه عن الشهوات والشبهات، ولكنه ينقطع، أيضًا، ببلوغ الجنة، قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] فتبيّن بهذا أن أصل هذه الثلاث: المحبة؛ لأنها تمتد من الدنيا إلى الآخرة، أما الخوف والرجاء فينقطعان.
فوائد الآية:
١ - بيان أمهات العبادات القلبية؛ وهي (المحبة، والخوف، والرجاء).
٢ - الرد على المشركين الذين يدعون الأولياء، والصالحين، زاعمين أن ذلك يختلف عن دعاء الأصنام، فمن دعا غير الله في جلب نفع، أو دفع ضر، فلا فرق بين أن يكون المدعو عبدًا صالحاً، أو شيطاناً رجيمًا، أو صنماً، أو شجرًا، أو حجرًا، أو غير ذلك.
٣ - قوة الخوف والرجاء لدى الصالحين، فإن هذا من أخص أوصافهم لقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]، ويدل أيضاً على وجوب الحذر من عذاب الله ، وألا يغتر الإنسان بحاله.
٤ - الرد على الصوفية الذين يزعمون أن الله يعبد بالحب وحده، فمن عبده بالخوف والرجاء، فهو تاجر، وليس عابدًا، حتى إنه ينسبون إلى بعض الصالحين، أنه قال: "ما عبدتك شوقاً إلى جنتك، ولا خوفاً من نارك، وإنما عبدتك شوقاً إلى رؤيتك". (١)، وهذا باطل؛ لأن الذي أمرنا خوفنا من عذابه، وعظم في قلوبنا رجاءه، هو الله ، فالواجب علينا أن نعبده بذلك؛ ولهذا قال بعضهم:
- من عبد الله بالخوف وحده، فهو حروري.
- ومن عبد الله بالرجاء وحده، فهو مرجئ.
- ومن عبد الله بالحب وحده، فهو زنديق.
- ومن عبد الله الخوف والرجاء والمحبة، فهو المؤمن الحق.
وأيهما ينبغي أن يقدم الخوف أم الرجاء؟ الأصل أن يكون العبد بين الخوف
стр. 113
والرجاء، يرجو رحمة الله، ويخشى عذابه. قال أبو علي الروذباري: "الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير، وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت (١).
لكن لا بأس في بعض الأحوال أن يغلِّب الخوف، وفي بعضها أن يغلِّب الرجاء؛ ليبلغ في سيره إلى الله ، فإذا أقبلت عليه الدنيا، وأبدت له زينتها، وزخرفها، فينبغي له أن يغلب الخوف؛ ليمنع نفسه من الانحراف، والانجراف وراء زينة الحياة الدنيا، وإذا ادلهمت الخطوب، وضاقت به السبل، أو دنا أجله، وكان في ساعة الاحتضار، فالأولى أن يغلب جانب الرجاء؛ كي ينفس عن نفسه، ويتعلق برحمة بربه؛ ولكي يتحقق فيه قول النبي ﷺ : "من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه" (٢)، وقول الله : "أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي ما شاء" (٣)
ثم ساق المصنف ﵀ قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]
يحكي الله هذه المقالة الصادرة عن إبراهيم ﵇، وهو إعلان صريح جهر به ﵇ بين ظهراني قومه، وخص بها أباه أولاً، لحقه عليه، فخاطبه كما في سورة مريم بقوله: "يا أبتِ" في أربع آيات، وعمّ بها قومه، كما صنع نبينا ﷺ حين دعا على جبل الصفا، فخصّ وعمّ.
قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ ولم يقل: بريء؛ لأن ﴿بَرَاءٌ﴾ صفة مشبهة، فهي أبلغ
стр. 114
من (بريء) فكأنه جعل نفسه ظرفاً ومحلاً للبراءة، وكأنه استحال بأكمله إلى براءة من المشركين.
قوله: ﴿مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأ ﵇ من معبوداتهم، وقد كانوا في أرض حران يعبدون الأفلاك السماوية، كالمشتري وزحل، ويتخذون لها الهياكل الأرضية، ويصورون لها التماثيل، والنصب، والأصنام، وكان إبراهيم بمدينة بين النهرين، يقال لها: أور، في زمن الكلدانيين، فأعلن بين ظهرانيهم بلبراءة من هذه المعبودات، وحاجَّهم في مواقف مشهودة.
قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ المستثنى هو الله تعالى؛ ولهذا استنبط العلماء أن قومه كانوا يعبدون الله؛ لأنه تبرأ من جميع معبوداتهم، واستثنى ربه ، هذا إذا قلنا: إن (إلا) على وجهها، وأن الاستثناء متصل. وأما إذا قلنا: إن الاستثناء منفصل، فإن (إلا) تكون بمعنى (بل) أي: بل الذي فطرني، وحينئذٍ فالآية على هذا التوجيه لا تدل على أنهم كانوا يعبدون الله، بل كانوا يعبدون الأصنام فقط، وكلا التفسيرين له وجه. والأقرب -والله أعلم- أنهم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره؛ ولذلك لم تنفعهم عبادتهم لله تعالى؛ لأن الله تعالى أغنى الشركاء عن الشرك، كما قال تعالى في الحديث القدسي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري، تركته وشركه" (١).
قوله: ﴿فَطَرَنِي﴾ أي: ابتدأ خلقي؛ لأن الفطْر معناه: ابتداء الشيء.
قوله: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ وهذا من كمال ربوبيته الخاصة بالمؤمنين، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ﴾ [يونس: ٩]، وهكذا موسى ﵇ لما قال أصحابه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]. وهكذا حال المؤمن فإنه يعلم أن الله تعالى هو الذي يهديه إلى طريق الحق الحسي والمعنوي.
مناسبة الآية للباب:
لما فيها من بيان معنى: (لا إله إلا الله) فإنها تضمنت البراءة من الشرك في
стр. 115
قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وإثبات العبادة لله في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ وهكذا، فإن التوحيد يقوم على ساقين: عبادة الله، والبراءة مما سواه، وقد تضمنت هذه الآية هذين المعنيين.
فوائد الآية:
١ - بيان معنى: لا إله إلا الله، وأن عمادها إخلاص العبادة لله وحده.
٢ - وجوب البراءة من الشرك والمشركين.
٣ - الجهر بذلك، والاستعلان به، كما صنع إبراهيم ﵇.
٤ - إثبات الخلق لله ، وإثبات الهداية منه، فالله هو الخالق، وهو الهادي.
ثم قال المصنف ﵀:
قول الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾:
قوله: ﴿اتَّخَذُوا﴾ يعني: جعلوا، والضمير يرجع إلى أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى؛ فقد حكى الله عنهم قبلها: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]، فزعموا أن المسيح ابن الله، وأن عزيراً ابن الله، وفوق ذلك: اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
قوله: ﴿أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: هم العلماء، والرهبان: هم العُباد، وغالباً ما يطلق الأحبار على علماء اليهود، والرهبان على عُباد النصارى؛ لأن اليهود العلم فيهم أكثر، والنصارى العبادة فيهم أكثر. واليهود على وجه العموم فيهم قسوة وغلظة، والنصارى فيهم رقة ورهبانية.
стр. 116
قوله: ﴿أَرْبَابًا مِنْ دُونِ الله﴾ جاء في تفسيرها حديث عدي بن حاتم الذي سيورده المصنف لاحقاً، في باب مستقل، وكان عدي بن حاتم ركوسياً (١)، وهم طائفة من النصارى، فدخل على النبي ﷺ وفي عنقه صليب من ذهب، والنبي ﷺ يتلو هذه الآية، فقال: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم! ظن أن العبادة لا تكون إلا بالركوع والسجود، فقال: "أجل، ولكن يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله فيحرمونه، فتلك عبادتهم لهم" (٢)، فبيَّن أن منحهم حق التحليل، والتحريم، والتشريع، من اتخاذهم أرباباً من دون الله لأن ذلك من خصائص الربوبية، والألوهية. فالحكم لله، فهو سبحانه الذي يأمر وينهى، ويحلل ويحرم ويشرع، كما قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] فالتشريع لا يكون إلا لله ، فمن جعله لغير الله، فقد وقع في شرك الربوبية، حيث أعطى ما ينبغي لله لغير الله.
قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أي: واتخذوا المسيح بن مريم ربًا، وهم يصرحون بذلك لفظاً، فيقولون في كتبهم وقدَّساتهم: الرب يسوع المخلص!.
قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ إي: أنهم ما أمروا إلا بتوحيد الله، ويشهد لهذا قول الله : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
لكن هاتين الطائفتين أفسدتا دينهما، فإن موسى ﵇ أتى بالدين القويم، وهو توحيد رب العالمين، ونبذ الشرك، حتى إنه غضب أشد الغضب حينما رجع ووجدهم يعبدون العجل، وألقى الألواح، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وغضب عليهم حينما قالوا له: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ *
стр. 117
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩] فأغلظ عليهم في النكير، وهذا دليل على أن موسى ﵇ جاء بالتوحيد الخالص، الذي جاء به إبراهيم ﵇. وكذلك عيسى ﵇ جاء بالتوحيد الخالص، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢] لكن القوم ينكرون هذه الصراحة التوحيدية، ويشركون بالله ؛ ولهذا قال الله : ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] قال بعض السلف: رغبت اليهود عن ملة إبراهيم، ورغبت النصارى عن ملة إبراهيم (١)، فاليهود والنصارى خرجوا عن ملة إبراهيم؛ ولهذا برّأ الله إبراهيم منهم، فقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
ومع هذا الوضوح في هذه الآيات الكريمة، إلا أننا نجد بعض المنتسبين إلى الإسلام والدعوة يصوِّب دين اليهود والنصارى، ويطلق على الإسلام واليهودية والنصرانية: "الأديان الإبراهيمية"، وهذه تسمية باطلة، فحاشا إبراهيم ﵇ أن يُنسب إليه اليهود، أو النصارى، فإن ملة إبراهيم، هي الإسلام، كما هي ملة محمد -صلى الله عليهما وسلم-، فلا يجوز أن يقال: "الأديان الإبراهيمية"، أو "الأديان السماوية"، أو "الأديان التوحيدية" الثلاثة، فليسوا بموحدين؛ فإن التوحيد هو دين الإسلام، الذي جدده نبينا محمد ﷺ . وأما اليهودية فهي صورة محرفة عما جاء به موسى-﵇، والنصرانية صورة محرفة عما جاء به عيسى ﵇، وليستا على التوحيد.
وأما اتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله:
- فأحبار اليهود، وحاخاماتهم، عمدوا إلى التوراة، وأسفار أنبيائهم، فحرفوها، ووضعوا لها الشروحات التأويلية، فيما عرف باسم "المشنا" و "الجمارا"، ومن مجموعهما تكون "التلمود" الذي يعظمونه فوق تعظيم التوراة. فضمنوه من الأخبار الباطلة، والأحكام المحدثة ما ليس من عند الله، كما وصف تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا
стр. 118
هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٨]
- ورهبان النصارى، وأساقفتهم، إذا أرادوا أن يغيروا شرع الله، عقدوا ما يُسمونه "المجمع المسكوني"، وحشدوا له جميع أساقفتهم على وجه الأرض، ثم يديرون الحوار بينهم حول قضية من القضايا، فما تمخض عنه ذلك المجمع، فإنه يُعد عندهم أحكاماً معصومة، يسمونها "دساتير" يزعمون إن الروح القدس يعصم هذا المجمع من الخطأ، ويضفون عليه صفة القدسية، بل إن بعضهم يجعل العصمة للبابا الذي يقف على رأس هرم الكنيسة الكاثوليكية، بحيث يشرع، ويأمر، وينهى، ويحلل، ويحرم كيف شاء! وكان أول مجامعهم: مجمع "نيقيه: المنعقد سنة ٣٢٥ م، وآخر مجامعهم: المجمع الفاتيكاني الثاني، الذي انعقد في روما في الفاتيكان، ما بين عامي ١٩٦١ م إلى ١٩٦٥ م، ودام قريباً من أربع سنوات، واجتمع فيه أكثر من ألفي أسقف على وجه الأرض؛ ليناقشوا قضايا عدة، وخرجوا بمقررات كثيرة، نقضوا فيها بعض مقرراتهم السابقة. وهكذا اتخذوا دينهم هزواً ولعباً، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله، يغيرون دين الله.
مناسبة الآية للباب:
بيان أن مما يناقض العبادة وشهادة أن لا إله إلا الله: طاعة غير الله في التحليل والتحريم، كما صنع اليهود والنصارى مع أحبارهم ورهبانهم.
فوائد الآية:
١ - انحراف اليهود والنصارى عن ملة إبراهيم ﵇.
٢ - أن شهادة أن لا إله إلا الله، تقتضي إفراد الله بالتحليل والتحريم.
٣ - أن من نصّب مخلوقاً في التحليل والتحريم فقد أشرك مع الله.
٤ - الرد على اليهود والنصارى.
٥ - تنزيه الله عن الشرك؛ لقوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١].
стр. 119
ثم ساق المصنف ﵀
قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ (من): تبعيضية، أي: بعض الناس، أو فريق منهم.
قوله: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ جمع ند، وهو المثيل والنظير.
قوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ محبة العبادة، وللمفسرين قولان في معناها:
القول الأول: أن هؤلاء المذمومين يحبون غير الله من الأنداد كما يحب المؤمنون الله.
القول الثاني: أنهم يحبون أندادهم كما يحبون الله، فهم يحبون الله، ويشركون معه في المحبة غيره، وهذا هو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وتلميذه ابن القيم-رحمهما الله- (٢).
والقول الثاني أقرب، وهو الذي يدل عليه الواقع، فإن مشركي العرب، كانوا يظهرون محبة الله، ويحجون بيته، ويقفون في المشاعر، ويتقربون ببعض القرب لله ، لكنهم يفسدون ذلك بالشرك، وكذلك مشركو زماننا، الذين يطوفون بالأضرحة والقبور، وينادون الصالحين، يحبون الله، ويحبون هؤلاء محبة مماثلة لمحبة الله.
قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فمحبتهم لله لا يدانيها، ولا يشاركها محبة، فقد أفردوا الله تعالى بالمحبة.
قوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ ومن كانت له القوة جميعاً حقيق بأن تكون له المحبة جميعاً.
قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ ما كان الله ليتوعدهم هذا الوعيد العظيم إلا لإقدامهم على أمر عظيم، وهو الشرك، والمراد به شرك المحبة.
стр. 120
مناسبة الآية للباب:
فيها بيان أن مقتضى لا إله إلا الله، إفراد الله تعالى بالمحبة، وعدم إشراك أحد معه فيها.
فوائد الآية:
١ - بيان معنى التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، وأن ذلك يتضمن إفراد الله بالمحبة.
٢ - أن المشركين يحبون الله محبة كبيرة، ولم ينفعهم ذلك؛ لأنهم أشركوا مع الله في المحبة، على أحد التوجيهين للمفسرين.
٣ - قبح الشرك، وشؤم عاقبته؛ لما ترتب عليه من الوعيد الشديد.
قال المصنف ﵀:
"وفي الصحيح" لم تتبين لي طريقة منضبطة للمؤلف ﵀ في قوله: "وفي الصحيح" فتارة يقصد بذلك الصحيحين، وتارة البخاري وحده، وتارة مسلماً، وفي هذا الموضع أراد صحيح مسلم.
قوله: "من قال: لا إله إلا الله" " أي: بقلبه ولسانه؛ لأن القول ينسب إلى القلب واللسان.
قوله: "وكفر بما يُعبد من دون الله، حرم ماله ودمه حرم" أي: امتنع ماله أن يُسلب، ودمه أن يُراق، واستحق العصمة في الأحكام الدنيوية.
قوله: "وحسابه على الله" أي: ما دام قد سلم من غائلة الشرك، فحسابه في الآخرة، على الله إن كان قد وقع في شيء من الكبائر.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأنه تضمن شِقَيْ التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، والبراءة من الشرك.
стр. 121
فوائد الحديث:
١ - بيان معنى: لا إله إلا الله، وأنها تتضمن الكفر بالأصنام.
٢ - أنه لا يكفي مجرد التلفظ بها، بل لا بد أن يقرن بذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فمن قالها، ودعا غير الله، أو ذبح لغير الله، أو استغاث بغير الله، لم تنفعه ولو ملأ بها الجو تهليلاً.
٣ - أن من أتى بالتوحيد وحقّقه، فإنه معصوم الدم والمال.
٤ - وجوب الكف عمن قال: لا إله إلا الله، حتى لو قالها في حال القتال؛ لقول النبي ﷺ لأسامة لما قتل الرجل، وهو قد قال: لا إله إلا الله، ظاناً أنه قالها تعوذاً: "وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ " (١).
٥ - تعظيم حرمات المسلمين.
(وشرح هذه الترجمة: ما بعدها من الأبواب).
مراده، ﵀، أنه سيسوق أبوابًا تفصيلية في تفسير التوحيد، وما ينافيه، إثر هذا الباب.
قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
فيه أكبر المسائل وأهمها: وهي تفسير الشهادة، وبيَّنها بأمور واضحة:
منها: آية الإسراء، بيَّن فيها الرد على المشركين الذين يدعون الصالحين؛ ففيها بيان أن هذا هو الشرك الأكبر.
وهي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾، وقد تقدم بيانها.
стр. 122
ومنها: آية براءة، بيَّن فيها أن أهل الكتاب اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، وبين أنهم لم يؤمروا إلا بأن يعبدوا إلهاً واحداً، مع أن تفسيرها الذي لا إشكال فيه: طاعة العلماء والعباد في المعصية، لا دعاؤهم إياهم.
وهي قول الله : ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وتفسيرها في حديث عدي بن حاتم؛ لأن التحليل والتحريم حق خالص لله، فمن صرفه لغير الله فقد وقع في الشرك.
ومنها: قول الخليل ﵇ للكفار: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَهُ سَيَهْدِين﴾ [سورة الزخرف: ٢٦ - ٢٧] فاستثنى من المعبودين ربه، وذكر سبحانه أن هذه البراءة، وهذه الموالاة: هي تفسير شهادة: أن لا إله إلا الله، فقال: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف: ٢٨].
وكلام الشيخ ﵀ هنا يدل على أنه اعتبر الاستثناء متصلاً؛ لأنه قال: "فاستثنى من المعبودين ربه" أي أن القوم كانوا يعبدون الله، ويعبدون معه غيره؛ ولما كانت هذه الكلمة -كلمة التوحيد- ثقيلة راسخة، جعلها باقية في عقبه.
ومنها: آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾، [سورة البقرة: ١٦٧]، ذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل على أنهم يحبون الله حباً عظيماً، ولم يُدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ولم يحب الله؟!
هذه دركات بعضها دون بعض، فبعضهم يحبون أندادهم كحب الله، أو أعظم من حب الله، وبعضهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله، وبعضهم لا يحبون الله أصلاً، فهؤلاء جميعاً داخلون في قول الله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فهذا يفسر شهادة: أن لا إله إلا الله.
стр. 123
ومنها: قوله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله"، وهذا من أعظم ما يُبَيِّنْ معنى: "لا إله إلا الله" فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصماً للدم والمال، بل ولا معرفة معناها، مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده، لا شريك له، بل لا يحرم ماله ودمه، حتى يُضِيفَ إلى ذلك الكفر بما يُعْبَد من دون الله، فإن شك، أو توقف، لم يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أعظمها وأجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع!
مراد المصنف ﵀ أن يرفع اللبس والخلط الذي يدعيه بعض مشركي زمانه حين يتذرعون بقول: لا إله إلا الله، ويباشرون الشرك بصور مختلفة، فإذا أُنكر عليهم قالوا: نحن: نقول: لا إله إلا الله، فيقال لهم: إن رسول الله ﷺ قال: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله"، فلا يكفي أن يقولها بلسانه، ولا أن يعتقدها بقلبه، ولا ألا يدعو إلا الله، بل حتى يضم إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله.
وهذا يدل على عظم شأن التوحيد! ولهذا قال: "فإن شك أو توقف لم يحرم ماله ودمه" لأن هذا المقام لا بد فيه من القطع والجزم.
стр. 124
باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء، أو دفعه
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [سورة الزمر: ٣٨].
عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: "ما هذه؟ " قال: من الواهنة، فقال: "انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك، ما أفلحت أبداً" (١)، رواه أحمد، بسند لا بأس به.
وله: عن عقبة بن عامر، مرفوعاً: "من تعلق تميمة، فلا أتَمَّ الله له، ومن تعلق ودعة، فلا وَدَعَ الله له" (٢).
وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك" (٣).
ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من الحمى فقطعه، وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف: ١٠٦] (٤).
стр. 125
الشرح:
قوله: "باب من الشرك" (من): هنا تبعيضية، أي: بعض أنواع الشرك، وقد أطلق المصنف وصف "الشرك" فيحتمل أن يكون شركاً أكبر، ويحتمل: أن يكون شركاً أصغر.
قوله: "لبس الحلقة والخيط" والحلقة: تطلق على كل شيء مستدير؛ ولهذا يقال عن القوم المتحلقين لقراءة القرآن أو للعلم: حلقة علم، وحلقة قرآن، ولكن الذي يُلبس هو ما كان من معدن كذهب أو فضة أو صُفر -أي: نحاس-، أو نحو ذلك. وأما الخيط: فهو معروف، ويكون من الصوف أو الكتان أو الحرير أو غير ذلك من أنواع الأنسجة.
قوله: "ونحوهما" أي: من المعلقات، والمرصعات، وغير ذلك، فكل شيء يُتخذ سواء في اليد أو على الرقبة، أو يشد على الخصر مثلاً، أو يوضع في أي موضع، دخل في ذلك، وليس الأمر مقتصراً على الحلقة والخيط، وإنما أراد به التمثيل؛ لأن أكثر ما يقع من هذا القبيل.
قوله: "لرفع البلاء أو دفعه" الفرق بين الرفع والدفع:
١ - الرفع: يكون بعد الوقوع.
٢ - الدفع: يكون قبل الوقوع.
والدفع أسهل من الرفع، فمدافعة الشيء قبل أن يتمكن، ويرسخ، أهون من رفعه واجتثاثه بعد وقوعه. فأراد المصنف ﵀ بهذه الترجمة أن يُبيّن نوعاً من أنواع الشرك المنافي للتوحيد، وصورة من صوره، وهو ما يقع من بعض الناس من لبس الحلقة والخيط ونحوهما، بنية رفع البلاء أو دفعه.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما ختم المصنف ﵀ باب تفسير التوحيد وشهادة: أن لا إله إلا الله، بقوله: "وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب" أفاد أن الأبواب التالية، ومنها هذا الباب، شرح تطبيقي لحقيقة التوحيد، وما ينافيه من الشرك، على سبيل التفصيل. وذلك لأنه يتضمن ذكر ما يضاد التوحيد إما مضادة تامة لأصله، وإما لكماله الواجب.
стр. 126
فالشرك الذي يحصل بلبس الحلقة والخيط يحتمل الأمرين:
- فإن كان صاحبه يعتقد أن الحلقة والخيط مؤثرتان بطبعهما، أي: يستقلان بالتأثير؛ فيدفعان أو يرفعان، فهذا شرك أكبر؛ لمنافاته لتوحيد الربوبية، حيث اعتقد مدبرًا غير الله.
- وإن كان يعتقد أن الحلقة والخيط سببان في حصول الأثر، ولا يستقلان بالتأثير، فهذا شرك أصغر؛ لأنه اعتقد سبباً لم يجعله الله ورسوله سبباً، لا شرعاً ولا قدراً.
وذلك أن الأسباب نوعان:
١ - أسباب حسية: كالدواء، فإنه سبب في الشفاء، فإذا تعاطى الإنسان الدواء المعين للداء المعين، فإنه يكون سبباً في شفائه -بإذن الله- وهذا يُدرك بالتجربة.
٢ - أسباب شرعية: كالرقية، كما لو لُدغ، فرقى نفسه بسورة الفاتحة، فبرأ، فهذا سبب شرعي؛ لأن الدليل دلّ على أن الرقية في سورة الفاتحة تشفي اللديغ، كما في قصة الرهط من أصحاب النبي ﷺ الذين رقوا سيد الحي لما لدغ (١).
والناس في مسألة الأسباب طرفان ووسط:
١ - فمن الناس من يلغي الأسباب بالكلية، وهؤلاء هم الجبرية، والأشاعرة، فيرون عدم تأثير الأسباب، وهذا قدح في الشرع، وقدح في العقل، فإنه ما من عاقل إلا ويُدرك تأثير الأسباب، فالعطشان إذا شرب الماء ارتوى، والجوعان إذا أكل الطعام شبع، والمريض إذا استعمل الدواء شفي، والمتعب إذا أوى إلى فراشه ونام، استراح، ولا ينازع في هذا إلا إنسان في عقله لوثة؛ ولهذا كان من ينكر تأثير هذه الأسباب، ويزعم أن الأثر يحصل عندها لا بها، أضحوكة للعالمين، فمن عطل الأسباب، فقد عطل العقل، وعطل النص.
٢ - ومن الناس من غلا في الأسباب، حتى اعتقدوا أن كل شيء يفسر
стр. 127
تفسيراً مادياً، ولم يلتفتوا إلى إرادة الله تعالى ومشيئته. وهؤلاء هم الماديون من الملاحدة، والفلاسفة، وغيرهم.
٣ - وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى إثبات الأسباب الحسية، والشرعية، فأخذوا بها، مع التعلق بمسبب الأسباب، وهو الله .
قوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ﴾ " يعني: أخبروني؛ وذلك أن من لازم الرؤية الخبر؛ لأن من رأى شيئاً رؤية علمية فإنه يخبر عنه.
قوله: ﴿مَا تَدْعُونَ﴾ أي: دعاء عبادة، أو دعاء مسألة. فهؤلاء المشركون يدعون غير الله دعاء عبادة: بأن ينذروا القرابين لهذه الأصنام، ودعاء مسألة: حيث ييستغيثون بها من دون الله ، فيسألونها كشف الضر، أو تحويله.
قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: من الأنداد والأصنام، ونحو ذلك.
قوله: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ (رأى) تنصب مفعولين: فمفعولها الأول: (ما)، ومفعولها الثاني جملة: ﴿إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾
قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ أي: هل تستطيع هذه الأنداد أن تكشف الضر الذي أرادني الله به، والضر: كالفقر، والمرض، وسائر أنواع البلاء المؤلمة.
قوله: ﴿أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ﴾ المراد بالرحمة: الصحة، والغنى، والمنفعة، ونحو ذلك.
قوله: ﴿هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ هذا استفهام إنكاري، أي: هل تملك أن تمنع رحمة الله تعالى من الوصول إلى محلها؟ الجواب -كما لا يخفى-: لا.
قوله: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الحسب هو الكفاية، أي: يكفيني الله. و (حسب) مبتدأ، ولفظ الجلالة خبر المبتدأ، ويجوز العكس: أن يكون (حسب) خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، وكونها على الترتيب أولى؛ لأن الأصل عدم التقديم والتأخير؛ ولأن هذا يفيد حصر الكفاية في الله ، فكأنه قال: حسبي الله، لا حسب لي سواه. سبحانه وبحمده.
قوله: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ التوكل: اعتماد القلب على الله في حصول المنفعة، أو دفع المضرة، يعني: أن القلب يفزع ويهرع إلى الله في
стр. 128
تحصيل المنافع ودفع المفاسد، مع فعل الأسباب الموصلة إلى ذلك. والإتيان بهذه الصيغة: ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ تدل على شمول تدبيره سبحانه للناس جميعاً، فالتوكل عبادة جليلة من أعظم العبادات، وقد قال الله : ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] فأمر الله تعالى نبيه بأن يتوكل على من اسمه الحي، ووصفه بأنه لا يموت؛ لأن من توكل على غير الله، فقد توكل على من يموت، فإذا مات وكيله انقطعت به السبل، أما من توكل على الحي الذي لا يموت فهو بمأمن؛ لأن وكيله باقٍ دائم، فما أعظم وقع هذه الآية على النفوس القلقة المضطربة!
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لأنها تضمنت بطلان الشرك، فمن لبس حلقة أو خيطاً، فقد تعلق بسبب لم يجعله الله سبباً، وهذا شرك. فهذا يدل على عميق فهم المصنف، واستنباطه الدقيق، حيث استدل بهذه الآية العامة، على بطلان لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه، لأنه علّق قلبه بهذا المعدن الذي وضعه على ذراعه، أو بذلك الخيط الذي ربطه في عضده، مما لا أثر له في دفع البلاء أو رفعه. فهذا يدل على أنه شابه شائبة الشرك.
فوائد الآية:
١ - بطلان الشرك، وأن أساسه على شفا جرف هار، ينهار به في نار جهنم.
٢ - تحريم اتخاذ الحلقة والخيط، وأن ذلك من موارد الشرك.
٣ - مشروعية مجادلة المشركين والمبتدعة؛ لأن الله أمره أن يجادلهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: ٣٨].
٤ - فضيلة التوكل، وأنه من أعظم مظاهر التوحيد.
стр. 129
قال المصنف ﵀:
"وعن عمران بن حصين" هو عمران بن حصين بن معبد، وقيل: ابن عبيد الخزاعي، صحابي مشهور، كان إسلامه عام خيبر، وتوفي سنة (٥٢ هـ) وقد روى جملةً صالحةً من الأحاديث.
قوله: "أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً" هذا الرجل قد أبهم اسمه، فقيل: إنه عمران نفسه، ولكن عمران أبهم ذلك، ولم ينسبه إلى نفسه، ولا تضر جهالته، المهم ما تضمنه الحديث من حُكْم.
قوله: "في يده حلقة من صُفر" الحلقة تقدم بيان معناها، لكنه هنا حددها بأنها"من صفر" والصفر: هو النحاس.
قوله: " "فقال: ما هذا؟ " سؤال النبي ﷺ يحتمل:
١ - أن يكون استفهاماً إنكارياً.
٢ - أن يكون استفهاماً للاستخبار، أي: لمعرفة السبب، فيكون على بابه، ويؤيد الثاني: أنه كان من شأن النبي ﷺ ألا ينكر على أحد حتى يتبين حاله، وشواهد ذلك كثيرة.
قوله: "قال: من الواهنة" أي: بسبب الواهنة، أو لأجل دفع الواهنة. والواهنة: مرض يصيب الإنسان في يده، أو ذراعه، أو عضده، يحس فيه بالوهن والتعب.
قوله: "انزعها" أي: اخلعها، واطرحها بقوة، فالنزع يدل على الطرح، والجذب بقوة.
قوله: "فإنها لا تزيدك إلا وهناً" هذه جملة تعليلية للأمر، ومعنى تزيده وهناً:
١ - أي: عقوبة له على تعلقه بشيء موهوم.
٢ - أو تزيده ضعفاً حقيقيَا، وهذا الوهن ناتج عن الانفعال النفسي من التعلق بهذا الشيء، فتضعف المقاومة والمدافعة، ويشعر الإنسان بأنه مريض. والانفعال النفسي له تأثير في حصول الصحة والعافية، أو ضد ذلك، فإن كثيراً من الناس يسيطر عليه الوهم، ويشعر أنه مريض، وهو ليس كذلك. ومن الناس
стр. 130
من يكون مريضاً حقاً، ويكون عنده من التفاؤل، والتوكل على الله، ما يلحقه بالأصحاء.
قوله: "فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبداً" أي: مت وأنت مصر على هذا الفعل، بعد العلم لم تفلح أبداً. وهذا وعيد شديد. والفلاح: هو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فمن وقع منه ذلك، وأصر عليه فإنه لا يفلح أبداً، بشهادة من لا ينطق عن الهوى.
ثم قال المصنف ﵀: "رواه أحمد، بسند لا بأس به" هكذا عبّر المصنف، والواقع: أن هذا الحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه، وقد رواه الإمام أحمد، وابن ماجه، كما تقدم، دون الزيادة الأخيرة، وابن حبان (١)، والطبراني (٢)، وكل هؤلاء رووه من حديث المبارك بن فضالة، وقد اختلف فيه، ورمي بالتدليس؛ ولذلك ضعّف الحديث بعض أهل العلم. وفيه علة أخرى: وهي الاختلاف في سماع الحسن من عمران بن حصين. وقد جوّد الإمام أحمد ﵀ حديث المبارك بن فضالة عن الحسن، وقَبِلَه، واحتمله (٣). والحديث له متابعات، فقد روي من غير طريق المبارك بن فضالة. والراجح في مسألة سماع الحسن من عمران بن حصين: أنها ثابتة، فالحديث -إن شاء الله- حسن، وليس ضعيفًا. وممن حسنه: البوصيري، فقال: إسناده حسن (٤)، وممن صحح إسناده الحاكم، ووافقه الذهبي على ذلك (٥).
стр. 131
مناسبة الحديث للباب:
مطابقٌ للترجمة، لأن الحديث في من لبس حلقة لدفع البلاء أو رفعه، والغالب في هذه القصة الرفع؛ لأنه اتخذ تلك الحلقة لرفع الواهنة، ويحتمل أنه اتخذها دفعًا لما يخشى.
فوائد الحديث:
١ - المنع من لبس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه.
٢ - موافقة قول النبي ﷺ : "إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام" (١).
٣ - وجوب إنكار المنكر، وتعليم الجاهل، فإن النبي ﷺ حين رأى هذه الحلقة لم يسكت، بل استبان واستوضح، فلما علم أنه منكر، أنكر عليه. وكثير من طلاب العلم اليوم يرى لدى العامة؛ في أيديهم، وفي رقابهم تعليقات، وأساور، وخيوط،، ولا يرفع رأساً بإنكار ذلك، ولا يرى بأساً بالسكوت عنه، وهذا خطأ، فكيف يتعلم الجاهل؟! وكيف ينبه الغافل؟! يجب على الإنسان إذا رأى ما يريبه في أخيه المسلم أن ينكر ويعلِّم، ولا يصح أن يقال: هذا تدخل في الحرية الشخصية، هذا مفهوم غربي للحرية، وأما الله تعالى فيقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: ٧١] وفي الحديث: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" (٢)، هذا ليس تطفلاً، بل هو من الإحسان.
٤ - خطر الشرك، وشؤم عاقبته في الدنيا، لقوله: "إنها لا تزيدك إلا وهناً"، وفي الآخرة "فإنك لو مت على ذلك ما أفلحت أبداً".
٥ - ضرورة الاستبانة والاستيضاح قبل الإنكار؛ لأن النبي ﷺ لم يبادر الرجل بقوله: "إنك لو متُ ما أفلحت أبداً" بل قال: ما هذا؟ ليسمع منه، كما قال لحاطب بن أبي بلتعة لما أفشى سره: "ما حملك على ما صنعت؟ " (٣)، هذا
стр. 132
مقتضى العقل والحكمة، وبعض الناس إذا رأى ما يريبه تأخذه الحمية والغيرة، فيبادر بالهجوم على المخالف، والتشنيع عليه، ثم ربما تبيّن له بعد انجلاء الموقف أنه معذور، فيأسف ويندم على ما بدر منه، كما وقال تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
٦ - أن الشرك الأصغر أعظم من الكبائر؛ لأن هذا الرجل لم يعتقدها سبباً مؤثراً بطبعها، بل اعتقد أنها سبب مؤثر بقدرة الله، ومع ذلك قال له النبي ﷺ هذا القول الشديد.
قوله: "وله" أي: للإمام أحمد، ورواه أيضاً: ابن حبان (١)، والطحاوي (٢)، وأبو يعلى (٣)، والحاكم (٤)، والطبراني (٥)، والبيهقي (٦) من حديث عقبة بن عامر مرفوعاً. قد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي (٧)، وقال المنذري: إسناده جيد (٨)، وقال الهيثمي: رجاله ثقات (٩)، فهذا الحديث معتمد، ومحل قبول، فأقل أحواله: أنه حسن؛ لأنه قد تكلم في بعض رواته.
قوله: "عن عقبة بن عامر" وهو عقبة بن عامر الجهني، صحابي مشهور، من أصحاب النبي ﷺ ، وكان قاضياً، وقد ولي مصر في زمن معاوية مدة ثلاث سنين، ومات في حدود الستين. قوله: "من تعلق" (من) اسم شرط، تدل على العموم، أي علقها، وتعلق بها.
قوله: "تميمة" خرزات منظومة، أو شيء من عظام، أو ودع، تعلق لاتقاء العين: إما أنه علقها على نفسه، أو علقها على غيره، من الصبيان، أو الدواب والبهائم؛ إذ كانوا في الجاهلية يعلقون السيور، والتمائم، في رقاب البهائم، ومرادهم -كما يزعمون- أن ذلك يكسر العين، فإذا رأى الإنسان في عنق
стр. 133
البعير قلادة من سيور مهترئة، انكسر بصره، واشمأزت نفسه.
قوله: "فلا أتم الله له" هذا يحتمل أن يكون خبراً، أو يكون دعاءً. فإن قلنا: إنه خبر، فالنبي ﷺ يخبر أن من فعل ذلك فإن الله لا يتم له أمر، وإن قلنا: إنه دعاء، فمعنى ذلك: أن النبي ﷺ قد دعا عليه ألا يتم الله له أمر، وعلى كلا التقديرين، فالجملة تدل على تحريم تعليق التمائم.
قوله: "ومن تعلق ودعة" أي: اعتقد بأن هذه الودعة تدفع العين. والودعة: هي الصدفة التي يلقيها البحر على الشاطئ، وهي أشبه بالعظام، فتؤخذ هذه الصدفات، ثم تخرق وتنظم في سلك وتعلق.
قوله: "فلا ودع الله له" تحتمل الخبر والإنشاء، كسابقتها؛ أي: لن يكون في دعة، أو لا جعله الله في دعة وسكون، أو: لا تركه الله، بل سلط عليه الآفات.
قوله: "وفي رواية" أي: عند الإمام أحمد، وإذا قيل: "رواية" يعني: أنها من حديث آخر. وهذه الرواية حكم عليها بعض المحدثين بالحسن أيضاً.
قوله: "فقد أشرك" العلة فيها واضحة، وهو التعلق بهذه الأسباب الموهومة.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن تعليق التمائم والودع من الشرك، كلبس الحلقة والخيط، فهما من باب واحد.
فوائد الحديث:
١ - أن تعليق الودع والتمائم من الشرك.
٢ - أن من طلب شيئاً من غير بابه، عوقب بنقيض قصده، فهذا الذي علق تميمة، أو ودعة، يريد بذلك دفع البلاء أو رفعه، عومل بنقيض قصده: "فلا ودع الله له"، "فلا أتم الله له".
٣ - جواز الدعاء على من فعل شركاً. ولكن ينبغي أن يكون دعاءً على الجنس، لا على المعين، كما نلعن الجنس، ولا نلعن المعين، فنقول كما قال النبي ﷺ : "من تعلق تميمة فلا أتم الله له" ولا تقول لمعين: لا أتم الله لك، إلا إن كان مصرًا على منكره، فحينئذٍ يتوجه الدعاء عليه.
стр. 134
ثم قال المصنف ﵀: "ولأبن أبي حاتم": هو الإمام محمد بن عبد الرحمن بن أبي حاتم، التميمي، الحنظلي، الرازي، هو وأبوه وعمه أبو زرعة، من أئمة الحديث الكبار، وله كتاب "الجرح والتعديل"، توفي سنة ٣٢٧ هـ.
قوله: "عن حذيفة": وهو حذيفة بن اليمان العبسي، صاحب سر رسول الله ﷺ ، هاجر هو وأبوه إلى النبي ﷺ ، فوصلا المدينة يوم أحد، وكان حليفاً للأنصار ﵁، فقتل المسلمون أباه خطئًا، فتصدق بديته على المسلمين. توفي سنة (٣٦ هـ).
قوله: "أنه رأى رجلاً في يده خيط" الخيط: معروف، يكون من القطن، أو الكتان، أو الصوف.
قوله: "من الحمى" أي: بسبب الحمى.
قوله: "فقطعه، وتلا قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ " استدل بالآية على هذه الحالة، ومعنى الآية: أن المشركين في زمن النبي ﷺ آمنوا بالربوبية، لكن أشركوا بالعبادة. وهذا الأثر إسناده منقطع؛ فهو ضعيف.
مناسبة الأثر للباب:
مطابقة، لأن الصحابي قطع الخيط الذي يعتقد صاحبه أنه يدفع الحمى.
فوائد الأثر:
١ - إنكار لبس الخيط، لرفع البلاء أو دفعه. وفيما مضى ما يغني عن ذلك.
٢ - إزالة المنكر باليد لمن قدر عليه، وهي مرتبة ذكرها النبي ﷺ في قوله: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" (١).
٣ - الاستدلال بالنصوص الدالة على تحريم الشرك الأكبر على تحريم الشرك الأصغر؛ لأن قول الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] المراد
стр. 135
به الشرك الأكبر، وقد دلت نصوص عدة على جواز الاستدلال بالنصوص الواردة في الشرك الأكبر على مسائل الشرك الأصغر، كحديث (ذات أنواط)، وسيأتي لاحقًا.
٤ - إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، ولم يغنهم ذلك؛ لكونهم منكرين لتوحيد الألوهية.
قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: التغليظ في لُبس الحلقة والخيط، ونحوهما؛ لمثل ذلك.
لقول النبي ﷺ : "لا تزيدك إلا وهناً" وقوله: "إنك إن مت على هذا ما أفلحت أبداً".
الثانية: أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح، فيه شاهد لكلام الصحابة: أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر.
ووجه ذلك: أن النبي ﷺ وجه هذا الوعيد لصحابي، فكيف بمن دونه؟! مما يدل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر؛ لأن الشرك من حيث جنسه أعظم من الكبائر.
الثالثة: أنه لم يُعذر بالجهالة.
هذه المسألة من المسائل العظيمة، وهي مزلة أقدام، ومضلة أفهام. والأصل أن الجهل مانع من موانع التكليف، والله قد عذر الجاهل، والناسي، والمكره. وقد جزم المصنف ها هنا بإطلاق القول بعدم العذر بالجهل، وله كلام آخر في بعض كتبه يثبت فيه العذر بالجهل، والتفصيل في هذه المسألة هو الصواب، فيُقال: إن الجهل نوعان:
١ - نوعٌ يُعذر به صاحبه.
стр. 136
٢ - ونوع لا يُعذر.
- فما كانت أسباب العلم فيه متوافرة، فإن هذا لا يعذر، فمن قصّر في تحصيل علمه، سواء كان ذلك في الأمور الاعتقادية، أو كان في الأمور العملية، فإنه لا يعذر.
- وما كان خفياً ولا ينال إلا بالكلفة، ووجد من الأسباب ما يحمل على احتمال العذر له، فإنه يعذر به، سواء كان في الأمور الاعتقادية، أو في الأمور العملية.
وهذا الأمر يرجع تقديره إلى اختلاف الحالات، وقد كان النبي ﷺ يحكم على من مات من المشركين على الشرك، بالكفر، حتى إنه أتاه رجل، فقال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: "أبوك في النار" فتولى الرجل وعليه أثر الكراهة، فقال: "أبي وأبوك في النار" (١). وقال النبي ﷺ : "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي، فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي" (٢)، وقال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣] وقال في حديث مخاطباً أحد الصحابة: "حيثما مررت بقبر مشرك، فبشره بالنار" (٣)، فدلت هذه النصوص على أن من غشي الشرك فإنه لا يعذر بذلك؛ لأن الله تعالى قد أودع في الفطر، والعقول، الإيمان به، فلو خفيت بعض الأمور لما خفي أصل التوحيد. لكن يعذر بعدم العلم بتفاصيل الأحكام الشرعية لعدم وجود الرسول، ولا يعذر بغشيان الشرك، وعبادة غير الله . لكن بعض المسائل العقدية قد تكون خفية، ولا يعلم مرتكبها أن ذلك يكون منافياً للتوحيد، كما في هذا الحديث، وفي غيره؛ فلهذا كان القول الوسط: أنه يُفرق في مسائل العذر بالجهل بين حال وحال، فمن مسائل الجهل
стр. 137
ما يعذر به فاعله، سواء في الأمور الاعتقادية، أو في الأمور العملية. فلو قدرنا أن إنساناً نشأ في بادية بعيدة، وظل شطراً من عمره لا يغتسل من الجنابة؛ لعدم وجود من يعلمه، ويفتيه، فلا نأمره بإعادة كل ما مضى، ونلتمس له العذر بالجهل. ولو وقع مثل ذلك من إنسان يعيش في المدن، وبين ظهراني العلماء، ثم لم يسأل، ولم يستفت، فإنه لا يعذر بذلك، فمرجع ذلك إلى تقدير المفتي الواقف على حاله. فلا بد من قيام الحجة الرسالية، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقال: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. فمن استحكمت أسباب الجهل في قومه، ونشأ بين ظهرانيهم لا يحسن غير هذا،، فإنه يكون معذوراً. وهذا إذا كان الأصل فيه الإسلام، وأما إن لم يكن مسلمًا، فإن الله يختبره يوم القيامة، بما يتبين به إيمانه أو كفره.
الرابعة: أنها لا تنفع في العاجلة؛ بل تضر؛ لقوله: "لا تزيدك إلا وهناً".
فماذا يرجو المتعلق بمثل هذه الأوهام، إذا كانت لا تنفعه ولا تضره؟! وقد حرم الله الخمر والميسر، مع أن فيهما نفعاً، لغلبة إثمهما على نفعهما، فكيف بما لا منفعة فيه أصلاً؟!
الخامسة: الإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك.
كما فعل النبي ﷺ ، فدل على أن من فعل ذلك فإنه يغلظ عليه في الإنكار؛ وذلك -والله أعلم- في الأمور المشتهرة البينة التي توافرت الدواعي على العلم بها؛ ولهذا قال النبي ﷺ لمن نشد ضالته في المسجد: "لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" (١)، وهذا تغليظ عليه؛ لأنه خالف أمراً معلوماً مشتهراً، وهو أن المساجد ما بُنيت لهذا، وإنما بُنيت للصلاة وذكر الله.
стр. 138
السادسة: التصريح بأن من تعلّق شيئاً وُكِل إليه.
لقول النبي ﷺ : "فمن تعلق شيء وُكِل إليه" فمن تعلق بالله ، فالله وكيله، فليبشر بالفرج، ومن تعلق بغير الله فإنه يُوكل إلى مضيعة.
السابعة: التصريح بأن من تعلق تميمة فقد أشرك.
كما جاء في الرواية الأخرى، عند الإمام أحمد.
الثامنة: أن تعليق الخيط من الحُمَّى من ذلك.
كما في أثر حذيفة، وإن كان ضعيفًا، فالخيط كالحلقة من باب واحد، والناس يتفننون في إحداث بعض الأدوات التي يزعمون أن لها تأثيراً.
التاسعة: تلاوة حذيفة الآية، دليل على أن الصحابة يستدلون بالآيات التي في الشرك الأكبر على الأصغر، كما ذكر ابن عباس في آية البقرة.
مراده باستدلال ابن عباس بقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
العاشرة: أن تعليق الوَدَع عن العين من ذلك.
تعليق الودع والتمائم، كلبس الحلقة والخيط، فالعلة واحدة، وإن تنوعت الصور، لأنهم يتوهمون أن ذلك يدفع العين، وليس هناك مناسبة ظاهرة متعقلة بين الأمرين لاعتباره سبباً.
الحادية عشرة: الدعاء على من تعلق تميمة: أن الله لا يُتِمُّ له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له؛ أي: ترك الله له.
من من وقع منه ذلك فإنه يستحق أن يُدعى عليه، ألا يتم الله له، أو بألا يتركه الله في دعة.
стр. 139
باب ما جاء في الرقى والتمائم
في الصحيح: عن أبي بشير الأنصاري ﵁ أنه كان مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قُطِعَتْ" (١).
وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتِوَلَة شرك" (٢)، رواه أحمد، وأبو داود.
(التمائم): شيء يعلق على الأولاد، يتقون به العين، لكن إذا كان المعلّق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود ﵁ (٣). و (الرقى): هي التي تُسمى العزائم، وخص منها الدليل: ما خلا من الشرك، رخص فيه رسول الله ﷺ من العين والحُمَة.
و (التولة): هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته.
وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: "من تعلّق شيئاً وُكِل إليه" (٤)، رواه أحمد، والترمذي.
стр. 140
وروى أحمد: عن رويفع قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمداً بريء منه" (١).
وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كَعِدْل رقبة" (٢)، رواه وكيع.
وله عن إبراهيم قال: كانوا (٣) يكرهون التمائم كلها، من القرآن، وغير القرآن (٤).
الشرح:
قوله: "ما جاء" أي من النصوص، ولم يقطع بحكم، لوجود تفصيل.
قوله: "الرقى": جمع رقية، وهي العوذ التي تتخذ للاستشفاء من العين والأمراض.
قوله: "التمائم": جمع تميمة، وهي ما يعلق في أعناق الصبيان، لدفع البلاء أو رفعه.
والرقى تنقسم إلى قسمين: مشروع، وممنوع:
فالرقية المشروعة: ما كانت بكلام الله، أو بدعائه، وتحصل بالنفث مباشرة، أو بجمع الكفين والنفث فيهما، والمسح على النفس، أو على الغير، وسوَّغ بعض أهل العلم النفث في الماء فيشرب. والرقية الشرعية لا بد أن تجمع ثلاثة شروط:
١ - أن تكون باسم من أسماء الله تعالى، أو بصفة من صفاته.
стр. 141
٢ - أن تكون بلسان عربي، فلا تكون بلغة أعجمية.
٣ - وأن تخلو من الشرك، ولا يعتقد أنها تؤثر بذاتها.
والرقية الممنوعة: التي تكون قائمة على الشرك، والاستغاثة بغير الله ، وسؤال غيره. والتمائم فإنها تنقسم إلى قسمين:
١ - تمائم من القرآن.
٢ - وتمائم بغير القرآن.
فالتمائم بغير القرآن: ممنوعة مطلقاً، كتعلق الخرزات، والعظام، والودع، والأوتار، وغير ذلك. والتمائم التي تكون بالقرآن: اختلف فيها الصحابة -رضوان الله عليهم-:
- فذهب بعض الصحابة إلى جواز تعليق التمائم من القرآن في أعناق الصبيان، وإلى ذلك ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة ﵂، وغيرهما (١).
- وذهب آخرون؛ منهم: عبد الله بن مسعود، وابن عباس ﵃ أجمعين- (٢) إلى منع التمائم مطلقاً، من القرآن ومن غيره، كما سيأتي تفصيله -إن شاء الله-. وهذا القول؛ أي المنع مطلقاً، ولو من القرآن، هو القول الراجح لأسباب:
الأول: لعموم النهي عن التمائم.
الثاني: لسد الذريعة، فإن من الناس من قد يصنع التمائم يزعم أنها من القرآن، فيتبيّن أنها من غيره، فسد الباب من أوله أحوط.
الثالث: لأنها قد تمتهن، ولا سيما إذا كانت معلقة في أعناق الصبيان.
стр. 142
ومن المعلوم أن الصبي ربما سال لعابه عليها، وربما دخل بها الأماكن المستقذرة، وربما اضطجع عليها، فكان في ذلك امتهان للقرآن. ولا ريب أن بيوت المسلمين فيها مصاحف، فلا حاجة لتعليق المكتوب من القرآن على الرقبة، أو وضعه تحت الوسادة، والمصحف موجود في المنزل، فلا وجه لهذا التعليق.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ختم المصنف، ﵀، "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، بقوله: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب)، فعقد هذا الباب لبيان الحكم المتعلق بالرقى والتمائم، وأن منها ما يكون مشروعاً، ومنها ما يكون ممنوعاً.
قوله: "في الصحيح" أي: في الصحيحين، وتعبير المصنف ﵀ بقوله: "في الصحيح" غير منضبط، كما أسلفنا، فتارة يريد به المتفق عليه، وتارة يريد به ما في صحيح البخاري، وتارة يريد به ما في صحيح مسلم، وكأنه لحظ ﵀ أن يكون الحديث صحيحاً بصرف النظر عن اتفاق الشيخين عليه أم لا.
قوله: "عن أبي بشير الأنصاري" صحابي شهد غزوة الخندق، وكانت وفاته بعد الستين.
قوله: "أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره" لم يُبيِّن ذلك السفر، وعدم بيانه لا يضر. قوله: "فأرسل رسولاً" جاء مبهماً، ولم يُبيِّن ذلك الرسول. وقد جاء مصرحاً به في حديث آخر: أنه زيد بن حارثة، ﵁، حِبُّ رسول الله ﷺ (١).
قوله: "ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قُطعت" هذا أمر بقطع القلائد التي تقلد في أعناق ورقاب الإبل وغيرها من الدواب. فقد كان أهل الجاهلية إذا بليت أوتارهم وهي السيور التي تشدُّ في القسي، ويرمون بها النبال، وتكون من الجلود، وأرادوا أن يستبدلوها بغيرها، نزعوها، ثم عقدوها على رقبة البعير، زعماً منهم أن ذلك يدفع العين، كأن العين تنكسر إذا رأت هذا الشيء البالي، هكذا خُيِّل لهم! فصاروا يقلدون الإبل بهذه الأوتار البالية. فأرسل
стр. 143
رسول الله ﷺ زيد بن حارثة؛ لينادي فيهم بهذا الحكم: "ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر" قوله: "أو قلادة" (أو) هنا شك من الراوي، هل قال: قلادة من وتر، مقيدة، أو قال: قلادة، مطلقة؟ وقال بعض أهل اللغة: إن القلادة، أصلاً، لا تكون إلا من الوتر. والصواب أن هذا الوصف طردي، لا مفهوم له، فالقلادة محرمة، مأمور بقطعها، سواء كانت من حبال، أو من جلود، أو غير ذلك، فالحكم واحد، لأن العلة واحدة، هي اعتقاد أن تلك القلادة تمنع العين، فلما كان ذلك الاعتقاد فاسداً، ليس مبنياً على سبب شرعي، ولا حسي، أبطله الشارع.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأن النبي ﷺ نهى عن تقليد الإبل، ونحوها بهذه الأوتار، لكون ذلك من موارد الشرك.
فوائد الحديث:
١ - تحريم تعليق الأوتار لدفع الآفات، وأن حكمها حكم تعليق التمائم، لكن لو علق قلادة على دابة ليجذب الدابة، ويقودها، فلا محذور من ذلك؛ لأن السبب هنا ظاهر.
٢ - وجوب إزالة المنكر.
٣ - أن من كانت له ولاية عامة على الناس، فعليه أن يتعاهدهم بالتعليم، ولا سيما ما يتعلق بأمر العقيدة؛ لأنه لو خلي الناس وحالهم، لربما دب فيهم من البدع العقدية، والعملية ما يصعب كشفه، وهذا يحصل بانتداب جماعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذه الشعيرة من أعظم الأمور التي يحصل بها التنبه المبكر لظهور البدع، ودفعها قبل أن تستفحل.
٤ - حرص الرواة على ضبط الرواية، فإنه لما شك الراوي قال: "قلادة من وتر، أو قلادة".
стр. 144
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، رواه أحمد، وأبو داود" وذكر المصنف معنى هذه الكلمات:
فقوله: "التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين" كأن يعلق في رقبة الطفل شيئاً من خرزات، أو مكتوبات داخل جلد، أو غير ذلك، يظن أنه يقيه من العين.
قوله: "لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف" مراده بالسلف ها هنا الصحابة، وممن رخص فيه -كما تقدم- عبد الله بن عمرو، وعائشة ﵃.
قوله: "وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه" منهم ابن مسعود، وأصحابه من فقهاء الكوفة، وابن عباس، وقد بيّنا رجحان المنع من ثلاثة أوجه.
قوله: "والرقى: هي التي تُسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" العزائم: جمع عزيمة، وهي آيات من القرآن، تُقرأ وينفث فيها على المصاب بالعين، أو بمرض من الأمراض، أو ينفث في ماء، ثم يُسقى إياه. وقد جاء في الحديث: أنّ النبي ﷺ أخذ من تراب بطحان، وهو وادٍ في المدينة، فجعله في قدح، ونفث فيه، ثم صب على المريض (١). وهذا يدل على أن الاستشفاء بالقرآن له صور متعددة، منها:
١ - القراءة مع النفث المباشر على المريض.
٢ - القراءة من غير نفث.
٣ - الرش بالماء المقروء فيه، وهذا فيه مناسبة ظاهرة.
٤ - شرب الماء المقروء فيه، ككتابة آيات على ورق بالزعفران، ثم غمسها في إناء ثم شربها، فهذا له وجه أيضًا، لكون المشروب يخالط البدن، كالنفث بالريق، ثم مسحه على البدن، ومباشرة الرقية للمرقي. وأما ما يفعله بعض الناس
стр. 145
عن طريق الهاتف، أو عن طريق قنوات فضائية، فهذا ليس رقية، وإنما هو سماع للقرآن؛ لأنه لا مباشرة بين الراقي والمرقي، بنفث أو مسح. فالرقية عبادة شرعية توقيفية تؤدى على الصفة الواردة، وما كان في معناها.
قوله: "وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" ودليل التخصيص قول النبي ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حمة" (١)، وقوله ﷺ : "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (٢)، فدل ذلك على صحة بعض أنواع الرقى.
ولحديث ابن مسعود ﵁: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" قصة: وهي أن زوجته زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق، كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطاً، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلتُ: خيط أرقي لي فيه، قالت: فأخذه، فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". قالت: فقلتُ له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقيتِها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ : "أذهب الباس، رب الناس، اشف، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً" (٣).
قوله: "والتولة هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" ويسمى أحياناً: الصرف والعطف: فالعطف: شيء يصنعونه يعطف المرأة على زوجها، أو يعطف الزوج على زوجته، فينجذب إليها، أو تنجذب إليه انجذباً غير طبيعي. والصرف: شيء يصنعونه ينفر المرأة من زوجها، أو ينفر الزوج من زوجته، نفرة غير طبيعية. وكلا الأمرين واقع، ويجد منه المبتلى أذى كثيرًا، وهو نوع من أنواع السحر.