٢ - أن تكون بلسان عربي، فلا تكون بلغة أعجمية.
٣ - وأن تخلو من الشرك، ولا يعتقد أنها تؤثر بذاتها.
والرقية الممنوعة: التي تكون قائمة على الشرك، والاستغاثة بغير الله ، وسؤال غيره. والتمائم فإنها تنقسم إلى قسمين:
١ - تمائم من القرآن.
٢ - وتمائم بغير القرآن.
فالتمائم بغير القرآن: ممنوعة مطلقاً، كتعلق الخرزات، والعظام، والودع، والأوتار، وغير ذلك. والتمائم التي تكون بالقرآن: اختلف فيها الصحابة -رضوان الله عليهم-:
- فذهب بعض الصحابة إلى جواز تعليق التمائم من القرآن في أعناق الصبيان، وإلى ذلك ذهب عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة ﵂، وغيرهما (١).
- وذهب آخرون؛ منهم: عبد الله بن مسعود، وابن عباس ﵃ أجمعين- (٢) إلى منع التمائم مطلقاً، من القرآن ومن غيره، كما سيأتي تفصيله -إن شاء الله-. وهذا القول؛ أي المنع مطلقاً، ولو من القرآن، هو القول الراجح لأسباب:
الأول: لعموم النهي عن التمائم.
الثاني: لسد الذريعة، فإن من الناس من قد يصنع التمائم يزعم أنها من القرآن، فيتبيّن أنها من غيره، فسد الباب من أوله أحوط.
الثالث: لأنها قد تمتهن، ولا سيما إذا كانت معلقة في أعناق الصبيان.
стр. 142
ومن المعلوم أن الصبي ربما سال لعابه عليها، وربما دخل بها الأماكن المستقذرة، وربما اضطجع عليها، فكان في ذلك امتهان للقرآن. ولا ريب أن بيوت المسلمين فيها مصاحف، فلا حاجة لتعليق المكتوب من القرآن على الرقبة، أو وضعه تحت الوسادة، والمصحف موجود في المنزل، فلا وجه لهذا التعليق.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
ختم المصنف، ﵀، "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، بقوله: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب)، فعقد هذا الباب لبيان الحكم المتعلق بالرقى والتمائم، وأن منها ما يكون مشروعاً، ومنها ما يكون ممنوعاً.
قوله: "في الصحيح" أي: في الصحيحين، وتعبير المصنف ﵀ بقوله: "في الصحيح" غير منضبط، كما أسلفنا، فتارة يريد به المتفق عليه، وتارة يريد به ما في صحيح البخاري، وتارة يريد به ما في صحيح مسلم، وكأنه لحظ ﵀ أن يكون الحديث صحيحاً بصرف النظر عن اتفاق الشيخين عليه أم لا.
قوله: "عن أبي بشير الأنصاري" صحابي شهد غزوة الخندق، وكانت وفاته بعد الستين.
قوله: "أنه كان مع النبي ﷺ في بعض أسفاره" لم يُبيِّن ذلك السفر، وعدم بيانه لا يضر. قوله: "فأرسل رسولاً" جاء مبهماً، ولم يُبيِّن ذلك الرسول. وقد جاء مصرحاً به في حديث آخر: أنه زيد بن حارثة، ﵁، حِبُّ رسول الله ﷺ (١).
قوله: "ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر، أو قلادة إلا قُطعت" هذا أمر بقطع القلائد التي تقلد في أعناق ورقاب الإبل وغيرها من الدواب. فقد كان أهل الجاهلية إذا بليت أوتارهم وهي السيور التي تشدُّ في القسي، ويرمون بها النبال، وتكون من الجلود، وأرادوا أن يستبدلوها بغيرها، نزعوها، ثم عقدوها على رقبة البعير، زعماً منهم أن ذلك يدفع العين، كأن العين تنكسر إذا رأت هذا الشيء البالي، هكذا خُيِّل لهم! فصاروا يقلدون الإبل بهذه الأوتار البالية. فأرسل
стр. 143
رسول الله ﷺ زيد بن حارثة؛ لينادي فيهم بهذا الحكم: "ألا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر" قوله: "أو قلادة" (أو) هنا شك من الراوي، هل قال: قلادة من وتر، مقيدة، أو قال: قلادة، مطلقة؟ وقال بعض أهل اللغة: إن القلادة، أصلاً، لا تكون إلا من الوتر. والصواب أن هذا الوصف طردي، لا مفهوم له، فالقلادة محرمة، مأمور بقطعها، سواء كانت من حبال، أو من جلود، أو غير ذلك، فالحكم واحد، لأن العلة واحدة، هي اعتقاد أن تلك القلادة تمنع العين، فلما كان ذلك الاعتقاد فاسداً، ليس مبنياً على سبب شرعي، ولا حسي، أبطله الشارع.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأن النبي ﷺ نهى عن تقليد الإبل، ونحوها بهذه الأوتار، لكون ذلك من موارد الشرك.
فوائد الحديث:
١ - تحريم تعليق الأوتار لدفع الآفات، وأن حكمها حكم تعليق التمائم، لكن لو علق قلادة على دابة ليجذب الدابة، ويقودها، فلا محذور من ذلك؛ لأن السبب هنا ظاهر.
٢ - وجوب إزالة المنكر.
٣ - أن من كانت له ولاية عامة على الناس، فعليه أن يتعاهدهم بالتعليم، ولا سيما ما يتعلق بأمر العقيدة؛ لأنه لو خلي الناس وحالهم، لربما دب فيهم من البدع العقدية، والعملية ما يصعب كشفه، وهذا يحصل بانتداب جماعة للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذه الشعيرة من أعظم الأمور التي يحصل بها التنبه المبكر لظهور البدع، ودفعها قبل أن تستفحل.
٤ - حرص الرواة على ضبط الرواية، فإنه لما شك الراوي قال: "قلادة من وتر، أو قلادة".
стр. 144
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن ابن مسعود ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، رواه أحمد، وأبو داود" وذكر المصنف معنى هذه الكلمات:
فقوله: "التمائم: شيء يعلق على الأولاد من العين" كأن يعلق في رقبة الطفل شيئاً من خرزات، أو مكتوبات داخل جلد، أو غير ذلك، يظن أنه يقيه من العين.
قوله: "لكن إذا كان المعلق من القرآن، فرخص فيه بعض السلف" مراده بالسلف ها هنا الصحابة، وممن رخص فيه -كما تقدم- عبد الله بن عمرو، وعائشة ﵃.
قوله: "وبعضهم لم يرخص فيه، ويجعله من المنهي عنه" منهم ابن مسعود، وأصحابه من فقهاء الكوفة، وابن عباس، وقد بيّنا رجحان المنع من ثلاثة أوجه.
قوله: "والرقى: هي التي تُسمى العزائم، وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" العزائم: جمع عزيمة، وهي آيات من القرآن، تُقرأ وينفث فيها على المصاب بالعين، أو بمرض من الأمراض، أو ينفث في ماء، ثم يُسقى إياه. وقد جاء في الحديث: أنّ النبي ﷺ أخذ من تراب بطحان، وهو وادٍ في المدينة، فجعله في قدح، ونفث فيه، ثم صب على المريض (١). وهذا يدل على أن الاستشفاء بالقرآن له صور متعددة، منها:
١ - القراءة مع النفث المباشر على المريض.
٢ - القراءة من غير نفث.
٣ - الرش بالماء المقروء فيه، وهذا فيه مناسبة ظاهرة.
٤ - شرب الماء المقروء فيه، ككتابة آيات على ورق بالزعفران، ثم غمسها في إناء ثم شربها، فهذا له وجه أيضًا، لكون المشروب يخالط البدن، كالنفث بالريق، ثم مسحه على البدن، ومباشرة الرقية للمرقي. وأما ما يفعله بعض الناس
стр. 145
عن طريق الهاتف، أو عن طريق قنوات فضائية، فهذا ليس رقية، وإنما هو سماع للقرآن؛ لأنه لا مباشرة بين الراقي والمرقي، بنفث أو مسح. فالرقية عبادة شرعية توقيفية تؤدى على الصفة الواردة، وما كان في معناها.
قوله: "وخص منه الدليل ما خلا من الشرك" ودليل التخصيص قول النبي ﷺ : "لا رقية إلا من عين أو حمة" (١)، وقوله ﷺ : "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك" (٢)، فدل ذلك على صحة بعض أنواع الرقى.
ولحديث ابن مسعود ﵁: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك" قصة: وهي أن زوجته زينب قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق، كراهية أن يهجم منا على شيء يكرهه، قالت: وإنه جاء ذات يوم فتنحنح، قالت: وعندي عجوز ترقيني من الحمرة، فأدخلتها تحت السرير، فدخل فجلس إلى جنبي، فرأى في عنقي خيطاً، قال: ما هذا الخيط؟ قالت: قلتُ: خيط أرقي لي فيه، قالت: فأخذه، فقطعه، ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك". قالت: فقلتُ له: لم تقول هذا، وقد كانت عيني تقذف، فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، وكان إذا رقاها سكنت؟ قال: إنما ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده، فإذا رقيتِها كفَّ عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال رسول الله ﷺ : "أذهب الباس، رب الناس، اشف، أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً" (٣).
قوله: "والتولة هي شيء يصنعونه، يزعمون أنه يحبب المرأة إلى زوجها، والرجل إلى امرأته" ويسمى أحياناً: الصرف والعطف: فالعطف: شيء يصنعونه يعطف المرأة على زوجها، أو يعطف الزوج على زوجته، فينجذب إليها، أو تنجذب إليه انجذباً غير طبيعي. والصرف: شيء يصنعونه ينفر المرأة من زوجها، أو ينفر الزوج من زوجته، نفرة غير طبيعية. وكلا الأمرين واقع، ويجد منه المبتلى أذى كثيرًا، وهو نوع من أنواع السحر.
стр. 146
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، وذلك لذكر الرقى والتمائم فيه، ودلالته على أن استعمال هذه الأشياء منافٍ للتوحيد.
فوائد الحديث:
١ - الحرص على أمر التوحيد.
٢ - سد جميع الطرق التي تفضي إلى الشرك.
٣ - أن الرقى والتمائم والتولة شرك.
قال المصنف ﵀:
"وعن عبد الله بن عكيم مرفوعاً: "من تعلق شيئاً وُكِلَ إليه": (شيئاً): نكرة جاءت في سياق الشرط فدلت على العموم، أي: من تعلق شيئاً من الأشياء، سواء كان خيطاً، أو ودعاً، أو إنساً، أو جناً، لجلب نفع، أو دفع ضر، وُكِلَ إليه، ومن تعلق قلبه بالله وُكِل إلى الله، وهو نعم المولى، ونعم الوكيل.
قوله: "رواه أحمد والترمذي" وقد ضعّف بعض أهل العلم هذا الحديث لعلتين:
الأولى: في إسناده محمد بن أبي ليلى، وهو سيئ الحفظ.
الثانية: عدم سماع عبد الله بن عكيم من النبي ﷺ . وهو أبو معبد الجهني، أدرك زمن النبي ﷺ لكن لم يثبت له سماع منه ﷺ . ولكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن، وممن حسّنه من المتقدمين: السيوطي (١)، ومن المتأخرين الألباني (٢).
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن فيه النهي عن التعلق بغير الله؛ فيشمل ما نص عليه المصنف من الرقى والتمائم.
стр. 147
فوائد الحديث فوائد:
١ - النهي عن التعلق بغير الله.
٢ - وجوب التعلق بالله.
٣ - شؤم الشرك، وسوء عاقبته؛ لقوله: "وُكِلَ إليه" ومن وكل إلى غير الله فقد وكل إلى مضيعة؛ ولهذا يدعو العبد ربه: ألا يكله إلى نفسه، ولا إلى أحد من خلقه، فيهلك، بل يكله إليه وحده.
٤ - أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لما تعلق بغيره وَكَله إليه، جزاءً وفاقًا.
ثم قال المصنف ﵀:
"وروى الإمام أحمد عن رويفع": وهو رويفع بن ثابت بن السكن، فخذ من الأنصار، من بني النجار، كان من المجاهدين في سبيل الله في بلاد المغرب، وقد ولي ولاية برقة وطرابلس، وكان له فتوح في إفريقية، وتوفي ﵀ سنة (٥٦ هـ).
قوله: "قال لي رسول الله ﷺ : "يا رويفع، لعل الحياة ستطول بك" (لعل) للترجي، والترجي من النبي ﷺ يشعر بالوقوع، فقد مد الله في عمره إلى سنة (٥٦ هـ). فهذا علم من أعلام النبوة؛ لأن النبي ﷺ أخبره بأن الحياة ستطول به، فوقع كما أخبر.
قوله: "فأخبر الناس أن من عقد لحيته، أو تقلد وتراً، أو استنجى برجيع دابة، أو عظم، فإن محمداً بريء منه" والحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود، كما تقدم، والطبراني (١)، وهو حديث صحيح. وقد تضمن وعيدًا شديدًا، وهو تبرؤ النبي ﷺ من فاعل هذه الخصال الثلاث، وهي:
الأولى: عقد اللحية؛ لقوله: "من عقد لحيته" حيث كانوا في الجاهلية يعقدون لحاهم، ويجعلونها ضفائر مجدولة، واختُلف في علة النهي عن عقد اللحية:
- فقيل: إن العلة في ذلك التشبه بالأعاجم، ولا يصح أن نشابه الكفرة في عاداتهم.
стр. 148
- وقيل: إن عقد اللحية يراد به تجعيدها، وهذا نوع من التأنث والتخنث، لا يليق بالرجال.
- وقيل: إن ذلك من أفعال المتكبرين.
- وقيل: إن هذا نهي عن عقد اللحية في الصلاة خاصة؛ فقد ورد في الأحاديث النهي عن كفت الشعر، والثوب، فكذلك عقد اللحية، ولكن لفظ الحديث أعم، فإنه قال: "من عقد لحيته"، ولم يقيد ذلك بالصلاة.
فهذه تعليلات عدة، مفادها جميعاً: أنه لا يجوز عقد اللحى، فمن كانت له لحية مسترسلة طويلة، فليس له أن يعقدها بأي شكل من الأشكال؛ لبراءة النبي ﷺ من فاعل ذلك، لكن لا بأس أن يمشطها، وينظفها، كما هو معلوم في كتاب الطهارة.
الثانية: تقلد الأوتار؛ لقوله: "أو تقلد وتراً" وهذا هو موضع الشاهد، وسبب إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب، والمراد بتقلد الوتر أي: جعله قلادة في العنق، سواء كان في عنق الشخص، أو في عنق الدابة، أو في عنق الصبي، وقاية من العين، فمن فعل ذلك، فإن النبي ﷺ بريء منه.
الثالثة: الاستنجاء برجيع دابة، أو عظم؛ لقوله: "أو استنجى برجيع دابة أو عظم" الاستنجاء: مأخوذ من النجو، وهي الحجارة، لجواز استعمالها في إزالة الخبث. قال ابن الأثير: الرجيع: العذرة والروث، سمي رجيعًا لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعامًا أو علفًا) (١). وهذا النهي من النبي ﷺ قد ورد في أحاديث أخر. فلا يجوز الاستنجاء بالروث والعظم:
- أما الروث: فلقذارته؛ ولأنه ربما زاد في تلويث البدن.
- وأما العظم: فلأنه طعام إخواننا من الجن؛ كما قال النبي ﷺ حين سألوه الزاد: "لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً، وكل بعرة علف لدوابكم"، ثم قال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما، فإنهما طعام إخوانكم" (٢)، فمن استنجى بالعظم، فقد أفسده على إخوانه الجن، ومن
стр. 149
استنجى بالروث فقد أفسده على دوابهم. فلذلك لا يجوز الاستنجاء بالرجيع، ولا بالعظم.
قوله: "فإن محمداً" يعني نفسه ﷺ "بريء منه" هذا من صيغ الوعيد، وقد قال بعض الشراح: إن معنى قوله: "بريء منه" أي: بريء من فعله، وهذا نوع تأويل، بل النبي ﷺ بريء من الفعل والفاعل معاً، وهذه البراءة لا تستلزم إخراجه عن الملة، وإنما هو من ألفاظ الوعيد.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لقوله: "أو تقلد وتراً"، وبراءته ﷺ من فاعله.
فوائد الحديث:
١ - علم من أعلام النبوة، بإخباره ﷺ رويفعاً بأن حياته ستطول، وقد كان ذلك.
٢ - وجوب نشر العلم والدعوة إلى الله ، وتعليم الناس؛ لقوله: "فأخبر الناس" فهذه هي وظيفة الأنبياء والمرسلين، فعلى كل مؤمن أصاب طرفاً من علم، أن يسعى في نشره، وألا يحرم نفسه وإخوانه الخير.
٣ - إكرام اللحية؛ لأن عقدها إهانة لها، والمشروع في اللحية توفيرها وإكرامها، وعدم الأخذ منها، لا بحلق، ولا بقص، ولا بنتف، فقد كان لرسول الله ﷺ لحية عظيمة، تملأ ما بين منكبيه. وقد كان السلف ﵏ يحرصون على أن توفير لحاهم. ويذكر أن عبد الله بن الزبير ﵀ لم يكن تنبت له لحية، فقال: "عالجتُ لحيتي لتتصل، إلى أن بلغت ستين سنة، فلما أكملتها يئست منها" (١).
٤ - تحريم تقلد الأوتار، وأن ذلك من الشرك.
٥ - تحريم الاستنجاء بالروث والعظم.
٦ - أن هذه الخصال الثلاثة المذكورة من الكبائر؛ ويستفاد ذلك من لفظ (التبري) لأنه قد قيل في تعريف الكبيرة: "ما ترتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد
стр. 150
في الآخرة، أو قرن به لعن، أو غضب، أو براءة (١)، وأما الصغيرة فتعريفها: ما لم يبلغ حد الكبيرة.
ثم قال المصنف ﵀:
"وعن سعيد بن جبير قال: "من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة" رواه وكيع": هو وكيع بن الجراح، إمام، عالم، مشهور، ورع، ثبت، ثقة، له كتاب في الزهد، وكانت وفاته سنة (١٩٧ هـ) وهو الذي جاء ذكره في بيت الشافعي المشهور:
شَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي … فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصِي
وَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ … وَنُورُ اللهِ لَا يُهْدَى لِعَاصِي (٢).
ومعنى: "كعدل رقبة" أي: أن له ثواباً كثواب من أعتق رقبة؛ لأنه أعتقه من الشرك، وإعتاقه من الشرك أعظم من إعتاقه من الرق؛ لأن الرق إعتاق له من ملك إنسان، لكن الشرك إعتاق له من عبادة غير الله، وإعتاق له من النار.
قوله: "وله عن إبراهيم" هو إبراهيم النخعي، أحد أصحاب ابن مسعود، من كبار الفقهاء قوله: "كانوا" أي: أصحاب عبد الله بن مسعود، فقهاء الكوفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود؛ كعلقمة، والأسود، وعبيدة السلمانى، والحارث التيمي، وشريح القاضي، ثم مثل إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأمثالهم من أوثق الناس وأحفظهم" (٣).
قوله: "يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" هذا يؤيد القول الذي أشرنا إليه ورجحناه، وهو أن التمائم من القرآن، وغير القرآن ممنوعة، وهو قول ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، ومن تبعهم.
стр. 151
مناسبة الأثرين للباب:
ظاهرة، لأن فيها المنع من تعليق التمائم مطلقاً.
فوائد الأثرين:
١ - فضل قطع التمائم، فينبغي لمن رأى في عنق أحد تميمة أن يبادر إلى قطعها، إلا أن يخشى مفسدة أكبر، وهذا يختلف باختلاف البيئات، فإن من البيئات ما يفشو فيها هذا الشيء، حتى لو أنكر الإنسان ذلك لربما وقع له أذى عظيم، لكن إن لم يتمكن من إنكارها بيده فلينكر بلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه.
٢ - تحريم التمائم مطلقاً.
٣ - حرص السلف على صون جناب العقيدة في الأمور العلمية والعملية.
ثم قال المصنف ﵀:
وفيه مسائل:
الأولى: تفسير الرقى والتمائم.
وقد تقدم بيانها من كلام المصنف.
الثانية: تفسير التولة.
وقد تقدم بيانها أيضًا من كلام المصنف.
الثالثة: أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء.
الثلاث التي هي: الرقى، والتمائم، والتولة، ومراده بالرقية الرقية الشركية. وإلا فلا يُظن به، ﵀، أنه يمنع من الرقية مطلقًا، وقد ثبت عنه ﵊ إباحتها، ما لم تكن شركا، وأنه رقى، ورُقي. والدليل أنه استثنى الرقية بالكلام الحق، كما في الفائدة التالية، كما حكى الخلاف بين السلف في جواز التمائم التي من القرآن.
стр. 152
الرابعة: أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك.
وقد قال: "إلا ما استثناه الدليل، وهو ما خلا من الشرك" وللأدلة الأخرى، كقول النبي ﷺ : "اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".
الخامسة: أن التميمة إذا كانت من القرآن؛ فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أو لا؟
أي: من الشرك أم لا؟، وقد تقدم الكلام في ذلك.
السادسة: أن تعليق الأوتار على الدواب عن العين من ذلك.
لأنه أثبت سببًا لم يثبته الله تعالى سبباً.
السابعة: الوعيد الشديد على من تعلق وتراً.
وهو براءة النبي ﷺ منه.
الثامنة: فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان.
ثوابه: كأنه أعتق رقبة.
التاسعة: أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف؛ لأن مراده: أصحاب عبد الله بن مسعود.
قول إبراهيم: "كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن" يقصد بذلك أصحاب ابن مسعود، وأما من عداهم فالخلاف بينهم محفوظ، فلا يعد ذلك منافياً لما ذكر من الاختلاف.
стр. 153
باب من تبرك بشجر أو حجر ونحوهما
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [سورة النجم: ١٩ - ٢٣].
الشرح:
قال المصنف ﵀: "باب: من تبرك بشجرة، أو حجر، ونحوهما" أي: باب حكم من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما.
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: ختم المصنف، ﵀، "باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله"، بقوله: (وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب)، وهذا من الأبواب التي تشرحها، وتبين ما يضادها من الأعمال والأقوال.
قوله: "من تبرَّك بشجرة": التبرك: طلب البركة، ورجاؤها، واعتقادها. والبركة: كثرة الخير، فالذي يتبرك بالشيء يطلب ما يترتب عليه من آثار حميدة. والتبرك نوعان مشروع، وممنوع:
فالتبرك المشروع: هو التبرك بكل ما جعله الله تعالى سبباً للبركة، من: الكلام، والمكان، والزمان، والطعام، والشراب، والأشخاص:
- الكلام: فالقرآن العظيم، مبارك، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: ٢٩].
стр. 154
- المكان: فالمسجد الحرام مبارك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٦].
- الزمان: فليلة القدر مباركة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
- الطعام: فالزيتون مبارك، كما قال تعالى: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥].
- الشراب: فالمطر مبارك، كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ [ق: ٩].
- الأشخاص: فعيسى ﵇، مبارك، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١].
وقد تكون البركة في الأمور الشرعية، وقد تكون في الأمور الحسية، فنبينا محمد ﷺ مبارك بركة شرعية، بما جاء به من الهدى ودين الحق، ومبارك بركة حسية بآثاره الشخصية؛ كفضل وضوئه، وشعره، وثيابه، وغير ذلك فقد ثبتت فيه أحاديث متعددة، ووقائع متنوعة. وقد كان أصحاب النبي ﷺ يتنافسون على فضل وضوئه، حتى أنهم يوم صلح الحديبية كان لا يتفل إلا وقعت في يد أحد منهم، فيمسح بها وجهه وجسده (١)، طلباً للبركة؛ وليظهروا لقريش منزلته في قلوبهم، وأنهم لا يسلمونه. وكذلك فعل معه أصحابه في غزوة أحد حينما ازدرد أحدهم الدم الذي امتصه من النبي ﷺ (٢)، ولما رمى الجمرة، ونحر نسكه، وحلق، ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه، ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه، ثم ناوله الشق الأيسر، فقال: "احلق" فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال: "اقسمه بين الناس" (٣)، وكان لأم
стр. 155
سلمة ﵂، جلجل من فضة، تضع فيه شعرات النبي ﷺ ، حتى بعد وفاته، إذا أصيب أحد بداء، كانت تجعل هذه الشعرات المباركة في إناء، وتخضها فتسقى للمريض، أو تنثر عليه، فيشفى -بإذن الله- (١).
وأما غيره من الصالحين: فقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز التبرك بآثارهم الحسية، ولكن هذا خلاف الحق، فإنه لا يُتبرك بأثر حسي من الآثار إلا بآثار النبي ﷺ ، ولم يبق منها شيء اليوم.
والتبرك الممنوع: فهو اعتقاد البركة والتماسها فيما لم يثبته الشارع سببًا لها.
قوله: "بشجرٍ، أو حجرٍ ونحوهما" أما الشجر: كل ما نبت على وجه الأرض. والحجر: هو الجماد الصلب من الأرض، وكلاهما معروف، وأراد بقوله: "ونحوهما" ألا يقصر الحكم على هذين النوعين، فيدخل في ذلك: البقاع، والأبنية، والمشاهد، والقبور، والمزارات، وغير ذلك.
ومن التبركات الباطلة:
- التبرك بذوات الصالحين، أو من يظنونهم صالحين: بالتمسح بهم، ولحس أياديهم، وربما أعجب الحال ذلك المفتون، فقدم لهم يده، ومكَّنهم من فعلهم.
- التبرك ببعض الأحجار، والمسكوكات، والمشغولات: كمن يقف عند الحجرة النبوية -على ساكنها أفضل الصلاة والسلام-، ويمسح بيديه ووجهه على الحاجز المعدني المجعول عليها، وهو حادث مصنوع، لم يكن في عهد النبي ﷺ ، ولم يباشره. أو يعمد إلى بعض أبواب المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، ويتمسح بها، ثم يمسح على بدنه، أو يتخذ منديلًا يمسح به حلق الأبواب، والعتب والدرج، في المسجدين، ويحملها معه إلى بلده، يتبركون بها.
- التبرك بالحجر الأسود: ولا شك أن الحجر الأسود يسن استلامه، وتقبيله، والإشارة إليه، لكنه لا يتبرك بالتمسح به، وإنما هو كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما قَبّل الحجر: "أما إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر،
стр. 156
ولولا أني رأيتُ رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك" (١)، فالسنة: أن نمسح الحجر، ونقبله، ونستلمه، وليس من السنة أن نمسح وجوهنا وأبداننا.
وقد ذكر أبو شامة ﵀ في كتابه "البدع والحوادث"، طرفاً مما وقع فيه الناس في زمانه، في بلاد الشام، وغيرها، فقال: "وبهذه الطرق وأمثالها، كان مبادئ ظهور الكفر من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم أيضاً ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان، والعمد، وسرح مواضع مخصومة في كل بلد، يحكى لهم حاكٍ أنه رأى في منامه بها أحداً ممن اشتهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر، وحائط وحجر" (٢).
كل هذا مما أدخله الشيطان على المسلمين، فصار هناك مشاهد، ومقامات، تقصد، وتشد إليها الرحال، وقد نهى النبي ﷺ أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد.
واستدل المصنف ﵀: بقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى * تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ١٩ - ٢٢].
فقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ استفهام إنكاري، كما يدل عليه السياق. ومعناها: أخبروني، وعبّر بالرؤية، لأن العلم بالشيء لا يكون إلا بعد رؤية، سواء كانت رؤية علمية، أو رؤية بصرية، فالإخبار ثمرة هذه الرؤية. والخطاب لمشركي العرب الذين بعث فيهم النبي ﷺ .
قوله: ﴿اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قرأ الجمهور (اللات) بالتخفيف، وأما ابن
стр. 157
عباس ومجاهد وجمع، فقرؤها بالتشديد (اللّات) (١)، ف (اللات) بالتخفيف صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت، كانت في الطائف، وكانت تعبدها ثقيف وتعظمها، وتفتخر بها على قبائل العرب، فلما فتح الله تعالى على نبيه ﷺ الطائف، بعث بالمغيرة بن شعبة الثقفي، فأحرقها، وهدمها، ومحا أثرها (٢). وأما (اللّات) بالتشديد، فرجل صالح، كان يلتُّ السويق، أي: يخلط الدقيق بالسمن، ويبذله للحجاج، أو للناس، فلما مات ذلك الرجل، عكفوا على قبره وعبدوه. قال بعض أهل العلم: لا منافاة بين المعنيين، فلعله كان يلت ذلك السويق، وينشره على تلك الصخرة البيضاء الملساء، فيطعم الناس، فلما مات عبدوا تلك الصخرة، التي كان يلتُّ عليها.
وأما العزى: فإنها عبارة عن ثلاث سمرات، عليها أستار، وكانت في وادي نخلة بين مكة والطائف، وكانت لقريش، وكانت تعظمها، حتى أن أبا سفيان يوم أحد قال: "لنا العزى، ولا عزى لكم" يفتخر بذلك، فقال النبي ﷺ : "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله مولانا، ولا مولى لكم" (٣)، فشتان بين الفريقين، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقد بعث إليها النبي ﷺ خالد بن الوليد، فأمره بإتلافها، فأقبل عليها خالد بن الوليد، وحرقها، ثم رجع أدراجه، فأخبر النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : "إنك لم تصنع شيئاً" فرجع خالد، فلما رآه السدنة، فروا، وصاروا ينادون: يا عزى! يا عزى!، فإذا امرأة سوداء، ناشرة شعرها، تحثو التراب على رأسها، فحمل عليها بالسيف، فقتلها (٤)؛ ولعلها كانت شيطانةً متلبسة بهذه المرأة الموصوفة.
ف (اللات) تنطبق على الحجر، و (العزى) تنطبق على الشجر، ويقاس عليهما كل شجر وحجر، عُظِّما كذلك التعظيم.
قوله: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (مناة): كانت في مكان يقال له:
стр. 158
المشلل، قريباً من القديد بين مكة والمدينة، وكانت عبارة عن صنم تعبده هذيل وخزاعة، وبعض الأوس والخزرج، وكانوا يهلون للحج منها؛ قيل: إنها سميت مناة؛ لكثرة ما يمنى عندها من الدماء، أي: يراق. ووصفها بالثالثة من باب التحقير، أي: المتأخرة، الوضيعة الرتبة.
والمتأمل يجد أن هذه الألفاظ الثلاثة تأنيث لبعض أسماء الله الحسنى، إذ كان من إلحاد المشركين أن يسموا آلهتهم بأسماء لله مؤنثة:
١ - ف (اللات): مشتقة من الإله.
٢ - و (العزى): مشتقة من العزيز.
٣ - و (مناة) مشتقة من المنان،
وهذه الأصنام الثلاثة أشهر أصنام العرب، التي كانوا يعظمونها، حتى أنهم يقسمون بها، وينذرون لها، وينحرون عندها. ولديهم أصنام أخرى غيرها، كهبل، كما قال أبو سفيان يوم أحد: "اعل هبل" فقال: النبي ﷺ : "أجيبوه" قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا: الله أعلا وأجل" (١)، وكالأصنام التي ذكرها الله تعالى في سورة نوح في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] وهذه كانت لقوم نوح، فطمرتها السيول، فنبشها عمرو بن لحي الخزاعي، وبثها في قبائل العرب، وصار لكل قبيلة في موضعها صنم، فلا يكاد يخلو حي من أحياء العرب إلا وعنده صنم يعبد. بل لقد كان في البيت الحرام ثلاثمائة وستون صنماً! ودخل النبي ﷺ عام الفتح، وصار يطعنها بالرمح، وهي تتهاوى، ويقرأ قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] (٢). بل فعل النبي ﷺ ذلك حتى قبل الهجرة، حين أمكنه، فقد جاء في السيرة أن النبي ﷺ خرج ليلة ومعه علي بن أبي طالب، يستتران بالظلام، حتى رقيا على سطح الكعبة، وكان فوقها صنم من الأصنام، فألقياه، حتى تردى، وخرجا يستتران بالظلام (٣).
стр. 159
قوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ استفهام إنكاري، أي: كيف تجعلون لله ما تكرهون، وتختارون لأنفسكم ما تحبون؟! كانوا في جاهليتهم يكرهون البنات، قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف: ١٥] وقال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩] فيجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين.
قوله: ﴿تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ أي: جائرة، لا عدل فيها ولا إنصاف.
قوله: ﴿إِنْ هِي إِلَا﴾ إذا جاءت (إن) وبعدها (إلا) دلت على الحصر. أي لا تعدو ذلك. قوله: ﴿إِلَا أَسْمَاءٌ﴾ أي: مجرد مسميات لا تغني من الحق شيئًا، ولا حقائق تحتها.
قوله: ﴿سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ منها ما تابعوا فيه آباءهم الضالين، ومنها ما أحدثوه بأنفسهم قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ أي: لا دليل لهم ولا حجة ولا برهان، على اتخاذها. قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ أي: ما يتبعون إلا الظن، وهو التخرص. والظن أكذب الحديث. قوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ الهوى نقيض الهدى. وفي هذا إشارة إلى نوعي الضلال:
- فمن الضلال ما يكون ناشئاً عن شبهة. وهو الظن والرجم بالغيب، والتخمين والخرص.
- ومنه: ما يكون ناشئاً عن شهوة، وحظ نفس، وملاحظة مصلحة دنيوية.
فعلى العبد أن يستعيذ بالله من كلا الضلالتين، من الشبهة المضلة، ومن الشهوة المزلَّة، ليسلم.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ أي: أن الله تعالى أقام عليهم الحجة، وبيّن لهم المحجة، لكنهم تنكبوا الطريق. و (الهدى) هو ما بعث الله تعالى به نبيه ﷺ من الدلائل الباهرات، والآيات البينات.
стр. 160
مناسبة الآيات للباب:
لكونها تضمنت ذكر اللات والعزى ومناة، واللات عبارة عن حجر، والعزى عبارة عن شجر، فطابق ترجمة الباب: "من تبرك بشجر أو حجر" أي: فقد أشرك.
وقد كان في زمن المصنف ﵀ فحل نخل، يقال له: (فحل الفحول)، وكان الناس في نجد يقصدونه، فتأتي المرأة التي لم تتزوج، فتطوف به، وتدعوه قائلةً: يا فحل الفحول، أعطني زوجاً قبل الحول، ويتبركون بذلك الفحل.
فلما مكّن الله تعالى للتوحيد على يدي الإمامين: محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود، قطع ذلك الفحل، وهدمت قبة زيد بن الخطاب، التي كانت قريبة من العيينة؛ في منطقة اليمامة، وقضي على مظاهر الشرك (١).
وقد كان أمير المؤمنين عمر ﵁ شديد التنبه لهذه الأمور، فلما رأى بعض الناس يختلفون إلى شجرة الحديبية، ويصلون عندها، أمر بأن تقطع (٢)؛ لأن تلك الشجرة ليس لها مزية شرعية، ووقوع بيعة الرضوان تحتها موافقة عادية، قال الله : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. لكن ما أسرع ما دبت البدعة إلى النفوس، فزين الشيطان لبعض من كان في زمن عمر التبرك بها، فما بالك بمن بعدهم؟!
فوائد الآيات:
١ - أن التبرك بالأشجار والأحجار من الشرك؛ والمقصود طلب البركة منها، أما التبرك بما يخرج منها كشجرة الزيتون، بالأكل منها، والإدهان بزيتها، فسائغ، قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. وكذلك التمر، فقد قال عنه النبي ﷺ : "نعم سحور المؤمن التمر" (٣)، وقال: "من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم
стр. 161
سم ولا سحر" (١)، فهذا تبرك مشروع؛ لأنه تبرك بسبب حسي.
٢ - مشروعية مجادلة المشركين؛ لقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى﴾ فهذا أسلوب حجاج ومجادلة، فمن العقول ما تحتاج إلى مجادلة وتمحيص. كما دل عليه قول الله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]. فقد دلت على وسائل الدعوة، وأساليب الإقناع، وهي:
الحكمة: وهي الحجة والبرهان، بأن يأتي الإنسان بكلام مستقيم مقنع.
الموعظة الحسنة: وهو أن يستخدم المؤثرات القلبية والوجدانية.
المجادلة بالتي هي أحسن: وذلك إذا لم ينتفع المخاطب بالأسلوبين السابقين، فحينئذٍ ينتقل إلى تدقيق وتحقيق، وتزييف لحجج الخصم؛ ولهذا قال: ﴿وَجَادِلْهُم﴾ والمجادلة: مأخوذة من الجدْل والفتْل، وهو يدل على نوع معاناة، ولكن ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ لأن كثيراً من المتجادلين يحملهم الجدل على نوع من الإساءة والتجريح، وخدش شعور المخاطب، فينبغي ألا يخرج الإنسان في حال الجدال عن حد الأدب، وعفة اللسان، قال تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
٣ - ذم الظن والهوى، قال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ﴾ [النجم: ٢٣] وقال سبحانه: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] وقال النبي ﷺ : "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث" (٢)، فعلى المسلم أن يعتمد على القين، أو على غلبة ظن، أما الظن الذي بمعنى الشك فهذا لا يعول عليه؛ لا في فهم العلم، ولا في معاملة الخلق، فإن كثيراً من الناس يقع في الظلم بسبب سوء الظن؛ يخيل إليه أن فلاناً أمر بكذا، وقصد كذا، فيعامله وفق هذا الذي ألقاه الشيطان في قلبه، ثم يتبيّن له بعد حين أن ذلك من نسج الخيال، وأن
стр. 162
صاحبه بريء. وكذلك الهوى، فالهوى: ميل النفس إلى الباطل، قال الله تعالى لداود: ﴿يَا دَاودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] فالهوى مضل، فليسأل المسلم ربه كلمة الحق في الغضب والرضا.
٤ - أن الله تعالى قد أقام الحجة، وكشف الشبهة، وأتاهم بالبينة، فلا عذر لأحد، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ [النجم: ٢٣].
ثم قال المصنف ﵀:
عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر! إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، [الأعراف: ١٣٨]، لتركبن سنن من كان قبلكم" (١)، رواه الترمذي، وصححه.
الشرح:
قوله: "عن أبي واقد الليثي" هو الحارث بن عوف الليثي، صحابي مشهور، كانت وفاته سنة (٦٨ هـ) وقد بلغ من العمر خمساً وثمانين سنة.
قوله: "خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين" حنين: موضع المعركة التي خلدها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ [التوبة: ٢٥] وقد قعت هذه المعركة بعد فتح مكة، في السنة الثامنة من الهجرة، حيث اجتمعت هوازن وثقيف وحشدت حشداً عظيماً، لمحاربة رسول الله ﷺ ، فخرج إليهم ﷺ
стр. 163
باثني عشر ألفاً: عشرة آلاف قدموا مع النبي ﷺ من المدينة، وما حولها، وألفان من الطلقاء من أهل مكة، حتى قال قائلهم: "لن نغلب اليوم من قلة" فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥] فقد كمنت هوازن لرسول الله ﷺ وأصحابه في وادٍ يقع شرقي مكة، على بعد بضعة عشر ميلاً منها، دون أن يشعر المسلمون، فهجموا عليهم، فانكشف الناس، وثبت رسول الله ﷺ ، وليس معه إلا نفر القليل من المهاجرين والأنصار، فجعل النبي ﷺ ينادي: "أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب" (١)، وقال: "أي عباس، ناد أصحاب السمرة"، فقال عباس: وكان رجلاً صيتاً، فقلتُ بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فو الله، لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها (٢)، حتى فاؤوا إلى رسول الله ﷺ ، ثم كانت الكرة للمسلمين.
قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر" أي: أسلمنا عن قرب، ولم نتفقه بعدُ في الدين، وهذه الجملة جملة اعتذارية، قالها أبو واقد معتذراً عما طلبوه من النبي ﷺ .
قوله: "وللمشركين سدرة يعكفون عندها" السدرة: نوع من الشجر معروف، ومعنى يعكفون: أي يقيمون ويمكثون عندها تعظيماً لها. وهذا هو محل الشاهد من هذا الحديث للباب؛ لأن فيه ذكر السدرة التي يعكفون عندها.
قوله: "وينوطون بها أسلحتهم" أي: يعلقون بها أسلحتهم، تبركًا بها.
قوله: "يقال لها: ذات أنواط" جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط، وهو المعلَّق، من سيف وغيره من الأسلحة، فلكثرة ما يعلق عليها من السلاح قيل لها: ذات أنواط، وهي لا تعدو أن تكون سدرة نبتت على وجه الأرض، أمثالها كثير، لكن أوحى إليهم الشيطان أن في تعليق أسلحتهم عليها بركة، واستفتاح بالنصر.
стр. 164
قوله: "فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط" أي: طلب هؤلاء الحدثاء عهد بكفر، من النبي ﷺ محاكاة المشركين في عباداتهم، وعاداتهم، واعتقاداتهم؛ لأنه لم يتمكن الدين من قلوبهم، أن يضاهوا المشركين بسدرة مماثلة لسدرتهم.
قوله: "فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر" " وفي رواية عند الترمذي: "سبحان الله" (١)، كبر النبي ﷺ أو سبّح تعجباً من تسلل الشرك إلى نفوس بعض أصحابه، لكونهم حدثاء عهد بكفر، قوله: "إنها السنن" السنن: جمع سنة، وهي الطريقة، والعادة المتبعة.
قوله: "قلتم والذي نفسي بيده" هذا قسم النبي ﷺ المؤكد؛ إذ نفسه بيد الله ؛ لكونه هو الذي يحيها ويميتها ويدبرها
قوله: "كما قالت بنو إسرائيل لموسى" إسرائيل هو يعقوب ﵇، و (إيل) عند اليهود بمعنى: الله، كما يقال: عبد الله. فيعقوب ﵇ هو الجد الأعلى لأسباط بني إسرائيل، وكان له اثنا عشر ولدًا، ومنهم تناسل الأسباط. وموسى، ﵇، نبيهم الأكبر. قوله: "اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة" كما أخبر تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨، ١٣٩].
فهذا الطلب من الصحابة يشبه قول بني إسرائيل لموسى، وإن كان هناك فرق بين ما جرى لأصحاب محمد ﷺ ، وما جرى لأصحاب موسى، فما جرى من بعض أصحاب محمد ﷺ من باب الشرك الأصغر، وما طلبه بنو إسرائيل من باب الشرك الأكبر، فدل على جواز الاستدلال بالآيات الدالة على الشرك الأكبر على مسائل الشرك الأصغر، وقد تقدم هذا المعنى.
стр. 165
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة لقوله: "فمررنا بسدرة" فأرادوا التبرك بها، فبيّن لهم النبي ﷺ أن ذلك عين الشرك.
فوائد الحديث:
١ - أن التبرك بالأشجار والأحجار ونحوهما، من الشرك، كما هو نص ترجمة الباب.
٢ - أن حديث العهد بالشرك لا يؤمن عليه أن تبقى عنده بقية من شرك؛ ولهذا ينبغي التنبيه على مسألة مهمة، وهي أن بعض المسلمين، أحياناً، لفرحهم باعتناق بعض المشاهير، من مفكرين، وساسة، وقساوسة، وإعلاميين للإسلام، يُقدِّمونهم، ويُصدِّرونهم، من باب الاحتفاء بهم، حتى يظن العامة أن هؤلاء صاروا أئمة في الدين، فتُجرى معهم المقابلات، ويخوضون في أمور لا يحسنونها، ولمَّ يدخل الإيمان في قلوبهم، بسبب حداثة عهدهم بالكفر، قبل أن يتفقهوا في الدين، وينشأ عن ذلك خلط، ولغط، وخطأ. والواجب أولاً: تعليمه أمور الدين، حتى إذا امتلأ قلبه بالإيمان، وتفقه في الدين، حينئذٍ يمكن أن يتكلم، وأن يُصدَّر؛ ولهذا أمثلة يطول المقام بذكرها، لكن في الإشارة ما يغني عن العبارة.
٣ - أن تعظيم الأشجار والأحجار، والعكوف عندها، سبب لوقوع الشرك؛ فلا يجوز العكوف عند المشاهد؛ وقد قال إبراهيم ﵇ لقومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، حتى عند القيام على القبور، لا ينبغي أن يطيل الإنسان إطالة ملفتة، وأما قول عمرو بن العاص ﵁: "ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأنظر ما ذا أراجع به رسل ربي" (١)، فهذا اجتهاد منه، وليس حديثاً مرفوعاً، فلا يصح المكث الطويل عند القبر، لا بعد الدفن، ولا عند الزيارة، بل يكتفي الإنسان بالسلام
стр. 166
على عموم أهل المقابر، ولو شاء أن يقصد قبراً بعينه، فلا حرج أن يقوم عليه، ويدعو له، ثم ينصرف، ولا يطيل المكث والعكوف؛ لأن هذا قد يفضي إلى أمر مذموم.
٤ - أن مبدأ البدع، والشرك، ربما كان ناتجاً عن حسن نية، فهؤلاء قالوا: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط" ولم يقصدوا الشرك، وإنما زُين لهم أن هذا عمل حسن.
٥ - أن الشرك يمكن أن يقع في أمة محمد ﷺ ؛ لقول النبي ﷺ : "الله أكبر، إنها السنن، لتركبن سن من كان قبلكم". فقول بعض المبتدعة: أمة محمد بمعزل عن الشرك، قول باطل، فقد أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة سيقع فيها الشرك، كقوله: "ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان" (١)، وشواهد هذا كثيرة.
٦ - عَلَم من أعلام النبوة؛ لوقوع الشرك، كما أخبر النبي ﷺ .
٧ - النهي عن التشبه باليهود والنصارى والمشركين؛ في عباداتهم، وعاداتهم، وأخلاقهم السيئة.
٨ - شدة نصح النبي ﷺ لأمته، وشفقته عليهم.
٩ - أنه ينبغي للإنسان إذا تعجب من شيء أن يكبر، أو يسبح؛ ولا يصفق.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النجم.
وهي قول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: ١٩] وقد تقدم بيانها.
стр. 167
الثانية: معرفة صورة الأمر الذي طلبوا.
أراد بذلك ما جرى في قصة أبي واقد الليثي، بطلبهم من النبي ﷺ أن يجعل لهم سدرة؛ ليتبركوا بها، فقصدوا البركة، ولم يقصدوا العبادة، ومع هذا أنكر عليهم، وأخبر أنهم شابهوا بني إسرائيل.
الثالثة: كونهم لم يفعلوا.
أي: أصحاب النبي ﷺ طلبوا ولم يفعلوا، ولم يقع ذلك منهم، فإن النبي ﷺ حال بينهم وبين الوقوع في هذا الشرك الأصغر.
الرابعة: كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك؛ لظنهم أنه يحبه.
أي: أن الذي حملهم على ذلك ليس إرادة الشرك، أو محادة الله ، وإنما اعتقاد صواب هذا الأمر، ومحبة الله تعالى له، وهذا عين ما يقع من كثير من الجهال، حينما يُحدثون في دين الله، فيفعلون أفعالاً يظنون أنها تقربهم إلى الله، وهي لا تزيدهم من الله إلا بُعداً.
الخامسة: أنهم إذا جهلوا هذا؛ فغيرهم أولى بالجهل.
أي: إذا كان بعض أصحاب النبي ﷺ جهلوا حكم هذه المسألة، فجهل غيرهم ممن يأتي بعدهم من باب أولى.
السادسة: أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم.
هذا من المصنف ﵀ اعتذار للصحابة الكرام، الذين وقع منهم هذا الطلب، ولم يفعلوه، وهو أن لهم من الحسنات الماحية، والسوابق الفاضلة، ما يغمر هذا الخطأ؛ إذ أنهم جاهدوا مع النبي ﷺ ، وبذلوا دماءهم وأموالهم، لكن أنَّى لمن وقع منهم ذلك؟! وأنى لهم بحسنات ماحية، تمحو ما يقع منهم من الشرك؟!
стр. 168
السابعة: أن النبي ﷺ لم يعذرهم الأمر؛ بل رد عليهم بقوله: "الله أكبر! إنها السنن، لتتبعن سَنَن من كان قبلكم" فغلّظ الأمر بهذه الثلاث.
مراد المصنف ﵀ بقوله: "إن النبي ﷺ لم يعذرهم" أي: لم يقرهم على ما فعلوا، وإنما أنكر عليهم، وأغلظ في النكير، فقال: "الله أكبر! " وفي رواية: "سبحان الله! إنها السنن؛ لتركبن سنن من كان قبلكم" فالنبي ﷺ أنكر عليهم بهذه الطرائق: كبر أو سبح، وأخبر بأن هذا من السنن، وأنهم ركبوا ما ركب غيرهم من أهل الكتاب، ففي هذا عدم إقرار منه على هذا القصد، فضلًا عن العمل.
الثامنة: الأمر الكبير -وهو المقصود-: أنه أخبر أن طلبهم كطلب بني إسرائيل؛ لما قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا﴾ [الأعراف: ١٣٨].
سماه الشيخ كبيراً لمشابهته لطلب بني إسرائيل، الذين طلبوا من موسى ﵇ أن يجعل لهم إلهاً، كما للمشركين آلهة، وهذا أمر عظيم مستفظع، حيث قال موسى: ﴿إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] فالنبي ﷺ نظّر بين مقالة الصحابة، حدثاء العهد بالكفر، ومقالة أصحاب موسى، مع وجود الفارق؛ إذ أن أصحاب محمد ﷺ طلبوا ما فيه شرك أصغر، بينما طلب أصحاب موسى ما فيه شرك أكبر.
التاسعة: أن نفي هذا من معنى: "لا إله إلا الله"، مع دقته وخفائه على أولئك.
نفي هذا ومنعه هو مقتضى: لا إله إلا الله؛ إذ أن معنى: لا إله إلا الله، أي: لا معبود بحق إلا الله، وتعلق هذا التبرك بالتوحيد أمر قد يخفى؛ لأنه دقيق، فلا يتاح لكل أحد أن يدرك أن التبرك بالشجر والحجر ينافي مقتضى: لا إله إلا الله، إذ لا يربط بعض الناس بين مسألة التبرك بالشجر والحجر، وكلمة التوحيد، لكن النبي ﷺ عد ذلك من مقتضاها وفروعها. ولهذا جعل المصنف هذا الباب وأمثاله شرحًا عمليًا لتفسير التوحيد والشهادة.
стр. 169
العاشرة: أنه حلف على الفتيا، وهو لا يحلف إلا لمصلحة.
وقد تقدمت هذه المسألة فيما مضى، في قوله: "فو الله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"، وهنا أيضاً، حلف ﷺ على الفتيا، حيث أتى بواو القسم، فقال: "قلتم والذي نفسي بيده" فيجوز الحلف على الفتيا من باب التأكيد. أما أن يحلف الإنسان على كل شيء فهذا خطأ؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فينبغي للإنسان أن يحفظ يمينه، فلا يبذلها في كل شيء، وإنما لأمر عظيم، وألا يحنث فيها إلا لمصلحة.
الحادية عشرة: أن الشرك فيه أكبر وأصغر؛ لأنهم لم يرتدوا بهذا.
هذه أيضاً فائدة جليلة، ومسألة مفيدة، وهو أن الشرك منه أصغر، وأكبر، وقد اختلف
العلماء في التفريق بين الأصغر والأكبر، فمنهم من جعل الشرك الأصغر ما يكون وسيلة إلى الأكبر، ومنهم من جعل الشرك الأصغر هو ما يتعلق بالألفاظ، وبعض الأفعال التي لا تبلغ حد الأكبر.
الثانية عشرة: قولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر" فيه: أن غيرهم لا يجهل ذلك.
أي: أن هذا الذي جرى من الصحابة -رضوان الله عليهم- لا يعني أنه جرى منهم جميعاً، وإنما جرى من بعضهم، وهم الطلقاء، الذين أسلموا عام الفتح، وأما أصحاب النبي ﷺ الذين كانوا معه من المهاجرين والأنصار، فحاشا وكلا أن يقع منهم ذلك.
الثالثة عشرة: التكبير عند التعجب، خلافاً لمن كرهه.
أشار المصنف ﵀ إلى أن هناك من كره التكبير عند التعجب، إلا أن الحديث دليل على مشروعيته عند التعجب، فليكبر الإنسان إذا تعجب من شيء. والإنسان قد يتعجب من شيء استحساناً له، وقد يتعجب من شيء إنكاراً له، وعلى كل الحالين ينبغي أن يكبر، أو أن يسبح.
стр. 170
الرابعة عشرة: سد الذرائع.
"سد الذرائع: أصل معتبر في الاستدلال، دلت نصوص الشريعة على اعتباره، والذرائع: الوسائل والطرق المفضية إلى حصول شيء من الأشياء، وهي نوعان: حسنة، وفاسدة. فالذي يُسَد هو الذرائع الفاسدة، وأما الذرائع الحسنة فإنها تُستجلب، فكل ذريعة حسنة، توصل إلى أمر حسن، لا تخالف نصًا، فهي مستحبة، فهذا اللاقط الذي يلقط الصوت ويكبره، وهذه الأجهزة التي تبث الدروس إلى أماكن بعيدة من الذرائع الحسنة التي ينبغي أن تُتخذ، ويُفرح بها، ويُستفاد منها. وثم ذرائع فاسدة توصل إلى أمر فاسد، فمثلاً: اختلاط الرجال بالنساء، من الذرائع الفاسدة التي تفضي إلى المعاصي، والوقوع في الفاحشة، فكل ذريعة توصل إلى مفسدة، فإنه ينبغي سدها. وعلينا ألا نهون من هذا الباب (باب سد الذرائع) بل ينبغي لنا أن نتحقق من كونه ذريعة أم لا؛ فلا نضيق على الناس في أمر لهم فيه سعة، بدعوى سد الذرائع، والأصل في دين الإسلام: أنه الحنيفية السمحة. كما لا نلغي الذرائع، وندع الباب مفتوحًا على مصراعيه، بدعوى عدم ورود نص معين بخصوص المسألة الموصلة إلى المفسدة.
الخامسة عشرة: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية.
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتبركون بهذه الأشجار، ويخلعون عليها ألقابًا، كقولهم: ذات أنواط، لشجرة معروفة، مقصودة، يذهبون إليها، فنحن منهيون التشبه بهم بمثل هذا الأمر.
السادسة عشرة: الغضب عند التعليم.
هذا الغضب يتناسب مع المقام، فمن المقامات ما يكون مقام تعليم ابتدائي، بمعنى أن المعلم يبتدئ الطلبة بالتعليم، فهذا لا يتطلب غضباً، ومن التعليم ما يكون رد فعل لأمر طرأ، ثم هذا الأمر الذي طرأ منه ما يستوجب الغضب؛ وذلك لكون الأمر عظيماً، أو سبق تقريره، فإذا وقع فيه من وقع استدعى ذلك غضب المعلم، ومن الأمور ما يكون دون ذلك، فلا يستدعي
стр. 171
الغضب. فينبغي أن يتناسب الغضب مع الحال. وظهور الغضب على المعلم في بعض الأحوال له أثر تربوي في تعظيم الشيء؛ لأنه إذا ظهر عليه التأثر والانفعال، فإنه يقع في قلوب المتعلمين أن هذا الأمر جلل، يستحق التعظيم.
السابعة عشرة: القاعدة الكلية لقوله: "إنها السنن".
القاعدة الكلية هو ما أخبر به النبي ﷺ بقوله: "لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه" (١)، والمقصود: أن سنة الله تعالى جارية، وعادته في خلقه مطردة، وهو أن هذه الأمة تقع فيما وقعت فيه الأمم السابقة، ولكن وجود هذه السنن لا يسوغ إقرار المنكر، وعدم إنكاره. ومن الناس من يتذرع بالقدر والسنن الكونية للتنصل من الواجبات الشرعية، فإذا علم بوقوع شيء من الشرك، قال: هذا أمر طبيعي، قد أخبر به النبي ﷺ أنه سيقع! نعم، هو طبيعي من الناحية القدرية، لكنه ليس طبيعياً من الناحية الشرعية، فيجب إنكار المنكر، وتعليم الجاهل، وتنبيه الغافل، وألا يُحتج بالقدر على تسويغ المعاصي والمنكرات، بل الواجب العمل بالشرع، وأما القدر فنكله إلى مقدره سبحانه وبحمده.
الثامنة عشرة: أن هذا عَلَم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر.
أخبر النبي ﷺ أن هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، فلما وقع ذلك، وحصل هذا الموقف كان علماً من أعلام النبوة أن وقع وفق ما قال، وما أكثر ما أخبر به النبي ﷺ ووقع كما أخبر.
التاسعة عشرة: أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا.
هذه المسألة تحتاج إلى توجيه وبيان؛ فقد يُفهم من هذه الجملة، بادي الرأي، أن كل الذم الذي وقع على اليهود والنصارى فهو ذم لنا، وليس هذا مراده ﵀، فإن هذه الأمة أكرم الأمم على الله ؛ وهي خير أمة أخرجت
стр. 172
للناس، وهي ثلثا أهل الجنة، كما في الحديث: "أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم" (١)، والمقصود: أن جميع الأفعال التي ذمها الله في حق اليهود والنصارى، فهي مذمومة في حقنا، فيجب أن نتقيها وندعها، لا أن ذلك وصف لنا.
العشرون: أنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، فصار فيه التنبيه على مسائل القبر؛ أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: ﴿اجْعَلْ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٣٨] … إلى آخره.
هذه فائدة دقيقة من استنباطات المصنف ﵀، وهي أنه متقرر عند الصحابة -رضوان الله عليهم- أن أمور الدين مبناها على الدليل؛ لأنهم قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فهذا الطلب منهم يدل على أنهم قد تقرر عندهم أنه لا سبيل لاعتماد عبادة من العبادات إلا عن طريق النبي ﷺ ، فهم لم يعمدوا إلى هذه الشجرة، ويعلقوا عليها أسلحتهم، حتى يحصلوا على إذن شرعي، وتأييد نبوي، فهذا يدل على أنه قد استقر في قلوبهم أن التعبد لله لا بد أن يكون عن طريق رسوله ﷺ ؛ فصار ذلك دليلاً على مسائل القبر الثلاثة. فأما قوله: "من ربك؟ " فواضح؛ لأن كل عمل لا بد فيه من الإخلاص لله تعالى، وأما "من نبيك؟ " فلما فيه من دلائل النبوة، حيث دل هذا الحديث على إخباره ﷺ بأمور مغيبة، فوقعت وفق ما أخبر به، وأما "ما دينك؟ " فلكونهم سألوا عما يتعبدون الله تعالى به، وطلبوا أن يقروا على ذلك؛ ولهذا جاء في أسئلة القبر، في بعض الروايات، كما في حديث البراء بن عازب: أنه إذا سأله عن هذه المسائل، قال: "وما علمك بذلك؟ " يعني: ما دليلك على هذا الأمر؟ فيقول: "قرأتُ كتاب الله، فآمنتُ به، وصدقتُ" (٢).
стр. 173
الحادية والعشرون: أن سنة أهل الكتاب مذمومة، كسنة المشركين.
المقصود بسنتهم: طريقتهم التي خرجوا بها عن ملة إبراهيم، مما أحدثوه في دينهم من البدع والمخالفات، فهي مذمومة، كما أن سنة المشركين مذمومة، فلما طلب أصحاب النبي ﷺ الذين هم حدثاء عهد بالكفر، أمراً كان أهل الجاهلية من مشركي العرب يفعلونه، استدل عليه النبي ﷺ بصنيع اليهود من بني إسرائيل، لا بصنيع المشركين، فدل على أن ذم أهل الكتاب كذم المشركين، فيما خالفوا فيه الحق.
الثانية والعشرون: أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه، لا يُؤْمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة، لقولهم: "ونحن حدثاء عهد بكفر".
المنتقل من الباطل إلى الهدى، قد يبقى فيه بقية؛ ولهذا قلنا: لا ينبغي أن يصدر، ولا يقدم، ولا تفسح له الأماكن، لتوجيه الناس، حتى يصفو قلبه، ويفقه في دين الله. وقريب -من ذلك ما يفعله بعض الدعاة، حينما يهتدي على أيديهم شخص من الأشخاص، الذين كانوا من أهل الغواية، فيقدمونهم للكلام والبيان، ويدعونهم إلى إلقاء الكلمات، فهذا ليس صواباً، فلا ينبغي أن يتقدم، حتى يتمكن من دين الله، ويحصل له من الفقه والعلم ما يؤهله لذلك، أما أن يدفع به ليقول ما هب ودب، من غير تمييز، فهذا مسلكاً شرعياً.
стр. 174
باب ما جاء في الذبح لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].
وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر: ٢].
عن علي ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات: "لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثاً، لعن الله من غير منار الأرض" (١)، رواه مسلم.
الشرح:
قوله "باب: ما جاء في الذبح لغير الله" الذبح: معروف، المراد به ذبح بهيمة الأنعام، ونحوها لغير الله، وذلك أن الذبح: إما أن يكون لله، وإما أن يكون لغير الله. والذبح الذي يكون لله ثلاثة أنواع: إما نسك، وأما أضحية، وإما عقيقة.
فالنوع الأول: الأنساك المتعلقة بالحج والعمرة، فهذه:
- إما هدي، كهدي التمتع، وهدي القران، قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهو واجب.
- وإما فدية، كفدية الأذى، بسبب ارتكاب محظور، كما قال الله : ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، أو جبرًا لترك واجب.
النوع الثاني: الأضاحي: وهو ما يُذبح يوم النحر، وأيام التشريق بعده، تقربًا إلى الله ، وجمهور العلماء على أن الأضحية سنة مؤكدة. وذهب أبو
стр. 175
حنيفة (١)، وشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمهما الله- (٢) إلى وجوبها على القادر.
النوع الثالث: العقيقة؛ لقول النبي ﷺ : "كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم السابع" (٣)، وجمهور العلماء على أن العقيقة في حق الأب سنة مؤكدة، وذهب بعض العلماء إلى وجوبها. فهذه الدماء الثلاثة دماء مشروعة، إما واجبة، وإما مستحبة.
وأما الذبح لغير الله:
١ - فقد يكون جائزاً؛ شرط أن يذكر اسم الله عليه، ولا يذكر اسم غيره. كالذبيحة للضيف.
٢ - وقد يكون شركاً. كالذبح للجن والمشعوذين، أو تعظيمًا للكبراء والسلاطين، بحيث يقصد إهراق الدم بين يديه، وقد لا يطعمها، فهذا لم يقصد الإكرام وإنما قصد التعظيم، فلا يحل أكله، لأنه شرك، وربما وقع فيه بعض الجهال، فيجب التنبيه عليه، والتحذير منه.
٣ - وقد يكون محرماً، مع حل أكله، لسبب، كمن ذبح إكراماً لضيفه، وذكر اسم الله عليه، لكنه أسرف.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أراد المصنف أن يُبيّن نوعاً من أنواع الشرك المضاد للتوحيد، وهو الذبح لغير الله، ليكون تفسيرًا للتوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، كما وعد.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي﴾ الخطاب للنبي ﷺ . والصلاة في اللغة: الدعاء، كما قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادعُ لهم، قال الأعشى:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَربْتُ مُرْتَحِلاً: … يَا ربُّ جَنِبْ أَبِي الأَوْصَابَ وَالوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الذي صَليتِ فَاغْتَمِضِي … نَوْمَاً فَإِنَّ لِجَنبِ المرءِ مُضْطَجَعَا (٤).
فقوله "عليك مثل الذي صليت" أي: دعوت.
стр. 176
وأما في الشرع، فإن الصلاة: عبادة ذات أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير، مختتمة بالتسليم،
قوله: ﴿وَنُسُكِي﴾: النسك يحتمل أحد أمرين:
١ - مطلق العبادة، فالعابد يقال عنه: ناسك.
٢ - الذبيحة خاصة، وهو ما اختاره المصنف ﵀، ويؤيده أنه عطفه على الصلاة. قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ يعني: ما أحيا عليه، وما أموت عليه.
قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالصاً لله.
قوله: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ لا أصرفه إلى أحد سواه.
قوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ الإشارة إلى الإخلاص، أي: وبذلك الإخلاص لله في الصلاة، والنسك، والمحيا، والممات أمرني ربي، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ * وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: ١١، ١٢].
قوله: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ هذه الأولية تحتمل أن تكون أولية حقيقية (زمنية)، أو أولية معنوية.
- فإذا قلنا: إنها أولية زمنية، فالمقصود أنه أول المسلمين من أمته؛ لأنه هو الذي أتاهم بالإسلام.
- وإذا قلنا: إنها أولية معنوية، فمعنى الكلام: أنني أولى الناس بهذا الأمر. كيف لا؟! وهو سيد ولد آدم، وأعبد الناس لرب العالمين، فيكون فعلاً وحقَا هو أول المسلمين؛ لأنه أكثرهم تحقيقاً للعبودية لله . وكلا التوجيهين صحيح.
مناسبة الآية للباب:
ظاهرة، لقوله: ﴿وَنُسُكِي﴾ أي ذبحي، فجعل النسك لله رب العالمين.
فوائد الآية:
١ - وجوب الإخلاص لله .
٢ - أن الذبح عبادة، كما أن الصلاة عبادة، فلا يجوز صرف أي منهما
стр. 177
لغير الله تعالى، فكما أن الرجل لو صلى لغير الله لقلنا: أنت مشرك، فإنه إذا ذبح لغير الله فإنا نقول له: أنت مشرك.
٣ - أن الصلاة أشرف العبادات البدنية، وهذا بيّن؛ لأن الصلاة عمود الدين، قيل: والذبح أشرف العبادات المالية، لأن الله قرن بينهما في موضعين في كتابه. وفي هذا نظر؛ فإن أشرف العبادات المالية الزكاة؛ لأنها أحد أركان الإسلام، وقرنها بالصلاة أكثر.
٣ - أن العبادات توقيفية؛ لقوله: ﴿وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ فلا يتعبد الإنسان لله إلا بناء على أمر شرعي، حتى نبينا ﷺ لا يتعبد لله إلا بما أمره الله تعالى به.
٤ - إثبات توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، فأما إثبات توحيد الربوبية فمن قوله: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لأن الله هو المصرف للمحيا والممات. وأما توحيد الألوهية، فمن قوله: ﴿صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: ١٦٢] لأن هذا توحيد لله بأفعال العباد، فهو توحيد الألوهية.
قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الفاء: للعطف، وهي تعقيبية على ما تقدم من قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ومعنى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أي: اجعل صلاتك لله وحده لا لغيره.
قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ أي: وانحر لربك، ولا تنحر لغيره، والنحر يستعمل في حق البُدن، والذبح في حق الغنم، هكذا دلت اللغة، وليس المقصود النحر فقط، وإنما يدخل فيه الذبح، فإن الحكم واحد، لأن العلة واحدة، وهي الإخلاص.
مناسبة الآية للباب:
أن الذبح عبادة، كما أن الصلاة عبادة، فهما من بابة واحدة، فلا يجوز صرفهما لغير الله ، وأن من صرفهما لغير الله فقد أشرك.
فوائد الآية:
١ - أن الذبح لغير الله شرك أكبر، كما أن الصلاة لغير الله شرك أكبر.
٢ - فضل هاتين الشعيرتين، وهما: الصلاة، والذبح.
стр. 178
٣ - أن من أعظم شكر الله : الصلاة والنحر، فإذا أراد العبد أن يشكر ربه على نعمة أحدثها له، أو نقمة دفعها عنه، فليكثر من الصلاة، والنحر؛ لأنه أمره بذلك بعد أن امتن عليه بالكوثر، فقال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ١، ٢]. وقد امتثل النبي ﷺ ذلك، فإنه كان يقوم يصلي حتى تتفطر قدماه من طول القيام، وقد نحر في حجة الوداع مائة بدنة، نحر ثلاثاً وستين بيده الشريفة، والباقي أوكلها إلى علي بن أبي طالب ﵁، فامتثل أمر ربه، فصلى ونحر.
ثم قال المصنف ﵀:
"عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: حدثني رسول الله ﷺ بأربع كلمات" كلمات: جمع كلمة، والكلمة عند النحاة اللفظة المفردة، فمثلاً: (كتاب) كلمة، و (قلم) كلمة، ولكن الكلمة في لغة العرب: هي الجملة المفيدة، فنقول: لا إله إلا الله، كلمة التوحيد، كما قال النبي ﷺ لعمه: "أي عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله" (١)، فسمى هذه الجملة المفيدة كلمة، وهذا الحديث أيضاً يدل على ذلك، فإنه ذكر أربع جمل مفيدة، وسماها أربع كلمات.
قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" كلمة (لعن) تحتمل أن تكون دعائية، أو أن تكون خبرية.
فإن قلنا: إنها دعائية، فالمعنى: اللهم العن من ذبح لغيرك. وإن قلنا: إنها خبرية، فهو خبر من النبي ﷺ بأن من ذبح لغير الله فهو ملعون، وعلى كلا الاحتمالين فهي دليل على تحريم هذا العمل. واللعن: هو الطرد، والإبعاد من رحمة الله.
قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" هذا هو الشاهد من الحديث للباب.
قوله: "ولعن الله من لعن والديه" لعن الرجل والديه: إما مباشرة، وإما تسبباً، فالمباشرة: ما يقع من أهل الجفاء والعقوق، بأن يقول لأبيه أو لأمه:
стр. 179
لعنك الله -عياذاً بالله-، وهذا قد يكون نادرً؛ لأن الفطرة تأباه، إلا من ارتكس في الرذيلة، وانتكست فطرته. والأكثر ما يقع لعن الوالدين تسبباً، كما قال ﷺ : "إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ" (١).
قوله: "لعن الله من آوى محدثاً" آوى بمعنى: ضم، وحمى، وحوى. "محدِثاً، أو محدَثاً" بالكسر وبالفتح، وكلاهما صحيح، فإن قلنا: بالكسر (محدِثاً) فالمقصود به الجاني، أو المبتدع، كإنسان قتل نفساً ثم استجار بشخص، فآواه وحماه، فقد آوى محدثاً، وحال بينه وبين سيف السلطان. وقد يؤوي مبتدعاً داعياً إلى ضلالة، فيؤويه، ويحول بينه وبين طائلة المساءلة، والعقوبة.
وأما بالفتح "محدَثاً" فالمراد الأمر المحدث، كأن يحمي بدعة، أو ينشرها، أو يحول دون نقدها وردها، فيكون قد آوى محدثاً، أي: أمراً محدثاً. وكلاهما يستحق اللعن، سواء آوى المحدِث نفسه، أو آوى الأمر المحدث.
قوله: "لعن الله من غيّر منار الأرض" والمقصود بها المراسيم، جمع مرسام، وهي العلامات التي تفصل بين أرض وأرض، فمن الناس -والعياذ بالله- من يعدو على هذه المنارات، أو المراسيم خفيةً، وينقلها، ويزيحها، ويوسع أرضه على حساب أرض جاره، فهذا ملعون أيضاً.
فهذه أربع كلمات لعن النبي ﷺ أصحابهن، والحديث رواه مسلم.
مناسبة الحديث للباب:
في قوله: "لعن الله من ذبح لغير الله" وقد ابتدأ بها؛ لأنها أعظمهن؛ لكونها شركاً، وما بعدها لا يبلغ مبلغ الشرك.
فوائد الحديث:
١ - أن الذبح لغير الله شرك.
٢ - تحريم لعن الوالدين، إما مباشرة، أو تسبباً.
٣ - تحريم إعانة أهل البدع والعدوان وتمكينهم؛ لقوله: "لعن الله من آوى
стр. 180
محدِثاً أو محدَثاً" وهذا يستلزم تحريم الرضا بذلك، فلا يرضى ببدعة، ولا يمكِّن لأصحابها، ولا يأذن بنشرها بين المسلمين.
٤ - تحريم تغيير مراسم الأرض.
٥ - أن جميع المذكورات من الكبائر، لاقتران اللعن بهن.
٦ - جواز لعن بعض الفساق بالوصف، لا بالعين.
ثم قال المصنف ﵀:
وعن طارق بن شهاب أن رسول الله ﷺ قال: «دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب» قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرّب له شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرّب، قال: ليس عندي شيء أقرّب، قالوا له: قرّب ولو ذباباً، فقرّب ذباباً، فخلوا سبيله، فدخل النار، وقالوا للآخر: قرّب، فقال: ما كنتُ لأقرّب لأحد شيئاً دون الله ﷺ ، فضربوا عنقه، فدخل الجنة» (١)، رواه أحمد.
"وعن طارق بن شهاب" طارق بن شهاب، البجلي الأحمسي، وكانت وفاته سنة (٨٣ هـ). وقد اختُلف في صحبته، والصحيح: أنه صحابي؛ لأنه رأى النبي ﷺ ، ولكن لم يسمع منه، فروايته عن النبي ﷺ عن طريق غيره، ومثل هذا يُسمى "مرسل صحابي"، ومراسيل الصحابة لها حكم الاتصال؛ لأن الصحابة كلهم عدول ثقات عند أهل السنة والجماعة، فمرسل الصحابي مقبول، وأما مرسل غير الصحابي، فمن أنواع الضعيف.
قوله: "دخل الجنة رجل في ذبابة، ودخل النار رجل في ذبابة" هذه المقدمة تدل على أنه يحسن، من باب التشويق في بيان العلم، أن يقدم الإنسان بما يلفت الانتباه. و (في) أي: بسبب.
قوله: "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ " وحق لهم أن يسألوا، لأن هذا