قوله: "إلا أن يجاهدوا مع المسلمين" فإن جاهدوا مع المسلمين فهم شركاء في الغنيمة.
قوله: "فإن هم أبوا" أبوا الدخول في عقد الإسلام، وأصروا على كفرهم.
قوله: "فاسألهم الجزية" أي: افرض عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون. والجزية: هو رسم مالي يكون على آحاد المشركين القادرين على بذله، فلا يحتسب طفل، ولا شيخ فانٍ، ولا عجوز فانية، وإنما يكون ذلك على الغني، والقوي المكتسب.
قوله: "فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم" وهدف الجزية أن تكون كلمة الله هي العليا؛ لأن بذلهم للجزية دليل الصغار، والخضوع لحكم أهل الإسلام، فيقرون على البقاء على ما هم عليه، ويسمون أهل ذمة.
وهذه المسألة وقع فيها الخلاف:
١ - فذهب الإمام الشافعي (١) وأحمد (٢) إلى أن أحكام الذمة تتعلق باليهود والنصارى فقط.
٢ - وذهب الإمام مالك (٣) إلى أنها تتناول كل مشرك، وكتابي، عربي أو أعجمي. وحديث بريدة يؤيد ما ذهب إليه مالك ﵀؛ لأنه قال: "إذا لقيتَ عدوك من المشركين" ولم يقيد هذا بمشركي أهل الكتاب.
٣ - إلا أن أبا حنيفة (٤) ﵀ استثنى مجوس العرب ومشركيهم، فقال: مجوس العرب ومشركيهم لا يقبل منهم جزية. فصارت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة.
قوله: "فإن هم أبوا، فاستعن بالله وقاتلهم" تلك هي الخصلة الثالثة، إذا أبوا الإسلام، وأبوا الجزية، فما بقي إلا القتال. ونبَّه على أمر الاستعانة بالله
стр. 737
بين يدي القتال، لأن النصر من الله تعالى، كما قال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن" الحصن: البناء المنيع، الرفيع، الذي يتحصن بها المحاربون.
قوله: "فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك" هذا هو موضع الشاهد من هذا الحديث للباب؛ فحينما يحاصر الجيش أو السرية حصناً من حصون المشركين، فينقطع عنهم المدد، والطعام، والشراب، وغير ذلك، يرضخون، ويلجؤون إلى الصلح، فربما قالوا: اجعل لنا ذمة الله وذمة نبيه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، صونًا لهما، وأحاله إلى ذمته وذمة أصحابه.
قوله: "فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه" لأنه ربما وقع من الجيش، أو من بعض إفراده نقض للذمة، بسبب ظلم أو جهل، فحينئذٍ يعظم الجرم؛ لأنهم أعطوهم بالله، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن ذلك.
قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله" هذه صورة أخرى: بأن يقولوا: أنزلنا على حكم الله، أي: شرع الله. وهذا لا يتأتى إلا لرسول الله ﷺ .
قوله: "فلا تنزلهم على حكم الله" ليس هذا صرفاً لهم عن حكم الله، وإنما أراد النبي ﷺ أنهم قد يصيبون حكم الله، وقد لا يصيبونه.
قوله: " "ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله فيهم أم لا؟ " أمره أن ينزلهم على حكمه الذي يتحرى فيه حكم الله، وقد يصيب، وقد يخطئ في إصابته، وفرق بين المقامين.
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، فقد تضمن النهي عن جعل ذمة الله، وذمة نبيه في المعاهدات، خشية إخفارها.
стр. 738
فوائد الحديث:
١ - مشروعية الجهاد في سبيل الله، والرد على من زعم نسخ الجهاد.
٢ - مشروعية بعث السرايا والجيوش لهذا الغرض، وأن هذه من مهام الإمام.
٣ - مشروعية التأمير، وأن لا يُترك الناس فوضى.
٤ - مشروعية الوصية بتقوى الله في جميع الأمور.
٥ - أن على الإمام أو الأمير بأن يرفق بمن معه من المسلمين.
٦ - أن الجهاد يجب أن يكون في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا.
٧ - تحريم الغلول، والغدر، والتمثيل، وقتل الأولاد.
٨ - وجوب البداءة بدعوة المشركين إلى الإسلام أولاً، وقبول ذلك منهم.
٩ - الدعوة إلى الهجرة إلى دار الإسلام إذا اقتضى الأمر ذلك.
١٠ - أن من هاجر إلى دار الإسلام استحق من الغنيمة والفيء، ومن لم يهاجر لم يستحق.
١١ - أن الجزية بديل عن الإسلام لمن أباه، لتكون كلمة الله هي العليا.
١٢ - أن الجزية شريعة ثابتة. وكثير من الإسلاميين العصرانيين، نتيجة لضغط الواقع، والتفوق المادي، والتقني، والعسكري، للأمم الأخرى على أهل الإسلام، وطغيان الأفكار الليبرالية، صاروا يعتذرون عن الشريعة، ويستحون من الإقرار بشريعة الجهاد في سبيل الله، ووجود الجزية في الإسلام، وكأنهم موكولون بالاعتذار عن الشرع، وهذا ليس إليهم؛ الدين دين الله، والله أعلم بما حكم وشرع. وهذه الإجراءات ترجع إلى باب السياسة الشرعية، فأمر الجهاد، والجزية، تقدر بحسب الأحوال؛ فحينما تكون الأمة في حال ضعف، ولا تقوى على القتال في سبيل الله، تفعل ما هو أصلح لها، وهو المهادنة والصبر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]. بل لو اقتضى الأمر أن يبذل أهل الإسلام ما يستدفعون به شر المعتدين، فلا مانع من ذلك، وقد جرى ذلك حينما أحاطت الأحزاب بالمدينة، فهمّ النبي ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، ويرجعوا عنهم. واستشار سعد بن معاذ،
стр. 739
وسعد بن عبادة في ذلك، فقالا له: يا رسول الله أمراً نحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ : "فأنت وذاك" (١).
فهذه الأمور تتعلق بباب السياسة الشرعية، والذي يقدر الجهاد، والجزية، والصلح، هم ولاة الأمر، وأهل الحل والعقد، وليس متروكاً إلى الأفراد أن يجتهدوا فيه ما شاؤوا، ويتخذوا من الأفعال، والتصرفات ما شاؤوا، وإلا أصبح الأمر فوضى، وجرى على أهل الإسلام من المصائب والتبعات ما لا يخفى، فيجب على أهل الإسلام أن يكونوا يدًا واحدة، وأن يأتمروا بأمر أمرائهم.
١٣ - وجوب الاستعانة بالله في جميع الأمور؛ لقوله: "فاستعن بالله، وقاتلهم"، وقال لمعاذ: "أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٢)، فلا غنى للمؤمن عن الاستعانة بالله.
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنْ اللهِ لِلفَتى … فأوَّلُ مَا يَجني عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ (٣).
١٤ - احترام ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ، والتفريق بينها وبين ذمة المسلمين.
١٥ - وجوب احترام حكم الله وحكم نبيه ﷺ ، والتفريق بينه وبين الاجتهاد الشخصي.
١٦ - عدم التعبير في المسائل الاجتهادية بعبارة "حكم الإسلام في كذا
стр. 740
وكذا" سواء من السائل أو المجيب، إلا في الأمور القطعية التي قام عليها الدليل الصحيح الصريح. ولكن يجيب المجتهد بما يرى، ولا يقطع بأن هذا حكم الله، وحكم رسوله ﷺ
١٧ - جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش، ومن معه.
١٨ - ارتكاب أخف المفسدتين دفعاً لأشدهما؛ لقوله: "اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك". فقد ينشأ عن هذا مفسدة، لكنها أخف من مفسدة خفر ذمة الله وذمة نبيه، وكذلك بالنسبة للحكم، قال: "فأنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" لأنه إن لم يصب حكم الله تكون المفسدة في ذلك أهون. وفوائد هذا الحديث كثيرة جمة، وفيما ذكر كفاية.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه ﷺ وذمة المسلمين.
ذمة الله وذمة نبيه لها من الرعاية والاحترام القدر العظيم، وأما ذمة المسلمين فدون ذلك، مع وجوب رعايتها، والوفاء بها.
الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطراً.
لقوله: "فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه".
الثالثة: قوله: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله".
بأن يقع ذلك لله تعالى، وفي سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله.
الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله".
وهذا نص في مشروعية الجهاد بالقتال والسيف.
стр. 741
الخامسة: قوله: "استعن بالله وقاتلهم".
وجوب الاستعانة بالله في جميع الأمور.
السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء.
حكم الله تعالى قطعي الصحة والمصلحة، وحكم العلماء اجتهادي ظني، قد يصيب وقد يخطئ.
السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا؟
أي: لقوله: "ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله فيهم أم لا؟ " وهذا ليس خاصاً بالصحابة، بل من بعدهم من باب أولى.
стр. 742
باب ما جاء في الإقسام على الله
عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله : من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرتُ له، وأحبطتُ عملك" (١)، رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد، قال أبو هريرة: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" (٢).
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لأن الإقسام على الله، على سبيل التحجر، من سوء الأدب، المنافي لكمال التوحيد.
قوله: "عن جندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال رجل" " اختصر المصنف هذا الحديث، وأصله كما في سنن أبي داود مرفوعًا: "أن رجلين من بني إسرائيل كانا متواخيين، أو متآخين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب، فيقول: أقصر، فوجده يوماً على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبُعثتَ عليّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنتَ بي عالماً، أو كنتَ على ما في يدي
стр. 743
قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار" "قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" هذه الكلمة هي قوله: "والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة".
قوله: "من ذا الذي يتألى عليّ؟ " استفهام إنكاري، وإلا فإن الله تعالى يعلم من هذا الذي تألَّى. والتألِّي: هو الحلف، والأليَّة: اليمين. كما قال الله : ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٢٢] أي: لا يحلف، وقال الله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] أي: يحلفون على عدم وطئهن، وقال الشاعر:
قَلِيلُ الألايَا حَافِظٌ لِيَمِينِهِ … فَإِنْ سَبَقَتْ مِنْهُ الأَلِيَّةُ بَرَّتِ (١).
قوله: "ألا أغفر لفلان، إني قد غفرت له، وأحبطت عملك" أي: أهدرته وأبطلته.
قوله: "وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد" ولفظه: "مجتهد في العبادة"، وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَجُلًا مَرَّ بِرَجُلٍ وَهُوَ سَاجِدٌ فَوَطِئَ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَقَالَ: أَتَطَؤُ عَلَى رَقَبَتِي وَأَنَا سَاجِدٌ، لَا وَاللَّهِ، لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ هَذَا أَبَدًا، قَالَ: "فَقَالَ اللَّهُ: اتَتَأَلَّى عَلَيَّ فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُ" (٢)
قوله: "تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته" هذا من فقه أبي هريرة، وصدق أبو هريرة! فهذا رجل عابد، مجتهد في العبادة، فاه بكلمة عظيمة أتت على جميع عمله السابق؛ فمن هو حتى يحجّر رحمة الله الواسعة! كان يسعه أن يستمر في موعظته، وأن يقول له: اتقِّ الله، ودع ما أنت فيه، لكن تمادى به الحال إلى أن قال هذا المقال! فأحبط الله تعالى عمله، ومعنى: (أوبقت) أي: أهلكت وأضاعت.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لأن الرجل أقسم على الله، وتحجر واسعًا.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الإقسام على الله على سبيل التحجر والتضييق.
стр. 744
٢ - الحذر من فلتات اللسان، ونفثات الصدور، فإن الغضب -والعياذ بالله- يردي صاحبه في المهالك؛ ولما استوصى رجل النبي ﷺ فقال: "أوصني" قال: "لا تغضب" قال: "أوصني" قال: "لا تغضب" قال: "أوصني" قال: "لا تغضب" فردد مراراً، قال: "لا تغضب" (١)، فعلى الإنسان أن يتقي شؤم الغضب؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "وإذا غضب أحدكم فليسكت" (٢)، لأنه إذا سكت سلم، فلم يبدر منه طلاق، ولا عتاق، ولا قذف، ولا شتيمة.
وقد ذكر النبي ﷺ للغضب حلولاً متعدداً:
منها: إن كان قائماً فليقعد، وإن كان قاعداً فليستلق، لقوله ﷺ : "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" (٣).
ومنها: الوضوء، قال النبي ﷺ : "فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (٤)؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم، قال النبي ﷺ : "ألا ترون إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه" (٥)، وإنما يطفئ النارَ الماء، فالوضوء يذهب الغضب، بل قد جاء أيضاً: "فليغتسل" (٦)، ووقع ذلك من معاوية ﵁ حين سبه رجل وهو على المنبر، فنزل، وذهب، واغتسل، ورجع وهو يتقاطر من الماء، وذكر حديث الاغتسال (٧)؛ لأن هذا يبرد البدن والقلب.
٣ - خطر اللسان، كما جاء في الحديث: "وهل يكب الناس على وجوههم
стр. 745
في النار -أو قال- على مناخرهم، إلا حصائد ألسنتهم" (١).
مسألة: يُشكل على ما تقدم: أن النبي ﷺ قال في حديث أنس بن النضر: "رب أشعث أغبر في طمرين، لو اقسم على الله لأبره" (٢)، وفي حديث آخر: "كم من أشعث، أغبر، ذي طمرين، لا يؤبه له، لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك" (٣). فكيف يجمع بينها؟
الجواب: الإقسام على الله له أربع حالات:
الأولى: أن يقسم على ما أخبر الله تعالى به ورسوله: فهذا جائز، كأن يقول لشخص، وهو يعظه: يا فلان اتقِّ الله ، والله الذي لا اله إلا هو إن اتقيت الله ليجعلن لك مخرجاً، فهذا جائز؛ لأن هذا أقسم بناء على خبر الله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. ومن ذلك ما كان يصنعه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أيام حصار التتار لدمشق، حيث كان يطوف على الجند، وهم على الأسوار، ويحلف لهم أنهم منصورون، فيقولون له: قل: إن شاء الله، فيقول: أقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً (٤)، أي: أن الأمر لا يحتاج التعليق على المشيئة؛ لأن هذا بخبر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧] وخبر الله لا يتخلف.
الثانية: أن يقسم على الله لقوة رجائه، وحسن ظنه بالله : فهذا جائز، وعليه يحمل حديث أنس بن النضر، فإن أنس بن النضر من خيار الصحابة، سليم القلب، كان إذا أقسم على الله أبره، ومن ذلك أَنَّ الرُّبَيِّعَ وَهِيَ ابْنَةُ النَّضْرِ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ، فَطَلَبُوا الأَرْشَ، وَطَلَبُوا العَفْوَ، فَأَبَوْا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَأَمَرَهُمْ
стр. 746
بِالقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ: أَتُكْسَرُ ثَنِيَّةُ الرُّبَيِّعِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا، فَقَالَ: «يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ القِصَاصُ»، فَرَضِيَ القَوْمُ وَعَفَوْا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ» زَادَ الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، فَرَضِيَ القَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ (١)، ومن ذلك قصة البراء بن مالك، وكان الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا حمى الوطيس، واحتدم القتال مع المشركين، يأتون إليه، ويقولون: أقسم على ربك لما منحتنا أكتافهم (٢)، فما هو إلا أن يقسم على ربه حتى يمنحهم الله أكتافهم. فإذا صدر هذا من إنسان يعلم حاله مع ربه ، ونتج ذلك عن حسن ظن بالله، فهو جائز.
الثالثة: أن يقسم إنسان على الله لعجبه بنفسه، وغروره: فهذا حرام، فكيف يقسم على الله وهو يعلم من حاله التفريط، والتقصير!
الحالة الرابعة: أن يقسم على الله تضييقاً وتحجراً: فهذا من الكبائر، كما في حديث الباب.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: التحذير من التألي على الله.
لقوله: "من ذا الذي يتألى عليّ أن لا أغفر لفلان" فأحبط عمله بذلك.
الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله.
الثالثة: أن الجنة مثل ذلك.
استنبط المصنف هاتين المسألتين من كون هذا العابد الذي أفنى عمره في العبادة، حبط عمله بكلمة، وكون المسرف على نفسه أحسن الظن بربه، وقال:
стр. 747
"خلني وربي"، فهذا يدل على قرب الجنة والنار كما جاء في الحديث: "الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" (١)
الرابعة: فيه شاهد لقوله: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة … " إلى آخره.
وهو حديث بلال بن الحارث المزني: "إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه" (٢).
الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه.
فهذا الرجل غُفر له بسبب يبغضه، وهو أن يقوم أحد على رأسه يؤنبه، فيحلف عليه بهذا اليمين المخوف، فيكون سبباً في غفران ما بدر منه، والله يفعل ما شاء، ويحكم ما يريد.
стр. 748
باب لا يستشفع بالله على خلقه
عن جبير بن مطعم ﵁ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! سبحان الله! " فما زال يسبح، حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: "ويحك! أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد" (١)، وذكر الحديث. رواه أبو داود.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان الشافع بمنزلة الطالب من المشفوع إليه، كان الاستشفاعُ بالله على أحد من خلقه تنقصاً لجناب الربوبية،، وعكسًا للقضية. فالله تعالى له المثل الأعلى لا يستشفع به على أحد.
قوله: "عن جبير بن مطعم ﵁" هو: جبير بن مطعم بن عدي من بني عبد مناف، وكان ذا وجاهة في قريش، مات سنة سبع وخمسين. ﵁.
قوله: "قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ " الأعرابي واحد الأعراب، وهم الذين يسكنون البوادي. أما العربي: فواحد العرب. ومن شأن الأعراب أن يكثر فيهم الجهل والجفاء؛ قال الله : ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ [التوبة: ٩٧] وذلك لأنهم لم ينالوا حظاً من العلم والتهذيب، مثل ما يناله المستوطنون في المدن. فمن استوطن المدن زال عنه وصف الأعرابية، وحصل له من التعلم ما
стр. 749
لم يحصل لمن كان في باديته؛ وقد نهى النبي ﷺ عن التعرب بعد الهجرة، فقال ﷺ : "اجتنبوا الكبائر السبع" فسكت الناس فلم يتكلم أحد، فقال النبي ﷺ : "ألا تسألوني عنهن؟ الشرك بالله، وقتل النفس، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وقذف المحصنة، والتعرب بعد الهجرة" (١). قوله: "فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس" "نهكت" أي: جهدت، وضعفت، وتلفت.
قوله: "وجاع العيال" هم من يعولهم الإنسان؛ من زوج، وولد؛ بسبب الجدب، وانقطاع المطر.
قوله: "وهلكت الأموال" أراد بالأموال الإبل والغنم. لأنها عامة أموال الأعراب.
قوله: "فاستسق لنا ربك" أي: اطلب لنا السقيا، بدعاء ربك. وهذا القدر لا بأس فيه.
قوله: "فإنا نستشفع بالله عليك " أي: نجعل الله شافعاً لنا عندك في طلبتنا هذه! وهذا أمر عظيم جداً، أن يجعل الله بمنزلة الشافع إلى النبي ﷺ . وهو موضع الشاهد. قوله: "وبك على الله" هذا لا بأس به، أن يجعل النبي ﷺ في حياته، شافعًا لهم عند الله، فيدعو لهم، ويستسقي لهم. وهذا الدعاء نوع من الشفاعة؛ وقد تقدم أن الشفاعة: طلب الخير للغير، وأنها مشتقة من الشفع الذي هو ضد الوتر؛ وذلك لأن الشافع انضم إلى المشفوع له، فبعد أن كان وتراً، صارا شفعاً.
قوله: "فقال النبي ﷺ : "سبحان الله! سبحان الله! " " (سبحان) اسم مصدر، أي: تنزيهاً لله. وتسبيح النبي ﷺ لربه في هذا المقام مناسب جداً؛ لأنه معظم لله تعالى، ومقدر لمقام الربوبية، فلما رأى أنه قد نيل منه، غضب لله ، وسبح؛ كما أمره ربه: ﴿وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: ١٠٨] فمن أسس الدين والتوحيد: التسبيح، فإن العلم بالله يقوم على ركنين: التسبيح والتحميد،
стр. 750
فحمد الله معناه: وصفه بصفات الكمال، ونعوت الجلال، وتسبيح الله: تنزيهه عن صفات النقص والعيب، ومماثلة المخلوقين، فإذا اجتمع التسبيح والتحميد تحقق التوحيد، ولهذا قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ١٨٠ - ١٨٢] فجمع بين التسبيح والتحميد. وفي حديث أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ مرفوعًا: "وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ - أَوْ تَمْلَأُ - مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" (١)
قوله: "فما زال يسبح حتى عُرف ذلك في وجوه أصحابه" أي: عُرف التأثر في وجوه أصحابه، فأصحابه ﷺ يغضبون لغضبه ﷺ ، ويرضون لرضاه، فلما رأوا نبيهم، وحبيبهم، قد لحقه هذا التأثر، تأثروا لذلك، وظهر ذلك في وجوههم، لكمال إيمانهم بربهم، ومحبتهم لنبيهم.
قوله: "ثم قال النبي ﷺ : "ويحك" " كلمة زجر، مثل: ويلك، لكنها ألطف وقعًا؛ التماسًا للعذر للمتكلم، بسبب جهله.
قوله: "أتدري ما الله؟ " هذا استفهام إنكاري، فيه إشارة إلى قلة علم المخاطب بالله، وغلبة الجهل عليه، وحصول الجفاء منه.
قوله: "إن شأن الله أعظم من ذلك؛ إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه" أي: وصفه، ومقامه، وما ينبغي له سبحانه، أعظم مما ظننت من جواز الاستشفاع به على خلقه.
وهذا الذي وقع من الأعرابي بسبب الجهل والجفاء، لا يزال -إلى يومنا هذا- يقع من قليلي العلم، جفاة الطباع، من السوقة، والفساق، وأهل الغفلة.
قوله: "رواه أبو داود" ورواه ابن أبي عاصم (٢)، والطبراني (٣)، والبغوي (٤)، وابن خزيمة (٥)، والبيهقي (٦)، وقد اختلف في ثبوته، فقواه ابن القيم ﵀،
стр. 751
وأجاب عن علله (١)، وضعفه ابن عساكر (٢)، واستغربه ابن كثير (٣). وقال شيخنا: فيه ضعف، ولكن معناه صحيح (٤).
مناسبة الحديث للباب:
مطابقة، لأنه يدل على تحريم الاستشفاع بالله على أحد من خلقه، وشدة النكير في ذلك.
فوائد الحديث:
١ - تحريم الاستشفاع بالله على أحد من خلقه. ومن ذلك قول بعض العامة لصاحبه: وجه الله أن تفعل كذا! فهو من الاستشفاع والتوجه بالله على خلقه. (٥)
٢ - وجوب تنزيه الله عما لا يليق به عموماً.
٣ - قوة تعظيم النبي ﷺ لربه، وعلمه به؛ لأن هذا الذي اعتراه يدل على قوة الإيمان، وامتلاء القلب بالإجلال. ويشبهه أن الإمام مالك ﵀ لما قال له السائل: كيف استوى؟ أطرق مليًا، وعلته الرحضاء، وارفضَّ عرقاً، ووجد موجدة شديدة لسؤاله، ثم رفع رأسه، وأجاب بالجواب المشهور: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا صاحب بدعة، ثم أمر به فأخرج (٦)، فبعض الأسئلة تنم عن انطواء القلب على فساد وآفة، فلذلك يشتد وقعها، ويغلَّظ في الرد على السائل.
стр. 752
٤ - وجوب إنكار المنكر، وتعليم الجاهل.
٥ - جواز الاستشفاع بالنبي ﷺ في حياته، لكونه ﷺ أنكر عليه الجملة الأولى، ولم ينكر عليه الجملة الثانية. أما بعد مماته ﷺ فلا تجوز مخاطبته بذلك، كأن يقف الإنسان على قبره ويقول: يا رسول الله اشفع لنا، أو يا رسول الله سل الله لنا كذا وكذا، فهذا لا يجوز؛ لأنه توسل بدعي. ولهذا لما توفي النبي ﷺ ، واحتاج المسلمون إلى الاستسقاء في زمن عمر، لم يقم عمر على قبر النبي ﷺ ، ويستشفع به، وإنما قال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا استسقينا بنبيك فتسقينا، وإنا نستسقيك بعم نبيك فاسقنا (١)، فيقوم العباس يدعو، فيسقون. فلا يستشفع بالنبي ﷺ ، ولا يتوسل به بعد مماته، بل يتوسل بطاعته وبالاقتداء به، والتسنن بسنته. أما في حياته فيتوسل بدعائه. وكذلك بعد البعث؛ فإن له الشفاعة العظمى؛ فإن الناس يأتون إليه، ويطلبون منه الشفاعة حين يعتذر عنها آدم، وأولو العزم من الرسل، حتى تؤول النوبة إليه، فيقول: "أنا لها" (٢).
٦ - الحذر من كل ما يوهم التسوية بين الله وبين نبيه، وهذه لطيفة؛ فهاتان جملتان كأنهما كِفَّتي ميزان: "إنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله" فكأنه جعل الله تعالى، والنبي ﷺ بمنزلة سواء، فهذا معنى مذموم.
ومن الصور المشابهة والواقعة في حياة الناس اليوم: ما يفعله بعض الناس حينما يزخرفون محاريب المساجد، فيكتبون: (الله - محمد)! على حد سواء، فإن هذا يوقع في قلوب العامة والناشئة المماثلة، حتى إنك تسمع من بعض الأعاجم في المطاف من يقول: يا الله يا محمد، يظن أن هذين الاسمين بمنزلة واحدة، فينبغي التنبه لهذه الدقائق.
стр. 753
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: إنكاره على من قال: "نستشفع بالله عليك".
هذا الإنكار وقع بالقول والفعل، أما بالقول فبتسبيحه ﷺ ، وقوله: "ويحك" وأما بالفعل:
الثانية: تغيره تغيراً عُرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة.
فتمعر وجهه ﷺ ، وإن كان هذا ليس صريحاً في الحديث، لكن معرفة أصحابه لذلك دليل عليه، فإن وجه النبي ﷺ مرآة لقلبه، فلهذا دوماً تجد في الأحاديث: "فرأينا وجهه يتهلل، كأنه مذهبة" (١)، أو "فرأيت الكراهة في وجهه" (٢)، ونحو هذا، فيظهر منه صدق الانفعال.
الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله: "نستشفع بك على الله".
فدل على أن الاستشفاع به في حياته بمعنى طلب الدعاء منه، مشروع، غير منكر.
الرابعة: التنبيه على تفسير "سبحان الله".
أي: أن السياق دل على أن معناها التنزيه.
الخامسة: أن المسلمين يسألونه ﷺ الاستسقاء.
وشواهد هذا كثيرة، كالرجل الذي دخل عليه المسجد، وهو يخطب الجمعة، فاستسقى، حتى لم ينزل عن المنبر إلا والمطر يتحادر على لحيته (٣).
стр. 754
واستسقى مرة، فقال: "اللهم اسقنا"، فقال أبو لبابة بن عبد المنذر: يا رسول الله إن التمر في المرابد، فقال: "اللهم اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عرياناً، فيسد ثعلب مربده بإزاره"، وما يرى في السماء سحاب، فأمطرت، فاجتمعوا إلى أبي لبابة، فقالوا: إنها لن تقلع حتى تقوم عرياناً فتسد ثعلب مربدك، كما قال رسول الله ﷺ ، ففعل، فأصحت السماء (١)، وقع هذا استجابة من الله لنبيه ﷺ .
стр. 755
باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ حمى التوحيد وسده طرق الشرك
عن عبد الله بن الشخِير ﵁ قال: انطلقتُ في وفد بني عامر إلى رسول ﷺ فقلنا: أنت سيدنا، فقال: "السيد الله ﵎" قلنا: وأفضلنا فضلاً، وأعظمنا طولاً، فقال: "قُولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينَّكم الشَّيطانُ" (١) رواه أبو داود، بسند جيد.
وعن أنس ﵁ أن ناساً قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله " (٢) رواه النسائي، بسند جيد.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
لما كان التوحيد لا يتم إلا بتحقيق أركانه، وصيانة جنابه مما يفضي إلى ثلمه وانتقاصه، من معاول الشرك، القولية والعملية، عقد المصنف هذا الباب.
وقد تقدم نظير هذه الترجمة، وهو "باب: ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك" وأعادها المصنف اهتماماً بالمقام، والفرق بين البابين أن الأول فيه حماية التوحيد بسد الطرق الفعلية،
стр. 756
وهذا الباب فيه حمايته بسد الطرق القولية؛ فكل قول يفضي إلى الغلو يخشى منه الوقوع في الشرك، ويتعين اجتنابه، ولا يتم التوحيد إلا بتركه.
قوله: "باب: ما جاء في حماية المصطفى" لا شك أن النبي ﷺ حَمى (حِمى التوحيد) وسد جميع الطرق المفضية إلى الشرك، وهكذا سائر إخوانه من النبيين، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] ووصفه بالمصطفى وصف مطابق، فإن الله تعالى اصطفاه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] فأنبياء الله مصطفون أخيار. والحماية هي الصيانة عن كل ما يثلمه ويفسده، إما في أصله، أو في كماله الواجب، أو في كماله المستحب.
قوله: "عن عبد الله بن الشخِّير" هو عبد الله بن الشخير بن عوف العامري، أسلم يوم الفتح، قوله: "قال: انطلقتُ في وفد بني عامر، إلى رسول الله ﷺ ، فقلنا: أنت سيدنا" استهلوا خطابهم بالتبجيل، والثناء، والمدح، كما تفعل الوفود حينما تقدم على الكبراء، وهكذا تعودوا في جاهليتهم، ووصفوه بالسيادة.
قوله: "السيد الله ﵎" فأراد النبي ﷺ أن يعلم هذا الوفد، حديثي العهد بالإسلام، الاقتصاد في الكلام، وأن لا يدب فيهم الغلو، فبيّن أن السيادة المطلقة لله تعالى.
وقد اختلف العلماء في إطلاق اسم "السيد" على غير الله :
- فقال قوم بالجواز، واستشهدوا بقصة سعد بن معاذ ﵁ حين أقبل بعد غزوة بني قريظة محمولاً على حمار؛ لكونه أصيب في أكحله، فقال النبي ﷺ للأنصار: "قوموا إلى سيدكم" (١).
- ومنع ذلك آخرون: مستدلين بحديث الباب، وروي ذلك عن مالك (٢).
стр. 757
- والصحيح: أنه إذا قُصد بالسيادة، السيادة المطلقة فلا شك أن هذا لا يجوز إلا لله تعالى، فإن معنى السيد: من له السؤدد والشرف. وغاية السيادة إنما تكون لله .
وفي هذه الأزمنة المتأخرة، صار لفظ السيد مبتذلاً، فكل خطاب يصدر من أي جهة يدبج بعبارة: السيد فلان، وقد يكون صعلوكًا، ليس له سيادة على أحد. فلم يعد هذا الاسم يعطي معنى السيادة، بخلاف ما مضى؛ إذا قيل: السيد، فإنه ينصرف إلى الكبراء والأمراء، ومن له وجاهة في قومه. فلما انتفى هذا المحذور، وهو اعتقاد السيادة المطلقة للمخاطب، فلا بأس باستعماله. لأن الأصل أنه يجوز أن يسمى المخلوق بما يسمى به الخالق على اعتبار أن ما للمخلوق يليق به، وما للخالق يليق به. ولعل النبي ﷺ لحظ هذا المعنى في قوم حديثي عهد بإسلام، وفدوا عليه، فخشي أن يتجارى بهم الأمر، فيغلوا فيه ﷺ .
قوله: "وأفضلنا فضلاً " الفضل: الخير والزيادة، أي فأنت أكثرنا خيرًا.
قوله: "وأعظمنا طولاً" أي: عطاءً وبذلاً، ولا شك أن النبي ﷺ كما قالوا، وزيادة.
قوله: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم" أي: قولوا بما يخاطب به بعضكم بعضاً، عادةً، أو بعض قولكم الذي ذكرتموه الآن، لا كله، وإن كان حقيقًا به، تأديبًا لهم وتعليمًا.
قوله: "ولا يستجرينكم الشيطان" أي: لا يتخذنكم الشيطان جرياً، والجري: هو الرسول والمندوب الذي يُبعث لإبلاغ الخبر، كما يقال: لا تكن بريداً للشيطان.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، لما فيه من التحفظ في الأقوال، وسد باب الغلو المفضي إلى الشرك.
فوائد الحديث:
١ - تواضعه ﷺ ، وأدبه مع ربه، ولهذا لما خير النبي ﷺ بين أن يكون
стр. 758
ملكاً رسولاً، أو عبداً رسولاً، أشار إليه جبريل أن تواضع، فقال: "بل عبداً رسولاً" (١)، وقد ضرب النبي ﷺ أروع الأمثلة في التواضع الكريم الشريف، الذي لا دناءة فيه؛ فلما أتاه رجل، فكلمه، جعل ترعد فرائصه، فقال له: "هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد" (٢)، والقديد: هو اللحم المجفف، أي: أني كسائر الناس. فلم يكن النبي ﷺ يتعالى أو يتباهى، أو يتخذ الخدم، والحشم، والأبهة بين يديه، بل كان على سجيته. ومع ذلك، جمع الله تعالى له بين المحبة والمهابة، فمن رآه هابه، ومن جالسه أحبه.
٢ - التحذير من الغلو في المديح، والتكلف في الألفاظ؛ وهذا يقع كثيراً من الشعراء، فإن الشعراء يستزلهم الشيطان، ويستهويهم، فيجري على ألسنتهم من وحيه ووسواسه ونفخه ونفثه، ما يجعلهم يرفعون المحقرين إلى أعلى المراتب، ولهذا قال النبي ﷺ : "إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجوههم التراب" (٣).
٣ - أن السؤدد المطلق لا يكون إلا لله تعالى؛ لقوله ﷺ : "السيد الله".
٤ - أن من أسماء الله الحسنى: السيد.
٥ - الحذر من مزالق الشيطان؛ لقوله: "ولا يستجرينكم الشيطان".
٦ - أنه لا بأس بشيء يسير من المِدحة، من غير كذب ولا غلو؛ لقوله: "قولوا بقولكم أو بعض قولكم" فالشيء اليسير، الذي يتضمن التعريف، لا بأس به؛ ولهذا كتب النبي ﷺ : "من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم" (٤)، فهذا فيه مدحة، وهو إخبار بالواقع، أما الأسجاع المتكلفة، والألقاب المفخمة، فإنها مذمومة.
стр. 759
ثم قال المصنف ﵀: "وعن أنس ﵁ أن ناساً قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا" لا شك أن النبي ﷺ خير البرية، وهو سيد ولد آدم، ولا ريب، كما أنه من خيار سلالة قريش سؤددًا وشرفًا، لكنه ﷺ لم يقرهم على ذلك.
قوله: "يا أيها الناس قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان" أي: بما جرت به عادتكم في مخاطبة بعضكم بعضًا، ولا يوقعنكم الشيطان في الهوى، ويذهب بعقولكم.
قوله: "أنا محمد" هكذا ذكر اسمه الصريح دون مقدمات وألقاب.
قوله: "عبد الله ورسوله" هذان الوصفان الكريمان اللذان يوصف بهما النبي ﷺ ، كما قال في الحديث الآخر: "لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبد الله ورسوله" (١)، وفي هذين الوصفين ردٌ على أهل الجفاء، وأهل الغلو؛ فقوله: "عبد الله" رد على أهل الغلو الذين يرفعونه فوق منزلته، وفي قوله: "ورسوله" رد على أهل الجفاء الذين لا ينزلونه منزلته التي تليق به، وهي الرسالة، فلهذا كان الجمع بين الوصفين هو التعبير المناسب.
قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي" فربما توهموا أنه يعجبه ذلك، فبيّن لهم أنه لا يحب ذلك، وأن نفسه الطيبة الكريمة المتواضعة تستنكف، وتنفر من هذه الأساليب.
قوله: "التي أنزلني الله " وهي منزلة العبودية، والرسالة والنبوة.
قوله: "رواه النسائي بسند جيد" وهو حديث صحيح.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، كسابقه، لما فيه من النهي عن التوسع في المدح حماية منه ﷺ لجناب التوحيد، وسد طرائق الشرك.
стр. 760
فوائد الحديث:
١ - النهي عن الغلو في شخص النبي ﷺ ، وترك الألفاظ المتكلفة.
٢ - حمايته ﷺ لجناب التوحيد، وسده جميع الطرق المفضية إلى الشرك.
٣ - أن أجل وصفين يوصف بهما النبي ﷺ : العبودية والرسالة.
٤ - الرد على أهل الغلو، وأهل الجفاء.
٥ - التحذير من استزلال الشيطان وإيقاعه في الهوى؛ وذلك أن الشيطان يتفنن في جر الناس إلى الوقوع في الشرك، فيأتي الصالحين، والعبَّاد من باب تعظيم النبي ﷺ ، فيوقعهم في المحظور، كالذين يغلون في النبي ﷺ بإقامة الموالد، ويدبجون المدائح والقصائد، ويأتون بأوصاف لا تليق إلا بالله ، كما مثلنا بقصيدة البوصيري، التي يخاطب فيها النبي ﷺ :
يا أكرَمَ الخلقِ ما لي مَنْ ألوذُ به … سِوَاكَ عِنْدَ حُلولِ الحادِثِ العَمِمِ
اِنْ لم تكُن في مَعَادِي آخِذَاً بِيَدِي … فَضْلاً وإلا فَقُلْ: يا زَلَّةَ القَدَمِ
فَإِنَّ مِنْ جُودِكَ الدُّنْيَا وَضَرَتِهَا … وَمِنْ عُلُومِكَ عِلَمَ اللوحِ وَالقَلمِ (١).
فجعل الدنيا والآخرة من جود النبي ﷺ وجعل علم اللوح والقلم من علوم النبي ﷺ . سبحان الله! ماذا أبقى لله؟ فلا شك أن هذا من استهواء الشيطان بدعوى محبة النبي ﷺ
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تحذير الناس من الغلو.
أي: لقوله: "قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان".
стр. 761
الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا.
يقول: (السيد الله).
الثالثة: قوله: "لا يستجرينكم الشيطان" مع أنهم لم يقولوا إلا الحق.
وهذا ملحظ مهم، فليس كل كلام حق يقر، بل يجب أن ينظر إلى بواعثه، ومآلاته، فإنهم قالوا قولاً يستحقه، لكنه أنكر عليهم خوفاً من أن يتجارى بهم الغلو، وينزلوه فوق منزلته.
الرابعة: قوله: "ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي".
أي: أن النبي ﷺ قد أحله ربه منزلة كريمة، وهي منزلة العبودية والرسالة، فلا يزاد عليها. وقد وصفه ربه بالعبودية التامة؛ لأن العبودية درجات، فهناك العبودية الكونية التي يخضع لها كل أحد، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣] فتشمل المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والإنسان والحيوان، والطير والهوام، وهناك عبودية خاصة، وهي العبودية الشرعية التي يقوم بها المؤمنون الممتثلون لأوامر الله، المنتهون عن نواهيه، وهناك عبودية خاصة الخاصة، وهي عبودية الأنبياء والمرسلين، وأكملها عبودية الخليلين: إبراهيم، ومحمد -صلوات الله وسلامه عليهما-، فهذه هي العبودية التامة. وقد وصفه الله تعالى بها في أشرف منازله، في أشرف ليلة مرت به؛ ليلة الإسراء والمعراج، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، وفي أشرف أحواله، وهو حال تنزل القرآن، فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، في أشرف أعماله، وهو الدعوة إلى الله، فقال: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. فوصف العبودية وصف شريف كامل، كما قال الشاعر:
باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر: ٦٧].
عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (١).
وفي رواية لمسلم: والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك، أنا الله (٢).
وفي رواية للبخاري: يجعل السماوات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع (٣)، أخرجاه.
ولمسلم: عن ابن عمر مرفوعاً: "يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟
стр. 764
أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين المتكبرون" (١).
وروي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" (٢).
وقال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس" (٣).
قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" (٤).
وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" (٥) أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله.
стр. 765
ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قاله الحافظ الذهبي -رحمه الله تعالى-، قال: وله طرق (١).
وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" (٢)، أخرجه أبو داود وغيره.
الشرح:
مناسبة الباب لكتاب التوحيد:
أن غاية التوحيد: أن يجل العبد ربه، ويعظمه غاية التعظيم؛ لاسيما ما يدل على علوه المطلق. فجعله المصنف مسك الختام لكتاب التوحيد.
قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ أي: أن المشركين ما عظموا الله حق تعظيمه. قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ جملة حالية تدل على عظمة الرب، حيث أن فمن هذه صفته، وقدرته، حقه التقدير، والتعظيم، والإجلال.
قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ كما قال في الآية الأخرى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
قوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيهاً له عما وقع من
стр. 766
هؤلاء المشركين من عبادة الأصنام، فأشركوا معه غيره، فلم يقدروه حق قدره.
قوله: "عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ " الحَبر: هو العالم الراسخ من اليهود، وجمعه أحبار، ويصح بالكسر: حِبر، سُمي حبراً من التحبير؛ وذلك لأن الحِبر يبقى؛ فلما كان العلم يرسخ في قلبه صار بمنزلة الحِبر. وقد كان اليهود مجاورين للنبي ﷺ في المدينة.
قوله: "إلى رسول الله ﷺ "فقال: يا محمد" لم يخاطبه بلفظ الرسالة؛ لأنه لم يُسلِّم له بذلك، مع أن رسالته، وصفته موجودة في كتبهم، وكانوا يستفتحون به على العرب، لكن الكبر منعهم من اتباعه. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]
قوله: "فقال: يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إِصبع" أي نجد في كتبنا. وقيل:
وَهَمْزُ أُنْمُلَةٍ ثَلِّثْ وَثَالِثُهُ … وَالتِّسْعُ فِي أُصْبُعٍ وَاخْتِمْ بِأُصْبُوعٍ (١).
أي: أن همزة (أنملة) مثلثة تنطق بالفتح، والكسر، والضم، وكذلك حَرْفها الثالث، وهو الميم مثلثة، فتتكون تسع لغات، كلها فصيحة. ومثلها (أصبع) فالهمزة، والباء، تُستعمل معها الحركات الثلاثة: الفتحة، والكسرة، والضمة، تراوح بينها، ففيها تسع لغات، كلها فصيحة، وتزيد لغة عاشرة، وهي أن تقول: أصبوع. فمهما نطقتها أصبت.
قوله: "والشجر على أصبع، والثرى على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه" أي تبسم تبسماً بليغاً، حتى ظهرت النواجذ. وهن الأضراس.
قوله: "تصديقاً لقول الحَبر، ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على أصبع، ثم يهزهن فيقول: أنا الملك أنا الله". ولمسلم عن ابن عمر مرفوعاً:
стр. 767
"يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " يا لها من روايات تملأ القلب تعظيماً لله ، وهي حق على حقيقتها، لا تستلزم التمثيل، والتكييف، فإن بعض الناس إذا سمع مثل هذه الأحاديث استشنع، وأصابه رعدة! كما مر آنفًا عن ابْنَ عَبَّاسٍ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا، فَقَامَ رَجُلٌ فَانْتَقَضَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «مَا فَرَّقَ مِنْ هَؤُلَاءِ، يَجِدُونَ عِنْدَ مُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ» (١). وسبب ذلك أنه يتبادر إلى ذهنه لوثة التشبيه، لكن من عرف الله، علم أن ذلك اتفاق في الأسماء، لكن الحقائق والمسميات مختلفة، وأنه يدل على أن الله له يدان حقيقيتان، تليقان بجلاله وعظمته، يقبض بهما ويطوي، كما أخبر، وله أصابع ، لا ندرك كنهها، ولا كيفيتها، لكننا نثبت حقيقتها اللائقة به سبحانه، وليس من لازم إثبات حقيقتها، إدراك كيفيتها، فإذا قال الله : ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ قلنا ما قال ربنا: له صفة القبضة، والقبضة من صفات اليد الحقيقية. وإذا قال: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ فنثبت له اليمين، والطي، فهو "يطوي"، و "يأخذهن" و "يهزهن" ويقول: "على أصبع" فنثبت ما أثبت النبي ﷺ لربه، ونقبل كلام الله وكلام نبيه ﷺ ؛ ولا نتعرض له بتمثيل، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف. لأن شروط القبول قد اجتمعت في كلام الله، وكلام نبيه ﷺ ، وهذه الشروط هي:
١ - العلم المنافي للجهل: فالله تعالى أعلم بنفسه من غيره، ونبيه ﷺ أعلم بربه.
٢ - الصدق المنافي للكذب: والله تعالى أصدق قيلاً، ونبيه ﷺ صادق مصدوق.
٣ - البيان: والله سبحانه أحسن حديثاً، ونبيه ﷺ أفصح الناس، ليس فيه فهاهة ولا عِيّ.
٤ - النصح: فالنبي ﷺ هو أنصح الأمة للأمة. فلما اجتمعت هذه
стр. 768
الأوصاف الأربعة لزم قبول الخبر، ولم يجز رده، ولا التجني عليه بأنواع التأويلات الباطلة التي سلكها أهل التأويل من المتكلمين، فنثبت ما أثبته الرب لنفسه، معتقدين أنه حق على حقيقته، ولا نشقى بها؛ كما شقي بها أهل التأويل، فقالوا: إن النبي ﷺ ضحك من قول الحبر استهجاناً له؛ لأن اليهود أهل تجسيم! فكيف يصح هذا التأويل، وقد صرح ابن مسعود ﵁ بقوله: "تصديقاً لقول الحبر"؟ هذا من شؤم المقدمات الفاسدة، وإلا فلا مانع من إثباته، ما دام قد صح به الخبر، فنعتقد أنه حق على حقيقته، وإن لم تطق عقولنا إدراك كيفيته.
قوله: "ثم يأخذهن بشماله" قال بعض الشراح إن هذه اللفظة: شاذة، غير محفوظة، واستدل بقول النبي ﷺ : "وكلتا يديه يمين" (١)، والصحيح: أنها لفظة ثابتة، مروية بسند صحيح؛ والمراد أن الله تعالى له يدان كريمتان، ميمونتان؛ يمين، وشمال، لكن شماله ليست كشمال المخلوقين؛ فالمخلوقون في الغالب تكون الشمال أنقص، وأضعف من اليمين، فلما خشي النبي ﷺ أن يتوهم متوهم هذا النقص، نزه الله عن ذلك، وقال: "وكلتا يديه يمين".
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة جلية، لما تضمنه من بيان قدرة الرب العظيمة الباهرة، التي توجب قدره حق قدره.
فوائد الحديث:
١ - اعتقاد يهود صدق نبوته ﷺ في قرارة نفوسهم، وجحودهم لها ظاهرًا، بسبب كبرهم.
٢ - أن ما جاء به النبي ﷺ مصدق لما بين يديه من الكتاب، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨].
٣ - عظيم قدرة الله وسلطانه.
стр. 769
٤ - أن من الضحك ما يقع تصديقًا وإقرارًا.
٥ - فساد مذهب أهل التأويل، ومصادمته للنصوص.
٧ - الاستشهاد بالقرآن في المواضع المناسبة.
٨ - إثبات اسم الله (الملك)، وما تضمنه من صفة الملك.
٩ - إثبات الصفات الخبرية: الأصبع، القبضة، اليمين، الشمال، على حقيقتها اللائقة به تعالى.
١٠ - إثبات الصفات الفعلية: الهز، والطي، والأخذ، على حقيقتها اللائقة به تعالى.
١١ - إثبات القيامة والمعاد، وما يقع فيها من أحداث جسام.
١٢ - شؤم عاقبة التجبر والكبر، وانفراد الله بهما.
قوله: وروي عن ابن عباس قال: "ما السماوات السبع، والأرضون السبع، في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم" الخردل: نبت له حب صغير أسود، واحدته خردلة، يعبر به عن الشيء المتناهي في الدقة والصغر. وقد ذكره المصنف بصيغة التمريض؛ "روي"، ومثل هذا، إن صح، له حكم الرفع، لأنه لا مساغ للاجتهاد فيه.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما يشعره من عظمة الله، وقدرته، الموجبة لقدره حق قدره.
فوائد الأثر:
١ - إثبات صفة "الكف" لله تعالى، حقيقةً على ما يليق بجلاله.
٢ - عظم الرب سبحانه، وقدرته.
٣ - إثبات السبع في عدد السماوات والأرض.
قوله: وقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة، ألقيت في ترس". قال: وقال أبو ذر ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض" تقدم الكلام على تخريج هذا الحديث والأثر، أول الباب. وهما يدلان
стр. 770
على صغر السماوات السبع منسوبةً للكرسي، وصغر الكرسي منسوبًا للعرش.
مناسبة الحديث والأثر للباب:
ظاهرة جلية، لما يشعران من صغر هذه المخلوقات العظيمة في ملك الله، مما يوجب تعظيمه.
فوائد الحديث والأثر:
١ - إثبات الكرسي والعرش.
٢ - عظم ملكوت الله، ووجوب قدره حق قدره، سبحانه.
٣ - أن العرش غير الكرسي، خلافًا لمن فسره به.
قوله: "وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم" أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله. ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. قاله الحافظ الذهبي ﵀، قال: وله طرق" وممن رواه أيضاً: الدارمي (١)، وابن خزيمة (٢)، والطبراني (٣)، والبيهقي (٤)، والخطيب البغدادي (٥)، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح (٦)، وصححه الذهبي (٧). وله حكم الرفع.
مناسبة الأثر للباب:
ظاهرة، لما تضمنه من سعة أقطار السماوات، وذكر الكرسي، والماء،
стр. 771
والعرش، مما لا يحيط به خيال، ولا يدخل تحت قياس، وعلو الرب فوق جميع خلقه، وعلمه بهم.
فوائد الأثر:
١ - سعة خلق الله، وعظم ملكوته.
٢ - أن السماوات سبع طباق، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [الملك: ٣]
٣ - إثبات الكرسي، والماء، والعرش، وأنها فوق السماوات.
٤ - أن العرش غير الكرسي، خلافًا لمن فسره به.
٥ - إثبات علو الذات.
٦ - إثبات معية الله بعلمه، وأن علوه لا ينافي معيته، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد: ٤]
قوله: "وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ " قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم" أخرجه أبو داود، وغيره".
هذا الحديث يُسمى: "حديث الأوعال"، ولكن المصنف أسقط ذكر الأوعال مع ثبوته في حديث أبي داود، فقال بعد ذكر كثف البحر: "ثم فَوقَ ذلكَ ثمانيةُ أوعالٍ، بين أظلافِهِم ورُكبِهِم مثلُ ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم على ظُهورهم العرشُ، بين أسفلِه وأعلاهُ مثلُ ما بينَ سماءٍ إلى سماءٍ"، والمقصود بالأوعال: حملة العرش الثمانية. وهو حديث مختلف فيه، فقد رواه، كما تقدم تخريجه، أبو داود، والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وحسنه الترمذي، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي (١)، وقال ابن العربي في شرح الترمذي: حسن
стр. 772
صحيح (١)، واحتج به ابن خزيمة (٢)، وصححه الجوزقاني (٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٤)، وابن القيم (٥).
فسلف الأمة، وأئمتها، احتملوا هذا الحديث، واحتجوا به. وفيه ذكر المسافات بين السماوات، وكثف كل سماء، فيجب علينا أن نعتقد ما دلت عليه هذه الأحاديث، من عظم خلق السماوات والأرض، وأعظم من ذلك: إثبات علو الله بذاته فوق مخلوقاته، فإن قارئ هذا الحديث يفهم منه إثبات العلو المطلق لله ، فكما أنه عليٌ بصفاته هو عليٌ بذاته، فذاته فوق كل شيء، كما قال عن نفسه: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: ٣] وفسّره نبيه ﷺ بقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء" (٦)، فله العلو المطلق في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله.
مناسبة الحديث للباب:
ظاهرة، كالأحاديث والآثار السابقة، الدالة على عظيم خلق الله، وعلوه على خلقه.
فوائد الحديث:
١ - التعليم بطريقة السؤال والجواب، لاستثارة الأذهان.
٢ - عظم الأجرام السماوية، الدالة على عظم خالقها ومدبرها سبحانه.
٣ - الرد على الملاحدة القائلين أن الكون لا خالق له، وأنه ليس ثّم إلا فضاء، ومجرات تقاس بالسنين الضوئية، وجدت صدفة! أو أوجدتها الطبيعة! فرارًا من إثبات الخالق الحكيم. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ
стр. 773
(٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: ٣٥، ٣٦]
٤ - إثبات البحر، وهو الماء المذكور في قوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧].
٥ - إثبات حملة العرش الثمانية.
٦ - إثبات العرش، وأنه سقف العالم.
٧ - إثبات العلو المطلق لله تعالى، علواً ذاتياً، وفوقيته على العرش
٨ - الرد على نفاة العلو، من الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، ومن سار على طريقتهم، فإن منهم من يقول: بحلول الله في كل مكان، تعالى الله عما يقولون، ومنهم من ينفي الجهات الست. والشرع، والعقل، والفطرة، والإجماع، تدل على علو الله فوق سماواته، حتى قال بعض علماء الشافعية: إن في القرآن العظيم أكثر من ألف دليل أو أزيد تدل على أن الله تعالى عالٍ على الخلق، وأنه فوق عباده (١).
٩ - إحاطة علم الله بكل شيء.
١٠ - أن علوه تعالى لا ينافي معيته، فهو قريب في علوه، علي في دنوه.
ثم قال المصنف ﵀:
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر: ٦٧].
أي: يقبضها بيده حقيقة، على ما يليق بجلاله، كما دل عليه الآية، والحديث الصحيح.
الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه ﷺ ، لم ينكروها، ولم يتأولوها.
أي: العلوم التي تتضمن إثبات علو الله وصفاته، مما بقي في كتبهم،
стр. 774
يجدونها عندهم؛ وأقرهم عليها النبي ﷺ لم ينكروها ولم يؤولوها، كما صنع المتكلمون من المعتزلة والجهمية والأشاعرة.
الثالثة: أن الحَبر لما ذكر للنبي ﷺ صدَّقه ونزل القرآن بتقرير ذلك.
لقول ابن مسعود ﵁: "فضحك النبي ﷺ ، حتى بدت نواجذه؛ تصديقاً لما قال الحَبر" ثم استشهد النبي ﷺ بالآية.
الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله ﷺ لما ذكر الحَبر هذا العلم العظيم.
وهذا الضحك منه ﷺ تعجباً وتصديقاً لموافقة ما قاله هذا اليهودي لما جاء به القرآن، كما صرح به ابن مسعود، لا كما يزعم النفاة؛ أنه وقع استهجانًا وإنكارًا.
الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السماوات في اليد اليمنى، والأرضين في الأخرى.
كما في الصحيحين، أو انفرد به أحدهما، فلله تعالى يدان كريمتان حقيقيتان.
السادسة: التصريح بتسميتها الشمال.
لقوله في رواية مسلم: "بشماله" وهي محفوظة، وإنما قال النبي ﷺ : "وكلتا يديه يمين" لدفع توهم من توهم أن الشمال في حق الخالق كالشمال في حق المخلوق؛ أنقص من اليمين.
السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك.
لقوله: "أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ " فهؤلاء الذين يخرجون عن طورهم ويظنون في أنفسهم ما ليس لهم، يظهر خزيهم، وحقارتهم، حتى إنه لا يجيبه
стр. 775
أحد منهم، فما أعظمها من موعظة لمن وقع في نفسه شيء من ذلك.
الثامنة: قوله: "كخردلة في كف أحدكم".
هذا التشبيه لبيان صِغَر وحقارة المخلوقات بالنسبة إلى الكرسي أو العرش.
التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء.
لوصفه في رواية ابن جرير: "كدراهم سبعة ألقيت في ترس".
العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي.
لوصفه في حديث أبي ذر بأنه: "كحلقة من حديد ألقيت بين ظهراني فلاة".
الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء.
أي لقوله: "بين الكرسي والماء خمسمائة عام والعرش فوق الماء" فقد جمع بينها، فلا تكون شيئاً واحداً، ولا يفسر بعضها ببعض.
الثانية عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء.
بيّنه النبي ﷺ بأنه خمسمائة عام.
الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء.
لقوله في أثر ابن مسعود: "والعرش فوق الماء".