← Акыда

Акыда · id 30151

بيت القصيد في شرح كتاب التوحيد

أحمد القاضي

Полный текст (793 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وفي لفظ: "جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم، قال: "ذاك صريح الإيمان" (١)، وكأنه كان يتوقع أن يحصل لهم ذلك، وما كان النبي ﷺ ليحمد الله إلا لأمر محل حمد، وهو صريح الإيمان. وليس ذلك وصفًا للوسوسة، فلا يمكن أن تكون الوسوسة محض الإيمان، أو صريح الإيمان، فالوسوسة من الشيطان، ولكن محض الإيمان وصريحه هو: استشناعهم، وانزعاجهم، من هذا الذي وقع في نفوسهم، فذلك دليل على صراحة الإيمان في قلوبهم. فإذا هجم على قلب المسلم شيء من ذلك، ووجد في نفسه انزعاجًا، وألماً، وتمنى أن لو يخر من السماء أحب إليه من أن ينطق به، فليعلم أن ذلك دليل على صراحة الإيمان في قلبه، فليحمد الله . أما إذا كان يسترسل معه، ويستروح له، ويعجبه ذلك، وإذا جلس في مجلس قاءَ غثاءه، وأخرج خبيئة نفسه، وبث وساوسه، فذاك مفتون، زائغ، متبع للمتشابه. قوله: "قال: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي" وهذا يدل على أمور: - أنه لا ينبغي أن يدع المؤمن في نفسه ريبة، بل يسعى لاستجلائها. - أنه يقصد أهل الذكر، كما أمر الله، ولا يسأل الجاهلين. - أن يسر بها، ولا يجهر بها على الملأ، لئلا تنتقل الشبهة إلى أهل العافية. قوله: "فقال: لو أنفقتَ مثل أحد ذهباً ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مِت على غير هذا، لكنتَ من أهل النار" هذه جمل رصينة محكمة، تُؤثر في النفس، وتثبت القلب، وتكنس ما فيه من شك. وتدل على وجوب الإيمان بالقدر، وأنه لا إيمان لمن لا يؤمن بالقدر، ولا قبول لعمله.

стр. 702

قوله: "قال: فأتيتُ عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، وكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " أي كل هؤلاء الصحابة الأربعة الكرام رفع هذا الحديث إلى النبي ﷺ . وقد مر، آنفًا، قول عبادة بن الصامت ﵃ أجمعين- قوله: "حديث صحيح، رواه الحاكم في صحيحه" أي: في مستدركه؛ لأن الحاكم النيسابوري ﵀ استدرك على الصحيحين؛ البخاري ومسلم، ما يظن أنه فاتهما، ولكنه لم يلتزم بشرطهما، وكأنه أراد أن يراجع ذلك فيما بعد فلم يمكنه؛ لانصرام الأجل، فجاء الذهبي ﵀ لاحقًا، وتتبع مستدرك الحاكم، فوافقه في أشياء وخالفه في غيرها، فما وافق فيه الذهبيٌّ الحاكمَ في استدراكه على الصحيحين، أو على أحدهما، فهو على شرطهما، أو شرط أحدهما، وما خالفه فيه فلا! فإن الذهبي إمام محقق، ومدقق، يُؤخذ بقوله. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لدلاته على وجوب الإيمان بالقدر، والتحذير من إنكاره. فوائد الحديث: ١ - وجوب الإيمان بالقدر. ٢ - كفر منكري القدر. ٣ - الوعيد الشديد على من أنكر القدر. ٤ - سؤال العلماء عما يشكل من أمور الاعتقاد وغيرها؛ كما فعل ابن الديلمي. فينبغي للإنسان أن يسأل، فإنما يدرك العلم بالسؤال، بعض العامة يقول: لا تسأل! لا تفتح على نفسك باباً! نعم، إن سألت جاهلًا، أو متعالماً، فقد فتحت على نفسك باب جهالة، لكن الله يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] فإذا وقع في نفس الإنسان شك، فيجب عليه أن يسعى في إذهابه، وليثق تمام الثقة أنه ليس في ديننا شيء يُستحى منه، أو يُعتذر عنه، أو ينافي العقل، أو الفطرة، فديننا كله حق، بحمد الله، نجهر به في

стр. 703

المحافل. وإنما يقع هذا لبعض المهزومين، المبهورين أمام المتحذلقين من العلمانيين، أو الملاحدة، أو المتفلسفين، فيسلك مسلك الاعتذار عن شريعة الله، أو عن مسائل الإيمان، وهذا ضعف في العلم والشخصية، ورخاوة في الدين، إن لم تكن أكثر من ذلك، والعياذ بالله. فالواجب أن نعتز بديننا، ونعلم أنه إن خفي هذا الأمر على فلان، أو علان، فقد علمه الراسخون، فينبغي سؤال أهل العلم عما أشكل. وهذا لا يختص بالأمور العملية، أو الاعتقادية، بل في كل شيء؛ ولهذا قال النبي ﷺ في حديث صاحب الشجة، الذي استفتى أصحابه لما أصابته شجة، وأصابته جنابة وقالوا: لا بد لك من غسل، فاغتسل، فمات: "قتلوه قتلهم الله، هلا سألوا، إذ لم يعلموا، إنما شفاء العي السؤال" (١). ٥ - سؤال أكثر من عالم؛ فابن الديلمي ﵀ قد سأل أبي بن كعب، وحذيفة، وابن مسعود، وزيد ﵃ أجمعين-. وهذه المسألة لها حالات: الأولى: إذا كان مراد الإنسان بالسؤال زيادة التثبت واليقين فلا بأس، فهذا حسن، كما هاهنا. الثانية: أن يكون سؤال الإنسان ناتجاً من عدم طمأنينة لإجابة العالم الأول، فلا حرج عليه أيضاً أن يسأل غيره، ليذهب الشك. الثالثة: أن يسأل يريد بذلك تتبع الرخص، والبحث عما هو أسهل وأخف، كما يفعل بعض الناس؛ يتصلون بعديد من طلاب العلم ليسألوهم عن مسألة واحدة، ثم يقارنون الإجابات، ويأخذون أسهلها، وأخفها، بصرف النظر عن الدليل، أو التعليل، فهذا لا يجوز. فيجب أن يكون مراد الإنسان إصابة الحق؛ ولهذا قال العلماء: من تتبع الرخص تزندق؛ لأنه إذا صار يأخذ الرخصة في كلام كل عالم سيخرج بتوليفة من الرخص التي تخرجه عن سمت الشريعة، فإن الذي

стр. 704

رخص في هذه المسألة، أو أخطأ فيها، قد أصاب في الباقي، فإذا كان الإنسان يلتقط هذه المنثورات، وشواذ الفتاوى، وزيغة الحكيم، خرج بدين ملفق. ٦ - وجوب كشف الشبهات عن الناس، والاجتهاد في البيان لهم، وعدم نهر السائل. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: بيان فرض الإيمان بالقدر. أي: لقول ابن عمر ﵄ واستدلاله بحديث جبريل. الثانية: بيان كيفية الإيمان. وهو: "أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك". الثالثة: إحباط عمل من لم يؤمن به. لقول ابن عمر ﵄: "لو أنفقتَ مثل أحد ذهباً، ما تُقبل منك حتى تُؤمن بالقدر" وهو يدل على أن من لم يؤمن بالقدر كافر؛ لأن الكافر هو الذي لا يُقبل منه العمل. الرابعة: الإخبار أن أحداً لا يجد طعم الإيمان حتى يُؤمن به. لقول عبادة ﵁: "يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان" وذلك لأن الإيمان بالقدر يُوجب طمأنينة في القلب، وبشاشة. الخامسة: ذكر أول ما خلق الله. وهو القلم؛ لقوله: "إن أول ما خلق الله القلم" وهي أولية نسبية، أي بالنسبة إلى خلق السماوات والأرض، أما الأولية المطلقة للمخلوقات فهو العرش.

стр. 705

السادسة: أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم قيام الساعة. لقوله: "فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة" كما في رواية أحمد وغيره. السابعة: براءته ﷺ ممن لم يُؤمن به. لقوله: "من مات على غير هذا فليس مني" وهذه البراءة مطلقة؛ لأن من لم يؤمن بالقدر كافر كفراً مخرجاً عن الملة. الثامنة: عادة السلف في إزالة الشبه بسؤال العلماء. يُؤخذ هذا من قصة ابن الديلمي؛ لأنه قال: "فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت" بعد أن أتى أبي بن كعب. التاسعة: أن العلماء أجابوه بما يزيل شبهته؛ وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله ﷺ فقط. لقول ابن الديلمي: "كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ " وبهذا تزول الشبهات، وهذا عند المؤمن، أما غيره فلا ينتفع، لقول : ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].

стр. 706

باب ما جاء في المصورين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة" (١)، أخرجاه. ولهما: عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله" (٢). ولهما: عن ابن عباس قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفْساً يعذب بها في جهنم" (٣). ولهما: عنه مرفوعاً: "من صور صورة في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ" (٤)، ولمسلم: عن أبي الهياج قال: "قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ؟ ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرِفاً إلا سويته" (٥).

стр. 707

الشرح: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: من جهتين، لازمة، ومتعدية: المتعدية: أن التصوير هو منشأ الشرك، كما تقدم في أول هذا الكتاب، في: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين" بما يغني عن إعادته. اللازمة: أن التصوير مضاهاة لخلق الله، فهو منازعة للربوبية؛ لأن الذي يأخذ أزميلًا ومطرقة، وينحت حجراً أو خشبًا، ليشكل منه ما يشبه خلق الله من ذوات الأرواح، أو يأخذ قلماً، أو ريشة، ويخطط ويرسم ما يشبه خلق الله، فكأنما يضاهي الله في خلقه. قوله: "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى" " هذا حديث قدسي، أو إلهي؛ معناه من الله، ولفظه من النبي ﷺ . قوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" هذا استفهام للنفي والإنكار، أي: لا أحد أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي. وهذه الصيغة "ومن أظلم" وردت في القرآن في تسع مواضع: - قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]. - وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٤٠]. - وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ في أربعة مواضع: [الأنعام: ٢١]، [الأنعام: ٩٣]، [هود: ١٨]، [العنكبوت: ٦٨]. - وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ في موضعين: [الكهف: ٥٧]، [السجدة: ٢٢] - وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [الصف: ٧] وفي السنة، في حديث الباب: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي". و (أظلم) على وزن (أفعل) التفضيل! والجمع بينها أن يقال هذا تفضيل باعتبار معين؛ ففي باب الصد عن سبيل الله لا أظلم ﴿مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا

стр. 708

اسْمُهُ﴾، لأن المساجد هي محل ذكر الله. وفي باب الشرك لا أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله؛ لأن المصور يضاهي، ويحاكي خلق الله، وهكذا. يجري التفضيل باعتبار ما أضيف إليه. قوله: "فليخلقوا ذرة" الأمر ليس على حقيقته، وإنما خرج مخرج التهديد، والتعجيز، والتحدي، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠]. والذرة: هي النملة الصغيرة، مثَّل بأصغر المخلوقات التي يبصرونها، وهذا تحدٍ بالغ، فلم يأمرهم أن يخلقوا جملاً، أو فيلاً، أو نحو ذلك، ولن يستطيعوا. قوله: "أو ليخلقوا حبة" واحدة الحب، وهو ما يخرج من النبات والزروع. قوله: "أو ليخلقوا شعيرة" الشعير نوع آخر من الحبوب، فالحب غالباً ما يطلق على الحنطة، مثَّل بهما لضآلتهما، مبالغةً في التحدي والتعجيز. مسألة: حكم التصوير: التصوير، من حيث الجملة، نوعان: النوع الأول: تصوير ما له روح. ويُعبر عنها العلماء أحياناً: بما له ظل، وله ثلاث حالات: الأولى: أن يكون له جُرم: وذلك ما يحصل بالنحت والتشكيل، كأن ينحت بمطرقة وأزميل حجرًا، أو خشبًا، أو يأتي بطين أو صلصال، ويجعله على صورةٍ من صور ذوات الأرواح. فهذا محرم بالإجماع (١). الثانية: أن يكون بالتخطيط والتلوين: بأن يأخذ قلماً أو ريشة فيرسم صورةً من صور ذوات الأرواح؛ من آدمي، أو طير، أو حيوان، أو ينصب أمامه إنساناً، فيرسمه على لوحة أو ورقة، فهذا أيضاً محرم؛ لأن المضاهاة فيه ظاهرة، والدليل عليه حديث النمرقة، في حديث عائشة ﵂ لأن الرسم على النمرقة يكون سطحيًا، ليس له ظل، فأمر النبي ﷺ فقطعت، فجعلت وسادتين (٢).

стр. 709

الثالثة: أن يكون بآلة التصوير التي تُسمى (الكاميرا): فهذه لم تكن في زمن النبي ﷺ ، ولا عند السلف المتقدمين، وإنما وجدت في العصور الأخيرة. وقد اختلف العلماء المعاصرون في حكمها، وهل يُعد التقاطها تصويراً، يدخل في عمومات النصوص أم لا؟ - فذهب جمع من العلماء إلى أن ذلك من التصوير المحرم، وفاعله يسمى مصورًا، وبالتالي فإنه مشمول بالأحاديث الواردة في تحريم التصوير، ووعيد المصورين (١). - وذهب بعض العلماء المعاصرين (٢): إلى أن ذلك وإن سُمي تصويراً اصطلاحاً، لكنه ليس تصويراً في الحقيقة؛ لأن الذي يلتقط الصورة عن طريق الآلة ليس له دور في تشكيلها وتصويرها، بل الصورة الملتقطة هي الصورة التي خلقها الله، كما لو وقف الإنسان أمام مرآة، فبدت صورته عليها، فالصورة المنعكسة في المرآة ليس لأحد دخل في تصويرها؛ لأنها الصورة التي خلقها الله انعكست على المرآة؛ وكذا لو وقف الإنسان على حافة بركة ساكنة لانعكست صورته على الماء، فهذه الصورة هي الصورة التي خلقها الله، قالوا: كذلك هذه الآلة، إنما تحبس الصورة التي خلقها الله ؛ ولهذا لو ضغط زر الآلة كبيرٌ أو صغير، ذكرٌ أو أنثى، مبصرٌ أو أعمى، لخرجت ذات الصورة، فهذا العمل ليس تصويراً؛ لأن هذا الصورة هي التي خلقها الله تماماً، كما لو كتبت نصًا، ثم وضعته على آلة التصوير، وسحبت منه صورة، فيقال عن هذا الخط: هذا خط فلان الكاتب، الذي كتب الأصل، كذلك يقال: هذه الصورة التي نتجت من التقاط الآلة هي الصورة التي خلقها الله، ولا شأن لهذا الإنسان بها. فأصحاب هذا القول سهلوا الأمر، وقالوا: إن التصوير "الفوتوغرافي" لا يدخل في مضاهاة خلق الله . لكن يبقى أن الناتج في الحالين، يُسمى "صورة"، فيتطرق المنع، لا من

стр. 710

جهة كونها مضاهاة لخلق الله، وإنما لكون ذلك صورة، تتعلق بها أحكام الصور. فيقال: هذا الناتج لا يجوز اقتناؤه إلا لحاجة أو ضرورة، لأن النبي ﷺ قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" (١)، فالصور التي تتخذ لإثبات الهُوية، أو لضبط المسائل الجنائية، أو الطبية، أو غير ذلك مما فيه ضرورة أو مصلحة راجحة، يباح اتخاذها، واقتناؤها، من باب أن ذلك ليس تصويراً، وإنما هو حبس للظل، لا أقل ولا أكثر، هذا ما يتعلق بالقسم الأول، وهو تصوير ما له روح، وهذا جائز. النوع الثاني: تصوير ما لا روح فيه: فله ثلاث حالات: الأولى: تصوير ما يصنعه الآدمي: كالطاولة، والكرسي، والسيارة، مما لا تحلها الروح، فهذا جائز باتفاق العلماء (٢). الثانية: تصوير ما هو من صنع الله مما يكون نامياً: كالشجر، أو الزرع، أو نحو هذا مما لا روح فيه، ولكن فيه نمو، فهو خلق من خلق الله ينمو، فقد نقل عن بعض السلف، كمجاهد بن جبر ﵀ أنه يكرهه (٣)، وقيل: مباح، وهذا الثاني أقرب؛ ولهذا قال ابن عباس للمصور: "إن كنت لا بد فاعلاً فاصنع الشجر وما لا نفس له" (٤)، فلا بأس أن يصور الإنسان الأشجار، والأنهار، والحبوب، والثمار، ونحو ذلك. الثالثة: تصوير ما ليس بنامٍ: كالجبال، والبحار، والأنهار، ونحو ذلك، فهذا جائز بالاتفاق. مناسبة الحديث للباب: مطابقة للترجمة، لما فيه من الوعيد على فاعليه، وصفه بأظلم الظلم.

стр. 711

فوائد الحديث: ١ - تحريم التصوير. ٢ - أن المصور من أظلم الظالمين بشهادة رسول رب العالمين. ٣ - إثبات صفة الكلام لله ؛ لقوله: "قال الله تعالى" فالقول هو الكلام، فالله تعالى يتكلم بكلام حقيقي، مسموع، يليق بجلاله، ولا يشبه كلام المخلوقين. ٤ - أن التصوير مضاهاة لخلق الله ؛ لقوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي" فالكاف للتشبيه، ولا يلزم أن تكون المشابهة من جميع الوجوه. ٥ - اختصاص الله بالخلق؛ لاستحالة أن يخلق أحد سواه: الذرة والشعيرة والحبة. قوله: "ولهما" أي: للشيخين؛ لأنه قال في الحديث السابق: "أخرجاه" "عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" " أي: يشابهون صنع الله ، فهؤلاء هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة. مناسبة الحديث للباب: مطابقة للترجمة، لما فيه من الوعيد على المصورين. فوائد الحديث: ١ - تحريم التصوير. ٢ - أن التصوير مضاهاة لخلق الله. ٣ - تفاوت العذاب يوم القيامة بحسب الجرم؛ لقوله: "أشد". ٤ - أن التصوير من كبائر الإثم، وعظائم الذنوب. ٥ - وجوب احترام جناب الربوبية؛ لقوله: "يضاهون بخلق الله". قوله: "ولهما" هكذا قال ﵀، والواقع أن الحديث بهذا اللفظ في مسلم، فقط. قوله: "عن ابن عباس ﵄ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "كل مصور

стр. 712

في النار" " وهذا العموم أريد به الخصوص، أي: كل مصور لذات روح. وفيه تخويف بليغ؛ فقد حكم بأن كل مصور في النار، وهو من نصوص الوعيد التي تجري على ظاهرها. قوله: "يجعل له بكل صورة صورها نفْساً يعذب بها في جهنم" أي: كل صورة صورها، تنقلب نفساً تعذبه في جهنم، فبقدر ما استكثر من الصور، يكثر من يعذبه في جهنم. قوله: "ولهما: عنه مرفوعاً: "من صوّر صورةً في الدنيا، كُلِّف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ" " هذا أيضاً تعجيز بالغ، فيُؤتى له بتلك الصورة ويقال له: أحي ما خلقت، وأنى له أن يحييها؟! لأن الأحياء بيد الله . مناسبة الحديثين للباب: مطابقة للترجمة، لأن فيهما الوعيد الشديد على المصورين. فوائد الحديثين: ١ - تحريم التصوير، وأنه من كبائر الذنوب لترتب الوعيد الشديد عليه. ٢ - أن التصوير يتناول كل ما فيه مضاهاة لخلق الله، سواء كان نحتاً، أو تشكيلاً، أو تخطيطاً. ٣ - طول عذاب المصورين؛ لأنه يقال لهم: أحيوا ما خلقتم، ولا يمكن أن يقع منهم ذلك ولو طال الزمن. ٤ - شدة عذاب المصورين؛ وتفاوته قلةً وكثرة. ٥ - اختصاص الله بالخلق، فلا يشاركه أحد في ذلك. قوله: "ولمسلم: عن أبي الهياج قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ ، ألا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلا سويته"، أبو الهياج، حيان بن حصين الأسدي، الكوفي، تابعي، ثقة. قوله: "ألا أبعثك" ألا: أداة تنبيه وتحضيض، أبعثك: أي: أوجهك، والبعث بمعنى: الإرسال. قوله: "على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ " إذاً اكتسب بذلك حكم الرفع؛

стр. 713

لأن الحديث المرفوع قد يكون مرفوعاً حقيقة، وقد يكون مرفوعاً حكماً. وفي هذا الأسلوب إغراء ظاهر. قوله: "ألا تدع صورة إلا طمستها" أي: ألا تترك صورة إلا أزلتها ومحوتها. فهذا موضع الشاهد. فدل ذلك على أن النبي ﷺ كان يأمر أصحابه بطمس الصور، ودل على أن الصور شر، ومدعاة للشرك؛ لما فيها من مضاهاة خلق الله. ومما يُؤسف له في الآونة الأخيرة كثرة انتشار الصور، لا سيما في الملبوسات، فيجد الناس مشقة بالغة أن يجدوا ملابس لأبنائهم وبناتهم خالية من الصور. ويجب على الإنسان إذا ابتلي بشيء من هذه الصور أن يطمس الرأس؛ لحديث: "الصورة الرأس، فإذا قطع الرأس فليس بصورة" (١). فإذا تم طمس الرأس إما بلون غامق يذهبه، أو بأن يخيط عليه شيئًا يخفيه، فقد زال المحذور. فإذا قطع الرأس، ولو كان تمثالًا، وبقي سائر البدن فليس بصورة. وأما ما يفعله بعض الناس برسم خطٍ بين الرأس والبدن، فهذا لا يغني شيئاً، ولا يحصل به الطمس، وأما الصور التي ليست على شيء من خلق الله ، ولا يوجد لها نظير في خلق الله تعالى، فلا تعد صورة، ولا فعلها تصويراً. كما يفعل بعضهم، يرسم فاكهة أو خضرة، أو منزلاً، أو سيارة، ويجعل لها عينين، وأنفًا ونحو ذلك، فليس ذلك مضاهاةً لخلق الله، لأنه لا يوجد في خلق الله ما هو على هذه الشاكلة، لكنه نوع من العبث. قوله: "ولا قبراً مشرفاً إلا سويته" أي: مرتفعًا، بارزًا، إلا جعلته مساوياً للأرض. ولا بأس بأن يسنم قدر شبر، فإن هذا التسنيم يحفظ القبر من أن تجرفه السيول، ولأنه ينخسف مع الوقت، ولكي يميزه فلا يُقعَد عليه، أو تُقضى عليه الحاجة، وما أشبه. مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لتضمنه ما يدل على تحريم الصور، ووجوب طمسها وإتلافها. فوائد الحديث: ١ - وجوب الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ فها

стр. 714

هم أصحاب رسول الله ﷺ يرثون منه ذلك، وينقلونه إلى التابعين، فيأمرونهم بإزالة المنكر؛ بطمس الصور، وتسوية القبور المشرفة. ٢ - تحريم التصوير، ووجوب إزالة الصور بطمسها أو ومحوها. ٣ - تحريم رفع القبور، ووجوب تسويتها بالأرض، ومن رفْع القبور البناء عليها، كما يقع في كثير من البلدان، فإذا مات فيهم من يعظمونه بنوا على قبره بناءً، وجعلوا عليه قبة، فهذا من أعظم أسباب الشرك؛ لأن النفوس تتعلق بهذا المقبور الذي جعل عليه هذا البناء. وهذا البناء والتزويق الذي يكون على القبر لا ينفع الميت شيئًا، فإن كان رجلاً صالحاً سيتأذى من جراء ما يقع عنده من شرك، ودعاء غير الله تعالى، بل الذي ينفع الميت هو السلام عليه، والدعاء له، وحسب. وأشرف القبور قبر النبي ﷺ ، لا يزيد الإنسان إذا زاره أن يقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، ويمضي؛ ولما رأى علي بن الحسين من يدخل في خوخة عند قبر النبي ﷺ قال له: "ما أنت ورجل بالأندلس إلا سواء" (١)، ثم قال: "إني سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "وصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" (٢)، وقد مر في أول الكتاب. ٤ - وجوب هدم هذه القباب المبنية على القبور، عند الاستطاعة. فيجب على من بسط الله يده، وقدر على إزالة المنكر أن يزيل البناء الذي على القبور، حتى تحسم مادة الشرك والغلو. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. وهذا بيّن من النصوص، ومنها قوله: "أشد الناس عذاباً" وقوله: "ومن أظلم

стр. 715

ممن ذهب يخلق كخلقي" وقوله: "يجعل له بكل صورة صورها نفساً يعذب بها في النار" فهذا الوعيد لم يأتِ مثله في كثير من الكبائر، مما يدل على التغليظ فيه. الثانية: التنبيه على العلة وهي ترك الأدب مع الله؛ لقوله: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي". هذا أدب واجب متعين؛ لأن في مضاهاة خلق الله منافاة لحقه سبحانه، لأنه سبحانه هو الخالق البارئ المصور، فلا يليق بغيره أن يفعل مثل ذلك. الثالثة: التنبيه على قدرته وعجزهم؛ لقوله: "فليخلقوا ذرة أو حبة أو شعيرة". وتقدم أن هذا الأسلوب يراد به التعجيز، والتحدي. الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذاباً. أي: لقوله: "أشد الناس عذاباً الذين يضاهئون بخلق الله". الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفساً يعذب بها المصور في جهنم. بأن تستحيل هذه الصور إلى نفوس يخلقها الله ، فتتولى تعذيبه في نار جهنم. السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. وهذا تكليف لا يتمكن من فعله، لكن فائدته: إطالة العذاب؛ لأنه لا يمكنه أن يخرج من النار حتى يأتي بهذا الأمر، ولا يمكن أن يأتي به، فدل على طول مكثه. السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. كما أمر النبي ﷺ علياً، وكما أمر علي أبا الهياج.

стр. 716

باب ما جاء في كثرة الحلف وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [سورة المائدة: ٨٩]. عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب" (١)، أخرجاه. وعن سلمان: أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زانٍ، وعائلٍ مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" (٢)، رواه الطبراني بسند صحيح. وفي الصحيح: عن عمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً، "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن" (٣).

стр. 717

وفيه: عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" قال إبراهيم: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" (١). الشرح: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: من كمال التوحيد: احترام اسم الله تعالى، فلا يصح أن يكون اسمه مبتذلاً بالأيمان، يجريه الإنسان على لسانه في كل صغيرة وكبيرة، أو لا يبالي أن يحنث في يمينه. فقوله: "باب: ما جاء في كثرة الحلف" من الوعيد. أراد به أن يحترم الإنسان اسم الله تعالى فلا يجعله جارياً مجرى الكلام المعتاد، بل يعظمه، ولا يتكلم به إلا في الأمور الجليلة. قوله: "وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ " حفظ اليمين يكون في صور متعددة: أولاً: عدم الإكثار من الحلف، فلا يجعل الإنسان اليمين يجري على لسانه في الأمور التافهة، كما يقع من بعض الناس، فمن حفْظ اليمين ألا يأتي الإنسان باليمين إلا فيما يستحق، أو إذا توجه إليه اليمين عند الحاكم الشرعي، أو إذا أراد التأكيد لأمر مهم. ثانياً: عدم الحِنث فيه إلا لمصلحة راجحة: فإذا حلف فليحفظ يمينه ولا يخرمه، بل يلتزم به، اللهم إلا أن يبدو له ما هو خير؛ لقول النبي ﷺ : "إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها، فأتِ الذي هو خير، وكفر عن يمينك" (٢)، وفي

стр. 718

رواية: "فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" (١)، أي: أن له أن يقدم الكفارة، ثم يأت الذي هو خير، وله أن يأت الذي هو خير، ويكفر بعد ذلك. ثالثاً: أن يكفر عن يمينه إذا وقع منه الحنث، ويتبرر منه بالكفارة. والكفارة: ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩]. واليمين التي تجب فيها الكفارة هي ما توفر فيه ثلاثة شروط: الأول: أن تكون باسم من أسماء الله، أو بصفة من صفاته، بأن يقول: والله، وبالله، وتالله، أو: وعزة الله، وقدرة الله، ونحوه. الثاني: أن تكون منعقدة، أي: يعقد قلبه عليها، فلو خرجت مخرج اللغو فلا يجب بها كفارة، كما يجري على ألسنة الناس قول: والله، وهو لا يريد اليمين، كما يقول الرجل لصاحبه: والله أن تدخل اولًا، وهو لا يريد اليمين، وإنما يريد التكريم. الثالث: أن تكون على أمر مستقبل، كأن يقول الحالف: والله لا ألبس هذا الثوب، أو: لا آكل هذا الطعام، أو: لا أدخل هذا البيت، أو: لا أكلم فلانًا، فهذه كلها أمور مستقبلة. أما إذا حلف على أمر ماضٍ فلا تتعلق به كفارة؛ لأنه إما أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً فلا شيء عليه، وإن كان كاذباً فهي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار. وقيل: إن اليمين المغموس هو ما اقتطع بها مال امرئ مسلم، كأن يترافع اثنان عند حاكم شرعي، فتطلب البينة من المدعي، فلا يكون عنده بينة، فيتوجه اليمين إلى المدعى عليه، فيبذل اليمين وهو كاذب؛ ليستبقي ما في يده، أو لينال ما لا حق له فيه. وكثير من الناس يتساهل في الأيمان، فيحلف على أمر مضى أنه قد وقع، وهو لم يقع، ويشتد الأمر لو وثقه بأن حلف على المصحف؛ يقال له: احلف

стр. 719

على المصحف، فيضع يده على المصحف ويحلف. فينبغي للمؤمن العاقل ألا يكثر الحلف، ولا يحنث لغير حاجة، وإذا حنث، فلا يدعها من غير تكفير. مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لما تضمنته من الأمر بحفظ الأيمان. فوائد الآية: ١ - وجوب حفظ اليمين، وعدم ابتذاله. ٢ - أن حفظ اليمين احترام لجناب المحلوف به، وهو الله تعالى. قوله: "عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "الحلف مَنفقة للسلعة" " (منفقة) بفتح الميم، والمراد: ترويج للسلعة؛ لأن البائع الذي ينادي على سلعته ويقول: والله أعطيت فيها كذا وكذا، ولم يعطَ، يُنَفِّق سلعته بالحلف الكاذب. قوله: "ممحقة للكسب" المحق: الإتلاف والإهدار. عوقب بنقيض قصده. فهو، وإن استطاع أن يروج سلعته، إلا إن العاقبة وخيمة، فقد يسلط الله تعالى عليه آفة تمحق هذا الكسب، كما قال الله : ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]. فوائد الحديث والآية: ١ - التحذير من ترويج السلع بالأيمان. ٣ - شؤم عاقبة من نفَّق سلعته بالحلف الكاذب. ٤ - أن العبرة ليست بترويج السلعة وبيعها، بل بما يجعله الله تعالى من بركة. وهذا أمر يجب أن يكون نصب عيني الإنسان، فلا يكون همه جمع الأموال؛ فلو جمع أموال الناس بالباطل، ثم لم يبارك له فيه، كان زاداً له إلى النار، وخسر الدنيا والآخرة. فقليل مبارك خير من كثير منزوع البركة. قوله: "وعن سلمان" هو سلمان الفارسي، أبو عبد الله، صحابي مشهور، هاجر من فارس إلى المدينة، ليلقى رسول الله ﷺ في قصة مشهورة، أشار بحفر الخندق. مات سنة ست وثلاثين. قوله: "أن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله" " أي: لا يكلمهم الله

стр. 720

تعالى تكليم تكريمٍ، وإلا فقد يكلمهم تكليم تأنيب، كما يقول لأهل النار: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وهذا على سبيل التبكيت. قوله: "ولا يزكيهم" أي: لا يطهرهم ولا يوفقهم إلى التوبة بسبب هذه الأعمال التي اقترفوها. قوله: "ولهم عذاب أليم" أي: شديد الألم، موجع؛ وذلك في الآخرة. قوله: "أشيمطٌ زانٍ" تصغير أشمط، وصغره للتحقير، والمقصود به من كان به شيب، فهو كناية عن تقدمه في السن؛ وذلك أنه جمع بين وصفين، اجتماعهما سبة له: أن أنه بلغ من الكبر أن شاب شعره، ومع ذلك يقارف الزنا، فالذنب في حقه مضاعف؛ لأنه وقع مع ضعف الداعي، فهو أعظم جرماً مما لو وقع ذلك من شاب شديد الشهوة قوله: "وعائل مستكبر" وهذا اجتمع فيه وصفان لا يجتمعان في العادة، الفقر، والكبر، والكبر مذموم مطلقاً، لكن لو وقع من غني لقيل: غره ماله، وما بين يديه من الخدم والحشم، وتعلق الناس به، لكن كيف يتكبر عائل صعلوك؟ قوله: "ورجل جعل الله بضاعته" أي: جعل اسم الله وسيلة لتسويق بضاعته، ومركبًا لنيل لعاعة من الدنيا؛ لا يشتري ولا يبيع إلا بيمينه؛ إذا أراد أن يشتري، يقول: والله! قد وجدته بأقل، وإذا أراد إن يبيع قال: والله! قد عُرض عليّ أكثر. أو نحو هذه العبارات. ويعتبر هذا نوعاً من المهارة، والحذق، في ترويج السلع، كما يقع لكثير من الباعة، ويغفلون، في حمى الطمع، والجشع عن العواقب، فاستحق هؤلاء المتبجحون الثلاثة هذا الوعيد الشديد: "لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم". مناسبة الحديث للباب: ظاهرة، لما تضمنه من الوعيد الشديد على من استهان بالأيمان، واتخذها سلماً لعرض دنيوي. فوائد الحديث: ١ - تحريم الزنا، وشدة قبحه من الكبير. ٢ - تحريم الكبر، وشدة قبحه من الفقير.

стр. 721

٣ - التحذير من استعمال الحلف في البيع والشراء. ٤ - وجوب احترام اسم الله وإجلاله. ٥ - إثبات صفة الكلام لله ؛ لقوله: "لا يكلمهم الله" لأنه يكلم سواهم. ٦ - أن التزكية تكون من الله؛ ولهذا كان من دعاء النبي ﷺ : "اللهم آتِ نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها" (١)، فلا تزكو النفوس إلا بتزكية الله -ومن الناس من يجتهد في الرياضات، والمجاهدات، دون أن يستحضر هذا المعنى، فلا يصل إلى مبتغاة، فقد يحمل نفسه على الأمور الشديدة، ويدع الملاذ والشهوات، يريد بذلك أن يتسامى بنفسه؛ لكنه لا يبلغ مراده، حتى يستعين بمعبوده، ويسأله أن يزكي نفسه، فييسر الله له أسباب الهدى، وطهارة النفس، بجهد أقل. قوله: "وفي الصحيح" المراد ها هنا: الصحيحان. قوله: "عن عمران بن حصين" صاحب رسول الله ﷺ ، وقد تقدمت ترجمته. قوله: "قال: قال رسول الله ﷺ : "خير أمتي قرني" " القرن المراد به: الطبقة المقارنين من الناس، فمن قارنك وعاصرك فهم قرنك، وأصحاب النبي ﷺ هم قرنه. والمراد بالأمة هنا: أمة الإجابة، لوصفهم بالخيرية، فهم الذين سبقت لهم من الله الحسنى، بأن استجابوا له ﷺ ودخلوا في عقد الإسلام. وأما أمة الدعوة: فتشمل كل من وجد بعد بعثة النبي ﷺ إلى قيام الساعة، لأن الدعوة موجهة إليهم، وعليه قول النبي ﷺ فيما رواه أبو هريرة في صحيح مسلم: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة؛ يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (٢). وقرن النبي ﷺ الصحابة الكرام، والصحابي: هو من لقي النبي ﷺ مؤمناً به في حياته، ومات على ذلك.

стр. 722

قوله: "ثم الذين يلونهم" وهم التابعون الكرام، الذين أدركوا الصحابة. قوله: "ثم الذين يلونهم" أي: أتباع التابعين. قوله: "ثم الذين يلونهم" أي: أتباع أتباع التابعين. قوله: "قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً" شك عمران، لكن الحديث الذي يليه يرجح أنه ذكر بعد قرنه مرتين؛ ولهذا يُعبّر العلماء بالقرون الثلاثة الفاضلة، وهم الصحابة، والتابعون، وأتباع التابعين. وهم خير أمة محمد ﷺ ، وهم أهل الرواية والدراية، وهم الذين حفظ الله بهم الدين، وفيهم المحدثون الكبار، والفقهاء الراسخون في العلم، والعباد الصالحون. فهم، من حيث الجملة، أفضل ممن جاء بعدهم. ولا يمتنع أن يأتي أفراد في قرون متأخرة، أفضل من أفراد في قرون متقدمة. ولا يمتنع أن يوجد في القرون الثلاثة الفاضلة أقوام من أهل البدع والأهواء، كما هو معلوم مشهور؛ كالخوارج، والرافضة، والقدرية. لكن البدعة، كلما بعد زمنها عن عهد النبوة، غلظت واشتدت. وكذلك المبتدعة أنفسهم، يكثرون في الأزمنة المتأخرة، ويقلون في الأزمنة المتقدمة. وأصحاب القرون الثلاثة يسمون في الاصطلاح: السلف الصالح، لكن مصطلح السلف ينسحب على من سار على طريقتهم، ولو تأخر زمانه. فقد يقال عن عالم ما: سلفي، وهو في القرن الخامس عشر الهجري، والمراد بوصفه بالسلفية: أنه سار على طريقة السلف الصالح، وقد يوصف شخص بأنه: خلفي، وهو في القرون الأولى؛ لأنه لم يسر على طريقتهم. قوله: "ثم إن بعدكم قوماً يشهدون ولا يستشهدون" أي: أنهم يبذلون الشهادة دون طلب؛ لفسقهم، وعدم اكتراثهم، واستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تثبتهم وتحريهم للصدق. قوله: "ويخونون ولا يؤتمنون" الخيانة: هي الخداع في موضع الائتمان، فهم مخادعون، لا يأمنهم الناس على أموالهم، ولا مصالحهم. قوله: "وينذرون ولا يوفون" أي: يلزمون أنفسهم بأمور، ثم لا يفون بهذه النذور.

стр. 723

قوله: "ويظهر فيهم السِمَن" السمن: هو كثرة اللحم والشحم، وكأن المراد: إقبالهم على ملاذ الدنيا، واشتغالهم بالمآكل والمشارب، حتى ظهر فيهم السمن، وصارت سمة عامة لقرنهم، خلاف القرون الفاضلة. وقد وجد هذا بالفعل في التاريخ الإسلامي. وهذا وصف طردي، لا يراد به أن السمنة حرام، فتلك أمور قدرية، ترجع إلى أسباب عضوية، كما قال النبي ﷺ في الخوارج: "سيماهم التحليق" (١)، مع أن حلق شعر الرأس في المناسك أفضل من تقصيره؛ لكنه ذكر وصفاً طردياً، لا يريد به ﷺ تحريم الحلق، وإنما من باب الإخبار، بهذه العلامة الفارقة التي تكثر فيهم. ولهذا لما قام صبيغ بن عسل في مسجد رسول الله ﷺ وقال قولاً، نزل عمر ﵁ من المنبر، وأتى إليه، وكشف رأسه، قال: "لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك" (٢)؛ ظن أنه من الخوارج. مناسبة الحديث للباب: خفية، تستنبط من قوله: "يشهدون ولا يستشهدون" لأن اليمين تقارن الشهادة عادة. فوائد الحديث: ١ - فضل القرون الثلاثة الفاضلة، أو الأربعة، وهم: الصحابة، والتابعون، وتابعوهم بإحسان. ٢ - ذم التساهل والمسارعة في الشهادة. ٣ - أن الشهادة واليمين لا تتعين ولا تتوجه إلا عند حاكم شرعي. وكثير من الناس يحرجه غيره، ويقول له: احلف على كذا! يتنازع الزوجان؛ فيقول الزوج لزوجته: احلفي على كذا، أو تقول الزوجة لزوجها: احلف على كذا، أو يقول الصاحب لصاحبه: احلف على كذا! فلا يجب عليه بذل اليمين، فله أن يقول: أنا لست ملزماً بالحلف.

стр. 724

٤ - ذم الخيانة، وفضل الأمانة. ٥ - ذم عدم الوفاء بالنذور ووجوب الوفاء بها؛ لقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧]. ٦ - ذم الترف والتوسع في المآكل والمشارب التي تورث السمن. ٧ - علم من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ بأمور مستقبلة، ووقعت كما أخبر، قوله: "وفيه: عن ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: "خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" هذا يدل على المسارعة في بذل الأيمان، والشهادات، فلا يدري يحلف أولاً أو يشهد أولاً، أي: يقدم الشهادة أو الحلف؛ لسهولة الأمر عليه. بخلاف أهل الورع والتقى؛ فإذا أراد أحدهم أن يقول كلمة وزنها، وفكر في آثارها، ومقتضياتها، فلا يقول إلا حقاً، يحتاط لدينه، ويحترز لنفسه، ولا يبذل اليمين إلا في موضعه، هذا هو الواجب على المؤمن. أما هؤلاء المذمومون فقد هانت عليهم الشهادة، وهان عليهم اليمين، وهان عليهم اسم الله ، حتى صار من أرخص الأشياء، يبذلونه بطلب وغير طلب. قوله: "قال إبراهيم: " هو النخعي ﵀ قوله: "كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار" أي: كان السلف يؤدبون صبيانهم على الشهادة، بألا يحلفوا، ولا يشهدوا، إلا بحق. وإذا حنثوا أدبوهم على ذلك. وهكذا ينبغي لأهل الإسلام أن يُنشِّؤا ناشئتهم؛ صبيانهم وبناتهم على تعظيم اسم الله ، وشعائر الدين، فهذا أمر يستنبت في القلوب منذ الصغر. فعلى المربين؛ من الآباء، والأمهات، والمعلمين، تعظيم شعائر الله؛ لأن الطفل كالمرآة الصقيلة، يظهر وينطبع فيه كل شيء؛ فإذا ربى الإنسان صغاره على تعظيم جناب الله ، وعدم المساس بالحرمات، نشأ معظماً لذلك، مجلاً له، وإذا رأى أنه يحلف بالله، ويخفر العهد، ثم لا يجد من يوبخه ويؤنبه، تساهل بذلك.

стр. 725

مناسبة الحديث والأثر للباب: ظاهرة، لما فيه من التحذير من المسارعة في بذل الأيمان، والتربية على احترامه. ويُستفاد منه: ١ - أن القرون الفاضلة هي الثلاثة الأولى اتفاقًا، فلم يقع فيه شك كما في حديث عمران. ٢ - ذم التسرع في الشهادة واليمين. ٣ - علم من أعلام النبوة، حيث أخبر النبي ﷺ بأمر مستقبل، فوقع كما أخبر. ٤ - حرص السلف الصالح على تربية أولادهم على تعظيم جناب الله. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. الثانية: الإخبار بأن الحلف: "منفقة للسلعة، ممحقة للبركة". كما أخبر النبي ﷺ ، فهو ينفِّق السلعة ويروجها، لكن العاقبة وخيمة، فإنه يمحق البركة. الثالثة: الوعيد الشديد في من لا يبيع إلا بيمينه، ولا يشتري إلا بيمينه. وقد جاء ثلاثة أنواع من الوعيد: "لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم".

стр. 726

الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. جرى التنبيه بمثالين: أحدهما: "أشيمط زانٍ" فداعي الشهوة عنده ضعيف، ثانيهما: "عائل مستكبر" فالفقر لا يوجب الكبر، بل ضد ذلك. الخامسة: ذم الذين يحلفون، ولا يُستحلفون. لكن هذا ليس على إطلاقه، فقد حلف النبي ﷺ ولم يستحلف في مواضع عدة، بل أمره الله سبحانه أن يحلف في ثلاثة مواضع من القرآن بدون أن يستحلف، في قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي﴾ [يونس: ٥٣]، وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] وفي قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وذلك لغرض التأكيد. السادسة: ثناؤه ﷺ على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ما يحدث بعدهم. لقوله: "خير الناس" أو "خير أمتي" فهذا التخيير شهادة نبوية لأهل تلك القرون، ولا شك أن السلف خير من الخَلَف، وإنما ظهرت البدع وانتشرت في الخَلَف، وبذلك يتبين بطلان عبارة المتكلمين: "مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم" فيقال: هذه كلمة متناقضة، لأن السلامة ثمرة للعلم والحكمة، فكيف تصفون السلف بالسلامة، ولا تصفونهم بالعلم والحكمة، وأنى للخلف أن يوصفوا بالعلم والحكمة، ولا يوصفون بالسلامة؟ فلو كان عندهم علم وحكمة لسلموا، لكنهم وقعوا في مزالق خطيرة، حيث رغبوا عن طريقة السلف الصالح، واختاروا لأنفسهم طرق دخيلة. فمذهب السلف أسلم وأعلم وأحكم. السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. لدلالته على المسارعة، وهذا إذا لم يحتج إلى شهادتهم، فإذا دعوا للشهادة لزم القيام بها، وحرم كتمانها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]

стр. 727

الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد. وهذا ضرب تأديب، وهو يدل على أن الضرب أسلوب تربوي، خلافاً لما يروجه بعض أدعياء التربية في العصور الأخيرة، فإنهم يذمون الضرب بإطلاق، ويعتبرون أنه منافٍ لحقوق الإنسان، وحقوق الطفل، وحقوق المرأة، كيف والله قد قال في آية النشوز: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤] وإنما أراد الله الضرب غير المبرح، لا الضرب الذي يُسمى في عرف المتأخرين: "العنف الأسري"، لكنه ضرب تأديب يطامن النشوز، والترفع على الزوج؛ فإن وجود ألم بدني يطفئ فوعة الكبر والترفع لدى الزوجة، هذا إذا لم تجد الوسيلتان الأوليان، وهما: الموعظة والهجر، فهو أسلوب تربوي قرآني معتمد، فلا يستحي منه الإنسان، أو يحاول أن يعتذر عنه، وهو شرع الله ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]. وكذلك في تربية الأبناء والبنات قال النبي ﷺ : "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر سنين" (١)، فهذا الضرب ضرب تأديب وتهذيب؛ لأن الإيلام الجسدي، ينبه الصبي والجارية على الالتزام. لكن لا يكون الضرب بدافع التشفي والحنق، كما يقع من بعض الآباء والأمهات، حيث يضربون أبناءهم ضرباً مبرحاً، فهذا لا يجوز شرعًا. فالولد إذا لم يجدِ معه الكلام الرفيق، والترغيب والترهيب، فلا حرج حينئذٍ أن يمسه بشيء من ألم؛ لكي يحصل ما فيه مصلحة له. والإيلام له صور متعددة، فالطفل يُوخز أحياناً، بالإبرة، ولا يرى الناس في ذلك بأساً! لأن له فيها مصلحة وهو العلاج، وربما استعمل بعض الناس الكي، وربما حصل منهم تأنيب بالكلام المقذع أشد من الضرب. فالمقصود: أن التربية لها صور متعددة، لكن على المربي دوماً أن يستصحب روح الشفقة والنصح على من تحت يده من زوج، أو ولد، ولا يتخذ من هذه الأساليب سبيلًا للتشفي، والانتقام، وإنفاذ الغيظ.

стр. 728

باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ﷺ - وقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة النحل: ٩١]. وعن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيراً، فقال: "اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، واغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليداً، وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكونوا لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تَخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله، أم لا" (١)، رواه مسلم.

стр. 729

الشرح: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: رعاية ذمة الله وذمة نبيه ﷺ من تعظيم حق الله ورسوله، كما أن إخفار ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ضد ذلك. فحماية ما يتعلق باسمه وذكره، من التوحيد الواجب. قوله: "باب: ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه" أي: من التعظيم، ووجوب الوفاء بها، ورعايتها. والمقصود بالذمة: العهد، وهو ما يكون بين المتعاقدِين أو بين المتعاقدَين، من صلح، أو شرط. قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ الإيفاء: هو إعطاء الحق تاماً. وعهد الله له صور متعددة، منها: - البيعة: فإذا أعطى الإنسان صفقة يده، وثمرة فؤاده، لسلطان، فإنه لا يجوز أن ينقض عهده، ويخرج عليه. وقد جاء في لزوم ذلك نصوص كثيرة. - العقود والصلح: الذي يجري بين المسلمين وأعدائهم، فيجب الوفاء به، ويحرم نقضه. - اليمين: فإذا بذل اليمين لأحد موثِّقاً عهده، بذكر اسم الله ، فإنه لا يجوز له أن يخفر ذلك، ويحنث في يمينه، كما تقدم في باب: (ما جاء في كثرة الحلف). قوله: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ﴾ أي: لا تحلوا عقدة اليمين والعهود المبرمة، سواء كان ذلك في بيعة أو في أي يمين، أو كان في بيع وشراء. قوله: ﴿بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ تُوكيدها بذكر اسم من أسماء الله تعالى. وتتمة الآية: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وهي جملة حالية، أي: لا يليق بكم ذلك. وأتبعها بما يشعر بالوعيد، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ أي: ما تفعلونه من نقض العهود والأيمان.

стр. 730

مناسبة الآية للباب: ظاهرة، لما في الآية من المر بالوفاء بعهد الله، والنهي عن نقض الأيمان المؤكدة باسمه. فوائد الآية: ١ - وجوب الوفاء بالعهود والمواثيق؛ وهذا أصل عظيم من أصول الأخلاق؛ ولهذا قال النبي ﷺ : "إني لا أخيس بالعهد" أي: لا أنقضه "ولا أحبس البرد" (١) أي: صاحب البريد؛ لأنه دخل بأمان، فهذا من أخلاق الإسلام المعتبرة. ٢ - تحريم نقض العهود؛ ويتناول ذلك كل عهد وميثاق أبرمه المؤمن مع غيره، سواء كان مع مؤمن مثله، أو مع كافر، فإن الأمر لا يختلف. فأهل الإسلام فإنهم يرعون العهود والمواثيق، حتى أن الله تعالى قال: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] فمن شدة رعاية العهود والمواثيق أنه إذا قامت قرائن على الخيانة، وخاف أهل الإسلام أن يغدر بهم عدوهم، فإنهم لا يبادؤونهم بالغدر، بل ينبذون إليهم عهدهم على سواء، علانية، ويقولون: ليس بيننا وبينكم عهد ولا ميثاق، أي: نحن وأنتم في حل. وذلك إلا إذا بدت قرائن ومقدمات، وإلا فإنهم أحفظ الناس للعهود. ٣ - الوعيد على من نقض العهود والمواثيق. قوله: "عن بريدة ﵁" هو بريدة بن الحُصَيب، أبو سهل الأسلمي، أسلم قبل بدر. مات سنة ثلاث وستين ﵁. قوله: "قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله" كان النبي ﷺ يسعى في نشر دين الله، وتبليغ رسالات ربه، بما وسعه، ومن ذلك الجهاد في سبيل الله. وفي هذا رد على بعض المتخاذلين الذين يعتذرون إلى الكفار، فيزعمون أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط! والحق أن

стр. 731

الجهاد في للإسلام يكون للدفع، ويكون للطلب. فمن مقاصد الشريعة أن تكون كلمة الله هي العليا، وهذا لا يتأتى، أحيانًا، إلا بالسيف والسنان. والجهاد أوسع من القتال، فالجهاد يتناول الجهاد باللسان، والبيان، كما يتناول الجهاد بالجوارح؛ وهو القتال، ولا يجوز إخراج القتال من الجهاد كما يفعل بعض المعتذرين المسكونين بالتهمة، فيحاولون أن يبرؤوا الإسلام -زعموا- من أن يكون قد انتشر بالجهاد في سبيل الله،، فنقول: نعم قد انتشر الإسلام بالجهاد في سبيل الله، والنبي ﷺ يقول: "وجعل رزقي تحت ظل رمحي" (١)، وأخبر بأنه: "لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة" (٢)، وهم الطائفة المنصورة. وأهل الإسلام هم أرحم الخلق بالخلق؛ يسوقونهم إلى الجنة سوقًا، ويدلونهم على الخير دلاًّ، وهم كما قال المنصفون من الباحثين الغربيين: أرحم الفاتحين، فلا يُعلم فاتح، أو متغلب، رفق بالمغلوب، كما رفق أهل الإسلام بغيرهم؛ لأن مقاصدهم ليست مقاصد دنيوية، وإن جرى لهم مغانم تبعًا، وإنما إدخال الناس في دين الله. لهذا كان النبي ﷺ يجهز الجيوش والسرايا. أما الجيش: فهو كثير العدد، وأما السرية: فإنها تبلغ نحو أربعمائة فرد. والسرية، ربما خرجت من البلد ابتداءً لمهمة خاصة، وربما تنفصل عن الجيش لأداء مهمة استطلاعية، وربما تنفرد للحراسة، وحفظ مؤخرة الجيش. وقد رتبت الشريعة على هذه الأحوال أحكاماً متعددة في أبواب الجهاد، فجعلت لمن يخرج في السرية إن خرج من البلد الخمس، وإذا كانوا قد انفصلوا من الجيش في مبتدأ أمرهم فإن لهم: الربع بعد الخمس، وإذا كانوا بعد رجوعه يحرسون مؤخرتهم فلهم الثلث بعد الخمس؛ لأن الخطر فيه أشد، على تفاصيل معروفة في كتاب الجهاد، من أبواب الفقه. ودل قوله: "إذا أَمَّر أميراً" على أنه لا بد من إمارة؛ فلا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، لا سيما في هذه الأمور الخطيرة التي تتطلب اتخاذ قرار؛

стр. 732

ولهذا أمر النبي ﷺ إذا كان ثلاثة في سفر، أن يؤمروا عليهم أميراً، فقال: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم" (١)، حتى يحسم الخلاف، وليس من شأن الأمير أن يتشهى في حكمه، وإنما يتحرى الصواب والأصلح لمن تحت إمرته، بعد أن يشاورهم في الأمر. قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] قوله: "أوصاه" الوصية: هي العهد بالشيء على وجه الاهتمام. قوله: "بتقوى الله تعالى" هذه أعظم وصية، وقد وصّى الله تعالى بها الأولين والآخرين، فقال: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، لا سيما لهؤلاء الذين استقبلوا الجهاد في سبيل الله، ومواجهة العدو، والدعوة إلى الإسلام. والتقوى: أن يجعل بينه وبين عذاب الله وقاية؛ بفعل أوامره، وترك مناهيه. قوله: "وبمن معه من المسلمين خيراً" أي: وأوصاه أن يرفق بهم، ويحتاط لهم، ولا يشق عليهم، ولا يعرضهم للتهلكة، وأن يشاورهم في الأمر. فإن الأمير يحتاج إلى الوصية بذلك، فإذا كان الأمير مستبداً، أو فظًا غليظ القلب، فإنه يعنت على من معه، وقد كان النبي ﷺ شديد الرفق بأمته، كما وصفه ربه بقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وقال: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧] وهكذا ينبغي أن يكون خلفاؤه من بعده، سواء كانت خلافة عامة، أو خاصة، فيستوصوا بمن معهم من المسلمين خيراً. قوله: "فقال: اغزوا" فعل أمر من الغزو، أي اشرعوا في الغزو، وهو الجهاد في سبيل الله. قوله: "بسم الله" الباء يحتمل أن تكون للاستعانة، أي: مستعينين بالله، وتحتمل أن تكون للابتداء، أي: ليكن أول ما تقولونه: "بسم الله"، كما يقول الإنسان هذه الكلمة الطيبة عند ابتداء الطعام، والشراب، ودخول المسجد،

стр. 733

ودخول المنزل، ونحو ذلك، فإن هذا الاسم الشريف ما قارن شيئاً إلا حلت فيه البركة، ولا نُسي في شيء إلا نُزعت منه البركة، وشواهد هذا كثيرة. ولا مانع من حملها على الأمرين معًا. قوله: "في سبيل الله" هذه جملة عظيمة، أي: اعقدوا نياتكم على أن يكون غزوكم في سبيل الله؛ لأن القتال ربما وقع حمية، أو شجاعة، أو لغرض الغنيمة؛ ولهذا لما سُئل النبي ﷺ : "فإن أحدنا يقاتل غضباً، ويقاتل حمية، قال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله " (١). فيجب أن يكون هذا هو الدافع للغزو، لا دوافع وطنية، ولا قومية، ولا حزبية، ولا دنيوية، يجب أن يكون الغزو في سبيل الله، أي: لتكون كلمة الله هي العليا، وهذا هدف واضح بيّن، ومقصد شرعي، وأما ما سواه فلا، إلا ما يدخل في ذلك تبعاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣] وقال: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ [الفتح: ٢٠]. قوله: "قاتلوا من كفر بالله" كما قال في آية أخرى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. لكن هذا يختلف من زمن إلى زمن، ويجب أن يكون وفق السياسة الشرعية التي يقدرها أهل الحل والعقد، وولاة الأمور من المسلمين، فلا ينفرد بهذا آحاد وأفراد، وإلا صارت الأمور فوضى. فهذا أصل عظيم أن يكون الجهاد في سبيل الله، وأن يقاتل من كفر بالله. قوله: "اغزوا ولا تغُلُّوا" الغلول: هو اقتطاع شيء من الغنيمة قبل قسمتها، وهو من الكبائر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]. ولما قال بعض الصحابة: فلان شهيد، قال ﷺ : "كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة" (٢)، وسُئل عن رجل، فقال: "بل، والذي نفسي بيده، إن

стр. 734

الشملة التي أصابها يوم خيبر من المغانم، لم تصبها المقاسم، لتشتعل عليه ناراً" (١)، نسأل الله العافية. قوله: "ولا تغدروا" الغدر: هو الخيانة في موضع الائتمان، وهو من الصفات الخبيثة التي برّأ الله تعالى منها نبيه والمسلمين، فليس من شأن أهل الإسلام الغدر بحال. ومن الغدر نقض العهد، وهذا أحد أوجه مناسبة هذا الحديث للباب، فالغدر مذموم، ولا يقره الشرع، سواء على مستوى الأفراد، أو على مستوى الغزاة أو الجيش. قوله: "ولا تمثّلوا" التمثيل: تشويه القتيل بقطع بعض أعضائه، فقد كان الناس في الحروب يتشفون من خصومهم بجز نواصيهم، وقطع أنوفهم، وآذانهم، وأطرافهم، ونحو ذلك، يفعلون ذلك بدافع الغيظ، والحنق. حتى إن المشركين فعلوا ذلك في أصحاب النبي ﷺ يوم أحد، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنُربينَّ عليهم، فلما كان فتح مكة، أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] (٢)، ثم قال ﷺ : "ولا تمثّلوا". قوله: "ولا تقتلوا وليداً" الوليد: الصبي الصغير، وقد يطلق على العبد الرقيق، وقد جاء في رواية: "لا تقتلوا صبياً، ولا امرأة، ولا شيخاً كبيراً، ولا مريضاً، ولا راهباً" (٣)، و عن ابن عمر ﵄ قال: وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي رسول الله ﷺ ، فنهى عن قتل النساء والصبيان (٤)، فهذه أخلاق عالية لم ترتق إليها المعاهدات الدولية.

стр. 735

قوله: "وإذا لقيتَ عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث خلال، أو خصال" شك من الراوي، ولا يضر، هما بمعنى واحد. ودلت الجملة على هدف الجهاد في الإسلام. قوله: "فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم" (فأيتهن) مرفوعة بالابتداء، وخبره: (أجابوك). قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام" (ثم) ربما كانت مقحمة في السياق؛ لأنها تدل على ترتيب غير مقصود، فالصواب إسقاطها بأن يقال: فاقبل منهم، وكف عنهم، وادعهم إلى الإسلام. فأول ما يبادأ به العدو من المشركين أن يُدعى إلى الإسلام، فيقال لهم: قولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله. قوله: "فإن أجابوك فاقبل منهم" أي: لا يحملنك طمع أن ترد إسلامهم لغرض دنيوي؛ من مغنم، أو غيره، فالمسلمون دعاة لا جباة. قوله: "ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين" دار المهاجرين إذ ذاك هي المدينة، وقد كان هذا مطلوبًا في ذلك الوقت؛ لأن من كان يؤمن من قبائل العرب يُدعى إلى أن يعزز سواد المسلمين في المدينة بالهجرة إليها، والدفاع عن بيضة الإسلام، والتهيؤ للنفير في سبيل الله. ولكن هذه الهجرة تابعة للسياسة الشرعية؛ ولهذا لم يجعلها شرطاً في قبول إسلامهم. قوله: "وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين" أي: إن هاجروا فإنه يحصل لهم من الأعطيات، ما يحصل للمهاجرين؛ لأنهم حبسوا أنفسهم، واستعدوا للنفير في سبيل الله متى ما طُلب منهم، فلذلك كان لهم حظ من بيت المال من الغنيمة، والفيء، كما أن عليهم ما على المهاجرين من النصرة. قوله: "فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين" لم يجعل الهجرة شرطاً في قبول إسلامهم، بل أقرهم على أن يبقوا إن شاؤوا في دارهم وموطنهم، لكن عليهم أن يعلموا بأن حكمهم كأعراب المسلمين، الذين يقيمون في بواديهم، ولا ينتقلون إلى دار الهجرة، يجري عليهم حكم المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء.

стр. 736

قوله: "إلا أن يجاهدوا مع المسلمين" فإن جاهدوا مع المسلمين فهم شركاء في الغنيمة. قوله: "فإن هم أبوا" أبوا الدخول في عقد الإسلام، وأصروا على كفرهم. قوله: "فاسألهم الجزية" أي: افرض عليهم الجزية عن يد وهم صاغرون. والجزية: هو رسم مالي يكون على آحاد المشركين القادرين على بذله، فلا يحتسب طفل، ولا شيخ فانٍ، ولا عجوز فانية، وإنما يكون ذلك على الغني، والقوي المكتسب. قوله: "فإن هم أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم" وهدف الجزية أن تكون كلمة الله هي العليا؛ لأن بذلهم للجزية دليل الصغار، والخضوع لحكم أهل الإسلام، فيقرون على البقاء على ما هم عليه، ويسمون أهل ذمة. وهذه المسألة وقع فيها الخلاف: ١ - فذهب الإمام الشافعي (١) وأحمد (٢) إلى أن أحكام الذمة تتعلق باليهود والنصارى فقط. ٢ - وذهب الإمام مالك (٣) إلى أنها تتناول كل مشرك، وكتابي، عربي أو أعجمي. وحديث بريدة يؤيد ما ذهب إليه مالك ﵀؛ لأنه قال: "إذا لقيتَ عدوك من المشركين" ولم يقيد هذا بمشركي أهل الكتاب. ٣ - إلا أن أبا حنيفة (٤) ﵀ استثنى مجوس العرب ومشركيهم، فقال: مجوس العرب ومشركيهم لا يقبل منهم جزية. فصارت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة. قوله: "فإن هم أبوا، فاستعن بالله وقاتلهم" تلك هي الخصلة الثالثة، إذا أبوا الإسلام، وأبوا الجزية، فما بقي إلا القتال. ونبَّه على أمر الاستعانة بالله

стр. 737

بين يدي القتال، لأن النصر من الله تعالى، كما قال: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠]. قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن" الحصن: البناء المنيع، الرفيع، الذي يتحصن بها المحاربون. قوله: "فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله، وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك" هذا هو موضع الشاهد من هذا الحديث للباب؛ فحينما يحاصر الجيش أو السرية حصناً من حصون المشركين، فينقطع عنهم المدد، والطعام، والشراب، وغير ذلك، يرضخون، ويلجؤون إلى الصلح، فربما قالوا: اجعل لنا ذمة الله وذمة نبيه، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، صونًا لهما، وأحاله إلى ذمته وذمة أصحابه. قوله: "فإنكم أن تخفروا ذممكم، وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه" لأنه ربما وقع من الجيش، أو من بعض إفراده نقض للذمة، بسبب ظلم أو جهل، فحينئذٍ يعظم الجرم؛ لأنهم أعطوهم بالله، فلهذا نهاهم النبي ﷺ عن ذلك. قوله: "وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله" هذه صورة أخرى: بأن يقولوا: أنزلنا على حكم الله، أي: شرع الله. وهذا لا يتأتى إلا لرسول الله ﷺ . قوله: "فلا تنزلهم على حكم الله" ليس هذا صرفاً لهم عن حكم الله، وإنما أراد النبي ﷺ أنهم قد يصيبون حكم الله، وقد لا يصيبونه. قوله: " "ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله فيهم أم لا؟ " أمره أن ينزلهم على حكمه الذي يتحرى فيه حكم الله، وقد يصيب، وقد يخطئ في إصابته، وفرق بين المقامين. مناسبة الحديث للباب: مطابقة، فقد تضمن النهي عن جعل ذمة الله، وذمة نبيه في المعاهدات، خشية إخفارها.

стр. 738

فوائد الحديث: ١ - مشروعية الجهاد في سبيل الله، والرد على من زعم نسخ الجهاد. ٢ - مشروعية بعث السرايا والجيوش لهذا الغرض، وأن هذه من مهام الإمام. ٣ - مشروعية التأمير، وأن لا يُترك الناس فوضى. ٤ - مشروعية الوصية بتقوى الله في جميع الأمور. ٥ - أن على الإمام أو الأمير بأن يرفق بمن معه من المسلمين. ٦ - أن الجهاد يجب أن يكون في سبيل الله، لتكون كلمة الله هي العليا. ٧ - تحريم الغلول، والغدر، والتمثيل، وقتل الأولاد. ٨ - وجوب البداءة بدعوة المشركين إلى الإسلام أولاً، وقبول ذلك منهم. ٩ - الدعوة إلى الهجرة إلى دار الإسلام إذا اقتضى الأمر ذلك. ١٠ - أن من هاجر إلى دار الإسلام استحق من الغنيمة والفيء، ومن لم يهاجر لم يستحق. ١١ - أن الجزية بديل عن الإسلام لمن أباه، لتكون كلمة الله هي العليا. ١٢ - أن الجزية شريعة ثابتة. وكثير من الإسلاميين العصرانيين، نتيجة لضغط الواقع، والتفوق المادي، والتقني، والعسكري، للأمم الأخرى على أهل الإسلام، وطغيان الأفكار الليبرالية، صاروا يعتذرون عن الشريعة، ويستحون من الإقرار بشريعة الجهاد في سبيل الله، ووجود الجزية في الإسلام، وكأنهم موكولون بالاعتذار عن الشرع، وهذا ليس إليهم؛ الدين دين الله، والله أعلم بما حكم وشرع. وهذه الإجراءات ترجع إلى باب السياسة الشرعية، فأمر الجهاد، والجزية، تقدر بحسب الأحوال؛ فحينما تكون الأمة في حال ضعف، ولا تقوى على القتال في سبيل الله، تفعل ما هو أصلح لها، وهو المهادنة والصبر، كما قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧]. بل لو اقتضى الأمر أن يبذل أهل الإسلام ما يستدفعون به شر المعتدين، فلا مانع من ذلك، وقد جرى ذلك حينما أحاطت الأحزاب بالمدينة، فهمّ النبي ﷺ أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة، ويرجعوا عنهم. واستشار سعد بن معاذ،

стр. 739

وسعد بن عبادة في ذلك، فقالا له: يا رسول الله أمراً نحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً تصنعه لنا؟ قال: "بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله، وعبادة الأوثان، لا نعبد الله، ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة، إلا قرىً أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام، وهدانا له، وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا؟! والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ : "فأنت وذاك" (١). فهذه الأمور تتعلق بباب السياسة الشرعية، والذي يقدر الجهاد، والجزية، والصلح، هم ولاة الأمر، وأهل الحل والعقد، وليس متروكاً إلى الأفراد أن يجتهدوا فيه ما شاؤوا، ويتخذوا من الأفعال، والتصرفات ما شاؤوا، وإلا أصبح الأمر فوضى، وجرى على أهل الإسلام من المصائب والتبعات ما لا يخفى، فيجب على أهل الإسلام أن يكونوا يدًا واحدة، وأن يأتمروا بأمر أمرائهم. ١٣ - وجوب الاستعانة بالله في جميع الأمور؛ لقوله: "فاستعن بالله، وقاتلهم"، وقال لمعاذ: "أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك" (٢)، فلا غنى للمؤمن عن الاستعانة بالله. إِذَا لَمْ يَكُنْ عَونٌ مِنْ اللهِ لِلفَتى … فأوَّلُ مَا يَجني عَلَيْهِ اجْتِهادُهُ (٣). ١٤ - احترام ذمة الله وذمة نبيه ﷺ ، والتفريق بينها وبين ذمة المسلمين. ١٥ - وجوب احترام حكم الله وحكم نبيه ﷺ ، والتفريق بينه وبين الاجتهاد الشخصي. ١٦ - عدم التعبير في المسائل الاجتهادية بعبارة "حكم الإسلام في كذا

стр. 740

وكذا" سواء من السائل أو المجيب، إلا في الأمور القطعية التي قام عليها الدليل الصحيح الصريح. ولكن يجيب المجتهد بما يرى، ولا يقطع بأن هذا حكم الله، وحكم رسوله ﷺ ١٧ - جواز نزول أهل الحصن على حكم أمير الجيش، ومن معه. ١٨ - ارتكاب أخف المفسدتين دفعاً لأشدهما؛ لقوله: "اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك". فقد ينشأ عن هذا مفسدة، لكنها أخف من مفسدة خفر ذمة الله وذمة نبيه، وكذلك بالنسبة للحكم، قال: "فأنزلهم على حكمك وحكم أصحابك" لأنه إن لم يصب حكم الله تكون المفسدة في ذلك أهون. وفوائد هذا الحديث كثيرة جمة، وفيما ذكر كفاية. ثم قال المصنف ﵀: فيه مسائل: الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه ﷺ وذمة المسلمين. ذمة الله وذمة نبيه لها من الرعاية والاحترام القدر العظيم، وأما ذمة المسلمين فدون ذلك، مع وجوب رعايتها، والوفاء بها. الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطراً. لقوله: "فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه". الثالثة: قوله: "اغزوا باسم الله، في سبيل الله". بأن يقع ذلك لله تعالى، وفي سبيل الله، ولإعلاء كلمة الله. الرابعة: قوله: "قاتلوا من كفر بالله". وهذا نص في مشروعية الجهاد بالقتال والسيف.
следующие страницы →