← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30153

وجوه إعجاز القرآن العظيم

خالد نواف الشوحة

Полный текст (272 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء: ١]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]، وبعد؛

стр. 2

فإن علم الإعجاز من أعظم العلوم قدراً وأجلها شأناً وأنبلها شرفاً؛ ويرجع ذلك إلى أمور كثيرة أذكر منها على سبيل التمثيل لا الحصر ما يأتي: أولاً: انبثاق هذا العلم عن كتاب الله تعالى، أعظم كتاب خوطبت به الخلائق على مر الدهور والعصور، فالإعجاز المراد هنا هو إعجاز القرآن الكريم لا غير، وقد نال هذا العلم شرف الإضافة إلى القرآن الكريم في قولنا: (علم إعجاز القرآن)، وكفى به شرفاً. ثانياً: اتصال علم الإعجاز بعلوم العقيدة، بل هو من أخطرها وأدقها، فإن الله تعالى أرسل رسلاً من بني البشر، وأنزل معهم من المؤيدات ما يدل على صدق نبوتهم، وأنزل على نبينا محمد ﷺ القرآن الكريم، وتحدى به الخلق كلهم؛ ليكون قائد معجزاته التي تؤيد دعواه وتصدقها. وبالنظر إلى وجوه الإعجاز المقبولة -من حيث تكييفها في الدرس الإعجازي- نجدها كلها لا تخرج عن كونها وجوهاً إعجازية، أو دلالةً من الدلالات على نبوة رسول الله ﷺ على أقل تقدير. يقول النبي ﷺ : (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) (١). وخلاصة الأمر أن إثبات الإعجاز في القرآن الكريم دليل على مصدرية القرآن وربانيته أولاً، ودليل على صدق النبي الذي أنزل عليه القرآن الكريم ثانياً، ثم دليل على

стр. 3

ألوهية الله تعالى وربوبيته وخالقيته ثالثاً، فهو دليل نال شرفه من المدلول عليه، ولو لم يكن لهذا العلم من الفضل إلا الدلالة على إلهية الخالق وربوبيته لكفى وأغنى. ثالثاً: اتصال علم الإعجاز بعلوم اللغة العربية كلها، فوجوه الإعجاز إما لغوية صريحة كما هو الحال في الإعجاز البياني، وإما وجوه صيغت بقوالب اللغة وأساليبها وطرائقها كالإعجاز العلمي، والغيبي، والتشريعي، وغيرها. رابعاً: سُهمة علم إعجاز القرآن في حفظ اللغة العربية تأصيلاً وتفريعاً، ولست أبالغ إن قلت: إن الدراسات الإعجازية هي أعظم ما كتب في الدرس اللغوي القديم والحديث وأعمق وأدق، حتى غدا علم الإعجاز وجهة ظاهرة لقاصدي اللغة والباحثين عن كنوزها المظنونة ودررها المكنونة. خامساً: إن إثبات الإعجاز في القرآن الكريم لا يقتصر أثره ونفعه على غير المؤمنين، بل إنه سبيل عظيم لتقوية الحق في نفوس المؤمنين، وكلما كان المرء عالماً بلغة العرب أكثر؛ (كان أشد معرفة بإعجاز القرآن، وأسبق إلى التصديق والإيمان) (١). سادساً: إن البحث في إعجاز القرآن الكريم مدخل إلى علوم القرآن الكريم كلها، فمسائل الإعجاز متداخلة مع جميع أنواع الآيات وتقسيماتها، سواء أكانت في العقيدة، أو الأحكام، أو الأخلاق، أو غيرها، مما اصطلح عليه أهل الفن وارتضوه.

стр. 4

سابعاً: إن علم إعجاز القرآن الكريم علم غاية، وليس علم آلة كما هو في نظر بعض الباحثين؛ وذلك للوازم المترتبة على إثباته، ترتب المعلول على علته، والمسبب على سببه. وإن كنا نقر بأنه في بعض مفرداته وتطبيقاته التفصيلية الجزئية خادماً لغيره من العلوم وممهداً لقضاياها. خطة الكتاب قسمت كتابي هذا إلى فصول ثلاثة، يدور حولها رحى علم الإعجاز، هي المقدمات التعريفية بعلم الإعجاز، ثم تاريخه ونشأته، ثم وجوهه، وجاءت على النحو الآتي: الفصل الأول: تعريف إعجاز القرآن الكريم ومقدماته * المبحث الأول: تعريف إعجاز القرآن الكريم المطلب الأول: مقدمات حول مصطلح المعجزة والإعجاز المطلب الثاني: المعجزة المطلب الثاني: الإعجاز المطلب الرابع: القرآن الكريم المطلب الخامس: المختار من تعريف مصطلح إعجاز القرآن * المبحث الثاني: التحدي بالقرآن الكريم المطلب الأول: مراحل التحدي بالقرآن الكريم المطلب الثاني: القدر المتحدى به من القرآن الكريم

стр. 5

الفصل الثاني: تاريخ إعجاز القرآن الكريم ونشأته * المبحث الأول: أنواع التصانيف في إعجاز القرآن الكريم وأشهر المصنفات فيه المطلب الأول: أنواع التصنيف في إعجاز القرآن الكريم المطلب الثاني: أشهر المصنفات في الإعجاز * المبحث الثاني: نماذج من مؤلفات الإعجاز المطلب الأول: الإعجاز عند عبد القاهر الجرجاني المطلب الثاني: الإعجاز عند الرافعي الفصل الثالث: أشهر وجوه إعجاز القرآن الكريم * المبحث الأول: الإعجاز البياني في القرآن الكريم المطلب الأول: المفردة القرآنية المطلب الثاني: التركيب والنظم * المبحث الثاني: الإعجاز الغيبي * المبحث الثالث: الإعجاز التشريعي المطلب الأول: مفهوم الإعجاز التشريعي وأمثلته المطلب الثاني: الاعتراضات على الإعجاز التشريعي * المبحث الرابع: الإعجاز العلمي المطلب الأول: تعريف الإعجاز العلمي

стр. 6

المطلب الثاني: اعتراضات على الإعجاز العلمي * المبحث الخامس: الإعجاز العددي المطلب الأول: تعريف الإعجاز العددي المطلب الثاني: حركة التأليف في الإعجاز العددي المطلب الثالث: بذور الإعجاز العددي المطلب الرابع: اعتراضات العلماء والمحققين على الإعجاز العددي تأصيلاً وتطبيقاً المطلب الخامس: شروط قبول نظرية الإشارات العددية * المبحث السادس: الإعجاز التأثيري * المبحث السابع: الآيات التي ذكر العلماء أن فيها عتاباً للنبي ﷺ . * المبحث الثامن: الصرفة. * المبحث التاسع: مظهر النبي ﷺ عند هبوط الوحي عليه * المبحث العاشر: المباهلة * المبحث الحادي عشر: إعجاز القرآن شيء لا يمكن التعبير عنه * المبحث الثاني عشر: اشتمال القرآن الكريم على الحِكَم البالغة. * المبحث الثالث عشر: عدم الاختلاف والتناقض بين معانيه. * المبحث الرابع عشر: اشتمال القرآن الكريم على الفصاحة. * المبحث الخامس عشر: عجز الرسول عن الإتيان ببدل له. * المبحث السادس عشر: التحدي للكافة. * المبحث السابع عشر: قياسه بكل معجزة. * المبحث الثامن عشر: ترتيب وجوه إعجاز القرآن الكريم وفق أسباب ردها ونقدها. * الخاتمة.

стр. 7

وقد بذلت جهدي -ما استطعت- في إخراج كتابي هذا بأسلوب خال من التعقيد والإغراب؛ ليفيد منه طلاب العلم في الجامعات وخارجها، وقد أفدت كثيرا مما وقع عليه بصري مما أُلّف في علم الإعجاز قديماً وحديثاً، داعياً لكل من أسهم فيه بدوام الأجر وتضعيف الثواب. وإني أسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل، وأن يغفر لي ما كان فيه من زلل، وأن يُظهر لي على يد العلماء الناصحين ما كان فيه من خلل، ناسباً كل ما فيه من خير إلى الله تعالى خالق العوالم والمِلل، والجاعل كتابَه القرآنَ سبيلَ إعجازٍ وهدايةٍ لكل الجماعات والنحل. والصلاة والسلام على البشير النذير خير البشر، وعلى آله وصحبه اليواقيت الدرر، وعلى من انتهج طريقهم واستن بما قدموه من الهداية والأثر، والحمد لله رب العالمين.

стр. 8

الفصل الأول تعريف إعجاز القرآن الكريم ومقدماته * المبحث الأول: تعريف إعجاز القرآن الكريم * المبحث الثاني: التحدي بالقرآن الكريم

стр. 9

المبحث الأول تعريف إعجاز القرآن الكريم المطلب الأول مقدمات حول مصطلح المعجزة والإعجاز المقدمة الأولى: لم يرد مصطلحا (الإعجاز) و (المعجزة) في القرآن الكريم، ولا في السنة الصحيحة بهذا الوزن الصرفي (إفعال - مفعلة). المقدمة الثانية: وردت مادة: (ع ج ز) في القرآن والسنة باشتقاقات كثيرة، منها (١): ١) (أَعَجَزْتُ). ٢) (نُعْجِزَ)، (نُعْجِزَهُ)، (لِيُعْجِزَهُ)، (يُعْجِزُونَ). ٣) (عَجُوزٌ)، (عَجُوزًا). ٤) (أَعْجَازُ). ٥) (مُعَاجِزِينَ).

стр. 10

٦) (بِمُعْجِزٍ). ٧) (مُعْجِزِي). ٨) (مُعْجِزِينَ). ولكل من هذا التصريفات دلالاتها التفسيرية واللغوية. وبالنظر إلى كلام المفسرين في تفسير الآيات التي وردت فيها هذه الكلمات؛ وجدت أنها تدور في معناها حول ما قرره ابن فارس في أصول هذه المادة (ع ج ز) من الضعف والتأخر. المقدمة الثالثة: مع عدم ورود ألفاظ: (معجزة) و (إعجاز) في القرآن الكريم، إلا أن ألفاظاً أخرى مقاربة لمعناهما وردت في القرآن الكريم، ذكر العلماء منها: ١) آية، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ﴾ [البقرة: ١١٨]. ٢) سلطان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ [إبراهيم: ١٠]. ٣) بينة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً﴾ [الأعراف: ٧٣].

стр. 11

٤) برهان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ [القصص: ٣٢]. ٥) بصيرة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩]. على اعتبار أن (مبصرة) هنا بمعنى (بصيرة) (١)، وأرى أن الأمر في هذا المثال يحتاج إلى تحقيق أكثر. المقدمة الرابعة: ينبغي التنبيه على أن هذه الألفاظ المقاربة لمعنى المعجزة لا يراد منها دائماً معنى الإعجاز والمعجزة، بل إنها تأتي بمعان مختلفة عن معنى المعجزة والإعجاز، والذي يحكم المعنى في هذا المقام سياق الآيات وسباقها ولحاقها، ومن الأمثلة ذلك: ١) قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ (سُلْطَانٌ) إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. ٢) قوله جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا (بُرْهَانَ) لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ [المؤمنون: ١١٧]. ٣) قوله عز سلطانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى (بَصِيرَةٍ) أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].

стр. 12

٤) قوله ﵎: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ (بَيِّنَةٍ) وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ (بَيِّنَةٍ) وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾ [الأنفال: ٤٢]. ٥) قوله جل وعز: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾ [الشعراء: ١٢٨]. المقدمة الخامسة: يرى بعض العلماء أن استخدام الألفاظ القرآنية: (آية، بينة، سلطان، برهان، بصيرة) أولى من استعمال لفظ: (معجزة)؛ لأسباب كثيرة، أهمها: أولاً: إن تسميتها بالآية والبرهان والسلطان ونحوها تسمية إلهية شرعية، ولا حاجة للعدول عنها إلى غيرها (١). ثانياً: إن معنى مادة: (عجز) يطلق على الخوارق التي أتى بها غير الأنبياء ﵈، وقد ثبت عن بعض السلف أنهم كانوا يسمون الكرامات معجزات (٢). ثالثاً: إن هذه الألفاظ تستلزم ثبوت النبوة من غير شرط، خلافاً للمعجزة بحدودها عند قائليها، فإنها لا تستلزم ثبوت المعجزة إلا بشرط (٣).

стр. 13

المقدمة السابعة: مصطلح (إعجاز القرآن) مركب إضافي، لا بد لمعرفة معناه من تعريف كل من المتضايفين مفرداً، ثم استخلاص تعريف للمركب يتناسب مع معنى مفرداته. وحتى يتم ذلك لا بد من تعريف المعجزة؛ تمهيداً للوصول إلى المعنى الدقيق لمصطلح (إعجاز القرآن). المطلب الثاني المعجزة لم تتفق كلمة الباحثين في الإعجاز القرآني على تعريف واحد للمعجزة، فهذا يرتضي ركناً في التعريف لا يرتضيه غيره، وذاك يرفض شرطاً فيها يرتضيه غيره. وثالثٌ يزيد وصفاً لا يقبله الأول ولا الثاني، وهكذا. وأود أن أنبه إلى أن شروط المعجزة أمر لا يختلف عن حقيقة تعريفها في الغالب الأعم؛ فشروط المعجزة مأخوذة من تعريفها وحَدّها، وقد راعى كل من عرّف المعجزة أن يكون كلامه في التعريف شاملاً للشروط التي لا تتحقق المعجزة إلا بها، ولذلك؛ فإن ما أذكره من كلام العلماء في نقد الشروط يقع على نقد التعريف، فلا تباين بين الأمرين من حيث خصوص قضيتنا -على الأقل-. وسأذكر في المباحث والمطالب اللاحقة أشهر ما وجدته عند العلماء في نقد التعريف والشروط.

стр. 14

وقبل أن أذكر تعريف المعجزة المختار عندي، أنقل شيئاً من كلام العلماء في تعريف المعجزة؛ لتوضيح المراد وتبيين المقصود، ومن هذه التعريفات: ١) يقول ابن حمدان: (هي ما خرق العادة من قول أو فعل، إذا وافق دعوى الرسالة وقارنها وطابقها، على جهة التحدي ابتداء بحيث لا يقدر أحد عليها ولا على مثلها، ولا على ما يقاربها) (١). ٢) قال الفخر الرازي: (المعجزة عرفاً: أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي مع عدم المعارضة) (٢). ٣) قال الشهرستاني: (فعل خارق للعادة، مقترن بالتحدي، سليم عن المعارضة) (٣).

стр. 15

٤) وهو أحد تعريفين ذكرهما الزرقاني: (أمر يعجز البشر متفرقين ومجتمعين عن الإتيان بمثله) (١). ٥) والثاني: (أمر خارق للعادة خارج عن حدود الأسباب المعروفة يخلقه الله تعالى على يد مدعي النبوة عند دعواه إياها شاهدا على صدقه) (٢). ٦) قال القنوجي: (هي أمر خارق للعادة، داع إلى الخير والسعادة، مقرون بدعوى النبوة، قصد به إظهار صدق من ادعى أنه رسول من الله سبحانه) (٣). ومن قراءتنا لهذه التعريفات نلحظ الفروق الآتية: أولاً: من العلماء من نص على أن المعجزة تكون فعلاً أو قولاً، كما ذكر ابن حمدان، على حين أن بعضهم اقتصر على كونها فعلاً كما هو تعريف الشهرستاني. ثانياً: عبارة الرازي في تعريف المعجزة افتتحها بقوله: (أمر)، وقد علل هذا التصديرَ التفتازانيُّ فقال: (إنما قال: (أمر)؛ ليتناول الفعل، كانفجار الماء من بين أصابع النبي ﷺ ويتناول عدمه، أي: عدم الفعل؛ كعدم إحراق النار إبراهيم ﵇ (٤).

стр. 16

ثالثاً: مع إجماع كل من ذكرت على أن المعجزة خرق للعادة، إلا أن بعض تعريفاتهم خلت من اشتراط اقتران التحدي، فالزرقاني ﵀ لم يشترط هذا الشرط في تعريفه الأول ولا في تعريفه الثاني. رابعاً: من العلماء من اشترط اقتران المعجزة بدعوى النبوة، ولم يشترط اقترانها بالتحدي. خامساً: في بعض التعريفات نجد من زاد على أركان التعريف أوصافاً وقيوداً كاشفة، كقول القنوجي: (داع إلى الخير والسعادة) (١). وهم يقصدون بذلك مخالفتها لما كان مآله الشر والشقاوة، معرّضين بما يقع على أيدي الكذبة مما لا خير فيه ولا سعادة. سادساً: أشار الزرقاني بقوله: (خارج عن حدود الأسباب المعروفة) (٢) إلى مسألة مهمة في الإعجاز، وهي العلاقة بين قانون السببية وأثره في تعريف المعجزة، ولم يكتف بكونها أمراً خارقاً للعادة، بل زاد عليها هذا القيد. وتتلخص علاقة قانون السببية بالمعجزات بأن (إثبات السببية على المعنى الذي أراده من نفى السببية يستلزم نفي الخوارق؛ لأنه إذا كان لا وجود لموجود حادث إلا من جهة أن سبباً معينا اقتضى وجوده، على الوجه الذي وجد عليه، فلا يمكن أن يكون الأمر

стр. 17

بخلاف ذلك؛ وإن كانت خاصية المعجزات خرق العادات فإنه لا يمكن إثباتها مع القول بالسببية) (١). ولا شك أنه لا تعارض بين قانون السببية والمعجزات، وذلك أن القول بالتلازم بين الأسباب والمسببات مربوط بإرادة الله تعالى. فهو تعالى خالق الأسباب وخالق المسببات وخالق التلازم بينهما وجوداً وعدماً. التعريف المختار للمعجزة: والذي يظهر لي في تعريف المعجزة بعد النظر في الطعون الواردة على أركانها وشروطها وقيودها -جمعاً ومنعاً، اطراداً وانعكاساً- أنها: (أمر خارق للعادة، يجريه الله تعالى يد نبي، تأييداً لدعواه). سبب اختيار هذا التعريف: ١) في هذا التعريف نص على أن المعجزة تكون فعلاً أو قولاً كما ذكر ابن حمدان، على حين أن بعضهم اقتصر على كونها فعلاً كما هو تعريف الشهرستاني. وأنبه هنا إلى أن من نص في تعريفه على أنها فعل ولم يذكر كونها قولاً؛ فإنه يعد القول داخلاً في الفعل بدليل الأمثلة التي يذكرونها بعد هذا التعريف، مما يؤكد بوضوح أنهم لا يقصدون استثناء القول وقصر المعجزة على الفعل وحده.

стр. 18

٢) قال التفتازاني: «إنما قال: (أمر)؛ ليتناول الفعل كانفجار الماء من بين أصابع النبي ﷺ ويتناول عدمه، أي: عدم الفعل؛ كعدم إحراق النار إبراهيم ﵇ (١). قلت: وحقٌّ ما قاله التفتازاني من كون المعجزة تشمل الفعل وعدم الفعل. إلا أن قول من قال: (فعل) ما أرادوا منه نفي عدم الفعل، بل إنهم يدخلونه في معنى المعجزة، ويُحمل كلام التفتازاني على التوضيح والبيان. ٣) خلا هذا التعريف من بعض الأوصاف والقيود الكاشفة، كقول القنوجي: (داع إلى الخير والسعادة) (٢). وهم يقصدون بذلك مخالفتها لما كان مآله الشر والشقاوة، معرّضين بما يقع على أيدي الكذبة مما لا خير فيه ولا سعادة. ٤) هذا التعريف فيه إثبات لقاعدة الأسباب والمسببات، ويشير إلى ذلك قولنا: (خارق للعادة). ٥) خلا هذا التعريف من اشتراط التحدي، ليشمل كل خوارق العادات التي جرت على أيدي الأنبياء، المتحدى بها وغير المتحدى بها. والقضية هذه تحتاج إلى توضيح أكثر، فأقول: إن المستطلع لتعريفات العلماء لمصطلح المعجزة يجد أن أغلبهم يذكر اشتراط التحدي، كما نقلته عن ابن حمدان والرازي والشهرستاني وغيرهم كثير ممن لم أذكرهم،

стр. 19

حيث يقيّدون خرق العادة باشتراط التحدي. على أن عدداً ممن عرف المعجزة لم يرتض هذا القيد؛ لأمور كثيرة منها: أولاً: إن هذا الشرط لا دليل عليه من الكتاب ولا السنة ولا الإجماع (١). ثانياً: إن أكثر ما نزل من المعجزات كانت بلا تحد، يقول الزرقاني المالكي: (أكثر آياته ﷺ وأعمها وأبلغها كانت بلا تحدٍّ، كنطق الحصى، ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام، ولعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت) (٢). ثالثاً: إن الله تعالى سمى تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحدياً، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ [الإسراء: ٥٩] (٣).

стр. 20

ذكر الزرقاني هذه الاعتراضات الثلاثة، ولكنه أعقبها بقوله: (وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي بمعنى طلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيقي للتحدي، بل يكفي للتحدي دعوى الرسالة، والله أعلم) (١). والجواب الذي أجاب به الزرقاني قد قال بمثله أو قريباً منه علماء كثيرون كالشعراني (٢) وإمام الحرمين (٣). والذي يظهر -والله أعلم- أن دعوى الرسالة لا تسد مسد طلب التحدي، وخاصة أننا نعلم أن معجزات الأنبياء ﵈ لم تكن مقتصرة على المعاندين الكافرين، بل إنها كثيراً كانت تقع أمام الموحّدين المتّبعين للرسول ﷺ المبعوث فيهم، وأي ثمرة للتحدي، وأي ثمرة لادعاء النبوة أمام من آمن وعمل صالحاً ثم اهتدى إن حصرناها بالتحدي وطلب الإيمان، إلا أنها تزيدهم إيماناً مع إيمانهم الذي انغرس في نفوسهم وعقولهم. وأنوّه هنا إلى أن بعض الباحثين قد خرج من هذا التكييف التأصيلي في مسألة اشتراط التحدي وقسّم المعجزات إلى قسمين اثنين:

стр. 21

القسم الأول: ما أريد منه إثبات النبوة والرسالة، وهذا يشترط فيه التحدي، كما ورد ذلك في القرآن الكريم وبعض معجزات الأنبياء كما في ناقة صالح ﵇. القسم الثاني: ما لا يشترط فيه التحدي، وهو ما ظهر على يد النبي من غير اقتران بدعوى الرسالة، ومثاله: ما وقع بين المسلمين وربما لم يطلع عليه الكفار أصلاً؛ كنبع الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ وتكثير الطعام ونحو ذلك (١). قلت: وهذا توجيه يُقلل بون المسافة بين الفريقين، إلا أنه تفريق لا يسلم من وجوه كثيرة أهمها: أولا: لا يوجد دليل صحيح صريح على تقسيم المعجزات إلى: ما يراد منها إثبات الرسالة، وما لا يراد. وإن هذه نتيجة لا يمكن التسليم بها -من حيث النظر المنطقي- إلا إذا أتينا على كل معجزة بدليل يوضح أنها جاءت لإثبات الرسالة أو جاءت لغير ذلك. فهذا هو سبيل إثبات العمومات الكليّة، حتى في الكّليّتين المختلفتين. ثانياً: إنه بنى حكمه على مقدمة لم تثبت، وهي تقسيم المعجزات إلى ما يراد منه إثبات الرسالة وما لا يراد؛ ثم فرّع على ذلك أن ما أريد منه إثبات الرسالة فشرطه التحدي، وما لم يكن كذلك فهو عكس ذلك.

стр. 22

ثالثاً: إن القسمة التي ذكرها غير منطقية، حيث قال في القسم الأول: (ما يراد به إثبات الرسالة) (١). وقال في القسم الثاني: (أن يظهر الخارق على يديه بلا اقتران بدعوى الرسالة) (٢). وهذه قسمة غير منطقية، فالأصل أن يقول: ما يراد منه إثبات الرسالة، وما لا يراد منه إثبات الرسالة. أو أن يقول: ما اقترن بدعوى النبوة، وما لم يقترن بدعوى النبوة. ولا شك أن هذه القسمة لا دليل عليها، ومن أين لنا أن شيئاً من المعجزات غير مقترن بدعوى الرسالة، فكل المعجزات سارت مع دعوى الرسالة، واقترنت بها اقتران المقال أو الحال، وبما أنهم لم يشترطوا التصريح لإعلان التحدي؛ فإن انعدام هذا الشرط في دعوى الرسالة أصرح وأوضح. ولا بد هنا من بيان السبب الذي من أجله اشترط بعض العلماء هذا الشرط، وهو أنهم رأوا أن فعل الخارق ممكن وقوعه في غير الخوارق التي يأتي بها الأنبياء كأفعال السحرة ونحوهم، وقد بينوا أن المعجزة لا تختلف عن السحر إلا باشتراط التحدي؛ ففي هذا الشرط نفصل بين فعل النبي وفعل الساحر، يقول الباقلاني: ( … فهذا من أقوى الأدلة وأصحها على أن المعجز ليس بمعجز لجنسه ونفسه، ولا لحدوثه، وإنما يصير معجزاً للوجوه التي ذكرناها ومنها التحدي والاحتجاج) (٣). وقد اعترض على هذا الشرط بعض العلماء بأمور عدة:

стр. 23

أولاً: إن هذا الأمر مخالف للواقع، فإن رسول الله ﷺ لم يكن يتحدى بالمعجزات التي جاء بها كلها، ولم تصرّح الأدلة بالتحدي إلا في مواطن قليلة جداً، ولا يجوز الحكم على الكثير بالقليل. ثانياً: لا يجوز أن يكون الدليل هو المدلول نفسه (١). ثالثاً: إن في هذا الشرط مساواة بين معجزات الأنبياء والأفعال التي يأتي بها السحرة والكهان، مساواة الجنس بالجنس، والحقيقة بالحقيقة. رابعاً: أنه لو كان اشتراط التحدي شرطاً صحيحاً لسقط معنى الإعجاز في كثير من معجزات النبي ﷺ ، يقول ابن حزم: (لو كان ما قالوا؛ لسقطت أكثر آيات رسول الله ﷺ كنبعان الماء من بين أصابعه، وإطعامه المئتين والعشرات من صاع شعير وعناق ومرة أخرى من كسر ملفوفة في خمار، وكتفله في العين فجاشت بماء غزير إلى اليوم، وحنين الجذع، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، والذئب، والإخبار بالغيوب، وتمر جابر وسائر معجزاته العظام؛ لأنه ﷺ لم يتحد بذلك كله أحداً، ولا عمله إلا بحضرة أهل اليقين من أصحابه ﵃، ولم يبق له آية حاشا القرآن ودعاء اليهود إلى تمني الموت وشق القمر فقط) (٢).

стр. 24

المطلب الثالث الإعجاز إعجاز: مصدر الفعل الرباعي (أعجز)، وأصله مادة: (ع ج ز)، وأكثر العلماء على أن هذه المادة تدل على الضعف والتأخر. يقول ابن فارس: (العين والجيم والزاء أصلان صحيحان، يدل أحدهما على الضعف، والآخر على مؤخر الشيء. فالأول عجز عن الشيء يعجز عجزاً، فهو عاجز، أي ضعيف. وقولهم: «إن العجز نقيض الحزم» فمن هذا. لأنه يضعف رأيه. ويقولون: «المرء يعجز لا محالة». ويقال: أعجزني فلان، إذا عجزت عن طلبه وإدراكه. ولن يعجز الله -تعالى- شيء، أي لا يعجز الله -تعالى- عنه متى شاء. وفي القرآن: ﴿لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ [الجن: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [العنكبوت: ٢٢]. وأما الأصل الآخر فالعجز: مؤخر الشيء، والجمع أعجاز، حتى إنهم يقولون: عجز الأمر، وأعجاز الأمور. ويقولون: «لا تدبروا أعجاز أمور ولت صدورها») (١).

стр. 25

ويقول الراغب: (عجز الإنسان: مؤخره، وبه شبه مؤخر غيره. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ [القمر: ٢٠]، والعجز: أصله التأخر عن الشيء، وحصوله عند عجز الأمر، أي: مؤخره، كما ذكر في الدبر. وصار في التعارف اسماً للقصور عن فعل الشيء، وهو ضد القدرة. قال تعالى: ﴿أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ [المائدة: ٣١]، وأعجزت فلانا وعجزته وعاجزته: جعلته عاجزاً. قال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ [التوبة: ٢]، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٣١]، ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [الحج: ٥١]، وقرئ: معجزين. فمعاجزين قيل: معناه ظانين ومقدرين أنهم يعجزوننا، لأنهم حسبوا أن لا بعث ولا نشور فيكون ثواب وعقاب، وهذا في المعنى كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤]، و «مُعَجِّزِينَ»: يَنسُبُون إلى العَجْزِ مَن تَبِعَ النبيَّ ﷺ ، وذلك نحو: جهّلته وفسّقته، أي: نسبته إلى ذلك. وقيل معناه: مثبّطين، أي: يثبّطون الناس عن النبيّ ﷺ ، كقوله: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٤٥]، وَالعَجُوزُ سمّيت لِعَجْزِهَا في كثير من الأمور. قال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٣٥)﴾ [الصافات: ١٣٥]، وقال: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود: ٧٢]) (١). قلت: كلام الراغب لا يبتعد كثيراً عن كلام ابن فارس، فمؤداهما قريب، حتى وإن لم يصرح الراغب بما قرره ابن فارس.

стр. 26

ويرى بعض العلماء أن: (الوجهين الذين ذكرهما ابن فارس يرجعان إلى أصل واحد، وهو التأخر كما ذكر الراغب، فأصل العجز في اللغة مؤخر الإنسان واستعير لغيره، وهناك صلة وثيقة بين هذا المعنى وبين القصور عن الشيء؛ فإن التأخر والقصور متلازمان؛ لأن من تأخر عن غيره، إنما يرجع ذلك إلى تقصيره) (١). كما يرى ﵀ أن اللغويين والمفسرين مجمعون على أن ليس للعجز إلا هذا المعنى (٢). قلت: وفي هذا الكلام نظر، وبيانه من وجوه كثيرة أذكر منها: أولاً: إن استعمال القرآن الكريم لمادة: (عجز) في معنى الضعف وعدم القدرة أكثر منه في معنى التأخر، حتى مادة: (عجز) في قوله تعالى: (أعجاز نخل منقعر)، فالمراد منها أصول النخل، وليست صريحة في أنها أواخر النخل. ثانياً: إنه لا مانع في اللغة أن يكون للكلمة الواحدة معنيان اثنان، ولا فائدة من محاولة إرجاع الألفاظ إلى أصل واحد، واعتبار جميع الأصول الأخرى معان مجازية. ثالثاً: عد الدكتور ﵀ أصلَ (التأخر) أصلاً حقيقياً، وعدَّ أصلَ (الضعف) أصلا مجازياً، والناظر في مجموع النصوص التي ورد فيها أصل مادة (عجز) وفي كلام المفسرين وشراح الحديث النبوي لها، يجد أن معنى الضعف في أن يكون هو الحقيقة أولى منه في معنى التأخر، وأما الاعتماد على تصنيف الألفاظ حسب دلالتها على المعاني المادية

стр. 27

أو المعنوية فهو تصنيف غير منضبط ولا مطرد، ولا يتسع المقام لبسط هذه المسألة وتحقيقها هنا. رابعاً: قول الدكتور ﵀: (لأن من تأخر عن غيره، إنما يرجع ذلك إلى تقصيره) (١) فيه نظر، فليس كل من تأخر عن شيء فإنما بسبب الضعف، بل التأخر يكون لأسباب كثيرة، وأقرب ما يدل على ذلك أن أعجاز النخل -على القول بأنها أواخرها- هي أقوى جزء في النخلة. وأيضاً فإن الجنود الذين يوضعون في مؤخرة الجيش أقوى من وسطه في كثير من الأحيان. فلا تلازم بين التأخر والقصور بالمعنى الذي ذكره أستاذنا ﵀، فليس كل متأخر قاصراً، وليس كل قاصر متأخراً. مع جواز أن يكون القصورُ سبباً من أسباب التأخر. خامسا: إن القول بالحقيقة أولى من القول بالمجاز، وخاصة عند عدم الحاجة إلى القول بالمجاز، وأين الحاجة إلى القول بمجازية معنى (الضعف) مع عدم الحاجة إليه، بل مع قلة استعمال معنى (التأخر) -أو ندرته- مقارنة باستعمال معنى الضعف في القرآن والسنة وشواهد اللغة. وبالنظر إلى المعاني التي تفيدها صيغة: (أفعل) للمصدر: (إفعال)، نخلص إلى أن الإعجاز: هو إثبات العجز في المعُجَز.

стр. 28

المطلب الرابع القرآن الكريم أما (القرآن) فقد عرفه العلماء بتعريفات كثيرة صحيحة أختار منها أنه: كلام الله تعالى، المنزل على محمد ﷺ ، المعجز، المتعبد بتلاوته. ولا بد من بيان ما يأتي: ١) من العلماء من أضاف قيوداً أخرى في تعريف القرآن الكريم، لأسباب كثيرة: منها زيادة الإيضاح، وتعظيم القرآن، والرد على المخالفين والمغرضين، وإخراج ما يتوهم أنه منه وليس منه. ٢) أضفت قيد (المعجز) بناء على قول من رأى أن إعجاز القرآن الكريم بالقليل منه والكثير، وأما من رأى أن القدر المتحدى به من القرآن سورة أو ما يعادلها، فلا يستقيم قيد الإعجاز -حداً منطقياً- على تعريف القرآن بما هو دون السورة أو ما يعادلها. ٣) مع اشتراط العلماء أن تكون التعريفات جامعة مانعة، إلا أن أغلبها يحتاج إلى شرح وبيان؛ لإزالة بعض الإشكالات، وتعليل بعض المفردات، ولهذا نجد عشرات التعريفات للمصطلح الواحد.

стр. 29

المطلب الخامس المختار من تعريف مصطلح إعجاز القرآن ذكر العلماء لإعجاز القرآن الكريم تعريفات كثيرة، أذكر منها: ١) يقول الدكتور فضل عباس ﵀: (معنى إعجاز القرآن -إذن- عجز الناس جميعاً أن يأتوا بمثله) (١). ويؤخذ على هذا التعريف ما يأتي: أولاً: عدم الالتزام بدلالة صيغة (أفعل) و (إفعال) التي تدل على قضية مهمة وهي أن القرآن الكريم معجز بنفسه لا بغيره، وكان هذا أحد أهم الأدلة التي رد من خلالها أهل السنة على القول بأن إعجاز القرآن الكريم كان بالصرفة، وهو ما أكّده أستاذنا ﵀ في أكثر من موضع. ثانياً: قصرَ التعريفُ الإعجازَ على الناس، علماً أن أحداً من المخلوقين لن يقدر على كسر الإعجاز والإتيان بمثل المتحدى به من القرآن الكريم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨].

стр. 30

ومن الممكن تخريج كلام الدكتور ﵀ وكلام من أخذ عنهم، بأن عجز الإنس -وهم الأقدر على الكلام والمعارضة- دليل على عجز غيرهم ممن هم دونهم في البلاغة والفصاحة والبيان، فإذا عجز الإنس فغيرهم أعجز وأضعف. ٢) يقول الزرقاني: (إعجاز القرآن مركب إضافي معناه بحسب أصل اللغة: إثبات القرآن عجز الخلق عن الإتيان بما تحداهم به) (١). ثم قال: (فهو من إضافة المصدر لفاعله، والمفعول وما تعلق بالفعل محذوف للعلم به. والتقدير: إعجاز القرآن خلق الله عن الإتيان بما تحداهم به، ولكن التعجيز المذكور ليس مقصوداً لذاته، بل المقصود لازمه، وهو إظهار أن هذا الكتاب حقٌ، وأن الرسول ﷺ الذي جاء به رسول صدق، وكذلك الشأن في كل معجزات الأنبياء، ليس المقصود بها تعجيز الخلق لذات التعجيز ولكن للازمه، وهو دلالتها على أنهم صادقون فيما يبلغون عن الله، فينتقل الناس من الشعور بعجزهم إزاء المعجزات إلى شعورهم وإيمانهم بأنها صادرة عن الإله القادر لحكمة عالية؛ وهي إرشادهم إلى تصديق من جاء بها ليسعدوا باتباعه في الدنيا والآخرة) (٢). قلت: يوضح الزرقاني ﵀ هنا أمراً مهماً في قضية الإعجاز، وأنه يطلق على أمرين: أولهما: المعجز نفسه. وثانيهما: الدلالة على مصدر القرآن.

стр. 31

وهذه إحدى المسائل التي كان لها أثر كبير في قبول بعض وجوه الإعجاز أو رفضها، فمن اعتمد على نظرية الزرقاني نفسها عدّ كلَّ ما يدل على مصدرية القرآن الكريم وجهاً من وجوه إعجازه، باعتبار لازم الإعجاز، دون النظر إلى المعنى المصطلحي الدقيق للإعجاز. وسأبين ما لهذه النظرية وما عليها قبيل البحث في وجوه إعجاز القرآن الكريم -بإذن الله تعالى-. وتلخيص ما تكتمل به منظومة تعريف الإعجاز بما يأتي: ١) إن القرآن الكريم معجز بنفسه، وليس بغيره. ٢) إن العجز عن الإتيان بمثل القرآن الكريم شامل لكل الخلائق، وإن كان الإنسان هو المقصود الأهم. ٣) إن إعجاز القرآن الكريم دليل على ربانية مصدره. ٤) إثبات إعجاز القرآن يقتضي إثبات النبوة، على قاعدة المعجزات في مباحث النبوات. ٥) جاء القرآن بالنص الصريح على إعجاز القرآن الكريم، وهذا التصريح هو الذي أرشدنا إلى قضية الإعجاز، فمجرد نسبة الكلام إلى الله تعالى لا تدل على الإعجاز.

стр. 32

وعلى هذا فالمختار عندي في تعريف إعجاز القرآن الكريم هو: إثبات القرآن الكريم عجزَ الخلائق عن الإتيان بمثله. ولا يخفى على المتخصصين أن أكثر التعريفات -ومنها هذا التعريف- إنما هي تعريفات تقريبية، مع علمنا بعدم اتفاق النُّظّار على صيغة التعريف أركاناً وشروطاً وقيوداً، وإلا: فما أقرب إلى تعريف الإعجاز من تعريفه بنفس لفظه، لا بالمرادفات -زعماً- ولا بالمقاربات حتى.

стр. 33

المبحث الثاني التحدي بالقرآن الكريم المطلب الأول مراحل التحدي بالقرآن الكريم يورد العلماء عموماً، وعلماء الإعجاز خصوصاً، مجموعة من آي الذكر الحكيم على أنها دلائل على مراحل التحدي بالقرآن الكريم، مبتدئين -غالباً- بالأكثر قدراً إلى الأقل، على النحو الآتي: ١) قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]. ٢) قوله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء: ٨٨]. ٣) قوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣].

стр. 34

٤) قوله تعالى شأنه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ [يونس: ٣٨]. ٥) قوله تعالى جده: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .. ويرى أغلبهم أن التحدي جاء أولاً بالقرآن كاملاً، ثم بعشر سور منه، ثم بسورة واحدة، ثم بشيء من مثله على حد قول بعضهم. والذي يظهر لي في هذا، أن هذه ليست مراحل زمنية للتحدي، وهي تنويع في التحدي كَمّاً وكيفاً، والدليل على ذلك ما يأتي: ١) لا يتم القول بهذا إلا أثبتنا ترتيباً زمنياً لنزول الآيات بالدليل الصحيح، وهذا غير موجود إلا في آية سورة البقرة، فهي سورة مدنية، وأما السور الأخرى (الطور والإسراء وهود ويونس) فلا دليل صحيحاً صريحاً يجزم بترتيب نزولها، وبالتالي لا نستطيع الجزم -على وجه القطع- بأن آيات التحدي بالقرآن كله سبقت آيات التحدي بالعشر، وكذلك القول بين التحدي بالعشر والتحدي بسورة واحدة. ٢) هذا الترتيب يعتمد على أن يكون ترتيب السور كالآتي: الطور، الإسراء، هود، يونس، البقرة.

стр. 35

قلت: كثير من العلماء على أن الإسراء أسبق في النزول من سورة الطور، ويونس أسبق في النزول من سورة هود، ويونس وهود أسبق في النزول من الطور. فإن صح هذا الترتيب فلا صحة للقول بالمرحلية المشهورة في كتب علوم القرآن. ٣) من السور ما هو أطول من عشر سور، بل ما هو أطول من ذلك بكثير، فسورة البقرة وحدها -مثلاً- أطول من الجزأين التاسع والعشرين والثلاثين معاً، وفيهما أكثر من أربعين سورة. ٤) إن بعضاً من آيات القرآن الكريم ما هو أطول من سورة كاملة، أو سورتين كاملتين أو ثلاث، فآية الدين -مثلاً- أطول من سور النصر والكوثر والإخلاص معاً. وعليه فإني أرى أن هذا التنوع في التحدي لا علاقة له بالمرحلية الزمنية، وإنما هو تنوع في شكل المعجز كلاً أو بعضاً، فهم عاجزون عن الإتيان بمثله، وبعشر سور، وبسورة، وبحديث مثله، وهذا أبلغ في الإعجاز والتحدي. ولا يعني هذا أني أرفض القول الآخر رفضاً تاماً، ولكن قبوله يحتاج إلى أدلة أصرح وأوضح في إثبات المرحلية الزمنية. المطلب الثاني القدر المتحدى به من القرآن الكريم اختلف العلماء في القدر المتحدى به من القرآن الكريم على أقوال كثيرة، أذكر أشهرها:

стр. 36

١) إن التحدي متعلق بجميع القرآن الكريم، وليس بأبعاضه. ٢) إن التحدي متعلق بسورة من القرآن الكريم مهما كانت قصيرة. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .. ٣) إن التحدي متعلق بمقدار سورة من القرآن الكريم، وهذا القول يختلف عن السابق بأنه يتوجه إلى الآيات التي تساوي في حجمها سورة. ٤) إن التحدي متعلق بقليل القرآن وكثيره، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]. قلت: وستظهر أهمية هذه القضية من خلال علاقة التحدي بالإعجاز، ثم من خلال قبول بعض وجوه الإعجاز وردها بناء على القدر المتحدى به، وستنبيك الصفحات القادمة -بإذن الله تعالى- عن تفصيلات هذه القضية وتحقيقاتها.

стр. 37

الفصل الثاني تاريخ إعجاز القرآن الكريم ونشأته * المبحث الأول: أنواع التصانيف في إعجاز القرآن الكريم وأشهر المصنفات فيه * المبحث الثاني: نماذج من مؤلفات الإعجاز

стр. 38

المبحث الأول أنواع التصانيف في إعجاز القرآن الكريم وأشهر المصنفات فيه المطلب الأول أنواع التصنيف في إعجاز القرآن الكريم انقسمت حركة الكلام على إعجاز القرآن الكريم منذ بداية نزول القرآن الكريم وإشهار النبوة والدعوة إلى الإيمان بالواحد الأحد إلهاً، وبمحمد ﷺ رسولاً، وبالقرآن الكريم كتاباً معجزاً مهيمناً على كل الكتب، إلى اتجاهين اثنين واضحين هما: أولا: الاتجاه العدائي لإعجاز القرآن الكريم، ويتمثل فيما يأتي: ١) الطعن بفصاحة القرآن الكريم وبلاغته، ومن ذلك ما نسب إلى الجعد بن درهم من الطعن بفصاحته، وأنها غير معجزة، وأن الناس قادرون على الإتيان بمثل القرآن الكريم (١).

стр. 39

٢) محاولات مجاراة القرآن الكريم في أسلوبه ونظمه من بعض الشعراء والكتّاب، وممن نسب إليه ذلك ابن المقفع وبشار بن برد والمتنبي وأبو العلاء المعري وابن سينا (١). وانتهت معارضات هؤلاء بالعجز والخور عن الإتيان بمثل القرآن الكريم. ٣) محاولات الطعن في إعجاز القرآن الكريم، ومن ذلك ما كتبه عبد المسيح الكندي في جوابه إلى عبد الله بن إسماعيل الهاشمي (٢). ٤) المناقشات الدينية بين المسلمين وأصحاب الديانات والملل في البلاد التي فتحها المسلمون، حول إثبات نبوة محمد ﷺ ، وكان من ضمنها قضية إعجاز القرآن الكريم، فهي دليل واضح صريح على النبوة.

стр. 40

ثانياً: الاتجاه المعاضد لقضية إعجاز القرآن الكريم، ويتمثل في كتابات المسلمين، والمنصفين من غيرهم من الباحثين في بلاغة العربية وفصاحتها. وهذا الاتجاه هو الذي غلب في العصور الأولى، وذلك أن العرب في ذلك الزمان أعرف باللغة وأدرى بطرائقها وأساليبها، وقد أوصلتهم معرفتهم هذه إلى الكف عن المهاترات التي لا فائدة منها ولا طائل تحتها ولا فوقها، فتوقفت ألسنتهم، وركدت أقلامهم. وبذلك أخذ أصحاب الاتجاه الثاني -الموافق للإعجاز والمؤمن به- في تقرير علم الإعجاز تأصيلاً وتطبيقاً. ولقد اختلفت طرائق العلماء في تصنيفاتهم في إعجاز القرآن الكريم، وذلك بحسب اختلاف نظراتهم في مرجعية علم الإعجاز، فهو علم له تعلق بكثير من العلوم الشرعية، وليس مقتصراً فقط على كونه علماً من علوم القرآن الكريم، وبناءً على ما تقدم وجدنا الدرس الإعجازي ظاهراً ماثلاً في أغلب مناحي التأليف في الدراسات الإسلامية، ومن ذلك: ١) المصنفات التي بحثت قضية الإعجاز بعمومها، وذكرت وجوه إعجاز القرآن الكريم، ولم تقتصر على نوع واحد من أنواع الإعجاز. وهذه هي السمة الغالبة على مصنفات الإعجاز في العصور المتقدمة، منها المفقود، ومنها المخطوط ومنها المطبوع. ٢) مؤلفات اختصت بوجه واحد من وجوه إعجاز القرآن الكريم، كالذين كتبوا في الإعجاز البياني، أو العلمي، أو العددي، أو التشريعي أو نحو ذلك، وهذه هي الصفة الغالبة على مصنفات الإعجاز في العصر الحديث.
следующие страницы →