← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 30153

وجوه إعجاز القرآن العظيم

خالد نواف الشوحة

Полный текст (272 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

١) إن التحدي متعلق بجميع القرآن الكريم، وليس بأبعاضه. ٢) إن التحدي متعلق بسورة من القرآن الكريم مهما كانت قصيرة. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] .. ٣) إن التحدي متعلق بمقدار سورة من القرآن الكريم، وهذا القول يختلف عن السابق بأنه يتوجه إلى الآيات التي تساوي في حجمها سورة. ٤) إن التحدي متعلق بقليل القرآن وكثيره، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ [الطور: ٣٣ - ٣٤]. قلت: وستظهر أهمية هذه القضية من خلال علاقة التحدي بالإعجاز، ثم من خلال قبول بعض وجوه الإعجاز وردها بناء على القدر المتحدى به، وستنبيك الصفحات القادمة -بإذن الله تعالى- عن تفصيلات هذه القضية وتحقيقاتها.

стр. 37

الفصل الثاني تاريخ إعجاز القرآن الكريم ونشأته * المبحث الأول: أنواع التصانيف في إعجاز القرآن الكريم وأشهر المصنفات فيه * المبحث الثاني: نماذج من مؤلفات الإعجاز

стр. 38

المبحث الأول أنواع التصانيف في إعجاز القرآن الكريم وأشهر المصنفات فيه المطلب الأول أنواع التصنيف في إعجاز القرآن الكريم انقسمت حركة الكلام على إعجاز القرآن الكريم منذ بداية نزول القرآن الكريم وإشهار النبوة والدعوة إلى الإيمان بالواحد الأحد إلهاً، وبمحمد ﷺ رسولاً، وبالقرآن الكريم كتاباً معجزاً مهيمناً على كل الكتب، إلى اتجاهين اثنين واضحين هما: أولا: الاتجاه العدائي لإعجاز القرآن الكريم، ويتمثل فيما يأتي: ١) الطعن بفصاحة القرآن الكريم وبلاغته، ومن ذلك ما نسب إلى الجعد بن درهم من الطعن بفصاحته، وأنها غير معجزة، وأن الناس قادرون على الإتيان بمثل القرآن الكريم (١).

стр. 39

٢) محاولات مجاراة القرآن الكريم في أسلوبه ونظمه من بعض الشعراء والكتّاب، وممن نسب إليه ذلك ابن المقفع وبشار بن برد والمتنبي وأبو العلاء المعري وابن سينا (١). وانتهت معارضات هؤلاء بالعجز والخور عن الإتيان بمثل القرآن الكريم. ٣) محاولات الطعن في إعجاز القرآن الكريم، ومن ذلك ما كتبه عبد المسيح الكندي في جوابه إلى عبد الله بن إسماعيل الهاشمي (٢). ٤) المناقشات الدينية بين المسلمين وأصحاب الديانات والملل في البلاد التي فتحها المسلمون، حول إثبات نبوة محمد ﷺ ، وكان من ضمنها قضية إعجاز القرآن الكريم، فهي دليل واضح صريح على النبوة.

стр. 40

ثانياً: الاتجاه المعاضد لقضية إعجاز القرآن الكريم، ويتمثل في كتابات المسلمين، والمنصفين من غيرهم من الباحثين في بلاغة العربية وفصاحتها. وهذا الاتجاه هو الذي غلب في العصور الأولى، وذلك أن العرب في ذلك الزمان أعرف باللغة وأدرى بطرائقها وأساليبها، وقد أوصلتهم معرفتهم هذه إلى الكف عن المهاترات التي لا فائدة منها ولا طائل تحتها ولا فوقها، فتوقفت ألسنتهم، وركدت أقلامهم. وبذلك أخذ أصحاب الاتجاه الثاني -الموافق للإعجاز والمؤمن به- في تقرير علم الإعجاز تأصيلاً وتطبيقاً. ولقد اختلفت طرائق العلماء في تصنيفاتهم في إعجاز القرآن الكريم، وذلك بحسب اختلاف نظراتهم في مرجعية علم الإعجاز، فهو علم له تعلق بكثير من العلوم الشرعية، وليس مقتصراً فقط على كونه علماً من علوم القرآن الكريم، وبناءً على ما تقدم وجدنا الدرس الإعجازي ظاهراً ماثلاً في أغلب مناحي التأليف في الدراسات الإسلامية، ومن ذلك: ١) المصنفات التي بحثت قضية الإعجاز بعمومها، وذكرت وجوه إعجاز القرآن الكريم، ولم تقتصر على نوع واحد من أنواع الإعجاز. وهذه هي السمة الغالبة على مصنفات الإعجاز في العصور المتقدمة، منها المفقود، ومنها المخطوط ومنها المطبوع. ٢) مؤلفات اختصت بوجه واحد من وجوه إعجاز القرآن الكريم، كالذين كتبوا في الإعجاز البياني، أو العلمي، أو العددي، أو التشريعي أو نحو ذلك، وهذه هي الصفة الغالبة على مصنفات الإعجاز في العصر الحديث.

стр. 41

٣) كتب علوم القرآن. فقد كان لمبحث الإعجاز حضور كبير في كتب علوم القرآن الكريم، ومن الأمثلة على ذلك: أ- كتاب: (البرهان في علوم القرآن) للزركشي، حيث جعل النوع الثامن والثلاثين في: (معرفة إعجازه). ب- كتاب: (الإتقان في علوم القرآن) للسيوطي، حيث خصص النوع الرابع والستين في إعجاز القرآن الكريم. ج- كتاب: (مناهل العرفان) للزرقاني، خصص المبحث السابع عشر كله في إعجاز القرآن الكريم وما يتعلق به. ٤) كتب التفسير. وقد بحثوا قضية الإعجاز على النحو الآتي: أ- الذين تكلموا عليها في مقدمات التفاسير. ومن ذلك ما فعله الراغب الأصفهاني في مقدمة تفسيره، حيث عرض للمعجزات عموماً ولمعجزة القرآن الكريم خصوصاً. وجعل ابن عاشور المقدمة العاشرة في إعجاز القرآن الكريم، وغيرهما كثير (١). ب- الذين عرضوا لها أثناء تفسيرهم لآيات القرآن الكريم، وخاصة عند آيات التحدي والإعجاز، مع التصريح بمصطلح الإعجاز والمعجزة.

стр. 42

ج- الذين عرضوا لقضايا علم الإعجاز أثناء التفسير مع عدم تصريحهم بكون هذه القضية من قضايا علم الإعجاز أو رافداً من روافده. ومن ذلك كلامهم حول مفردات أنواع الإعجاز المختلفة، وخاصة البياني منها. ٥) كتب العقيدة والملل والفرق، وهذه أيضاً عرضت لقضية الإعجاز وفصلت في مسائله وقضاياه، ومن هذه الكتب: أ- كتاب «الدين والدولة» لعلي بن ربن الطبري، حيث ذكر في بابه السابع أن القرآن الكريم هو المعجزة التي تثبت نبوة محمد ﷺ . ب- كتاب: «مقالات الإسلاميين» لأبي الحسن الأشعري، حيث تكلم على اختلاف المسلمين في وجوه إعجاز القرآن الكريم (١). ج- كتاب: «الفصل في الملل والأهواء والنحل» لابن حزم الظاهري، حيث ذكر إجماع المسلمين على القول بإعجاز القرآن الكريم، ثم ذكر اختلافهم في وجه الإعجاز (٢). ٦) كتب الحديث وشروحها. بحثت قضية الإعجاز في الأحاديث والآثار التي أظهرت بلاغة القرآن الكريم وعجز الناس عن معارضته، كما بحثت مسائله عند الكلام على دلائل النبوة ومعجزات رسول الله ﷺ الحسية والمعنوية. ومن ذلك -مثلاً- ما تجده من كلام ابن حجر في باب علامات النبوة أثناء شرحه لصحيح البخاري.

стр. 43

٧) كتب اللغة بفروعها، وخاصة كتب البلاغة، فهذه الكتب تَعُد الإعجاز مادتها الرئيسة، وعليها المعول ومنها المنطلق، ولا إخالني أبالغ إن قلت: إن كثيراً من كتب البلاغة ما ألفت إلا من أجل هذا الغرض. ومن أشهر ما وجدناه في ذلك ما كتبه عبد القاهر الجرجاني في (الشافية)، وفي (دلائل الإعجاز) من المتقدمين، وما كتبه الرافعي في (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية)، ودراز في: (النبأ العظيم) من المتأخرين، وغيرهم. المطلب الثاني أشهر المصنفات في الإعجاز قبل أن أشرع في ذكر أشهر المصنفات في الإعجاز أقدم القضايا الآتية: أولاً: ذكرت فيما سبق أن لفظي (الإعجاز) و (المعجزة) لم يردا في كتاب الله تعالى ولا في السنة الصحيحة بهذا اللفظ، وإنما ورد معناهما بألفاظ مقاربة من غير الاشتقاق كالآية والبينة والبرهان، وبألفاظ من نفس أصل (عجز) كـ (أعجزت، معاجزين، معجزين) ونحوها. وبهذا نقرر أن القرآن الكريم والسنة الصحيحة هما أول من بحث قضية الإعجاز من المكتوب، وإن لم يرد فيهما لفظ الإعجاز والمعجزة. ثانيا: اقتصر المكتوب في الإعجاز في القرنين الأول والثاني على الآثار الواردة في تدارس أمثلة وجوه الإعجاز وخاصة ما يتعلق ببلاغة القرآن الكريم منها، والغيوب

стр. 44

التي ذكرت فيه. وأرى أن هذه المرحلة امتداد لحركة التصنيف في إعجاز القرآن الكريم، ولست مع من يقصرها على الكتب والتصانيف التي عرضت لقضية الإعجاز مصرحة بلفظي الإعجاز والمعجزة (١). ومن ذلك ما ورد من آثار تدل على إعجاب الناس بالقرآن الكريم، كما ورد عن الوليد ابن المغيرة لما سمع القرآن الكريم فقال: (والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلا، وإنه ليحطم ما تحته) (٢). ومنه أيضاً: ما حصل لعتبة بن ربيعة عندما قرأ عليه رسول الله ﷺ مقدمة سورة فصلت، حتى إذا بلغ رسول الله ﷺ قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً (مِثْلَ صَاعِقَةِ) عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾ [فصلت: ١٣] أمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم أن يكف (٣).

стр. 45

ومن ذلك أيضا ما ورد عن السلف من في تفسيرهم لآيات التحدي والآيات التي اشتملت على الإخبار بالغيوب الماضية واللاحقة (١). ثالثاً: يرى كثير من العلماء أن استعمال مصطلحي (الإعجاز) و (المعجزة) بدأ في القرن الثالث الهجري، ومن ذلك ما ورد عن النظام من قوله: (إن نظم القرآن وحسن تأليف كلماته ليس بمعجزة للنبي ﷺ ولا دلالة على صدقه في دعواه النبوة، وإنما وجه الدلالة منه على صدقه ما فيه من الأخبار عن الغيوب، فأما نظم القرآن وحسن تأليف آياته فإن العباد قادرون على مثله وعلى ما هو أحسن منه في النظم والتأليف) (٢). إلى غير هذا مما عني بقضية الإعجاز. رابعاً: أشهر المؤلفات المطبوعة في إعجاز القرآن الكريم: أذكر الآن أشهر المصنفات في علم الإعجاز مختاراً منها الأهم، من حيث التأصيل أو التطبيق أو الأثر في الدرس الإعجازي، على سبيل التمثيل لا الحصر، ومن هذه الكتب: ١. كتاب (الدين والدولة) لعلي بن ربن الطبري (ت بعد سنة ٢٤٠ هـ).

стр. 46

٢. رسالة (حجج النبوة) للجاحظ (ت ٢٥٥ هـ)، وهذه الرسالة من أهم ما وصلنا في موضوع الإعجاز في القرن الثالث الهجري. ٣. (النكت في إعجاز القرآن الكريم) للرماني (ت ٣٨٤ هـ). ٤. (بيان إعجاز القرآن) للخطابي (ت ٣٨٨ هـ). ٥. (إعجاز القرآن) للباقلاني (ت ٤٠٢ هـ). ٦. (إعجاز القرآن) للقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥ هـ). ٧. (دلائل الإعجاز) و (الرسالة الشافية) للجرجاني (ت ٤٧١ هـ). ٨. (نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز) للفخر الرازي (ت ٦٠٦ هـ). ٩. (البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن) و (التبيان في علم البيان المطلع على إعجاز القرآن) و (المجيد في إعجاز القرآن المجيد) لعبد الواحد بن عبد الكريم الزملكاني (ت ٦٥١ هـ). ١٠. (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز) للعلوي (ت ٧٤٥ هـ). ١١. كفاية الألمعي في شرح قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي﴾ [هود: ٤٤] في إعجاز القرآن، لابن الجزري (ت ٨٣٣ هـ). ١٢. (معترك الأقران في إعجاز القرآن) للسيوطي (ت ٩١١ هـ).

стр. 47

١٣. (إعجاز القرآن والبلاغة النبوية) للرافعي (ت ١٣٥٦ هـ). ١٤. (فكرة إعجاز القرآن منذ البعثة النبوية حتى عصرنا الحاضر) لنعيم الحمصي. ١٥. (إعجاز القرآن) لأستاذنا الدكتور فضل عباس (ت ١٤٣٢ هـ). ١٦. (إعجاز القرآن البياني ودلائل مصدره الرباني) للدكتور صلاح الخالدي. هذه أشهر المؤلفات المطبوعة في إعجاز القرآن الكريم، وثمة غيرها كثير لم أذكره للاختصار، مع عدم التقليل من أهمية أي جهد في علم الإعجاز، فكل هذه المصنفات روافد تُظهر عظمة القرآن الكريم وإعجازه ووحدة مصدريته.

стр. 48

المبحث الثاني نماذج من مؤلفات الإعجاز بعد أن ذكرت شيئاً من تاريخ التأليف في إعجاز القرآن الكريم، أذكر الآن نموذجين اثنين من جهود العلماء في ذلك، أحدهما من العلماء القدامى هو الإمام عبد القاهر الجرجاني ﵀، والثاني للأديب الرافعي ﵀، وقد تعمدت اختيار هذين العَلَمين، لما تميز به بحثهما في الدرس الإعجازي في جانبي التأصيل والتطبيق، كما سيظهر لنا في الصفحات القادمة بإذن الله تعالى.

стр. 49

المطلب الأول الإعجاز عند عبد القاهر الجرجاني الفرع الأول مقدمة تعريفية بالشيخ عبد القاهر ومؤلفاته في الإعجاز هو الإمام العلم أبو بكر عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني، إمام من أئمة اللغة في كل مفرداتها، شهد له بذلك المتقدمون والمتأخرون، وأشغل الكتاب والمصنفين بعده بنظرياته وتحقيقاته؛ لجلالة قدرها وعظمة مادتها. له مصنفات كثيرة، منها: «المفتاح في الصرف»، «درج الدرر في تفسير الآي والسور»، «دلائل الإعجاز»، و «الرسالة الشافية»، و «أسرار البلاغة»، و «المقتضب في شرح كتاب الواسطي في الإعجاز»، و «المعتضد في شرح كتاب الواسطي في الإعجاز»، وهو أوسع من السابق. قال الشيخ اليافعي: (وكلامه في المعاني والبيان يدل على جلالته وتحقيقه وديانته وتوفيقه) (١). وله غيرها من الكتب، والخمسة الأخيرة منها تحتوي على أغلب ما بحثه عبد القاهر ﵀ في قضية إعجاز القرآن الكريم أو ما يخدمها.

стр. 50

أما الرسالة الشافية فهي مطبوعة ضمن كتاب: (ثلاث رسائل في الإعجاز) بتحقيق: محمد خلف الله أحمد، ومحمد زغلول سلام، ثم طبعت مع كتابه: (دلائل الإعجاز) بتحقيق الأديب الكبير محمود شاكر. ولعل هذه الرسالة -الرسالة الشافية- أكثر الرسائل الثلاث ترتيباً وتنظيماً، وقد قدم لها عبد القاهر بمقدمة لطيفة على خلاف صنيع الخطابي في رسالته: «بيان إعجاز القرآن». يرى عبد القاهر أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب، فلا بد من الوقوف على لغتهم بكل ما فيها من شعرهم ونثرهم، حتى نستبين بلاغة القرآن الكريم وبيانه. ويذكر ﵀: أن المعتد به في الإعجاز إنما هو عجز المتقدمين لا المتأخرين. كما بين عبد القاهر أن ردة فعل العرب دلت دلالة واضحة على عجزهم عن الإتيان بمثل القرآن الكريم، ويتمثل ذلك في أمرين: الأول: أن الناس في ذلك الزمان لم يكونوا ليسلموا لخصومهم - في ما يعارضونهم فيه أيا ما يكن الأمر المعارَضُ فيه وأيا ما يكن صاحبها، مع قدرتهم على المعارضة. ومن ذلك تلكم المناظرات الشعرية التي كانت تجري بين الشعراء، حتى اشتهر أمرها وذاع صيتها وبقي صوتها إلى زماننا الذي نحن فيه. ومن ذلك -أيضا- ما سجله التاريخ من نزاعات شعرية بين جرير والفرزدق، حيث كان كل واحد منهما جاداً كل الجد في إسقاط الآخر وتنزيل رايته.

стр. 51

وإذا كان هذا هو حال العرب جميعاً دون استثناء فكيف الحال بمن هم سادات العرب وزعماؤهم وقادتهم: قريش مكة، الذين اعترف لهم بالسيادة والريادة والقيادة خواص العرب قبل عوامهم. ولو كانوا قادرين على أن يأتوا بمثل القرآن؛ لما انتظروا لحظة واحدة، ولا نقضّوا على الكتاب الذي سفّهَ أحلامهم ودمّر عقائدهم وقلّل من شأن تاريخهم وتراثهم. الأمر الثاني: ما سجله التاريخ من إعجاب العرب بالقرآن الكريم حالاً ومقالاً، ومن مجموعة الاعترافات الكثيرة والخطيرة من زعماء البلاغة وأرباب الفصاحة آنذاك. ومن ذلك قولة الوليد المشهورة: (والله إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما يقول هذا بشر) (١). الفرع الثاني جهود عبد القاهر في رد الشبهات مما عرض له الشيخ عبد القاهر في رسالته تلك الشبهات التي تحمل معنى غير المعنى الذي قدم له عبد القاهر من مقدمات حول العلاقة بين العربية والعرب والإعجاز، ومن هذه الشبه:

стр. 52

الشبهة الأولى: مفادها: أنه يوجد في كل عصر وزمان قوم لا يبارون ولا يجارون، من أمثال امرئ القيس وغيره من الشعراء الأفذاذ. وقد أجاب عبد القاهر عن هذه الشبهة بأنه قد وجد في عصر كل من برز منهم من كان مستعدا للمبارزة والمعارضة والمماتنة. ومن ذلك علقمة التي قضت تلك المرأة بتفوقه على امرئ القيس فيما تماتنوا فيه. وأيضاً الحارث اليشكري الذي اعترف له امرؤ القيس نفسه بغلبته وتفوقه، قائلاً قولته المشهورة: (والله لا أماتنك بعد هذا) (١). ولا بد أن أنبه هنا إلى أن هذين الشاعرين: علقمة والحارث، وإن غلبا شعر امرئ القيس في حادثة معينة، إلا أن هذا لا يعني أنهما تفوقا عليه في كل شيء، أو أن أحدهما بلغ الكمال الشعري في كل القصائد والأبيات. وهذا هو حال الشعراء جميعاً، يتفوقون في قصيدة ويضعفون في أخرى، وحتى القصيدة الواحدة، يحلقون في بعض أبياتها بلاغة وفصاحة، ولكنهم يضعفون في بعض أبياتها الأخرى، وهكذا. الشبهة الثانية: ومدار هذه الشبهة على الزعم بأن العرب لم يأتوا بمثل القرآن لأنهم تُحدوا بأن يأتوا بنظم في مثل تلك المعاني التي جاء بها القرآن، وهي لم تكن ممكنة لديهم، ولا يصح التحدي إلا بما يتصور وجوده.

стр. 53

أجاب عبد القاهر عن هذه الشبهة بأن التحدي كان بأن يجيئوا في أي معنى شاءوا من المعاني بنظم يبلغ نظم القرآن أو يدانيه على أقل تقدير، ولذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: ١٣]. الشبهة الثالثة: الصرفة وقد رد عليها بالردود الآتية: ١) إن القول بالصرفة يلزم منه أن العرب قد تراجعت حالُها في بلاغتها، وفصاحتها بعد نزول القرآن. ٢) من اللوازم أن كلام العرب قبل القرآن كان موازياً للقرآن من حيث نظمه وفصاحته، وأن التعجب كان من المنع من المعارضة لا من بلوغ القرآن مرتبة عالية في الفصاحة والبيان. ٣) ومن اللوازم أيضاً أن تكون أقوال العرب -شعرهم وخطبهم- من بعد نزول القرآن قاصرةً لا يُستشهد بها؛ لأنها ناقصة في البلاغة والبيان عن كلام العرب قبل نزول القرآن. ٤) ومن اللوازم أن يحكموا للنبي ﷺ بما حكموا للعرب من دخول النقص على بلاغتهم، وأن تكون النبوة قد أوجبت أن يمنع جزءا من بيانه.

стр. 54

٥) ومن اللوازم أنه إن كانت العرب منعت منزلة من الفصاحة قد كانوا عليها فيلزم أن يعرفوا ذلك من أنفسهم، ولو عرفوه لكان يكون قد جاء عنهم، ولكانوا قالوا للنبي: إنا كنا نستطيع قبل هذا الذي جئتنا به ولكنك قد سحرتنا) (١). الفرع الثالث وجوه الإعجاز في نظر عبد القاهر رد عبد القاهر وجوهاً كثيرة رأى غيره أنها وجوه صحيحة، وأنقل شيئاً من كلامه الذي يرد فيه هذه الوجوه: الوجه الأول: إعجاز الكلم المفردة، ويرد هذا الوجه لسببين متداخلين: أولهما: (أن تقدير كونه فيها يؤدي إلى المحال، وهو أن تكون الألفاظ المفردة التي هي أوضاع اللغة، قد حدث في مذاق حروفها وأصدائها أوصاف لم تكن لتكون تلك الأوصاف فيها قبل نزول القرآن) (٢). والثاني: أن تكونَ هذه الكلمات: (قد اختُصَّتْ في أَنفُسها بهيئاتٍ وصفاتٍ يَسمعُها السامعون عليها إذا كانت متلوَّة في القرآن، لا يَجدونَ لها تلكَ الهيئاتِ والصفاتِ خارِجَ القرآنِ) (٣).

стр. 55

الوجه الثاني: إعجاز معاني الكلم المفردة التي هي لها بوَضْع اللغة، والسبب في ذلك أن هذا (يؤدي إلى أن يكون قد تجدد في معنى «الحمد» و «الرب»، ومعنى «العالمين» و «الملك» و «اليوم» و «الذين»، وهكذا، وصف لم يكن قبل نزول القرآن. وهذا ما لو كان ههنا شيء أبعد من المحال وأشنع لكان إياه) (١). الوجه الثالث: إعجاز ترتيب الحركات والسكنات: والسبب أنه يلزم من هذا القول: ١) أن يكون مضمون الإعجاز: (أن يأتوا بكلام تكون كلماته على تواليه في زنة كلمات القرآن). (٢). ٢) أو أن يكون (الذي بان به القرآن من الوصف في سبيل بينونة بحور الشعر بعضها من بعض، لأنه يخرج إلى ما تعاطاه مسيلمة من الحماقة في: «إنا أعطيناك الجماهر، فصل لربك وجاهر»، «والطاحنات طحنا») (٣). والأمر في كلا الأمرين مختلف تمام الاختلاف. الوجه الرابع: فواصل الآيات ومقاطعها، يقول ﵀: والسبب في رد هذا الوجه أنه:

стр. 56

١) (ليس بأكثر من التعويل على مراعاة وزن) (١). ٢) أن (الفواصل في الآي كالقوافي في الشعر، وقد علمنا اقتدارهم على القوافي كيف هو، فلو لم يكن التحدي إلا إلى فصول من الكلام يكون لها أواخر أشباه القوافي، لم يعوزهم ذلك، ولم يتعذر عليهم. وقد خيل إلى بعضهم -إن كان الحكاية صحيحة- شيء من هذا، حتى وضع على ما زعموا فصول كلام أواخرها كأواخر الآي، مثل «يعلمون» و «يؤمنون» وأشباه ذلك) (٢). الوجه الخامس: خفة الأحرف على اللسان: يقول: (ولا يجوز أن يكون الإعجاز بأن لم يلتق في حروفه ما يثقل على اللسان) (٣). الوجه السادس: إعجاز الاستعارة وحدها، والسبب عنده في رد كون الإعجاز بالاستعارة: (لأنَّ ذلك يؤدي إلى أَن يكونَ الإعجاز في آي معدودةٍ، في مواضعَ مِن السورِ الطِّوالِ مخصوصةٍ) (٤). الوجه السابع: الصرفة، وقد سبق الكلام عليها في المطالب السابقة.

стр. 57

هذه بعض الوجوه التي بحثها، وهي أشهر ما رده قي مقام الإعجاز، ولعله أشار إلى غيرها من الوجوه إجمالا وتفصيلاً مما تناثر في كلامه وتشعّب في جمله وصفحات كتبه ورسائله. الفرع الرابع القول الراجح عند عبد القاهر في وجوه الإعجاز بعد رد عبد القاهر لما ذكرناه من وجوه كثيرة في إعجاز القرآن الكريم، ما وجه الإعجاز الذي يرتضيه -إذن- عبد القاهر؟؟ الجواب: إنه النظم، ولا غير. يقول عبد القاهر: (ونعود إلى النّسق فنقول: فإذا بطل أن يكون الوصف الذي أعجزهم من القرآن في شيء ممّا عدّدناه، لم يبق إلّا أن يكون في «النّظم»، لأنه ليس من بعد ما أبطلنا أن يكون فيه إلا «النظم» و «الاستعارة»، ولا يمكن أن تجعل «الاستعارة» الأصل في الإعجاز وأن يقصر عليها، لأن ذلك يؤدّي إلى أن يكون الإعجاز في آي معدودة في مواضع من السّور الطوال مخصوصة، وإذا امتنع ذلك فيها، ثبت أن «النظم»، مكانه الذي ينبغي أن يكون فيه. وإذا ثبت أنه في «النظم»، و «التأليف»، وكنّا قد علمنا أن ليس «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، وأنّا إن بقينا الدهر نجهد أفكارنا حتى نعلم للكلم المفردة سلكا ينظمها، وجامعا يجمع شملها ويؤلفها، ويجعل بعضها بسبب من بعض، غير توخي معاني النحو وأحكامه فيها، طلبنا ما كلّ

стр. 58

محال دونه، فقد بان وظهر أنّ المتعاطي القول في «النظم»، والزاعم أنّه يحاول بيان المزيّة فيه، وهو لا يعرض فيما يعيده ويبديه للقوانين والأصول التي قدّمنا ذكرها، ولا يسلك إليه المسالك التي نهجناها، في عمياء من أمره، وفي غرور من نفسه، وفي خداع من الأماني والأضاليل. ذاك لأنه إذا كان لا يكون «النّظم» شيئا غير توخّي معاني النحو وأحكامه فيما بين الكلم، كان من أعجب العجب أن يزعم زاعم أنه يطلب المزيّة في «النظم»، ثم لا يطلبها في معاني النحو وأحكامه التي «النّظم» عبارة عن توخّيها فيما بين الكلم) (١). ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل سبق أحدٌ عبدَ القاهر في نظرية النظم؟ والجواب: نعم، إن فكرة النظم لم تكن وليدة فكر عبد القاهر، وليس هو أول من نطق بها أو اكتشفها. ومن حقق النظر وأطال الفكرة في نتاج من سبقه أو من عاصره ومات قبله وجد أن أناساً كثيرين قالوا بإعجاز النظم، تصريحاً أو تلميحاً، يقول عمر محمد باحاذق: (ونظرية النظم عند الإمام الجرجاني من النظريات الكبرى، وهذه النظرية لم تكن من اكتشافات الإمام عبد القاهر، ولا من اختراعاته، بل أمور قد سُبق إليها عند البلاغيين السابقين إن صح التعبير، بل إن بعضهم ألّف في نظم القرآن كالجاحظ، وإن كان الكتاب لم يُعثر عليه، بل إن جزئيات هذه النظرية تجدها مبعثرة عند كثير من السابقين على الإمام عبد القاهر، ولا نستبعد ولا نَبْعُد عن الصواب، إذا قلنا: إن أثر القاضي عبد الجبار في حديثه عن إعجاز القرآن كان له أكبر الأثر على الإمام عبد القاهر، ولكن وضعه نظرية مكتملة، ومفصلة، ومشروحة على هذا الوجه، ومدعومة بالأمثلة والشواهد،

стр. 59

وفيها الكثير من الرد على القادحين فيها والطاعنين لم يتيسر لأحد من قبل الإمام عبد القاهر) (١). قلت: وهذا الكلام لا يقلل من شأن عبد القاهر في جهوده في نظرية النظم، بل إن إثباتنا له يقوي من شأن نظريته ويجعلها ممتدة الأصول في الدرس اللغوي القديم، بل إن القول بأسبقية علماء لما قرره عبد القاهر يزيد مسألة الإعجاز متانة وقوة، وهذا لا يكون، ولا يجوز أن يكون في ابتداع نظرية لم تظهر إلا في عصور متأخرة، وأين المسلمون عنها حتى ذلكم الحين. ومن العلماء الذين سبقوا عبد القاهر إلى نظرية النظم: أولاً: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (ت ٢٥٥ هـ)، ويظهر ذلك بالأمور الآتية: ١) الكتاب الذي ألّفه في إعجاز القرآن في نظمه، إلا أن هذا الكتاب غير موجود. ٢) ما بثه في ثنايا كتبه من أمثلة وتطبيقات على قضية النظم. ٣) بعض العبارات التي صرح فيها بالنظم، ومنها: أ- قوله: (فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتفقوا على مصالحهم في دنياهم، ومراشدهم في دينهم، مع أن محمداً ﷺ مخصوص بعلامة لها في العقل موقع، كموقع فلق البحر من العين، وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة، مع ما فيهما من

стр. 60

الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحلماء، وأصحاب الرأي والمكيدة، والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت في دعواي، وصدقتم في تكذيبي. ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلام كلامهم، وهو سيد علمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قوتهم عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات والعقارب، والذباب والكلاب، والخنافس والجعلان، والحمير والحمام، وكل ما دب ودرج، ولاح لعين، وخطر على قلب. ولهم بعد أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، والأسجاع، والمنثور. وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، وحاجوه في المواقف، وخاصموه في المواسم، وبادوه العداوة، وناصبوه الحرب، فقتل منهم، وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقداً، وأبعدهم مطلباً، وأذكرهم لخير أو لشر، وأنفاهم له، وأهجاهم بالعجز، وأمدحهم بالقوة، ثم لا يعارضه معارض، ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر) (١). ب- قوله: (وفي كتابنا الذي يدلنا على أنه صدقٌ نظمُه البديع الذي لا يقدر على مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها) (٢).

стр. 61

ثانياً: ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) حيث صرح في كتابه «تأويل مشكل القرآن» بأن الله تعالى أبان القرآن الكريم بعجيب النظم، بعد أن أشار لمسألة الإعجاز، يقول ﵀: (الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرشاد، وهدانا بنور الكتاب، ولم يجعل له عوجا، بل نزله قيما مفصلا بينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وشرفه، وكرمه، ورفعه وعظمه، وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى، ونورا. وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلفين، وجعله متلوا لا يمل على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجه الآذان، وغضا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا. لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب. وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه) (١). ثالثاً: الرماني (ت ٣٨٦ هـ) في رسالته: «النكت في إعجاز القرآن» (٢). رابعاً: أبو سليمان حمد بن إبراهيم الخطابي (ت ٣٨٨ هـ) في رسالته: بيان إعجاز القرآن حيث يقول: (واعلم أن القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف مضمنا أصح المعاني، من توحيد له عزت قدرته، وتنزيه له في صفاته، ودعاء إلى طاعته، وبيان بمنهاج عبادته؛ من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق، وزجر عن مساوئها، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه، ولا يرى في صورة

стр. 62

العقل أمر أليق منه، مودعا أخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات الله بمن عصى وعاند منهم، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان، جامعا في ذلك بين الحجة والمحتج له، والدليل والمدلول عليه، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه، وإنباء عن وجوب ما أمر به، ونهى. ومعلوم أن الإتيان بمثل هذه الأمور، والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتسق - أمرٌ تعجز عنه قوى البشر، ولا تبلغه قُدَرُهم، فانقطع الخَلق دونه، وعجزوا عن معارضته) (١). خامساً: أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (٤٠٣) يقول: (وفي ذلك معنى ثالث: وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا يتفاوت ولا يتباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها: من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وحكم وأحكام، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف، وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة. وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها. ونجد كلام البليغ الكامل، والشاعر المفلق، والخطيب المصقع - يختلف على حسب اختلاف هذه الأمور. فمن الشعراء من يجود في المدح دون الهجو. ومنهم من يبرز في الهجو دون المدح. ومنهم من يسبق في التقريظ دون التأبين. ومنهم من يجود في التأبين دون التقريظ) (٢).

стр. 63

ويقول في موطن آخر: (ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضربا من الصرف! ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة، ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه!! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في القرآن بحال من الأحوال، لأنهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، والامتلاك لزمام الفصاحة، وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب) (١). ويقول أيضا: (وأي لفظ يدرك هذا المضمار؟ وأي حكيم يهتدي إلى ما لهذا من الغور، وأي فصيح يهتدي إلى هذا النظم؟ ثم استقرئ الآية إلى آخرها، واعتبر كلماتها، وراعِ بعدها قوله -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧] (٢). سادساً: القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي في كتابه المغني: حيث يرى: (أن القرآن الكريم جاء بطريقة فذة في النظم والتأليف، مختصة برتبة في الفصاحة معجزة، وأنه

стр. 64

باعتبار الأمرين: الطريقة الفذة في النظم، والاختصاص برتبة الفصاحة - يكون الإعجاز) (١). الفرع الخامس الفرق بين توخي النحو، وتوخي معاني النحو ومما يحسن ذكره في هذا المقام بيان الفرق بين توخي النحو، وتوخي معاني النحو، فنظرية عبد القاهر كلها قائمة على توخي معاني النحو (٢)، وأختصر ما ذكره الباحثون في هذا الشأن بما يأتي: ١) إن النحو مستطاع لكل أحد، فضبط الكلام أمر يسير إذا عولج بالتعليم والتدريب والمدارسة. ٢) لا فرق بين القرآن الكريم ولسان العرب في الإعراب، فالفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب، والمضاف إليه مجرور في القرآن الكريم وفي لسان العرب. ٣) توخي النحو هو تغيير أواخر الكلم حسب نظرية العامل والمعمول، فترفع الفاعل وتنصب المفعول به وتجر المسبوق بحرف جر، ولكن النظم أن تعرف كيف تضع

стр. 65

الفاعل في الجملة وأن تعرف كيف تصوغه وأن تختار له مكانا في الجملة يحاكي مرادك والمعنى الذي زورته في نفسك، تقديماً وتأخيراً، وتعريفاً وتنكيراً، وفصلاً ووصلاً، وتأكيداً وعدم تأكيد، مراعاة لمراد المخاطب ولحال المخاطب. ٤) أما من حيث الترتيب؛ فتوخي النحو مرحلة سابقة عن مرحلة توخي معانيه ومتقدمة عليه. ٥) مع أن مصطلح توخي معاني النحو أكثر إبراقاً ولمعاناً من توخي النحو في الظاهر؛ إلا أن توخي النحو أصل لنظرية توخي معاني النحو لا تقوم إلا بها وعليها. وبهذا يظهر لنا أن توخي معاني النحو ليس هو توخي النحو. وأن بينهما من الفروق ما يجعلنا نتفهم أكثر نظرية عبد القاهر، وسوف نفيد من هذه الفروق ومما سبقها من كلام في فهم مرادات العلماء والباحثين الذين عرضوا لمصطلح (النظم)، وعندها نستطيع التفريق بين كلامهم وكلام عبد القاهر في هذ الشأن. ومما يحسن التنبيه عليه -في هذا المقام- ما رأيته من تفضيل بعض الباحثين والكُتّاب صنعة البلاغة على صنعة النحو، باعتبار أن البلاغيين يغوصون في أعماق الألفاظ ليستخرجوا منها درر المعاني وجواهرها، وأما النحويون فليسوا كذلك. وأقول: إن هذا الكلام غير صحيح، فأهل النحو لا يقارنون بالبلاغيين؛ لسبب يسير هو أن صنعة هؤلاء تختلف عن صنعة أولئك من حيث المادة، وما هو مطلوب من النحويين ليس مطلوباً من البلاغيين، والعكس صحيح.

стр. 66

وأما عدم ذكر النحويين لدرر المعاني وفرائد المباني؛ فهو ادعاء غير صحيح، والناظر في كتب النحويين يجد أنهم طرفان في ذكر اللطائف البلاغية والنكات البيانية، فمنهم من كان يذكرها -كثرة أو قلة- ومنهم من لا يذكرها، والسبب أن هذا القضية ليست من مهام بحثهم ولا من واجبات درسهم، ولذلك أعرضوا عنها، ليس عجزاً منهم ولا قصوراً ولا جهلاً، بل هم العلماء الذين لو طلب من أحدهم أن يتكلم في البلاغة لكان من البراعة في مكان عال وشأن رفيع. وما منعه من ذلك إلا التزامه بتحقيق هدفه الذي من أجله كتب وألف وحقق ودقق. ولذلك فإني لست مع من يمتدح البلاغيين على حساب النحويين، ولست -أيضا- مع من يتهمهم بالقصور عن فهم المعنى الدقيق للآيات، تصريحاً أو تلميحاً، فلكل فنّه ودرسه، ولكلّ وجهة هو موليها.

стр. 67

المطلب الثاني الإعجاز عند الرافعي الفرع الأول الإمام الرافعي وكتابه «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» هو مصطفى صادق الرافعي، أصله من طرابلس الشام، ومولده في مصر عام ١٢٩٨ هـ، وأصيب بصمم. أديب عالم ناقد وصاحب نثر من الطبقة الرفيعة، له مؤلفات كثيرة أشهرها: «وحي القلم»، «تاريخ آداب العرب»، «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية»، «تحت راية القرآن»، وغيرها، توفي سنة (١٣٥٦). من نافلة المعلوم في الدراسات القرآنية القول بأن كتاب «إعجاز القرآن والبلاغة النبوية» من أشهر ما خطت الأيدي في الإعجاز في القرن الحاضر، بالإضافة إلى كتاباته المنثورة هنا وهناك، وإنه من المعلوم أيضاً أن الرافعي قد تأثر كثيرا بالواقع الأدبي الذي عاش فيه، وخاصة تلك المناكفات الأدبية التي أخذت حيزا كبيرا من فكر الرافعي وجهده في الدرسين الأدبي والإعجازي إن صح التعبير. أضف إلى ذلك تلكم الصفات النفسية والشخصية التي اتصف بها الرافعي فكان أسلوبه في كتاباته محاكاة لتلك الصفات ودليلا عليها.

стр. 68

وحتى لا يطول الكلام، ألخص ما كتبه الرافعي حول قضية إعجاز القرآن الكريم في النقاط الموجزة الآتية: ١) لم تكن قضية الإعجاز محصورة في كتابه إعجاز القرآن والبلاغة النبوية فحسب، وإنما تناثرت جماناتها في مجموعة من كتبه، ومنها: أسرار الإعجاز، ووحي القلم. ٢) المطلع على كتب الرافعي وحياته يستلهم شيئاً من كوامن التعالق بين حياته ومؤلفاته، ويدرك ذلكم النمط الرتيب في منهجية نسقه، وقد ظهرت هذه الرتابة في كتابه إعجاز القرآن مثالاً حياً تطبيقياً. ٣) بدأ الرافعي كتابه بمقدمات واضحات حول تاريخ القرآن الكريم وتدوينه وقراءاته، كما ذكر في كتابه: (حتى تكون هذه سبباً إلى الكلام في لغته وبلاغته، ثم إعجازه في اللغة والبلاغة) (١). ٤) لم يكن عدد الأمثلة التطبيقية بالكثرة المتوقعة من مثل إمام جهبذ كالرافعي، والسبب في ذلك أنه أراد أن يكون كتابه هذا نظرياً مؤسساً للفكرة التي يريد أن يقررها، مؤجلاً ذلك إلى مكان آخر، أو زمان آخر. ورأيي أن هذا يحسب على الرافعي لا له، فإن الطعن في الأمثلة التي ذكرها سبيل إلى الطعن في نظريته، ولو أنه أكثر الأمثلة، وسلم منها ما سلم تطبيقاً على تأصيله، لكان في ذلك نوع من الدليل على صحة نظريته، حتى لو لم تسلم الأدلة الأخرى، وسأبين هذا لاحقاً بإذن الله تعالى.

стр. 69

٥) لم يكن الرافعي مقلداً بالمعنى الحرفي الذي يفهم من لفظ التقليد، بل كان يصدر عن فكر ثاقب خاص بفهمه ووعيه وتبحره في العلوم عامة وفي علوم اللغة خاصة. الفرع الثاني الإعجاز عند الرافعي قبل أن أفصّل في نظرية الإعجاز عند الرافعي أحب أن أذكر شيئا من كلامه نصاً (١) حتى يتعرف القارئ على شيء من منهجيته بنفسه قبل الخوض في التحقيق والتقرير والتدقيق. يقول الرافعي-﵀: (أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن، وما حققناه بعد البحث، وانتهينا إليه بالتأمل وتصفح الآراء وإطالة الفكر وإنضاج الروية، وما استخرجناه من القرآن نفسه في نظمه ووجه تركيبه واطراد أسلوبه؛ ثم ما تعاطيناه لذلك من التنظير والمقابلة، واكتناه الروح التاريخية في أوضاع الإنسان وآثاره، وما نتج لنا من تتبع كلام البلغاء في الأغراض التي يقصد إليها، والجهات التي يعمل عليها، وفي رد وجوه البلاغة إلى أسرار الوضع اللغوي التي مرجعها إلى الإبانة عن حياة المعنى بتركيب حي من الألفاظ، يطابق سنن الحياة في دقة التأليف وإحكام الوضع وجمال التصوير وشدة الملاءمة، حتى يكون أصغر شيء فيه كأكبر شيء فيه - نقول إن الذي ظهر لنا بعد كل ذلك واستقر معنا، أن القرآن معجز بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه،

стр. 70

حين ينفى الإمكان بالعجز عن غير الممكن، فهو أمر لا تبلغ منه الفطرة الإنسانية مبلغا وليس إلى ذلك مأتى ولا جهة؛ وإنما هو أثر كغيره من الآثار الإلهية، يشاركها في إعجاز الصنعة وهيئة الوضع، وينفرد عنها بأن له مادة من الألفاظ كأنها مفرغة إفراغا من ذوب تلك المواد كلها. وما نظنه إلا الصورة الروحية للإنسان، إذا كان الإنسان في تركيبه هو الصورة الروحية للعالم كله. فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني؛ ومعجز كذلك في حقائقه؛ وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء؛ فهي باقية ما بقيت، وقد أشرنا إليها في بعض الفصول المتقدمة؛ على أنها ليست من غرضنا في هذا الباب وإنما مذهبنا بيان إعجازه في نفسه من حيث هو كلام عربي. لأننا إنما نكتب في هذه الجهة من تاريخ الأدب دون جهة التأويل والتفسير) (١). قلت: يظهر لنا من هذا النقل أمور كثيرة: أولاً: يرى الرافعي أن وجوه إعجاز القرآن الكريم كثيرة، فكل ما يصلح أن يكون القرآن معجزاً فيه فهو فيه معجز. ثانياً: يريد الرافعي أن يبحث في كتابه هذا ما يتعلق بتخصصه الدقيق الذي اشتهر به، وهو أسلوب القرآن الكريم: (من طرق نظمه، ووجوه تركيبه، ونسق حروفه في كلماتها، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته - ما أذهلهم عن أنفسهم، من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعر منه الجلود؛ حتى أحسوا بضعف الفطرة القوية، وتخلّف الملكة المستحكمة؛ ورأى بلغاؤهم أنه جنس من الكلام غير ما هم فيه، وأن هذا

стр. 71

التركيب هو روح الفطرة اللغوية فيهم، وأنه لا سبيل إلى صرفه عن نفس أحد العرب أو اعتراض مساغه إلى هذه النفس، إذ هو وجه الكمال اللغوي الذي عرف أرواحهم واطلع على قلوبهم، بل هو السر الذي يفشي بينهم نفسه، وإن كتموه، ويظهر على ألسنتهم ويتبين في وجوههم وينتهي إلى حيث ينتهي الشعور والحس، فليس للخلابة أو المؤاربة وجه في نقض تأثيره وإزالته عن موضعه، ومن استقبل ذلك بكلامه أو أراده بأي حيلة، فقد استقبل رد النفوس عن أهوائها، وردع القلوب عن محبتها، وحاول معارضه أقوى ما في النفس بأضعف ما فيه شيء -فيما يعرفونه- لا يستقيم لامرئ من الناس ببيان ولا عصبية ولا هوى ولا شيء من هذه الفروع النفسية، وليس إلا أن ينقض الفطرة فيستقيم له، وما في نقض هذه الفطرة إلا أن يبدأ الخلق فيكون إلها، وهذا كما ترى فوق أن يسمى أو يعقل) (١). ثالثاً: النظم هو المادة التي سيتحدث عنها الرافعي ولا غير، وليس اقتصاره في الكلام على النظم دليلاً على أنه ينكر وجوه الإعجاز الأخرى، ولعل السبب في ذلك أن الوجوه الأخرى لا يخالف الرافعي غيره في فهمها لفظاً ومعنى، ولا في تطبيقاتها على العموم، وإنما الوجه الذي يريد أن يقرر فيه شيئا جديداً هو النظم، مُلمحاً في ذلك إلى اعتراضه على مفهوم النظم عند المتقدمين، إما كلياً وإما جزئياً، وهو ما أرجحه في هذا المقام بدلالة التطبيقات التي أثرى من خلالها درسه الإعجازي تأصيلاً وتطبيقاً.

стр. 72

الفرع الثالث نظرية الرافعي في إعجاز القرآن الكريم قسم الرافعي نظريته في الإعجاز وبناها على أركان ثلاثة، انطلق من خلالها في تقرير مفردات الإعجاز، وهي: الحروف وأصواتها، والكلمات وحروفها، والجمل وكلماتها. ولنبدأ بها تباعاً: أولاً: الحروف وأصواتها يقول الرافعي: (فإن طريقة النظم التي اتسقت بها ألفاظ القرآن، وتألفت لها حروف هذه الألفاظ، إنما هي طريقة يتوخى بها إلى أنواع من المنطق وصفات من اللهجة لم تكن على هذا الوجه من كلام العرب، ولكنها ظهرت فيه أول شيء على لسان النبي ﷺ ؛ فجعلت المسامع لا تنبو عن شيء من القرآن، ولا تلوي من دونه حجاب القلب، حتى لم يكن لمن يسمعه بد من الاسترسال إليه والتوفر على الإصغاء، لا يستمهله أمر من دونه وإن كان أمر العادة، ولا يستنسئه الشيطان وإن كانت طاعته عندهم عبادة) (١). سمى الرافعي هذا الأمر بالموسيقى اللغوية، ثم بيّن أن هذا أحد معاني النظم الذي يريده وليس نظم السابقين، حيث يقول: (وهذا نوع من التأليف لم يكن منه في منطق أبلغ البلغاء وأفصح الفصحاء إلا الجمل القليلة) (٢).

стр. 73

وأرى أن هذه الجملة من كلام الرافعي من أهم ما ورد من كلامه حول موضوع البحث الأول من بحوث النظم عنده، ولكني سأقف فيما بعد كثيرا عند جملته: (إلا الجمل القليلة). وقبل ذلك أذكر شيئاً من تفصيل نظرية الرافعي في إعجاز الأصوات، فأقول: ١. يرى الرافعي أن العرب: (لما قرئ عليهم القرآن، رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله، ألحانا لغوية رائعة؛ كأنها لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها فلم يفتهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم؛ حتى إن من عارضه منهم، كمسيلمة، جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقياً أو باباً منه وطوى عما وراء ذلك من التصرف في اللغة وأساليبها ومحاسنها ودقائق التركيب البياني، كأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية، وإنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها؛ وليس يتفق ذلك في شيء من كلام العرب إلا أن يكون وزنا من الشعر أو السجع) (١). يريد من هذا الكلام أن يبين قيمة الصوت عند العرب، عندما نزل عليهم القرآن الكريم، وأن القرآن الكريم قد تفرد بهذا الوجه دون غيره من أنواع الكلام. وأتى على ذلك بمثال، وهو أننا لو جئنا بشيء من الكلام البليغ من غير القرآن ورتلناه ترتيل القرآن فستكون النتيجة كما يأتي:

стр. 74

أولاً: وجود الفارق الكبير بين هذه المقطوعة وبين القرآن الكريم. ثانياً: شعور السامع بالنقص الكبير في كلام البلغاء وانحطاطه عن رتبة القرآن الكريم. ثالثاً: ذهاب الترتيل بجمال هذه القطعة الأدبية ورونقها، على خلاف أثر الترتيل إذا كان القرآن مادته، وهو ما يسميه الرافعي إجمالاً: إعجاز النظم الموسيقي. ٢. يرى الرافعي أن: (الصوت هو مادة الانفعال النفسي، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت، بما يخرجه فيه مداً، أو غنة، أو ليناً، أو شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها؛ ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع؛ أو الإطناب والبسط؛ بمقدار ما يكسبه من الحدوة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ونحوها، مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى) (١). ٣. استدل الرافعي على نظريته فيما يسميه «الاستهواء الصوتي» بفواصل الآيات، وكيف أنها جاءت على نسق بديع حيث يقول: (وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صور تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيباً يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب) (٢).

стр. 75

ومما يدخل في هذا المعنى أن القرآن الكريم: (لا يخلق على كثرة الرد وطول التكرار، ولا تمل منه الإعادة؛ وكلما أخذت فيه على وجه الصحيح فلم تخل بأدائه، رأيته غضا طريا، وجديدا مونقا، وصادفت من نفسك له نشاطا مستأنفا وحسا موفورا) (١) .. ثانياً: الكلمات وحروفها ذكرت آنفاً كلاماً للرافعي في ظاهرة الحروف وأصواتها، وسأذكر شيئاً من كلامه حول الجزء الثاني من نظريته، وهو الكلمات وحروفها، وملخصه ما يأتي: ١) تكلم الرافعي على العلاقة الدقيقة بين المعنى ولفظه بما يصدر عنه من صوت الحروف فيه. ٢) بين الرافعي مكانة الكلمة القرآنية ووضعها في محلها اللائق بها، بعد بيان دقة الحروف فيها. ٣) بيّنَ الرافعي التناسب البديع بين أصوات الحروف، حتى إن الحروف -كما يرى- لتكون ثقيلة، حتى إذا استعملت في القرآن الكريم رأيت: (لها شأناً عجيباً، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقاً في اللسان، واكتنفتها بضروب من النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها، وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة) (٢).
следующие страницы →