← Акыда

Акыда · id 30156

الإغاثة في شرح الأصول الثلاثة

أحمد القاضي

Полный текст (244 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا. والصلاة والسلام على من أقام الله به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا (١). أما بعد: فإن كتاب (الأصول الثلاثة) أو (ثلاثة الأصول) للإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب- ﵀ أحد الكتب المباركة، التي انتفع بها القاصي والداني، والعالم والعامي، في جزيرة العرب وخارجها، فقد امتاز -على صغر حجمه- بعدة مزايا منها: أولًا: التأصيل والعناية بالدليل: فلا يكاد الشيخ يذكر مسألة حتى يتبعها بالدليل، ولا شك أن هذا من أعظم أسباب القبول. ثانيًا: الوضوح والبيان: بخلاف كتب المتكلمين وتعقيداتهم اللفظية، فكثيرٌ ممن يؤلف في العقائد، يؤلف كلامًا يصعب حله وفكه على آحاد الناس، أما الشيخ ﵀ فقد سلك طريقة القرآن والسنة في الوضوح والبيان، فجاء كلامه سهلًا ميسرًا يفهمه كل من قرأه. ثالثًا: التقاسيم النافعة: وذلك نوع من تقريب العلم لطلبته، فإن من

стр. 2

أهل العلم من ينثر العلم نثرًا لا يتمكن سامعه من جمع أطرافه. وحسن العرض والترتيب من أعظم دواعي الفهم والقبول. رابعًا: استعمال طريقة السؤال والجواب: وهي طريقة قرآنية نبوية؛ لأنها تثير ذهن المتلقي، وتُذهب عنه البلادة والرتابة. خامسًا: التلطف بالقارئ والشفقة عليه والدعاء له: كقوله: رحمك الله، أرشدك الله. ولا شك أن مثل هذه الجمل تحبب القارئ بمؤلف الكتاب، ومحتواه. وكان للشيخ المجدد ﵀ عناية بهذا المتن. قال الشيخ عبد العزيز بن باز ﵀: "وقد كان ﵀ يلقن الطلبة والعامة هذه الأصول ليدرسوها، ويحفظوها، ولتستقر في قلوبهم، لكونها قاعدة في العقيدة (١). وسار على خطاه بنوه وتلامذته من بعده، وعلماء الدعوة السلفية في البلاد النجدية، فاعتنوا بهذا المتن، وجعلوه مبتدأ الطلب في علم العقيدة؛ لتعلقه بأصل الدين والملة. وقد منَّ الله علي بشرح هذا المتن عدة مرات، وكانت إحداها في الدورة العلمية التأصيلية الأولى المقامة في جامع الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀ بمحافظة عنيزة، في شوال سنة ١٤٣٠ هـ. فقام الإخوة بتفريغ هذا الشرح، وعرضه علي، فراجعته، وهذبته، بما يقتضيه الحال من إعادة صياغة العبارة الإلقائية؛ كحذف التكرار، والاستطراد، وترتيب المعاني؛ لتكون مناسبة للقارئ. فجاء - بحمد الله- على هذا النحو الميسر،

стр. 3

وسميته: (الإغاثة في شرح الأصول الثلاثة). وقد جعلت بين يديه مقدمة تعريفية بحقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومضامينها؛ لبيان الحق، ودفع الشبه التي يثيرها أعداء التوحيد، بين الفينة والفينة، على هذه الدعوة الإصلاحية التجديدية المباركة، وصاحبها وأتباعها. واللهَ تعالى أسأل أن ينفع بشرحه، كما نفع بأصله، وأن يسلكني في نظام الداعين إلى دينه، الممسكين بكتابه، المقتدين بهدي نبيه ﷺ . والحمد لله رب العالمين كتبه: أ. د. أحمد بن عبد الرحمن بن عثمان القاضي عنيزة. في ٤/ ١٢/ ١٤٣٧ هـ

стр. 4

حقيقة دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه! وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين (١). وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، القائل: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ [السجدة: ٢٤]، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (٢). أما بعد: فلقد كان شيخ الإسلام، الإمام محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي، المشَرَّفي، الوهْبي، التميمي ﵀ مجدد القرن الثاني

стр. 5

عشر الهجري بحق. فقد كانت ولادته سنة ألف ومائة وخمس عشرة (١١١٥ هـ)، ووفاته سنة ألف ومائتين وست (١٢٠٦ هـ)، فانطبق عليه شرط التجديد، كما قال ابن الأثير، ﵀: (المراد من انقضت المائة وهو حي، عالم، مشهور، مشار إليه) (١). وقال السيوطي ﵀: والشرط في ذلك أن تمضي المئة وهو على حياته بين الفئة يشار بالعلم إلى مقامه وينصر السنة في كلامه (٢) وقد جهر الشيخ بدعوته، وتصدى للناس بعد وفاة والده القاضي عبد الوهاب سنة ألف ومائة وثلاث وخمسين (١١٥٣ هـ)، وعمره يناهز الأربعين، فأمضى نصف قرن من الزمان في حركة دائبة، غيرت مسار التاريخ، وكان لها ما بعدها. ومن ثمَّ تنازع الكتَّاب والمحللون، في حقيقة دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ هل كانت تجديداً دينياً؟ أو نشاطاً علمياً؟ أو إصلاحاً اجتماعياً؟ أو مشروعاً سياسيًا؟ أو هو جميع ذلك؟ ناهيك عما ينبزها به خصومها الظالمون من الدعاوى المغرضة؛ بأنها مذهب خامس، أو حركة خوارج تكفر المسلمين، وتستبيح دماءهم!!. إن من السهولة بمكان على الباحث المنصف أن يجد الجواب الصريح على هذه التساؤلات، والرد المفحم على هذه الشبهات، فيما خلفه الشيخ وتلاميذه من تراث ضخم، وفيما حفظه التاريخ من وقائع وأعمال تنبئ عن حقيقة هذه الدعوة الفريدة. ويمكننا الإشارة إلى جملة من المعالم البارزة في دعوة الشيخ، ﵀:

стр. 6

أولاً: تحقيق التوحيد: لا ريب أن عماد دعوة الشيخ ﵀ باتفاق الموالين والمناوئين، توحيد الله بأنواعه الثلاثة: ١ - توحيد الربوبية: وهو توحيد الله بأفعاله؛ من الخلق، والملك، والتدبير. ٢ - توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد؛ كالدعاء، والنذر، والذبح. ٣ - توحيد الأسماء والصفات: وهو توحيده بما سمى ووصف به نفسه. وقد عُني الشيخ عناية خاصة بتوحيد العبادة، وقرره بأوضح عبارة، فقال في (الأصول الثلاثة): (اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملةَ إبراهيم، أن تعبد الله وحده، مخلصاً له الدين. وبذلك أمر الله جميع الناس وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى يعبدون: يوحدون. وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى الله عنه الشرك، وهو دعوة غيره معه. والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]). وظل الشيخ يأوي إلى هذا الركن الشديد في جميع مؤلفاته ومكاتباته ومراسلاته، يدعو الناس إلى تحقيق التوحيد، وتصفية العقيدة، وإخلاص العبادة التي بعث بها النبيون. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون﴾ [الأنبياء: ٢٥]، فطفق يبين للناس حقيقة التوحيد، ومقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، ومعنى الحنيفية.

стр. 7

وقد استهل الشيخ ﵀ كتاب التوحيد بالأبواب التالية: ١ - باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب. ٢ - باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. ٣ - باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله. ٤ - باب الدعاء إلى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. ثانياً: التحذير من الشرك: اجتناب الشرك قرين التوحيد ولازمه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقال: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُون﴾ [آل عمران: ٦٤]. وقد رأى الشيخ بعيني رأسه ما آل إليه حال الأمة الإسلامية، لا في بلاد نجد فحسب، بل في جميع الأقطار التي زارها وقت الطلب؛ في البصرة، والزبير، والأحساء، ومكة، والمدينة، حتى إنه صنف أشهر كتبه؛ (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، حين كان في البصرة لِما رأى من حال العامة، ووقوعهم في الأعمال الشركية. فلما أنكر عليهم أخرجوه وقت الهاجرة، حتى كاد أن يهلك من العطش. وعاين بعض الجهال حال وقوفهم عند الحجرة النبوية، وهم يدعون، ويستغيثون بقبر النبي ﷺ فسأله شيخه المحدث محمد حياة السندي ﵀: ما تقول؟ فقال الشيخ: ﴿إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُون﴾ [الأعراف: ١٣٩].

стр. 8

ومن هنا، فقد عُني الشيخ ﵀ بتتبع مظاهر الشرك العملي، المؤسس - غالباً- على شرك اعتقادي. ويظهر ذلك جلياً في أبواب (كتاب التوحيد) مثل: باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما، لرفع البلاء أو دفعه. باب ما جاء في الرقى والتمائم. باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما. باب ما جاء في الذبح لغير الله. باب من الشرك النذر لغير الله. باب من الشرك أن يستغيث بغير الله، أو يدعو غيره … الخ بالإضافة إلى الأبواب المتعلقة ببعض الممارسات الشركية، كالسحر، والنشرة، والطيرة، والتنجيم. والأبواب المتعلقة بالشرك الأصغر من الألفاظ، كقول: (ما شاء الله وشئت)، وقول: (عبدي وأمتي)، وقول: (مطرنا بنوء كذا وكذا)، والحلف بغير الله. وفوق ذلك، عقد أبواباً تتعلق بسد الذرائع المفضية إلى الشرك، مثل: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم، وتركهم دينهم، هو الغلو في الصالحين. باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح. باب ما جاء أن الغلو في الصالحين يصيرها أوثاناً تعبد من دون الله. باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد، وسده كل طريق يوصل إلى الشرك.

стр. 9

إن هذا الحس الإيماني المرهف لدى الشيخ، وتتبعه لجذور الشرك، ومظاهره، وذرائعه، قد أحيا في الأمة روح التوحيد الخالص، الذي غشيته غواشي البدع، وكدرت صفاءه تراكمات الشرك، والتعلق بغير الله. لقد كان مشروع الشيخ ﵀ تجديد دعوة المرسلين، ونفض غبار السنين الذي حجب نقاء التوحيد. ثالثاً: الولاء والبراء: لم تكن دعوة الشيخ ﵀ تقريراً عقدياً، أو تنظيراً علمياً، فحسب، بل كانت تطبيقاً عملياً جاداً، يسعى لتمثل المبادئ والعقائد التي يؤمن بها واقعاً معاشاً، يترسم السيرة النبوية، ويحاكيها في مواجهة المخالفين، مع الأخذ بالاعتبار الفروقات الأساسية في التعاطي مع مجتمع كافر يدعى إلى الإسلام، كما في الحال النبوي، ومجتمع مسلم دبت فيه بعض مظاهر الشرك، كما في حالة الشيخ. إن الولاء والبراء تابعان للإيمان، ومعتقد أهل السنة والجماعة أنه يمكن أن يجتمع في المؤمن ولاية من وجه، وعداوة من وجه، بناءً على أصلهم العظيم في مسألة الإيمان؛ أنه يمكن أن يجتمع في المؤمن طاعة ومعصية، وبر وفجور، خلافاً للخوارج والمرجئة على حدٍ سواء. فالناس يتفاضلون في ولاية الله، بحسب تفاضلهم في الإيمان والتقوى، فهي تزيد وتنقص، وتكون كاملة وناقصة، فالمطيع تزيد ولايته ومحبته، والعاصي تنقص ولايته ومحبته، وتأسيساً على ما تقدم، فقد ألح الشيخ في كثير من تقريراته على مسألة الولاء والبراء، وضرورة التناصر بين المؤمنين، ومجافاة المبطلين، وإن لم يبلغ الأمر مبلغ الكفر. وهذه الثلاثية: (تحقيق التوحيد، واجتناب الشرك، والولاء والبراء)، ثلاثية متلازمة عند الشيخ ﵀ فهو يقول في (الأصول

стр. 10

الثلاثة): (اعلم -رحمك الله- أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، تعلمُ ثلاث هذه المسائل، والعملُ بهن: الأولى: أن الله خلقنا، ورزقنا، ولم يتركنا هملاً؛ بل أرسل إلينا رسولاً، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦]. الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل. والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. الثالثة: أن من أطاع الرسول ووحد الله، لا يجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب. والدليل قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: ٢٢]. وقد ظن بعض الناس أن ذلك يقتضي تكفير مخالفيه بإطلاق، وأنه يُلزم الناس بالهجرة إليه! ولكنه دفع هذه الفرية، وأنكرها بشدة، فقال: ( .. وأما الكذب والبهتان، فمثل قولهم: إنا نكفِّر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وإنا نكفِّر من لم يكفِّر، ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه؛ فكل هذا من الكذب والبهتان، الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله. وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي،

стр. 11

وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من ينبههم، فكيف نكفِّر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا، أو لم يكفر ويقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم) (١) وقال أيضاً: (وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفّر بالظن، وبالموالاة، أو أكفّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله) (٢). وقال في جوابه لابن صياح عندما طلب منه بيان موقفه فيما نسب إليه: (فمنها: إشاعة البهتان، بما يستحي العاقل أن يحكيه، فضلاً عن أن يفتريه، ومنها: ما ذكرتم أني أكفر جميع الناس، إلا من اتبعني، وأني أزعم أن أنكحتهم غير صحيحة، فيا عجباً كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟! وهل يقول هذا مسلم؟! إني أبرأ إلى الله من هذا القول، الذي لا يصدر إلا عن مختل العقل، فاقد الإدراك؛ فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة) (٣). رابعاً: الاتباع، ونبذ الابتداع: لما كان مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله -كما فسرها الشيخ في الأصول الثلاثة-: (طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع)، فقد دعا إلى تعظيم النصوص، وتقديمها على أقوال الرجال، والاعتماد على الدليل، ونبذ التعصب والتقليد، ولكن! ليس إلى الحد الذي يهدر الفقه، ويجرئ السفهاء على أئمة الدين، وأعلام الأمة، كلا! بل لم يزل ﵀ وتلاميذه، وأتباعه، ينمون أنفسهم إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الفروع، لكونه المذهب السائد في بلاد نجد، ويتبرأ من إحداث مذهب جديد،

стр. 12

كما يشغب عليه بذلك خصومه. فهو يقول: (وأما مذهبنا، فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، في الفروع. ولا ندعي الاجتهاد. وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد، كائناً من كان) (١). ومع تأثر الشيخ بالإمامين، ابن تيمية، وابن القيم ﵏ إلا إنه يقرر بحزم: (الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق، من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا إنا غير مقلدين لهم في كل مسألة) (٢). وقال أيضاً: (ولست -ولله الحمد- أدعو إلى مذهب صوفي، أو فقيه، أو متكلم، أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم، مثل: ابن القيم، والذهبي، وابن كثير، وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له، وأدعو إلى سنة رسول الله ﷺ (٣). وقد تصدى-﵀ للبدع الاعتقادية، والعملية، الحادثة في زمانه، ومن شواهد ذلك ما ذكره مؤرخ الدعوة، حسين بن غنام: (كان في العيينة، وما حولها كثير من القباب والمشاهد، والمشاهد المبنية على قبور الصحابة والأولياء، والأشجار التي يعظمونها، ويتبركون بها، كقبة قبر زيد بن الخطاب، في الجبيلة، وكشجرة قريوة، وأبي دجانة، والذيب. فخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومعه عثمان بن معمر، وكثير من جماعتهم، إلى تلك الأماكن بالمعاول، فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد والقبور، وعدلوها على السنة. وكان الشيخ هو الذي هدم قبة زيد بن الخطاب بيده، وكذلك قطع شجرة الذيب مع بعض أصحابه،

стр. 13

وقطع شجرة قريوة ثنيان بن سعود، ومشاري بن سعود، وأحمد بن سويلم، وجماعة سواهم) (١). خامساً: إقامة الدين، وتحكيم الشريعة: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيب﴾ [الشورى: ١٣]، ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنْزَلَ اللّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُون ي أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُون﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠]. لقد تميز الشيخ، محمد بن عبد الوهاب ﵀ عن كثير من المصلحين، بسعيه الدؤوب لإقامة دين الله، وتحكيم شرعه كما أمر. ولما كان أمر القرآن، لا يتم إلا بهيبة السلطان، فقد عرض الشيخ دعوته على أولي الأمر، الذين بسط الله لهم نوع سيادة، ولم يسلك مسلك الخروج والتمرد. فابتدأ، أولاً بمن يليه، وهو عثمان بن معمر، رئيس بلدة العيينة، فوافقه وناصره بادئ الأمر، إلا أنه تخلى عنه بسبب تهديدات سليمان بن محمد بن عريعر، رئيس بني خالد والأحساء. فقصد الشيخ بلدة الدرعية، سنة سبع أو ثمان وخمسين بعد المائة وألف، وأميرها يومئذ محمد بن سعود، ونزل على تلميذه أحمد بن سويلم. ويصف المؤرخ ابن غنام اللقاء التاريخي الذي تم بين الإمامين، محمد بن عبد الوهاب، ومحمد بن سعود - رحمهما الله- بقوله:

стр. 14

(لما سمع بذلك الأمير محمد بن سعود، قام من فوره مسرعاً إليه، ومعه أخواه: ثنيان، ومشاري، فأتاه في بيت أحمد بن سويلم، فسلم عليه، وأبدى له غاية الإكرام والتبجيل، وأخبره أنه يمنعه بما يمنع به نساءه وأولاده. فأخبره الشيخ بما كان عليه رسول الله ﷺ ، وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته، ﵃، من بعده، وما أمروا به، وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلالة، وما أعزهم الله به بالجهاد في سبيل الله، وأغناهم به، وجعلهم إخواناً، ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفتهم لشرع الله وسنة رسوله؛ بالشرك بالله تعالى، والبدع، والاختلاف، والظلم فلما تحقق الأمير محمد بن سعود معرفة التوحيد، وعلم ما فيه من المصالح الدينية والدنيوية، قال له: يا شيخ! إن هذا دين الله ورسوله، الذي لا شك فيه، فأبشرْ بالنصرة لك، ولما أمرت به، والجهاد لمن خالف التوحيد … فبسط الأمير محمد يده، وبايع الشيخ على دين الله ورسوله، والجهاد في سبيله، وإقامة شرائع الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر) (١). لقد اكتملت بهذه الصفقة الإيمانية شرائط مشروع الإصلاح الكبير، واتحد السلطان والقرآن، وانبلج فجر جديد، من البعث والتجديد، لا في تاريخ نجد فحسب بل في تاريخ الأمة الإسلامية جمعاء. لقد تحولت الدرعية من بلدة نجدية مغمورة، إلى بؤرة نور، ترسل خيوط أشعتها الإيمانية محمولة في الصدور تارة، وعلى ظهور الخيول تارة، إذا أحوج الحال. وردد صدى الدعوة مجددون في مواقع شتى من أرض الإسلام شد أزرهم، وقوى عزائمهم، هذه التجربة الفريدة، التي استلهمت السيرة النبوية مثالاً، وعضدها سيف السلطان إيماناً وامتثالاً، فآتت أكلها كل حين بإذن ربها.

стр. 15

وبعد: فهل استنفدت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب أهدافها، ولم يبق شيء من مقاصدها وأغراضها؟ هل باتت حركة محنطة في متحف التاريخ، يتناولها الكُتَّاب والمحللون درساً ونقداً وتحليلاً؟ كلا! إن صح أن توجه هذه التساؤلات إلى دين الإسلام -وهيهات وأنى- صح أن توجه تبعاً لدعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب؛ لأن الحقيقة واحدة، وإن وقع شيء من الأخطاء البشرية، والتجاوزات الفرعية التي لا تثلم الأصل، ولا تخدش صفاءه. ما أحوج البشرية اليوم إلى التوحيد، وقد نسي الناس ما خلقوا لأجله! ما أحوج البشرية اليوم إلى التخلص من مظاهر الشرك والكفر بأنواعه! ما أحوج المسلمين اليوم إلى التعاون والتناصر فيما بينهم ضد عدوهم الذي يتربص بهم الدوائر، ويكيل لهم التهم ليل نهار! ما أحوج المسلمين اليوم إلى تجديد روح الاتباع لإمام الهدى ﷺ ، كما أمر تعالى بقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون﴾ [الأعراف: ١٥٨]. وما أحوج البشرية اليوم، والمسلمون ابتداءً، إلى إقامة دين الله، وتحكيم شرعه، الذي بات غريباً في غابة الأنظمة العلمانية، والشرائع الوضعية. إن على أبناء هذه الدعوة المباركة، وأحفاد الإمامين المجددين، أن

стр. 16

يعوا جيداً حقيقة دعوتهم، وأن يسلكوا المسلك الرشيد، الذي وصفه الله بقوله: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ [النحل: ١٢٥]، وأن يتقدموا بمشروعهم الإيماني إلى العالم أجمع، مستفيدين من الوسائل الإعلامية الحديثة، وأن يطوروا أساليبهم في الحوار، واثقين أن الحق والعقل والفطرة تشهد لهم، وأنهم أسعد الناس بالحوار، وأحمدهم عاقبة. والله غالب على أمره، والحمد لله رب العالمين.

стр. 17

المسائل الأربع • قال المؤلف ﵀: (بسم الله الرحمن الرحيم): استهل المصنف ﵀ -كتابه هذا بالبسملة - بسم الله الرحمن الرحيم-، والبداءة بالبسملة دل على ثبوتها ومشروعيتها أدلة كثيرة منها: أن النبي ﷺ كان يبدأ بها مكاتيبه: فعندما كتب النبي ﷺ إلى هرقل كتابا قال فيه: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ) (١)، ولما أراد النبي ﷺ أن يكتب صلح الحديبية أملى على الكاتب (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، فقال مندوب قريش سهيل بن عمرو أَمَّا الرَّحْمَنُ، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هُوَ وَلَكِنِ اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ كَمَا كُنْتَ تَكْتُبُ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : (اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ) (٢).

стр. 18

أنها هدي الأنبياء السابقين، قال الله : ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [النمل: ٣٠]، فقد كان أنبياء الله يبدؤون مكاتيبهم بالبسملة، وقد قال الله لنبيه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]. فالسنة أن يبتدئ الإنسان مكاتيبه بالبسملة، وأن يبتدئ خطبه بالحمد لله، فإذا خطبت فابدأ بحمد الله، وإذا كتبت فابدأ بالبسملة، ولا بأس بالجمع بينهما. ما يروى عن النبي ﷺ أنه قال: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ب (بسم الله الرحمن الرحيم) فهو أقطع) (١). وفي رواية: «لا يبدأ فيه بذكر الله» (٢)، وفي رواية (بحمد الله) (٣) وهذه الأحاديث لا تخلو من مقال ولكنها بمجموعها تحتمل ولهذا تلقتها الأمة بالقبول، فصاروا يبدؤون كتبهم بالبسملة. (بسم الله): جار ومجرور، والجار والمجرور لا بد له عند النحاة من متعلق، قال العلماء: إن متعلَّق "بسم" فعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، فإذا أردت أن تَطْعم وقلت بسم الله فالتقدير: "بسم الله آكل"، وإذا أردت أن تدخل بيتك وقلت بسم الله، فالتقدير: "بسم الله أدخل".

стр. 19

فها هنا يكون التقدير "بسم الله أكتب" أو "بسم الله أصنف" أو "بسم الله أؤلف" وبالنسبة للقارئ "بسم الله أقرأ". واسم الله اسم مبارك، ما كان في شيء إلا حلت فيه البركة، فإذا استعمله الإنسان مع الطعام بورك له في زاده، وطرد عنه الشيطان، وإذا استعمله الإنسان عند دخوله لبيته؛ فإن ذلك يطرد الشيطان ويمنعه من المبيت، وإذا استعمله الإنسان إذا أتى أهله حيل بين الشيطان وبين ما يقسم بينه وبين أهله من ذرية، فينبغي للمؤمن ألا يغيب عن باله، ولهذا قال الله : ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام﴾ [الرحمن: ٧٨]. والاسم عند النحاة: هو ما عيّن مسماه، فالله له الأسماء الحسنى، كما قال في غير موضع: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠]، خلافًا للجهمية الذين أنكروا أن يكون لله أسماء، فالله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلى، فنثبت ما أثبت الرب لنفسه، ومن ذلك (الاسم)، وأما لفظ الجلالة "الله" فإنه أفضل الأسماء الحسنى على الإطلاق، وقيل: إنه الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دُعي به أجاب؛ ولهذا نجد أن الأسماء الحسنى تحال إليه، كما في قوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣]، فمرجع الأسماء الحسنى إلى هذا الاسم الشريف وهو الله (١). ولفظ (الله) ليس جامدًا؛ بل هو مشتق من: أَلَهَ يألهُ أَلُوهةً، والمراد بالألوهية: انجذاب القلب، للمعبود محبة وتعظيمًا؛ فلهذا كان هذا الاسم الشريف جامعًا للأسماء الحسنى؛ لأن القلوب لا تجتمع إلا على من

стр. 20

كانت له صفات الكمال ونعوت الجلال (١). أما (الرحمن و الرحيم): فهما اسمان شريفان كريمان من أسماء الله الحسنى، ومعناهما متقارب إذ أن كلًا منهما يدل على اتصاف الله تعالى بصفة الرحمة، ولا ريب أن ربنا رحمن ورحيم، وأن من صفاته العلى صفة الرحمة، ورحمة ربنا رحمة تليق به ليست كرحمة المخلوقين فيها ضعف ورقة، بل هي رحمة لائقة بجلاله وعظمته، رحمة حقيقية نثبتها لربنا ونرجو ثوابها. الفروق بين الرحمن والرحيم: الفرق الأول: قال بعض أهل العلم: أن الرحمن يدل على اتصاف الله تعالى بصفة الرحمة اتصافًا ذاتيًا، أما الرحيم يدل على اتصاف الله بصفة الرحمة اتصافًا فعليًا. الفرق الثاني: أن الرحمن يدل على الرحمة العامة المتعلقه بعموم المخلوقين، والرحيم يدل على الرحمة الخاصة المتعلقة بالمؤمنين خاصة، فالرحمن يدل على الرحمة الواسعة، التي دل عليها قوله تعالى ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، والرحيم يدل على الرحمة الواصلة التي تختص بالمؤمنين، قال : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] الفرق الثالث: أن الرحمن اسم لا يطلق إلا على الله ، لأنها تدل على الإطلاق والكمال المطلق، بينما اسم الرحيم يجوز أن يسمى به المخلوق،، قال تعالى عن نبيه ﷺ : ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم﴾ [التوبة: ١٢٨].

стр. 21

• قال المؤلف ﵀: (اعلمْ -رحمكَ اللهُ- أَنَّهُ يجبُ علينَا تَعَلُّمُ أربعِ مسائلَ؛ الأُولى: العِلْمُ؛ وهوَ معرفةُ اللهِ، ومعرفةُ نبيِّهِ، ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ). قوله: (اعلمْ -رحمكَ اللهُ-): ابتدأ المصنف-﵀ بهذا اللفظ"اعلم" وهو صيغة أمر تحمل المخاطب على الانتباه، وقد جرى الشيخ على نسق القرآن، فإن الله تعالى قال في كتابه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]. ومراتب الإدراك ستة (١): أولًا: العلم، وتعريف العلم: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا. كقولك: وقعت غزوة بدر في السنة الثانية من الهجرة. ثانيًا: الجهل البسيط، وهو: عدم الإدراك بالكلية. كقولك: لا أعلم متى وقعت غزوة بدر. ثالثًا: الجهل المركب، وهو: إدراك الشيء على خلاف ما هو

стр. 22

عليه. كقولك: وقعت غزوة بدر في السنة الثالثة من الهجرة. رابعًا: الظن، وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. كظنك أن غزوة بدر وقعت في السنة الثانية من الهجرة مع نوع تردد. خامسًا: الشك، وهو: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ. كترددك في وقوعها في الأجلين على حدٍ سواء. سادسًا: الوهم: وهو إدراك الشيء مع احتمال ضد راجح. كظنك أن غزوة بدر وقعت في السنة الثالثة من الهجرة مع نوع تردد. ويقسمون العلم أيضًا إلى قسمين: القسم الأول: علم ضروري. القسم الثاني: علم نظري. فالعلم الضروري: هو الذي يكون إدراك العلم فيه بمقتضى الضرورة؛ إما ضرورة عقلية أو حسية. فمن الضرورة الحسية العلم بأن السماء فوقنا، والأرض تحتنا، والعقلية العلم بأن ١+١=٢؛ لأنها تدرك بالتفكير والحساب، فهذا يسمى عند العلماء بالضرورة العقلية. ومن العلم الضروري ما ثبت بالتواتر؛ كالقرآن العظيم؛ لأن كتاب الله محفوظ، منقول إلينا نقلًا متواترًا لا خلاف فيه، ولا يخرم منه حرف واحد. ومنه الأحاديث المتواترة التي رواها جمع كثير يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، عن مثلهم، وأسندوه إلى شيء محسوس، فالأحاديث المتواترة تفيد العلم الضروري القطعي. وأما العلم النظري فالمراد به: ما يحتاج إلى نظر واستدلال؛ ولهذا يحصل فيه خلاف بين أهل العلم، فتجد العلماء يختلفون في بعض

стр. 23

المسائل؛ كنواقض الوضوء، مثل: لحم الجزور، ومس الذكر، فيكون العلم بأحد الأمرين علمًا نظريًا، لا علمًا ضروريًا. قوله: (رحمكَ اللهُ): وهذا دعاء للمخاطب بحصول الرحمة له من عند الله تعالى. قوله: (أَنَّهُ يجبُ علينَا تَعَلُّمُ أربعِ مسائل): أفاد الشيخ أن الوارد ذكره من العلم الواجب تعلمه. و (المسألة)، تطلق عند العلماء على القضية من قضايا العلم، سميت بذلك؛ لأنه يجري فيها البحث والسؤال. قوله: (الأُولى: العِلْمُ؛ وهوَ: معرفةُ اللهِ، ومعرفةُ نبيِّهِ، ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ): قوله: (الأُولى: العِلْمُ؛ وهوَ: معرفةُ اللهِ): أول المراتب العلم؛ لأن العلم مفتاح كل شيء، فأول ما يجب عليه المكلف هو العلم؛ لأنه لا فائدة من عمل بلا علم، فلا بد من العلم، وأشرف أنواع العلوم على الإطلاق: ما تضمن شرف المعلوم، فشرف العلم ينبني على شرف المعلوم، وأشرف معلوم هو الله سبحانه وبحمده؛ ولهذا كان أوجب الواجبات هو العلم بالله، وفسر العلم بأنه معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة؛ لكن ليس المراد المعرفة النظرية المجردة، بأن يُقر الإنسان بوجود الله، وببعثة نبيه ﷺ ، وبأنه يوجد دين على وجه الأرض يقال له الإسلام، وإنما المقصود المعرفة التي تثمر الإيمان والاتباع، فذلك هو العلم المطلوب. فالعلم بالله المقصود به: العلم به بمقتضى أسمائه وصفاته، المورث لطاعته وعبادته سبحانه وبحمده.

стр. 24

قوله: (ومعرفةُ نبيِّهِ): وهو العلم بشخص محمد بن عبد الله الذي يورث: تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع على لسانه، ليس مجرد العلم النظري أو التاريخي. قوله: (ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلةِ): وهو العلم بأن لله دينًا افترضه على البشر ليعبدوه، وأنه خلقهم لذلك، وأن ذلك الدين هو الذي شرعه لأنبيائه من لدن نوح ﵇ إلى محمد ﷺ . وهو دين الإسلام الذي أمر به الناس جميعًا. فالإسلام له معنيان: معنى عام، ومعنى خاص: الإسلام بالمعنى العام وهو: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص له من الشرك. وهو ما بعث الله به جميع أنبيائه ورسله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّهِ الإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وقال سبحانه و تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، فجميع أنبياء بني إسرائيل مسلمون، وكما قالت بلقيس ملكة سبأ: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ [النمل: ٤٤]، فدين الله على مر العصور هو الإسلام، ليس لله دين سواه. وأما الإسلام بالمعنى الخاص: فهو ما بعث الله به محمدًا ﷺ من الهدى، ودين الحق، المتضمن للعقائد الصحيحة، والشرائع العادلة والأخلاق الرفيعة، والآداب العالية، الناسخ لما قبله من الأديان. قوله: (بالأدلةِ)؛ أي: أن تكون هذه المعارف مقرونة بالأدلة، والدليل: هو ما يرشد إلى المدلول. فينبغي لنا معاشر المؤمنين أن ندرك

стр. 25

العلم بدليله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَّبِّهِ﴾ [هود: ١٧] [محمد: ١٤]، من كان على بينة من ربه ليس كمن ﴿يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، أو على جري العادة، أو بحكم الوراثة، أو ما أشبه ذلك، فينبغي ألا تعقد على مسألة من المسائل إلا وقد فقهت دليلها؛ لكي تعبد الله على بينة. والأدلة متنوعة منها: الأدلة السمعية: فهي ما جاء عن الله تعالى أو عن أنبيائه، فما ثبت بكتاب الله أو في الصحيح عن رسول الله ق، فهو دليل سمعي، يجب الصيرورة إليه، وتقديمه على كل شيء. الأدلة العقلية: وذلك أن الله فضلنا على سائر المخلوقات بهذه العقول، وجعل العقل من وسائل الوصول للعلم، نجد قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [النساء: ٨٢] [محمد: ٢٤]، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُون﴾ [يس: ٦٨]، ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾ [يونس: ٢٤]، ﴿لِّقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾ [البقرة: ١٦٤]، ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [يوسف: ٢]، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُون﴾ [الزخرف: ٣]، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨]، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَاب﴾ [ص: ٢٩]، والله تعالى قد ضمن كتابه أدلة عقلية وإليكم هذا المثال: عن جبير بن مطعم ﵁ قال: (سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَّ يُوقِنُون أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون﴾ [الطور: ٣٥ - ٣٧] قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ) (١)، هاتان

стр. 26

الجملتان دليلان عقليان صريحان لا يُبقيان مجالًا لأي شبهة، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥]، فلا هذا ولا ذاك. فالله خالقهم فهو المستحق للعبادة وحده. أدلة حسية: وهي ما أودع الله تعالى في ملكوت السماوات والأرض، ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]؛ ولهذا نجد في كتاب الله: قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تُمْنُون﴾ [الواقعة: ٥٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُم مَا تَحْرُثُون﴾ [الواقعة: ٦٣]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُون﴾ [الواقعة: ٦٨]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُون﴾ [الواقعة: ٧١]. أدلة فطرية: وهي ما جبل الله عليه النفس الإنسانية من الحق، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ولأجل ذا حمل بعض العلماء قول الله : ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِين﴾ [الأعراف: ١٧٢] على ميثاق الفطرة (١)، فقد أودع الله تعالى في القلب وفي النفس، الفطرة السليمة، وهي الدين القيم ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠]، دين الإسلام. فجميع الأدلة تتعاضد في الدلالة على الحق، فلا عذر لمبطل. قوله: (الثانيةُ: العملُ بهِ): العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. لا بد من العمل لا يكفي مجرد العلم؛ لأن العلم حجة لك أو

стр. 27

عليك، فإن عملت به فهو حجة لك، وإن أهملته كان حجة عليك؛ ولهذا نجد في كتاب الله كثيرًا القرن بين العمل والإيمان ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٦]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٧٣]، فالعمل ثمرة العلم، وقد بعث الله نبيه محمد ﷺ بأمرين: بالهدى ودين الحق، فالهدى هو: العلم النافع، ودين الحق هو: العمل الصالح (١). واعلم أن العمل يكون أحيانًا قلبيًا، وأحيانًا يكون بدنيًا، وأحيانًا يكون لسانيًا، وأحيانًا يكون ماليًا، وبعض الناس يتصور أن العمل يكون في حركة الأبدان فقط، كلا!، فالعمل أوسع من ذلك، فإذا أقمت في قلبك الرجاء والخوف والتوكل والمحبة والخشية والإنابة، فأنت في الحقيقة تعمل بعلمك؛ لأن هذه المذكورات أعمال قلوب، وأعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح. ومن الأعمال: أعمال بدنية: كالصلاة، والحج، وإماطة الأذى عن الطريق. أعمال مالية: وهو ما يبذله الإنسان من زكاة وصدقة. أعمال قولية: وهو ما يلفظ به اللسان من الذكر وتلاوة القرآن وغير ذلك. قوله: (الثالثةُ: الدعوةُ إليهِ): من حصّل العلم واشتغل به، حمله ذلك على الدعوة إليه تلقائيًا؛ لأن المؤمن كالزهرة يفوح أريجهاولا تُمسك؛ بل يخرج وينتشر حولها، وكذلك المؤمن إذا علِم فإن علمه ذلك يحمله على نشره علمه بدرجات متفاوتة، بحسب ما آتاه الله.

стр. 28

فالدعوة إلى الله من لوازم العلم والعمل ومن الأمور التي تجب على كل مسلم بقدر ما آتاه الله؛ ولهذا قال الله مخاطبًا نبيه: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: ١٥]، فيجب على كل مؤمن أن يستصحب هذه المرتبة وهي الدعوة، لا يقولن قائل: الدعوة من خصائص هيئة كبار العلماء، أو من خصائص حملة الشهادات الكبرى! أو نحو ذلك؛ فالدعوة إلى الله واجب كل مؤمن فيما أعلمَه الله تعالى إياه وأوقفه عليه. ولا بد أن يتأدب الداعية بالآداب القرآنية؛ بالحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت: ٤٦]، وفضل الدعوة عظيم فإنه قد قال ﷺ لعلي يوم خيبر: (لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ) (١). وقال: (مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا) (٢)، وكذلك من دعا إلى ضلالة؛ فلهذا نجد أن الله تعالى يسمي هؤلاء أئمة، وهؤلاء أئمة، فأهل الإيمان: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُون﴾ [السجدة: ٢٤]، وأهل الضلالة: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص: ٤١]. قوله: (الرابعةُ: الصبرُ علَى الأَذى فيهِ): من علم وعمل ودعا،

стр. 29

فلا بد أن يُبتلى؛ فلذلك عليه أن يوطن نفسه على الصبر، قال لقمان ﵀ في مواعظه لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُور﴾ [لقمان: ١٧]، فمن أمر ونهى ودعا، فليتوقع حصول الأذى القولي، والأذى المعنوي، فينبغي أن يوطن نفسه على الصبر فيما يدعو إليه، ولا يظن أنه إذا دعا إلى الله سيستقبل بالورود والرياحين، وتُفسح له المجالس، بل سيلحقه من الأذى والابتلاء بقدر إيمانه، فعن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال: قلت: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً؟ قَالَ: (الْأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الصَّالِحُونَ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ، فَالْأَمْثَلُ مِنَ النَّاسِ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صَلابَةٌ زِيدَ فِي بَلائِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ خُفِّفَ عَنْهُ، وَمَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَيْسَ عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ) (١). والصبر لغة: الحبس والمنع. والمراد به: حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي والسخط، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب، والدعاء بدعوى الجاهلية. ومنزلته في الدين عظيمة فهو كمنزلة الرأس من الجسد، وهو أنواع: فمنه الصبر على طاعة الله. ومنه الصبرعن معصية الله.

стр. 30

ومنه الصبر على أقدار الله المؤلمة. ثم إنّ الشيخ ﵀ بعد أن قرر المراتب الأربع، أتبع ذلك بالدليل فقال:

стр. 31

• قال المؤلف-﵀: (والدليلُ قولُه تعالَى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالْعَصْر إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ [العصر: ١ - ٣)]). قالَ الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالَى-: لوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هذه السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ). قوله: (﴿وَالْعَصْر﴾): أقسم الله في مستهلها بالعصر وهو الدهر والزمان، وجواب القسم قوله: (﴿إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْر﴾). والإنسان ها هنا جنس الإنسان بدليل الاستثناء بعد ذلك، فهو في خسار وبوار إلا من استثنى الله تعالى: في قوله: (﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾)؛ أي: صدقوا بقلوبهم، وعملوا بجوارحهم، ونطقوا بألسنتهم، فلا بد أن يكون عملًا صالحًا والعمل الصالح هو ما وافق السنة، وما سواه فإنه لا يكون صالحًا. وهاتان الجملتان ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، جمعتا بين الإخلاص والمتابعة، فالإيمان يدل على إخلاص العبادة لله تعالى، والعمل الصالح يدل على المتابعة. قوله: (﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾)؛ أي: أوصى بعضهم بعضًا، فهي مفاعلة ﴿بِالْحَقِّ﴾؛ أي: بالالتزام به والتمسك به، وما أحوج أهل الإيمان إلى التواصي بالحق؛ فإن المؤمن إذا رأى أن أخاه يشدّ أزره، قوي؛ ولهذا قال موسى ﵇: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ

стр. 32

أَزْرِي وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا﴾ [طه: ٢٩، ٣٥]، وفي هذا لفتة لطلبة العلم أن يتعاونوا فيما بينهم، ويتواصوْ بالحق، وتدارس العلم فيما بينهم. قوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾؛ أي: يصبر بعضهم بعضًا على ما يلقون في ذات الله، فمن تأمل في هذه السورة العظيمة وجد أنها دلت على المراتب الأربع السابقة. قوله: (قالَ الشافعيُّ رحمَهُ اللهُ تعالَى): الشافعي ﵀: هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، ولد في غزة - فك الله أسررها ونصر أهلها-، سنة ١٥٠ هـ وكانت وفاته سنة ٢٠٤ هـ، وعلى قصر عمره ﵀ فهو إمام متبوع من أئمة المسلمين. قوله: (لوْ مَا أَنْزَلَ اللهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلاَّ هذه السُّورَةَ لَكَفَتْهُمْ): ليس مراده ﵀ أن هذه السورة تغني عن بقية القرآن والسنة؛ بل المقصود بالحجة يعني حجة العبودية والاتباع. وأما تفاصيل الدين ومعرفة مفردات الشريعة فلا شك أن السورة لم تتضمنها، ولكن هذه السورة أصل عظيم في التوحيد والاتباع، والتواصي بالحق والصبر.

стр. 33

• قال المؤلف ﵀: (وقال البخاريُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: بابٌ العلمُ قبلَ القولِ والعملِ. والدليلُ قولُه تعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأَ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ). قوله: (وقال البخاريُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-): هو أمير المؤمنين في الحديث، وهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، كانت ولادته في بخارى - وإليها ينسب- سنة ١٩٤ هـ، ووفاته سنة ٢٥٦ هـ، وهو والشافعي من أئمة الدين، الأول في الفقه، والثاني في الحديث. قوله: (بابٌ العلمُ قبلَ القولِ والعملِ): قيل إن فقه الإمام البخاري في تراجمه، فلم يكن يخلط كلامه بكلام رسول الله ق، بل يكتفي بتراجم يبوب فيها أبوابًا تدل على عميق فقهه ﵀، فمن ذلك قوله هنا: "بابٌ: العلمُ قبلَ القولِ والعملِ". قوله: (والدليلُ قولُه تعالَى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأَ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ): وهذا ملحظ لطيف، واستنباط دقيق، فأمره بالعلم قبل الاستغفار، مما يدل على البداءة بالعلم قبل القول والعمل.

стр. 34

• قال المؤلف ﵀: (اِعْلَمْ -رَحِمَكَ اَلْلَّهُ- أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ، تَعَلُّمُ ثلاثِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ، وَالْعَمَلُ بِهِنَّ: الأولى: أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا ولم يتركْنا هملًا؛ بل أرسلَ إلينا رسولًا فمنْ أطاعَهُ دخلَ الجنَّةَ ومنْ عصاهُ دخلَ النّارَ. والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]. الثانية: أنَّ اللهَ لا يرضى أن يُشْرك معهُ أحدٌ في عبادتِه لا مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرْسَل، والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]. الثالثة: أنَّ مَنْ أطاعَ الرسولَ ووحَّدَ اللهَ لا يجوزُ لهُ مُوالاةُ مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَهُ ولو كان أقْرَبَ قريبٍ. والدليلُ قوله تَعَالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: ٢٢]). قوله: (اعلمْ رحِمَكَ اللهُ أنَّهُ يجبُ على كلِّ مسلم ومسلمة تَعَلُّمُ هذه الثلاث مسائل والعملُ بهنَّ): جزم الشيخ جزمًا أكيدًا بوجوب تعلم

стр. 35

هذه المسائل والعمل بهن، وهذا الجزم ناتج عن قوة اليقين ورسوخ العلم. قوله: الأولى: (أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا: وهذا أمر دلت عليه أنواع الأدلة): فأما الأدلة السمعية فكثيرة جدًا: قال الله تعالى: ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]. وقال : ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: ٢]، وقال : ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِين﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]، وقال : ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون﴾ [الصافات: ٩٦]. وأما الدليل العقلي فقوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥] ففي هاتين الجملتين إبطالٌ لنظرية الصدفة ولنظرية الطبيعة؛ ذلك أن من الملاحدة يزعمون أن هذا الكون وجد صدفة، ومنهم من يقول أوجدته الطبيعة، وهذا إنكار للأدلة الضرورية التي جاءت بها الرسل، الدالة على أن الله تعالى خلق آدم وخلق منه زوجه، وبث منهما رجالًا كثيرا ونساء. ويرد على القائلين بالصدفة أن الصدفة عمياء بكماء صماء لا يمكن أن يحال عليها. ويرد على القائلين بالطبيعة أن الشيء لا يُنشئ نفسه فقول الله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون﴾ [الطور: ٣٥]، ينسف هذه النظريات الإلحادية، ومنها نظرية النشوء والترقي التي تنسب إلى داروين، وهي أن الإنسان كان قردًا وتطور حتى وصل إلى هذا الحال! فهذه دعاوى باطلة معارضة لما أخبر الله به في كتابه، وجاءت به جميع رسله، من أن الله خلق آدم من قبضة طين ونفخة من روحه فكان الخلق.

стр. 36

وليس مراد الشيخ ﵀ بقوله: أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا، إثبات الخلق والرَّزق، فإن هذا أمر تدركه الفطر، وإنما مراده ما بعده. قوله: (ولم يتركْنا هملًا؛ بل أرسلَ إلينا رسولًا): أي: أن مقتضى حكمته سبحانه وبحمده أن لا يخلقنا ويرزقنا ثم يدعنا، هملاً، بل خلقنا لحكمة، كما قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا يمكن أن يكون الله بث هذه البشرية في الأرض لأجل أن تأكل وتشرب، وتنكح وتنام وتستيقظ، وتموت ثم ينتهي الأمر، هذا لا يتفق مع حكمته؛ فلهذا قال: بل أرسلَ إلينا رسولًا: (رسولًا) هنا يمكن أن يكون اسم جنس، فإنه قد أرسل إلى كل أمة رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلَا فِيهَا نَذِير﴾ [فاطر: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ [النحل: ٣٦]، ويمكن أن يكون الرسول في حقنا هو خاتمهم وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه. قوله: (فمنْ أطاعَهُ دخلَ الجنَّةَ ومنْ عصاهُ دخلَ النّارَ: والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ? فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]): هذا المنطوق وأما المفهوم؛ فمن أطاعه فإن الله تعالى يكرمه ويثيبه ويأجره ويدخله الجنة، كما جاء صريحًا في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (١).

стр. 37

قوله: الثانية: (أنَّ اللهَ لا يرضى أن يُشْرك معهُ أحدٌ في عبادتِه لا مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرْسَل، والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]). المساجد هي مواضع السجود، أو فعله، فالسجود لا يكون إلا لله ، ولا يجوز صرف عبادة لغير الله وقد جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (١)، فهذه قواعد عظام، ومباني كبار لا بد أن تستقر في نفس المؤمن. قوله: الثالثة: (أنَّ مَنْ أطاعَ الرسولَ ووحَّدَ اللهَ لا يجوزُ لهُ مُوالاةُ مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَهُ ولو كان أقْرَبَ قريبٍ. والدليلُ قوله تَعَالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: ٢٢]). هذا هو مشروع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهو الولاء والبراء؛ فإنه أراد أن يحمل الناس على توحيد رب العالمين والبراءة من الشرك والمشركين، فأعلمهم أن ثمرة الأمرين الأوليين هو أن يواليَ في الله ويعادي في الله؛ لأن من استقر في قلبه توحيد رب العالمين واتباع سيد المرسلين فلا بد أن يثمر في قلبه محبة المؤمنين ومعاداة الكافرين ثم استدل بقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ

стр. 38

الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. لا يمكن أن يوجد ذلك! بشهادة رب العالمين، لا يمكن أن يوجد قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويجتمع مع إيمانهم ذلك مواده لمن حاد الله ورسوله، ومعنى ﴿حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: وقف في حد يقابل حد الله ورسوله، فهو مناوئ لله ورسوله، فلا يمكن أن يجتمع في قوم إيمان بالله واليوم الآخر ومودة للمحادين لله ورسوله أبدًا؛ فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله. ويدل عليه قوله: (ولو كان أقْرَبَ قريبٍ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾)، فإذا تزاحم في القلب موالاة الله رسوله، مع موالاة أعداء الله ورسوله، فإن الأمر محسوم، فالمؤمن الحق يقدم محبة الله ورسوله كما قال تعالى في آية براءة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ [التوبة: ٢٤]، إذن لا يجتمعان. ومن أعجب ما جاء عندما خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ - في الفترة التي كان فيها مشركا - (حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي؟ قَالَ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ أَصَابَك يَا بُنَيّةُ بَعْدِي شَرّ) (١).

стр. 39

تقول هذا لأبيها؛ لتبين له أن حقيقة الإيمان يعيد ترتيب الأولويات، وأن الإيمان يقدم ويؤخر. ومن شواهد ما جرى لأصحاب نبينا ﷺ ما وقع لمصعب بن عمير ﵁ فإن إِثر يوم بدر أُسر أخوه أبو عزيز بن عمير فأسره أحد الأنصار فمر مصعب وقد أوثقه الأنصاري، فلما رأى أخاه استبشر فمر مصعب، فقال للأنصاري أوثق عليه يدك فإن أمه ذات مال! فقال مذكرًا إياه ظن لم يعرفه: أنا أخوك، قال: إنه أخي دونك (١). فهذا يدلنا على عظم هذه الخصلة وهي الموالاة، الحب في الله، والبغض في الله، وهي أوثق عرى الإيمان؛ فلهذا أثنى الله على أهلها، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، جعلنا الله وإياكم منهم.

стр. 40

• قال المؤلف ﵀: (اعلَمْ -أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه- أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ وحدَهُ مخلصًا له الدِّين، وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى ﴿يَعْبُدُونِ﴾ يوحِّدونِ، وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التوحيدَ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]). كرر الشيخ صيغة الأمر (اعلم): ليؤخذ الأمر مأخذ الجد والاحتفاء. ثم دعا لسامعه بقوله: (أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه): والرشد: ضد الغي والسفه، وهو: الاستقامة والصواب. والمقصود بالطاعة: الموافقة؛ موافقة الأمر فيما يجب؛ بامتثاله، وفيما يكره؛ باجتنابه. الحنيفية قوله: (أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ): جملة"مكونة من (أنَّ)، واسمها وخبرها، (الحنيفية)، هي اسم أنْ، (ومِلَّةَ إبراهيمَ)، ليست خبرها، وإنما هي بدل من الحنيفية (أنْ تعبدَ اللهَ)، الجملة المؤولة من أنْ وما دخلت عليه هي خبر أنْ. والحنيفية مأخوذة من الحنف وهو: الميل، فالمقصود بالحنيفية:
следующие страницы →