وليس مراد الشيخ ﵀ بقوله: أنَّ اللهَ خَلَقنا ورَزَقَنا، إثبات الخلق والرَّزق، فإن هذا أمر تدركه الفطر، وإنما مراده ما بعده.
قوله: (ولم يتركْنا هملًا؛ بل أرسلَ إلينا رسولًا): أي: أن مقتضى حكمته سبحانه وبحمده أن لا يخلقنا ويرزقنا ثم يدعنا، هملاً، بل خلقنا لحكمة، كما قال : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُون﴾ [المؤمنون: ١١٥]، وقال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون﴾ [الذاريات: ٥٦]، فلا يمكن أن يكون الله بث هذه البشرية في الأرض لأجل أن تأكل وتشرب، وتنكح وتنام وتستيقظ، وتموت ثم ينتهي الأمر، هذا لا يتفق مع حكمته؛ فلهذا قال: بل أرسلَ إلينا رسولًا: (رسولًا) هنا يمكن أن يكون اسم جنس، فإنه قد أرسل إلى كل أمة رسولًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خلَا فِيهَا نَذِير﴾ [فاطر: ٢٤]، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً﴾ [النحل: ٣٦]، ويمكن أن يكون الرسول في حقنا هو خاتمهم وأفضلهم صلوات الله وسلامه عليه.
قوله: (فمنْ أطاعَهُ دخلَ الجنَّةَ ومنْ عصاهُ دخلَ النّارَ: والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ? فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلاً﴾ [المزمل: ١٥، ١٦]): هذا المنطوق وأما المفهوم؛ فمن أطاعه فإن الله تعالى يكرمه ويثيبه ويأجره ويدخله الجنة، كما جاء صريحًا في البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: (كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟ قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى) (١).
стр. 37
قوله: الثانية: (أنَّ اللهَ لا يرضى أن يُشْرك معهُ أحدٌ في عبادتِه لا مَلَكٌ مُقَرَّب ولا نبيٌّ مُرْسَل، والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]).
المساجد هي مواضع السجود، أو فعله، فالسجود لا يكون إلا لله ، ولا يجوز صرف عبادة لغير الله وقد جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (قَالَ اللهُ ﵎: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (١)، فهذه قواعد عظام، ومباني كبار لا بد أن تستقر في نفس المؤمن.
قوله: الثالثة: (أنَّ مَنْ أطاعَ الرسولَ ووحَّدَ اللهَ لا يجوزُ لهُ مُوالاةُ مَنْ حادَّ اللهَ ورسولَهُ ولو كان أقْرَبَ قريبٍ. والدليلُ قوله تَعَالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [المجادلة: ٢٢]).
هذا هو مشروع شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ وهو الولاء والبراء؛ فإنه أراد أن يحمل الناس على توحيد رب العالمين والبراءة من الشرك والمشركين، فأعلمهم أن ثمرة الأمرين الأوليين هو أن يواليَ في الله ويعادي في الله؛ لأن من استقر في قلبه توحيد رب العالمين واتباع سيد المرسلين فلا بد أن يثمر في قلبه محبة المؤمنين ومعاداة الكافرين ثم استدل بقول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ
стр. 38
الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. لا يمكن أن يوجد ذلك! بشهادة رب العالمين، لا يمكن أن يوجد قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر ويجتمع مع إيمانهم ذلك مواده لمن حاد الله ورسوله، ومعنى ﴿حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾؛ أي: وقف في حد يقابل حد الله ورسوله، فهو مناوئ لله ورسوله، فلا يمكن أن يجتمع في قوم إيمان بالله واليوم الآخر ومودة للمحادين لله ورسوله أبدًا؛ فإن أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
ويدل عليه قوله: (ولو كان أقْرَبَ قريبٍ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾)، فإذا تزاحم في القلب موالاة الله رسوله، مع موالاة أعداء الله ورسوله، فإن الأمر محسوم، فالمؤمن الحق يقدم محبة الله ورسوله كما قال تعالى في آية براءة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِين﴾ [التوبة: ٢٤]، إذن لا يجتمعان.
ومن أعجب ما جاء عندما خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ - في الفترة التي كان فيها مشركا - (حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ طَوَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي؟ قَالَ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَنْتَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ نَجِسٌ وَلَمْ أُحِبّ أَنْ تَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ وَاَللهِ لَقَدْ أَصَابَك يَا بُنَيّةُ بَعْدِي شَرّ) (١).
стр. 39
تقول هذا لأبيها؛ لتبين له أن حقيقة الإيمان يعيد ترتيب الأولويات، وأن الإيمان يقدم ويؤخر.
ومن شواهد ما جرى لأصحاب نبينا ﷺ ما وقع لمصعب بن عمير ﵁ فإن إِثر يوم بدر أُسر أخوه أبو عزيز بن عمير فأسره أحد الأنصار فمر مصعب وقد أوثقه الأنصاري، فلما رأى أخاه استبشر فمر مصعب، فقال للأنصاري أوثق عليه يدك فإن أمه ذات مال! فقال مذكرًا إياه ظن لم يعرفه: أنا أخوك، قال: إنه أخي دونك (١).
فهذا يدلنا على عظم هذه الخصلة وهي الموالاة، الحب في الله، والبغض في الله، وهي أوثق عرى الإيمان؛ فلهذا أثنى الله على أهلها، فقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، جعلنا الله وإياكم منهم.
стр. 40
• قال المؤلف ﵀:
(اعلَمْ -أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه- أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ وحدَهُ مخلصًا له الدِّين، وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، ومعنى ﴿يَعْبُدُونِ﴾ يوحِّدونِ، وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التوحيدَ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]).
كرر الشيخ صيغة الأمر (اعلم): ليؤخذ الأمر مأخذ الجد والاحتفاء.
ثم دعا لسامعه بقوله: (أرشدَكَ اللهُ لطاعتِه): والرشد: ضد الغي والسفه، وهو: الاستقامة والصواب. والمقصود بالطاعة: الموافقة؛ موافقة الأمر فيما يجب؛ بامتثاله، وفيما يكره؛ باجتنابه.
الحنيفية
قوله: (أنَّ الحنيفيةَ: مِلَّةَ إبراهيمَ، أنْ تعبدَ اللهَ): جملة"مكونة من (أنَّ)، واسمها وخبرها، (الحنيفية)، هي اسم أنْ، (ومِلَّةَ إبراهيمَ)، ليست خبرها، وإنما هي بدل من الحنيفية (أنْ تعبدَ اللهَ)، الجملة المؤولة من أنْ وما دخلت عليه هي خبر أنْ.
والحنيفية مأخوذة من الحنف وهو: الميل، فالمقصود بالحنيفية:
стр. 41
الميل عن طريق الشرك إلى طريق التوحيد، ومنه تسمي العرب الأحنف للرجل الذي في مشيه ميل، فمعنى الحنيف: أي المائل عن طريق الضلال إلى طريق الهدى (١)، وقد وصف الله تعالى إبراهيم ﵇ بهذا الوصف في غير ما موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٣]، فالحنيفية هي: ملة إبراهيم ﵇، وبها بعث محمد ﵊، فقد بُعث ﵊ بالحنيفية السمحة.
والملة المقصود بها: الطريقة والسيرة.
وأما إبراهيم ﵇ فهو أحد أولى العزم من الرسل، وهو أفضل الأنبياء بعد نبينا ﵊، وهو إمام الموحدين في الأولين، وقد اتخذه الله تعالى خليلًا، كما أن الله اتخذ نبينا محمد ﷺ خليلًا، فقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. والخلة هي أعلى المحبة (٢) وما ذاك إلاّ لأن إبراهيم ﵇ قد محض العبادة لله رب العالمين فلم يبقَ في قلبه نزعةٌ وميلٌ إلى سوى الله ، وقد ابتلاه الله بمواقف عظيمة أثبتت كمال توحيده لله تعالى، ومن ذلك ما جرى بينه وبين قومه حينما واجههم جميعًا وحاجّهم تلك المحاجة العظيمة حتى وصل به الأمر أن حطم آلهتهم وجعلهم جذاذًا حتى اجتمعوا عليه وقالوا: ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢]. ثم إنهم وضعوا له
стр. 42
نارًا عظيمة وألقوه فيها وهو لم يحد عن توحيده لله ، فلما هوى وتحته ألسنة النار عرض له جبريل فقال له: يا إبراهيم ألك حاجة؟، قال: أما إليك فلا، وأما إلى الله فبلى (١). وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: (كَانَ آخِرَ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ). (٢) فامرؤ هذا حاله في هذه المواقف العصيبة لا شك أنه قد قام قي قلبه من توحيد رب العالمين ما لا يبلغه وصف.
ومن دلائل توحيده ﵊ أن الله تعالى ابتلاه بحبة قلبه وثمرة فؤاده وهو ابنه الذي أتاه على حين كِبَر فأراه الله تعالى في المنام أنه يذبحه ورؤيا الأنبياء حق ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢] وما كان يستشيره في ذلك بل كان يتلطف في إخباره فما تدري أتعجب من الأب أم تعجب من الابن: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣]؛ أي كما يصنع من يريد أن يذبح الشاة بالشاة ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ [الصافات: ١٠٤، ١٠٥]، هكذا يكون التوحيد بأن يفرغ القلب من كل شبهة تخالف خبر الله ورسوله ومن كل شهوة تخالف أمر الله ورسوله، فهذا هو القلب السليم؛ فلذلك كان إبراهيم ﵇ يدعو ربه بأن يأتيه بقلب سليم فقال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]، قال ابن القيم "وقد اختلفت عبارات الناس فى معنى القلب السليم، والأمر الجامع لذلك: أنه الذى
стр. 43
قد سلم من كل شهوة تخالف أمر الله ونهيه، ومن كل شبهة تعارض خبره" (١).
فصار إبراهيم ﵇ مثلًا وعلمًا على التوحيد؛ ولذلك أمر الله تعالى نبيه باتباعه وأحاله على ملته، وصار كل من أتى بعد إبراهيم ﵇ ينتحله وينتمي إليه، ولكن ذلك لا يكون إلا لمن وافقه حقًا وصدقًا؛ ولذا أنكر ربنا دعوى أهل الكتاب فقال: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠]، وقال أيضًا: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقد رد الله على أهل الكتاب دعوى الإبراهيمية وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥].
فإبراهيم ﵇ هو إمام الموحدين واليهود والنصارى يحاولون الانتماء إلى إبراهيم ﵇، وإبراهيم ﵇ منهم براء، بسبب ما أحدثوه من كفر وشرك وبسبب رغبتهم عن ملته قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠].
قال قتادة-رحمه الله تعالى- وغيره: رَغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، وَتَرَكُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ؛ يَعْنِي: الْإِسْلَامَ حَنِيفًا، كَذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ (٢). فالموافقين لملة إبراهيم ﵇ هم المسلمون، وأما اليهود
стр. 44
والنصارى فقد حادوا عن ملة إبراهيم بسبب إفسادهم في دينهم وإدخالهم البدع العقدية على ملتهم.
فالحنيفية ملة إبراهيم كما عرفها المؤلف بقوله: (أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدين): بأن تفرد الله بالعبادة وحده، ومعنى الإخلاص: التنقية، مخلصًا له الدين؛ أي: مخلصًا له العبادة.
قوله: (وَبِذَلِكَ أَمَرَ الْلَّهُ جَمِيعَ الْنَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]): فالله تعالى خلق الخلقة لعبادته، وهذا الاستثناء يسمى استثناء مفرغ من أعم الأحوال (١)، مثل قولنا: (لا إله إلا الله)؛ لأنه لا يحصل التوحيد التام إلا بالنفي والإثبات، فقوله ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ﴾ هذا نفي، ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ هذا إثبات، وقد فسر ابن عباس ﵄ يعبدون؛ أي: يوحدون (٢)؛ لأنها لا تكون عبادة حقًا إلا بتوحيد. فمن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن لم يعبد الله فهو كافر مستكبر، ومن عبد الله فهو الموحد الحنيف.
ما هي العبادة؟.
العبادة لها معنى من حيث اللغة ومعنى من حيث الاصطلاح:
أما العبادة من حيث اللغة فمعناها: التذلل والخضوع، تقول العرب: بعير معبد أي مذلل، ويسميه الناس الذلول لكونه مذلل للركوب، وتقول العرب أيضًا: طريق معبد؛ أي: مهيأ للسير عليه (٣).
стр. 45
وأما في الاصطلاح: فلها معنى من حيث حقيقتها ومن حيث مفرداتها:
أما حقيقة العبادة: فهي كمال المحبة مع كمال الخضوع (١)؛ أي: أن يكون العبد في قلبه محبة تامة وخضوع تام، فمن قام في قلبه هذان المعنيان، فهو عابد حقًا.
وأما من حيث مفرداتها: فأجمع تعريف لها، ما عرفها به شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بأنها: "اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة" (٢).
هذه هي العبادة التي خلقنا الله لها، فالله تعالى ما خلقنا لكي نعمر الأرض بالأكل والشرب والنكاح والتكاثر والنوم واليقظة والموت ثم ينتهي الأمر ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]، خلق الله الخليقة لعبادته، فهذه هي حقيقة العبادة التي أمر الله بها جميع أنبيائه، فلا يظن ظان أن هذا هو فقط دين محمد ﵊ أودين إبراهيم ﵇ فحسب؛ كلا؛ ولذلك
قوله: (وبذلك أَمَرَ اللهُ جميعَ الناس وخلَقهم لها: قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣])، هذا هو مضمون رسالات الأنبياء جميعًا، وهي عبادة الله وحده دون ما سواه، ومما يدل على هذه الجمعية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، أهل الإيمان يقرؤون
стр. 46
التاريخ قراءة إيمانية، فيرتبون التاريخ من لدن آدم ﵇ مرورًا بنوح ﵇ عبر أنبياء الله كما يصنع ابن جرير وابن كثير وغيرهما، وأما الماديون والغربيون ومن سار على شاكلتهم فإنهم يقرؤون التاريخ قراءة سطحية فيقولون: التاريخ القديم، والتاريخ الوسيط، والتاريخ المعاصر، ويَصُفُّون الرسالات النبوية مصافَّ الدول والأمم والمماليك المتعاقبة، وكأنما هي مظهر من مظاهر التاريخ، بينما نحن أهل الإسلام نرى أن التاريخ هو هذه السلسة من هذه الحلقات المتصلة من أنبياء الله فنرى أن صلاح البشرية حينما تقترب من خط النبوة، وأن انحراف البشرية حينما تفترق عن خط النبوة، والمقصود أن العبادة تتناول جميع أمور الحياة، وليست العبادة هي ما تحيط به الجدران الأربعة وما يغطيه السقف في المساجد فقط! كلا، الحياة كلها مضمار للعبادة، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]، فما من صغيرة ولا كبيرة ولا شاذة ولا فاذة إلا وتندرج ضمن العبادة، لمن أصلح الله قلبه وأنار بصيرته، فالمؤمن اللبيب هو الذي يحول عاداته إلى عبادات، والغافل هو الذي يقلب عباداته إلى عادات، بحيث تكون جري العادة وتقليدًا وميراثًا.
والعبادة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: عبادة كونية: وهي مادلَّ عليها المعنى اللغوي.
القسم الثاني: عبادة شرعية: وهي مادلَّ عليها المعنى الشرعي.
فالعبادة الكونية تشمل جميع المخلوقات لا يخرج عنها أحد قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٩٣، ٩٤]، فكل من يدب على وجه الأرض فهو عبد لله شاء أم أبى؛ لأنه خاضع لنواميس الكون لا يخرج عن
стр. 47
قدر الله، لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، فجميع المخلوقات بهذا الاعتبار داخلة في العبودية الكونية العامة.
وأما العبودية الشرعية الخاصة، فهي عبودية المؤمنين التي تعني الموافقة والطاعة والمتابعة لدين الله .
ويمكن أن نضيف قسمًا وهو عبودية خاصة الخاصة: وهي التي يختص بها أنبياء الله؛ لأنهم أكمل الناس عبادة.
قوله: (وأعظمُ ما أَمرَ اللهُ به التوحيدَ وهو: إفرادُ اللهِ بالعبادة وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]).
تعريف التوحيد وأقسامه
التوحيد أعظم ما أمر الله به، وله ما بعده، وبدونه لا قيمة لشيء.
التوحيد في اللغة: جعل الشيء واحدًا، والمراد به هنا: اعتقاد الله واحدًا؛ ولذلك كان التوحيد بالمعنى الاصطلاحي: إفراد الله بالربوبية وبالعبادة وبالأسماء والصفات.
والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: توحيد الربوبية: وهو الاعتقاد الجازم بأن الله هو الخالق لا خالق سواه، وهو المالك لا مالك سواه، وهو المدبر لا مدبر سواه. وبعبارة أخرى: إفراد الله بالخلق والملك والتدبير؛ لأن هذه الثلاثة عليها مدار الربوبية وبقية صفات الربوبية ترجع إلى هذه الثلاثة. وتوحيد الربوبية قد فطر عليه جميع الخلائق؛ الإنس والجن الطير والبهائم.
ولم يكن مخالفو الرسل ينازعون في توحيد الربوبية، بل كانوا
стр. 48
يقرون جميعًا بأن الله تعالى هو الخالق والمالك والمدبر، ولا يعرف أحد من البشر أنكر توحيد الربوبية إلا أفراد قلائل شواذ، ومن أشهر من عُرف بتظاهره بإنكار الربوبية فرعون حينما قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]؟!! لكنه قال ذلك بلسانه تكبرًا وتجبرًا، فقد أخبر الله عنه وعن قومه بأنهم: ﴿وجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال له موسى ﵇: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢]، ولم يكن مشركو العرب الذين بُعث فيهم النبي ﷺ ينكرون توحيد الربوبية، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، وكانوا يذكرون اسم الله في أمور كثيرة لكنهم يفسدون ذلك بالشرك.
القسم الثاني: توحيد الإلوهية: ويسمى أيضًا توحيد العبادة، والمقصود به: إفراد الله بالعبادة، بمعنى ألاَّ يُصرف شيء من أنواع العبادة لغير الله ، سواء كانت تلك العبادة عبادة قلبية: كالخوف، والرجاء، والمحبة، والتوكل، أو كانت عبادة لسانية: كالدعاء، والذكر، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أو كانت عبادة مالية: كالصدقة والزكاة، أو كانت عبادة بدنية: كالصلاة، والحج، والجهاد في سبيل الله، وإماطة الأذى عن الطريق.
وهذا هو ما بعث الله به أنبياءه جميعًا؛ فإن مهمة الأنبياء تعبيد الناس لرب العالمين ونفي الشركاء عن الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ
стр. 49
وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]؛ فلا بد من الجمع بين الأمرين: عبادة الله، واجتناب الطاغوت معًا حتى يتحقق التوحيد.
ومعنى كلمة التوحيد (لا إله إلا الله)؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، ففيها نفي كل معبود سوى الله، وإفراد الألوهية وحصرها في الله ، وهذا النوع من التوحيد هو معترك الصراع وحلبة النزاع بين الأنبياء وأقوامهم، فقد كان الأنبياء يبادئون أقوامهم بجملة واحدة: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، قالها نوح، وهود، وصالح، وشعيب، عليهم الصلاة والسلام، كما ذكر الله ذلك في سورة الأعراف والشعراء إلى أن انتهت النوبة إلى محمد ﷺ فقالها صريحة مدوية: قولوا لا إله إلا الله، فهذه القضية، وهي توحيد الألوهية أو توحيد العبادة، وهي مفترق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات وهو: أن يعتقد العبد أن الله له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، لا يشاركه ولا يماثله أحد في أسمائه وصفاته. وقد جرى الخُلفُ في هذا القسم بين أهل القبلة-؛ أي: المنتسبين إلى الإسلام- فقد نازع في هذه القضية -على درجات متفاوتة- المخالفون من أهل التعطيل ومن أهل التمثيل، وهدى الله أهل الإيمان والسنة إلى ما اختلف فيه من الحق بإذنه؛ فصاروا يثبتون ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه من غير تعطيل، ولا تحريف، ومن غير تمثيل ولا تكييف، وينفون عن الله تعالى ما نفاه عن نفسه في كتابه أو ما نفاه عنه نبيه ﷺ .
وتختلف تقسيمات العلماء للتوحيد:
فمن العلماء من يقسم التوحيد إلى هذه الأقسام الثلاثة السابقة.
стр. 50
ومنهم من يقسمه تقسيمًا آخر، لا يعارض التقسيم الثلاثي، فيقول التوحيد نوعان (١):
النوع الأول: توحيد المعرفة والإثبات: ويشمل توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
النوع الثاني: توحيد القصد والطلب: وهو توحيد الألوهية أو توحيد العبادة.
ولا تعارض بين التقسيم الثنائي والتقسيم الثلاثي، وزيادة في الإيضاح فتوحيد "المعرفة والإثبات" يسمي أيضًا التوحيد العلمي، والتوحيد الخبري، والتوحيد النظري وكلها أسماء لمسمي واحد، أما توحيد "القصد والطلب"، فإنه يسمي التوحيد العملي، وتوحيد العبادة، وتوحيد الألوهية وكلها أسماء لمسمي واحد، فالنوع الأول: دلت عليه سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، والنوع الثاني: دلت عليه سورة الكافرون ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾؛ ولأجل ذا كان نبينا ﷺ يحتفي بهاتين السورتين وتشرع قراءتهما في صلوات عدة كركعتي الطواف، وركعتي الفجر، وفي الوتر، وكذلك في أوراد الصباح والمساء وأذكار النوم، وما ذلك إلا لعظيم فضل هاتين السورتين، وتضمنهما للتوحيد بجميع أنواعه.
تعريف الشرك وأنواعه
قوله: (وأعظمُ ما نهى عنه الشركُ؛ وهو دعوةُ غيرهِ معهُ).
قد
стр. 51
جعله ﷺ أعظم الظلم كما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ : " أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (١). قال تعالى ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولَمَّا نَزَلَتْ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ» (٢) فالظلم المحذور هو: الشرك بالله، قال تعالى مبينًا شؤم عاقبته: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: ٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨]، وفي آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦].
فإن الله لا يقبل من مشرك عملًا، والشرك يهدر الإنسانية، ويهدم العبودية، ويحبط العمل، ويبيح الدم والمال؛ قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، ففي الدنيا لا يقبل من مشرك عملًا، قال تعالى في الحديث القدسي: (أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلاً أَشْرَكَ فِيهِ مَعِى غَيْرِى تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ) (٣).
стр. 52
وأما في الآخرة فإن الله يحبط جميع الأعمال، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
فيجب أن يكون عمدة دعوتنا: الدعوة إلي التوحيد، والتحذير من الشرك، فقبل أن نحذرهم من الشهوات والمعاصي نحذرهم من الشرك بالله؛ لأنه إذا صلحت قلوبهم تخلصوا من تبعات ذلك من المنكرات والمعاصي.
والظلم: هو النقص، وقد قال جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَقِيَهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ) (١)، فمن وحد الله توحيدًا تامًا، دخل الجنة تلقائيًا، ومن وقع في توحيده شيئًا من الكبائر فهو تحت المشيئة والإرادة إن شاء الله عفا عنه ثم أدخله الجنة، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، لكن مآله إلى الجنة؛ لأن عنده أصل التوحيد.
وأما من أشرك بالله فلا ينفعه أي عمل صالح، حتى لو قام بأعمال خيرية في الدنيا فقد تنفعه في الدنيا بتوسعة في الرزق والصحة في البدن لكنها تحبط في الآخرة.
والشرك نوعان:
النوع الأول: شرك أكبر.
النوع الثاني: شرك أصغر.
فالشرك الأكبر: مساواة غير الله بالله فيما يختص به الله في الربوبية
стр. 53
أو في الألوهية أو في الأسماء والصفات. فقد يقع الشرك في الربوبية بأن يعتقد خالقًا مع الله، أو مالكًا مع الله، أو رازقًا مع الله، أو مدبرًا مع الله. والشرك في الألوهية: هو أن يعبد مع الله غير الله. والشرك في الأسماء والصفات: أن يعتقد أحدًا يتصف بصفات مماثلة لصفات الله. وفرعون قد وقع في الشرك بجميع أنواعه والكفر بجميع أنواعه فقال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي﴾ [الشعراء: ٢٩].
وأما الشرك الأصغر: فيتعلق ببعض الألفاظ والأعمال التي لا تبلغ مبلغ الشرك الأكبر فلذلك يعرفه بعض العلماء بأنه: ما لم يبلغ حد الشرك الأكبر.
الشرك الأكبر يفترق عن الشرك الأصغر في عدة أمور:
الفرق الأول: الشرك الأكبر مخرج عن الملة، والشرك الأصغر لا يخرج عن الملة.
الفرق الثاني: الشرك الأكبر لا يغفره الله تعالى أبدًا، والشرك الأصغر مختلف فيه، فمن العلماء من يقول: يغفر كالكبائر، ومنهم من يقول: لا يغفر ولكن يدخل في الموازنة بين الحسنات والسيئات (١).
الفرق الثالث: الشرك الأكبر صاحبه خالد مخلد في النار مع فرعون وقارون وهامان، والشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، ومآله إلى الجنة إذا عذب بمقدار ما معه من شرك أصغر.
стр. 54
ومن صور الشرك الأصغر:
ما يتعلق ببعض الألفاظ: كالحلف بغير الله، أو قول: ما شاء الله و شئت، أو مطرنا بنوء كذا وكذا.
ما يتعلق ببعض الأعمال: كمن اعتقد شيئًا سببًا، وليس بسبب؛ كالذي يربط الحلقة والخيط، أو يستعمل التمائم والرقى.
قوله: والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْركُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦]:
стр. 55
•قال المؤلف ﵀:
(فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثلاثةُ التي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها؟ فقُلْ: معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمدًا ﷺ .
فإذا قيلَ لكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فقلْ: ربيَّ اللهُ الذي ربّاني ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ، وهو معبودي ليس لي معبودٌ سواهُ، والدليلُ قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]، وكلُّ ما سِوَى اللهِ عالَمٌ وأنا واحدٌ من ذلكَ العالَمِ.
فإذَا قيلَ لكَ: بِمَ عرفْتَ ربَّك؟ فقُل: بآياتِه ومخلوقاتِه؛ ومِنْ آياتِه الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ، ومِنْ مخلوقاتِه السماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبع ومَنْ فيهنَّ وما بينهما، والدليلُ قولُه تَعَالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]، وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]).
الأصول الثلاثة
قيل إن هذا هو مبدأ الأصول الثلاثة، وما تقدم مضاف إليها،
стр. 56
وأيًّا كان فالكلام يماثل بعضه بعضًا. وقد سلك الشيخ مسلك السؤال والجواب، وطريقة السؤال والجواب تنشط ذهن السامع وتذهب عنه البلادة.
قوله: (فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثلاثةُ التي يجبُ على الإنسانِ معرفتُها؟). والأصول: جمع أصل، وهو ما يبني عليه غيره، ويقابله الفرع.
فينبغي لطالب العلم أن يضبط الأصول والقواعد، ثم بعد ذلك يشتغل بالفروع والمفردات، وإياك يا طالب العلم أن تعكس، فإن مِنْ طلبة العلم مَنْ يشتغل بجمع والتقاط المسائل المنثورات قبل أن يضبط الأصول والقواعد.
وهذه الأصول لم يؤصلها الشيخ من تلقاء نفسه، وإنما اقتبسها من حديث نبوي صحيح، وهو حديث سؤال الميت فعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، فَيُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ ﷺ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] (١)؛ ولهذا عدَّ الشيخ هذه الأسئلة التي يسأل عنها الميت أصولًا.
وليس مراده أن يعرف الإنسان صيغة السؤال والجواب؛ ولكن أن تستقر في قلبه.
قوله: (فقُلْ: معرِفةُ العبدِ رَبَّهُ، ودينَهُ، ونبيَّهُ محمدًا ﷺ : فيجب
стр. 57
علينا أن نعرف ربنا بمقتضى أسمائه وصفاته؛ فأعظم طرق معرفة الله طريق السمع، وهو ما أثبته الله في كتابه وما أثبته النبي ﷺ في سنته، من صفات الكمال، ونعوت الجلال.
الطريق الثاني لمعرفة الرب: عن طريق مخلوقاته وما بث في الكون كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١] ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١٠٩]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو إلى إنعام الفكر والنظر والتدبر؛ فإن من سرِّح طرفهُ في هذا الكون وجدَ من الدلائل العظيمة ما يعمر قلبه بالإيمان ويزكيه ويطيبه.
الطريق الثالث لمعرفة الرب : النظر في آياته الشرعية؛ أي: تدبر كتاب الله ، يلقيه الله في قلب العبد من الفتوحات الإيمانية؛ فإن الله تعالى قد وكل بكل إنسان ملكًا، ووكل به قرينًا من الجن، فالملك يفتح له من الفتوحات الإيمانية، كما أن قرينه الجني يفتح عليه باب الشك والريبة والحزن.
الأصل الثاني: معرفة الدين: وهو دين الإسلام، لا دين سواه، فليس لله دينٌ إلا دين الإسلام، ليس لله دينٌ يسمى النصرانية ولا اليهودية، ذلك أن النصرانية هي ما آل إليه دين عيسى ﵇ بعد تحريف الرهبان، واليهودية هي ما آل إليه دين موسى ﵇ بعد تحريف الأحبار، أما ما جاء به موسى وعيسى ﵉ فهو الإسلام ولكنه الإسلام بالمعنى العام. فدين الله واحد، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، فدين الإسلام الذي بعث به جميع الأنبياء، الذي يعني
стр. 58
بالمعنى العام: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والخلوص له من الشرك.
ثم بالمعنى الخاص: وهو التزام ما جاء به محمد ﷺ ، من العقائد الصحيحة، والشرائع العادلة، والأخلاق القويمة، والآداب العالية؛ ولذلك تجب معرفته - كما قال المؤلف- كما يجب التفقه في الدين؛ فإن النبي ﷺ قال: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) (١).
الأصل الثالث: معرفة النبي ﷺ ؛ لأنه بعث إلينا وإلى جميع الخلق، قال تعالى آمرًا نبيه ﷺ أن يعلن في العالمين: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨]، فهذا إعلان عالمي للناس جميعًا، إنسهم وجنهم، برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، كتابيهم ومشركهم، دعوة إلى الإيمان بمحمد ﷺ واتباعه.
هذه هي الأصول الثلاثة التي يُسئل عنها العبد في قبره.
الأصل الأول
تعريف الرب والمعبود -
قوله: (فإذا قيلَ لكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فقلْ: ربيَّ اللهُ الذي ربّاني ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ): هذا تفريعٌ عن المسألة الأولى، أراد الشيخ أن يعرِّف الرب بأصل المعنى اللغوي الدال على التربية، والتربية من التنشئة شيئًا فشيئًا، رويدًا رويدًا.
стр. 59
قوله: (فقلْ: ربيَّ اللهُ الذي ربّاني): رباني؛ أي: خلقني، وأعدني، وأمدني، ورزقني.
قوله: (ورَبَّى جميعَ العالمينَ بنعمِهِ): العالمين: جمعُ عالم، والعالم: هو كل من سوى الله من الآدميين، والملائكة، والبهائم، والطير، والدواب، والحشرات، وما نرى، وما لا نرى.
قوله: (وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ): ما أحسن هذا القرن والربط!، فهو سبحانه الرب، ولما كان ربًا كان مستحقًا للعبادة؛ إذ كيف يعبد غيره وهو الذي ربانا وربَّى جميع العالمين بنعمه؟!.
قوله: (والدليلُ قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ١]): استدل ﵀ بأول آية في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحمد: هو وصف الله بصفات الكمال ونعوت الجلال. ومن العلماء من يعرِّف الحمد بأنه: الثناء على الله.
والتحقيق أنه إن تكرر الحمد صار ثناءً (١)، والدليل حديث الفاتحة، وفيه: (إِذَا قَالَ الْعَبْدُ (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِى عَبْدِى وَإِذَا قَالَ (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ). قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَىَّ عَبْدِى) (٢).
قوله: وكلُّ ما سِوَى اللهِ عالَمٌ، وأنا واحدٌ من ذلكَ العالَمِ: الشيخ يلقن طالب العلم الجواب الصحيح المطابق للواقع. ثم أردف ذلك بسؤال ثالث.
стр. 60
طرق معرفة الله تعالى
قوله: (فإذَا قيلَ لكَ: بِمَ عرفْتَ ربَّك؟): ذلك لمزيد التحقيق؛ أي: فما الأدوات التي دلتك وساقتك إلى معرفة ربك؟
قوله: (فقُل: بآياتِه ومخلوقاتِه): والمؤلف-﵀ لم يُرد بذلك حصر الطرائق، وإنما أراد أن يُبين أوضحها وأدناها وأسهلها تناولًا.
والآيات: جمع آية، والآية هي العلامة.
وآيات الله تعالى تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: آيات كونية.
القسم الثاني: آيات شرعية.
الآيات الكونية: وهي ما بث الله في هذا الكون، من العلامات الدالة على قدرته، مثل: السماوات، والأرضين، والشمس، والقمر، والجبال، والشجر، والدواب.
الآيات الشرعية: وهي ما أنزل الله بين دفتي المصحف، من هذه الآيات المحكمة، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ ولهذا يمكن أن نقول: ومخلوقاته من باب عطف الخاص على العام؛ لأن المخلوقات في الواقع نوع من الآيات.
قوله: ومِنْ آياتِه الليلُ والنهارُ والشمسُ والقمرُ، ومِنْ مخلوقاتِه السماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبع ومَنْ فيهنَّ وما بينهما: لعل المؤلف ﵀ اختار أن يُمثل للآيات بما يقع فيه نوع تكرار وتجدد؛ ولذلك ذكر الليل والنهار والشمس والقمر؛ لأنها أحوال تتوالى فيحصل فيها الإعلام؛ لكثرة ورودها وتجددها وتعاقبها. ومثل للمخلوقات بأشياء ثوابت.
стр. 61
قوله: (ومِنْ مخلوقاتِه السماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُونَ السَّبع ومَنْ فيهنَّ): وإلا فإن الكل يصدق عليه أنه آيات الله، ويصدق عليه أنه مخلوقات، ولعله ﵀ لحظ في المجموعة الأولى أن فيها معنى التجدد والتعاقب، وفي الثانية معنى الثبات والدوام؛ ثم ساق الدليل.
قوله: (والدليلُ قولُه تَعَالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت: ٣٧]): فمن نظر في هذه الآيات أحدثت في قلبه معرفة بخالقها، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (٨) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦]؛ فينبغي للمؤمن الحصيف أن يستعمل هذه الآيات في إذكاء إيمانه وتقوية يمينه؛ فيستفيد من هذه الآيات الموجودة في الكون لتقوية الإيمان، ولا تمر عليه مرورًا عابرًا، لا، بل ينتفع بها، وقال تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾ [فصلت: ٣٧]، وذلك من الناس من كانوا يعبدون الشمس، ومنهم من كانوا يعبدون القمر، قال تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ [فصلت: ٣٧]؛ لأن السجود علامة العبادة والإخلاص لله تعالى الذي خلقهن، فخالق هذه المخلوقات أحق بالعبادة، كيف يعبد المخلوق ويترك الخالق؟!.
قوله: (وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]).
стр. 62
قوله: (وقولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾): فهذه الأيام الستة كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧].
قوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾؛ أي: من بعد أن فرغ الله من خلق السماوات والأرض علا فوق عرشه علوًا يليق بجلاله وعظمته.
قوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾؛ أي: أن الله يجعل الليل يغشى النهار ويغطيه.
قوله: ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾: في حركه دائمة وتتابع مستمر، (حثيثًا)؛ أي: سريعًا كأنما يطرده.
قوله: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾: لما كان له الخلق فهو الجدير الحقيق بالأمر سواء كان أمرًا كونيًا، أم أمرًا شرعيًا؛ فهل يليق أن يكون الخلق له والأمر لغيره؟! هذا لا يستقيم بل لما كان الخلق له كان الأمر له.
قوله: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾: البركة: معناها النماء والزيادة، ومثل هذا التعبير لا يكون إلا في حق الله (١).
стр. 63
•قال المؤلف ﵀:
(والرَّبُّ هو المعبودُ، والدليلُ قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]، قالَ ابنُ كثيرٍ رحِمَهُ اللهُ تعالى: الخالقُ لهذه الأشياءِ هو المستحقُّ للعبادةِ (.
قوله: (والرَّبُّ هو المعبودُ): لم يرد المؤلف ﵀ أن يعرف الرب بأنه المعبود، وإنما مراده: والرب هو المستحق للعبادة؛ أي: لما كان ربًّا خالقًا مالكًا مدبرًا، كان هو المستحق للعبادة؛ فإن المعبود هو معنى (المألوه). والدليل على ذلك أول أمر ورد في كتاب الله، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾: هذا دليل على أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد العبودية، وأن توحيد العبودية متضمن لتوحيد الربوبية، فمن أقر بأن الله تعالى هو الرب الخالق المالك؛ فإنَّ من لازم ذلك أن يوحده بالعبادة، وهذه طريقة القرآن في إلزام المشركين بتوحيد الله : ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ أي: يحصل لكم وقاية.
قوله: (﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾)؛ أي: هذه الأرض جعلها مهادًا موطأة للسير عليها.
стр. 64
قوله: (﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾): سقفًا مبنيًا كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] وهي بناء محكم.
قوله: (﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾): نزول ماء يقابله خروج نبات، حركات متقابلة تدل على سعة خلق الله ، فإذا كان الأمر كذلك وأنتم مقرون بذلك، فلا يستقيم أن تجعلوا لله أندادًا.
قوله: (﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢]): الأنداد: جمع ند: وهو النظير والمثيل والشبيه، وما قد سبق لأجل هذا.
قوله: (قالَ ابنُ كثيرٍ -رحِمَهُ اللهُ تعالى-): وهو عماد الدين إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، مفسر، محدث، فقيه.
قوله: (الخالقُ لهذه الأشياءِ هو المستحقُّ للعبادةِ) (١): فهذه من طرق القرآن الواضحة الملزمة للمخالف، وهو إثبات توحيد العبادة بالإقرار بتوحيد الربوبية.
стр. 65
• قال المؤلف ﵀:
(وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها: مثلُ الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ؛ وَمِنْهَا الدعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنذرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ الْلَّهُ بِهَا، كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: ١٨]).
(الشرح)
قوله: (وأنواعُ العبادةِ التي أَمَرَ اللهُ بها: مثلُ الإسلامِ، والإيمانِ، والإحسانِ): الدين يشمل هذه المراتب الثلاث؛ الإسلام، والإيمان، والإحسان، وسوف يأتي - إن شاء الله تعالى- فيما نستقبل من كلام المصنف مزيد بيان لهذه الألفاظ الشريفة، وبيان العلاقة بينها من عموم وخصوص، لكن الشيخ ﵀ ذكر بعض أنواع العبادة.
أنواع العبادات القلبية
قوله: (وَمِنْهَا الدعاءُ، والخوفُ، والرجاءُ، والتوكلُ، والرغبةُ، والرهبةُ، والخشوعُ، والخَشيةُ، والإنابةُ، والاستعانةُ، والاستعاذةُ، والاستغاثةُ، والذَّبْحُ، والنذرُ): عد المؤلف ﵀ أربعة عشر نوعًا، معظمها عبادات قلبية؛ لأن العبادات القلبية أشرف أنواع العبادات على الإطلاق، فإن القلب ملك الجسد، والأعضاء له جنود، فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث الملك خبثت جنوده، كما قال نبينا ﷺ : (أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ
стр. 66
أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ) (١)، والمضغة؛ أي: بقدر ما يمضغ الماضغ؛ صغيرة بحجم قطعة اللحم. فالقلب هو بيت الرب في العبد، كما أن الكعبة هي بيت الرب في الأرض، فالقلب أشرف ما فيه، فينبغي أن يحتوي أشرف ما عنده، وأشرف ما يمكن أن يكون عند العبد: هو العلم بالله بمقتضى أسمائه وصفاته، وأن يتحرك هذا القلب لأداء وظيفته التي خلقها الله له، فللقلب وظيفتان:
وظيفة حسية مادية: وهي ضخ الدم إلى الأعضاء، كما أن وظيفة العين الإبصار، ووظيفة الأذن السمع، ووظيفة اليد التناول، ووظيفة القدم السعي.
وظيفة معنوية: هي العلم بالله، ومعرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والرغبة إليه؛ فلهذا كان الموفق من عباد الله من يجعل قلبه مستودعًا لهذه المعاني الشريفة، فإذا كان لديك في منزلك جواهر ولآلئ ووثائق وأشياء كريمة، فإنك تضعها في أشرف وأوثق موضع في البيت، لا تضعها في الفناء أو بيت الخلاء.
فلا يليق بك أيها المؤمن أن تجعل قلبك مستودعًا للجهالات والشهوات والشبهات و الغفلات والحقد والغل. كم من القلوب ما يسرح فيه الشيطان جيئة وذهابًا، ويكون وقودًا للحقد والغل وسوء الظن؟!، أعمر قلبك بما خلقه الله من أجله، من العلم به ومحبته وخشيته، فتلك هي العبادة الحقيقية. فإذا أحسن قلبك أداء وظيفته، انقادت له الجوارح، وخفت إلى الطاعات، وهان عليها مفارقة الشهوات، وأحست بطعم
стр. 67
الحياة ووجدت معناها الحقيقي. ولهذا كان الصالحون من عباد الله يعتنون بقلوبهم قبل عنايتهم بأعمالهم، يصلحون قلوبهم: أولًا بالعلم النافع حتى تكون ناصعة نقية لا يكون لله تعالى شرك فيها، ثم يتبعونها بالعمل الصالح ثانيًا، وهذه العبادات العظيمة التي أجملها الشيخ ﵀، سيذكرها واحدة واحدة.
قوله: (وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الَّتِي أَمَرَ الْلَّهُ بِهَا، كُلُّهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) [الجن: ١٨]): ابتدأ المؤلف-﵀ بأجل هذه العبادات وأبينها في الدلالة على العبودية ألا وهو الدعاء.
قوله: (﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾): المساجد تطلق على مواضع السجود؛ كبيوت الله، وعلى آلة السجود التي هي أعضاء السجود السبعة التي يسجد عليها المؤمن.
وعبر بالسجود عن بقية الصلاة؛ لأنه من أشرف أركانها، ولما كان شريفًا معبرًا عن كمال العبودية لله، كان هو الموضع المناسب لدعاء رب العالمين، فأقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجد، حيث يضع الإنسان أشرف ما فيه على الأرض؛ خضعانا لله ؛ ففي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال: (أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ) (١)، قمن؛ يعني: حري أن يستجاب لكم، فلهذا قال: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨]، فيجب أن يصرف الدعاء لله وحده، فمن دعا غير الله فيما
стр. 68
لا يقدر عليه إلا الله، فقد تلطخ بالشرك الأعظم المخرج عن الملة.
قوله: (فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئاً لِغَيْرِ الْلَّهِ، فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ؛ وَالَّدلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَمَنْ يَّدْعُ مَعَ اَللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون) [المؤمنون: ١١٧]).
هذا هو الدليل الثاني، وقوله: (إلهًا)، نكرة في سياق الشرط، والقاعدة: "أن النكرة إذا جاءت في سياق الشرط فإنها تدل على العموم"؛ أي: أي إله، وإطلاق الإله على ما سوى الله من باب حكاية الحال والواقع، وإلا فإنه لا يستحق الألوهية إلا الله وحده: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] سماها الله آلهة، لكنها آلهة بغير حق، فالإله بحق: هو الله وحده.
وقوله: (﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾): هذه الجملة تسمى عند العلماء "صفة كاشفة"، وليست قيدًا، فليس المراد أن نوعًا من الآلهة عليه برهان، ونوعًا من الآلهة ليس عليه برهان! كلا فلا يوجد برهان على ألوهية إله سوى الله .
قوله: (﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾): هذه الجملة منطوية على معنى التهديد والوعيد، بدليل قوله: (﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾)، والفلاح هو: الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب؛ لذا قال الله : ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾: لأن مآل الكافر إلى خسر، مآله أن يكون في الدرك الأسفل من النار.
فدلت هاتان الآيتان على وجوب توحيد الله تعالى بالدعاء وعدم صرفه لغير الله تعالى.
стр. 69
الدعاء أقسامه وصوره
ثنى الشيخ بذكر دليل من السنة، بقوله: (وَفِي الْحَدِيثِ: (الْدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ) (١)، والواقع أن هذا الحديث فيه ضعف، وأصح منه إسنادًا قول النبي ﷺ : (الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ) (٢)، ويغني عنه بحمد الله ....
قوله: (وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠])، فسمى الله تعالى الدعاء عبادة، فلم يقل: إن الذين يستكبرون عن دعائي، فدل ذلك على أن الدعاء هو العبادة، بل إنه في الحقيقة لب العبادة، وذلك أن حال الدعاء يدل على افتقار العبد إلى خالقه، واطراحه بين يديه، وشعوره بكمال غنى الله تعالى، وافتقاره، واضطراره إليه؛ فلأجل ذا كان الدعاء هو العبادة، وكان صرف الدعاء لغير الله شركًا أعظم، فإذا رأيت من يدعو غير الله فاعلم أن قلبه معطوب، ما الذي حمل هذا الإنسان أن يدع الله الذي بيده الضر، والنفع، والمنع، والإعطاء، والعز، والذل، والغنى، والفقر، والصحة، والمرض، ويلتفت إلى غيره؟! لا شك أن هذا خلل عظيم وداء وبيل.
стр. 70
وللأسف فإن الشيطان قد أضل فئامًا من بني آدم فحملهم على دعاء غير الله، وزين لهم ذلك؛ فصاروا يتخذون الأصنام على هيئات متنوعة، ويزعمون أنها وسائط بينهم وبين الله .
وأول ما ظهر ذلك في قوم نوح، فإن قوم نوح كانوا فيما مضى على التوحيد، وكان بين آدم ونوح عشرة قرون، وخلال هذه القرون المتطاولة زين الشيطان لهم تعظيم الصالحين من المتقدمين؛ ود وسواع ويغوث ويعوق ونسرًا، وقال للناس: هؤلاء لهم جاه عند الله ومنزلة فلو أنكم ذهبتم إلى المواضع التي كانوا يجلسون فيها ونصبتم فيها أنصابًا حتى إذا رأيتموها ذكرتموهم فنشطكم ذلك على العبادة، وهذا مدخل لطيف، فإن الشيطان لا يأتي الناس مباشرة، قائلاً: أشركوا بالله!، وإنما يتلطف في تسويق باطله. فلما اندرس ذلك الجيل وجاء جيل بعده أتى الشيطان إليهم، وقال: هؤلاء لهم جاه عند الله فادعوهم لكي يتحقق ما تريدون، فدعوهم من دون الله فوقعوا في الشرك الأعظم، فبعث الله نوحًا ﵇ لردهم إلى التوحيد، ثم إن هذه الأصنام بعدما طمرها الطوفان، عاود الشيطان الكَرة، فأتى عمرو بن لحي الخزاعي - أول من أدخل الشرك في العرب- في المنام وقال له: ائت جُدة تجد أصنامًا معدة، وادع إليها العرب تجب، فذهب إلى الموضع الذي ذكر، وكشف عن هذه الأصنام وبثها في الناس، فعاد الناس إلى عبادة غير الله (١).
الدعاء من أعظم مراتب العبادة: فيجب أن يخلص العبد دعاءه لله رب العالمين، وألا يلتفت إلى غير الله، لكن ينبغي أن نعلم أن الدعاء الذي هو فيصل التفرقة بين التوحيد وبين الشرك: هو أن يدعو العبد ربه
стр. 71
فيما لا يقدر عليه إلا هو، فإن صرفه لله، فقد سلم من الشرك، وإن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله، كأن يدعو ميتًا، أو يدعو غائبًا، أو يدعو حاضرًا فيما لا يقدر عليه، هذه ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن يدعو ميتًا، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤].
النوع الثاني: أن يدعو غائبًا غير موجود، لا يسمع دعاءه؛ لأنه بمعنى الأول.
النوع الثالث: أن يدعو حاضرًا لكن ليس من شأنه ذلك، كأن يقول له: يا فلان ارزقني، يا فلان اشفني، فهو لا يملك ذلك، قال تعالى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧].
فهذه الصور الثلاث صور مخرجة من التوحيد مدخلة في الشرك، أما إن دعا غير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير، فهذا ليس بشرك، فإذا دعا واحدًا من الناس في أمر من الأمور التي يقدر عليها فلا حرج، كما لو قال لرجل بين يديه طعام: يا فلان، أطعمني، لم يكن شركًا.
والدعاء نوعان: النوع الأول دعاء المسألة: وهو طلب حصول الحاجات، وتحقيق الرغبات، فهذا كثير في بني آدم أن يدعو الإنسان بالرزق، بالصحة، بالذرية، بالرفعة.
النوع الثاني: دعاء العبادة، وهو أن يتقرب لله بما أوجب عليه من الطاعات، يرجو بذلك ثوابه ويخشى عقابه، أو أن يتملق إلهه و معبوده بحمده وبالثناء عليه. فهو صورتان:
الصورة الأولى: أن يمتثل أمر الله ويجتنب نهيه مستصحبًا أنه يرجو
стр. 72
بذلك أن يبلغه جنته، أو أن يصرف عنه عذابه، أو أن يصلح حاله ويدفع عنه السوء، فهذا وإن لم يدعُ بمسألة فهو في دعاء عبادة؛ لأنه يعلم أن الله تعالى نصب هذه العبادات سببًا موصلًا إلى الحياة الطيبة في الدنيا وإلى الفوز بالجنة في الآخرة، فسلك هذه الأسباب.
الصورة الثانية: أن يُثني على الله تعالى بما هو أهله من صفات الكمال ونعوت الجلال كما كان النبي ﷺ يقوم في صلاة الليل فيقول: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) (١)، يناجي ربه، ويثني عليه بما هو أهله: هذا دعاء عبادة، وقد قال ربنا : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
وينبغي للداعي أن يدعو الله تعالى بالاسم المناسب للطلب، فإذا كنت تريد من الله تعالى أن يعفو عنك، فلا يستقيم أن تقول: يا ذا البطش الشديد اعف عني! ولكن قل: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني، وإذا أردت من الله الرزق، تقول: يا رزاق ارزقني … وهكذا فاختر الاسم المناسب للطلب المناسب.
وقد أنعم الله علينا بتسعة وتسعين اسمًا يمكن إدراكها واستخلاصها من نصوص الكتاب والسنة لكي ندعو الله تعالى بها، فالدعاء عبادة من أجل العبادات لمن تذوقه ووفق إليه حتى أن من يدعو الله من العارفين بالله ، يجد لذة ونعيمًا في مناجاة ربه في الأسحار وفي السجدات، ويتبين لنا سوء حال كثير من الناس الذين ابتلوا بدعاء
стр. 73
غير الله، حيث زين لهم الشيطان عن طريق مشايخ السوء وسدنة الأموات المنتفعين بها أن ينصبوا القباب والمشاهد على هذه القبور، ويغروا بهؤلاء العوام بدعائها وترك دعاء الله ، وقد قال ﷺ (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ) (١). وقال
فما من عبد يدعو الله في الأرض دعوة إلا أعطاه بها أحد ثلاث خصال:
إما أن يعجل له دعوته.
وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها.
وإما أن يدخرها له أحوج ما يكون إليها.
فلا يضيع على الله دعاء.
وقد قيل:
اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ
الآدمي إذا دعوته مرة، مرتين تبرم منك وتضايق. والرب بعكس ذلك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (٢) وفي لفظ لأحمد" مَنْ لَمْ يَدْعُ اللهَ، غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ " (٣).
وَدَلِيلُ الْذَّبْحِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وَمِنَ الْسُّنَّةِ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ».
وَدَلِيلُ الْنَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]).
الخوف وأنواعه
قوله: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾): (الخوف): توقع مكروه عن أمارة أو علامة مظنونة أو معلومة، وضد الخوف: الأمن، والخوف عبادة، والدليل على أن الخوف عبادة -ما استدل به المؤلف ﵀ وهو قول الله : ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فقد جعل ذلك شرطًا في الإيمان، وأول هذه الآية ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ومعنى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾: أي يخوفكم بأوليائه.
والخوف أنواع:
النوع الأول: الخوف الطبيعي: هو ما جبل الله تعالى عليه الآدميين من الخوف من الأمور الضارة: كالخوف من السبع والحية والنار والعدو؛ وهو يقع لكل الناس، حتى أن موسى ﵇ لما ألقى العصا وانقلبت ثعبانًا: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: ٣١]، فهذا خوف طبيعي ركبه الله تعالى في بنية ابن آدم؛ لدوام سلامته وحفظ الجنس الإنساني، ولو لم يكن عند الإنسان خوف لهلك الناس