← Акыда

Акыда · id 30156

الإغاثة في شرح الأصول الثلاثة

أحمد القاضي

Полный текст (244 стр.). Показаны 211–244 · переход к 216.

стр. 211

البشارة والنذارة: البشارة هي: الإعلام المقرون بخبر سار، والنذارة هي: الإعلام المقرون بخبر مخُوف. ولا شك أن أنبياء الله تعالى بعثوا مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاع الله تعالى بالجنة، منذرين من عصى الله تعالى بالنار، قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]): إذن الحجة الوحيدة التي يمكن أن يحتج بها الآدميون على ربهم أن يقول قائلهم: ما جاءنا من بشير ولا نذير؛ فقطع الله تعالى هذه الحجة ببعثة الرسل، فلا يبقى للناس حجة إذا أرسل الله تعالى الرسل، فالحجة الرسالية لا بد من قيامها، قال ربنا : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإذا افترضنا أن قومًا أو فردًا لم تقم عليهم الحجة الرسالية، فما حالهم؟ نقول: المحكمات تدل على أن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، قد يقول قائل: كم مناطق نائية على نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، وفي مجاهل استراليا، وفي غابات أفريقيا لم يسمعوا بمحمد ﷺ ولا بدين الإسلام، ثَمَّ أقوام ماتوا في الفترة لم يبلغهم رسالة نبي، ما حال المجهول؟ ما حال الطفل الذي مات في صغره؟ ما حال كذا وكذا؟؛ أجاب النبي ﷺ عن هذا الإيراد؛ فعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ:

стр. 212

فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا " (١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ هَذَا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا " (٢) فنحن نعلم أنه لا يهلك على الله إلا هالك، وأن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، هذا هو المحكم الذي نتمسك به ونعتصم به، ونعلم أن الله تعالى لا يوقع عذابًا بأحد حتى يقيم عليه الحجة الرسالية كما قال هاهنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي هذا دليل على بطلان الاحتجاج بالقدر بعض الناس يحتج بالقدر، إذا قيل له: يا فلان لمَ عصيت الله؟ قال: والله هذا شيء كتبه الله علي، يا فلان لِمَ لمْ تفعل شيء مما أمرك الله به؟ قال: ما كتبه الله، لو كتبه الله لفعلته؛ فبعض البطالين العطالين يحتج بالقدر على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فهل يتم استدلاله بالقدر على مراده، ويُعذر بهذه الحجة؟ لا؛ لأن الله تعالى لم يثبت إلا حجة واحدة يمكن أن يحتج بها الآدميون: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، لو كان في القدر حجة، لقبل الله حجتهم؛ لكن الله رد حجتهم، فأخبر الله تعالى عن هؤلاء المحتجين بالقدر أنهم يقولون: قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ [الأنعام: ١٤٨] فسمى الله دعواهم كذبًا، والكذب هو مخالفة

стр. 213

الخبر للواقع، ثم قال: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ولو كان لهم حجة في القدر ما أذاقهم الله بأسه، ثم قال ثالثًا: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، يعني هل اطلعتم على كتابكم وقدركم السابق، وبناءً على اطلاعكم علمتم بأن هذا مكتوب عليكم؛ فسلكتم هذا السبيل؟ لا والله ما اطلعوا على قدرهم مسبقًا، إذن حقيقة الأمر: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، إذن لا حجة لكم في القدر. إذن هذه هي مهمة الرسل: البشارة والنذارة وقطع الطريق على الاحتجاج على الله . قوله: (وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ: والدليل على أولية نوح قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]): وقال نبينا ﷺ في حديث الصور: (يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) (١)؛ إذن فقد ثبت بهذين النصين أن نوحًا ﵇ أول نبي وأول رسول، وقد ذكرنا لكم فيما مضى الفرق بين النبي والرسول، وخلاف العلماء في تحديد هذا الفارق، وبهذا يتبين خطأ من زعم أن أول الأنبياء هو إدريس ﵇، وهذا يوجد كثيرًا، حتى إن الناس يتداولون بعض المصورات يسمونها شجرة الأنبياء ويكون مرسومًا فيها إدريس بين آدم وبين نوح ﵇؛ فهذان النصان يثبتان أن أول الأنبياء وأول المرسلين: هو نوح ﵇، وأن إدريس جاء فيما بعد. والدليل على أن خاتمهم محمد ﷺ لم يذكره الشيخ هاهنا، قال الله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فآخر الأنبياء

стр. 214

هو محمد ﷺ فلا نبي بعده بنص القرآن، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ " (١) وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (٢)، فمن ادعى النبوة بعد نبينا ﷺ ؛ فدعواه باطلة، وأدعياء النبوة هذا عددهم كما أخبر النبي ﷺ ثلاثون، وقد وقع إدعاء النبوة في أواخر عهد النبوة، إلى يومنا هذا لم يزل أدعياء النبوة يتواردون؛ فممن ادعى النبوة قبل وفاته ﷺ مسيلمة، وبعد وفاته سجاح والأسود العنسي وطليحة بن خويلد الأسدي، ولم يزل يخرج في مثاني التاريخ من يدعي النبوة كما ادعاها من تنتسب إليه البابية ومن ينتسب إليه البهائيون وكذلك القديانيون في الدول الشرقية، لم يزل يوجد من يدعي النبوة، والمقصود أن يكون ذلك الدَعِّي له أتباع وهيلمان، أما المجانين الذين يدعون النبوة فهؤلاء لا حصر لهم كثر وليسوا في الحسبة المقصود من يدعي النبوة يكون له أتباع وطائفة فهؤلاء كما قال النبي ﷺ ثلاثون كذابون، ولا أكذب من هؤلاء؛ فالله قد أكذبهم ونبيه ﷺ قد أكذبهم. قوله: (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ :

стр. 215

إي والله، أقام الله الحجة على كل أحد، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. قوله: (يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦]، وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ): وهذه دعوى الأنبياء جميعًا، يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، هذا مشروع الأنبياء جميعًا. ولا بد من اقتران هاتين الركيزتين معًا: الأمر بعبادة الله، واجتناب الطاغوت كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، لا يمكن إلا أن يجمع الإنسان بين الأمرين: الكفر بالطاغوت الذي يحصل به التخلية، والإيمان بالله الذي يحصل به التحلية، فلا بد من البراءة من الشرك تمامًا، وهذا هو الموافق للشق الأول من جملتي الشهادة: لا إله، ثم تتمتها بالإيمان بالله : إلا الله، فالكفر بالطاغوت والإيمان بالله قضيتان متلازمتان لا انفكاك بينهما، ولا يمكن أن يتصور مؤمن بالله وبالطاغوت في آنٍ واحد، هذان أمران لا يجتمعان، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، لقد كانوا مؤمنين بالله ولكن ما كانوا موحدين بالله، لا بد من الإيمان بالله وحده. قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ).

стр. 216

تعريف الطاغوت هذا في الواقع هو أحسن وأجمع تعريف للطاغوت، وأصل الطاغوت لغة: صيغة مبالغة من الطغيان، ومعنى طغى الشيء؛ أي: تجاوز، كما قال الله : ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾؛ أي: تجاوز منسوبه المعتاد في قصة الطوفان، ﴿حَمَلْنَاكُمْ﴾؛ أي: حملنا أسلافكم، ﴿فِي الْجَارِيَةِ﴾؛ أي: السفينة، فالطغيان معناه التجاوز؛ ولهذا عرَّفه ابن القيم ﵀ بقوله: مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ: كل إنسان له حد، لا يمكن أن يتجاوز حده، كما قال النبي ﷺ لابن صياد قال: «اخْسَأْ، فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ» (١)، فكل إنسان له حد. قوله: (مِنْ مَعْبُودٍ). المقصود: ممن رضي أو دعا إلى عبادة نفسه، أما لو كان معبودًا بغير رضاه، فهو برئ، فعيسى ﵇ وأمه والعزير برآء، ولا يدخلون تحت هذا الحد؛ لأنهم ما عُبدوا برضاهم، حاشا وكلا، والملائكة أيضًا ما عبدوا برضاهم، إذن من معبود -كما سيفصله لاحقًا- إما: أن يكون دعا لعبادة نفسه أو رضي أن يعبده غيره. قوله: (أَوْ مَتْبُوعٍ): يعني يُتبع في غير هدى من الله، كما يحصل من الأحبار والرهبان وعلماء السوء الذين يحلون الحرام، ويحرمون الحلال فيتبعوهم، لما دخل الصحابي عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ،

стр. 217

وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) (١)، وكذلك علماء السوء الذين يسوغون للناس أو للحكام الحكم بغير ما أنزل الله، وإفساد الدين وتسهيل الشهوات، فكذلك يدخلون في حد المتبوع. قوله: (أَوْ مُطَاعٍ)؛ أي: من كان له سلطان فأطيع على غير هدى من الله ، ودعا إلى طاعته في خلاف ما أمر الله؛ فإنه يدخل في حد الطاغوتية، فهذا التعريف الذي ذكره ابن القيم ﵀ يجمع أنواع الطغيان.

стр. 218

•قال المؤلف ﵀: (وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُة وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ: إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللهُ، وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ، وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ، وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ، وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦]. وَهَذَا هُوَ مَعْنَى لا إله إِلا اللهُ، وَفِي الْحَدِيثِ: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ). وَاللهُ أَعْلَمُ). رُؤُوسُ الطواغيت بعد أن عرَّف المؤلف ﵀ الطاغوت تعريفًا عامًا، خص وفصَّل. قوله: (وَالطَّوَاغِيتُ كَثِيرُة): الطواغيت: جمع طاغوت، وهم كثر؛ لأنه إذا كان حد الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع؛ فالواقع أن هذا الوصف ينطبق على أعيان كثر. قوله: (وَرُؤُوسُهُمْ خَمْسَةٌ): لكن لهم رءوس، والمقصود الرؤوس الزعماء. قوله: (إِبْلِيسُ): إبليس أصل الشر، وهو الذي تقلد إضلال بني آدم، وهو الذي أصابه داء الكبر بسبب هذا الطغيان في نفسه؛ فهوى به

стр. 219

إلى أسفل سافلين، ذلك أن إبليس قد بلغ من العبادة ما بلغ به مصاف الملائكة -وإن لم يكن منهم- يقول الله : ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]. بل كان إبليس من الجن كما أخبر الله : ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]. فماهية إبليس: ماهية نارية، ليس من الملائكة الذين خلقهم الله تعالى من نور؛ لكنه كان مجتهدًا في العبادة والتقرب فبلغ في سعيه هذا ودأبه أن بلغ مصاف الملائكة؛ لكن خانه أصله الفاسد، فإن الله لما أمر الملائكة الكرام بالسجود لآدم خروا سجدًا؛ لكمال عبوديتهم لله تعالى أما إبليس فقد سرى الكبر في نفسه، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، ف ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] أبى أن ينصاع لأمر الله ولحظ المأمور به، ولم يلحظ الآمر وهو الله فلا شك أن هذا هو أصل الطغيان، ثم إنه تقلد إضلال بني آدم، وقال: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩، ٤٠]. فكان أن جرت سنة الله تعالى بهذا. قوله: (لَعَنَهُ اللهُ): هذا -والله أعلم- على سبيل الخبر، يعني أنه قد وقع اللعن عليه من الله؛ لأن اللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله تعالى، وقلنا: إن الأغلب أن يكون على سبيل الخبر لا على سبيل الدعاء؛ لأنه قد ورد آثار في النهي أن يقول الإنسان: تَعِس الشيطان. وربما قيس عليها: لعن الله الشيطان. فعن أبي المليح عن رجل قال كنت رديف النبي ﷺ فعثرت دابته فقلت تعس الشيطان. فقال ﷺ : (لَا تَقُلْ تَعِسَ الشَّيْطَانُ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَعَاظَمَ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ وَيَقُولَ بِقُوَّتِى وَلَكِنْ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى

стр. 220

يَكُونَ مِثْلَ الذُّبَابِ) (١)، يعني أنه ينتشي لهذا الدعاء، كأنما وقع ما وقع بفعله وتأثيره؛ فلهذا ورد النهي عن ذلك، أما على سبيل الخبر فلا شك أن الأمر كما قال الله: ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٨، ١١٩]. فإبليس هو رأس الطواغيت، ولم يزل إبليس يسعى في إضلال بني آدم. واعلموا أن أغلى وأعلى ما يطمح إليه الشيطان هو إيقاع العباد في الشرك الأكبر؛ لأنه يحصل به إلقاء بني آدم معه في قعر النار، فإن لم يتمكن من الشرك الأكبر، نقلهم إلى الشرك الأصغر، فإن لم يحصل ذلك منهم نقلهم إلى البدعة؛ لأن البدعة خروج عن سمت الدين وإضافة إلى دين الله ما ليس منه، لأنها باب واسع يفضي إلى أمور أخرى، فإن لم يظفر منهم بالبدعة نقلهم إلى الكبائر؛ لأن الكبائر موجبات للوقوع في النار، إلا أن يغفر الله، فإن لم يظفر منهم بالكبائر نقلهم إلى الصغائر، فإن لم يظفر منهم بالصغائر نقلهم إلى الوقوع في المكروهات وترك الأولى، فلا يزال يفتل في الذِروة والغارب حتى ينال من ابن آدم ما يستطيع، فهو عدو مبين. ولأجل ذا يجب أن نستشعر عداوة الشيطان لنا، فإن الله يقول: ﴿إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [فاطر: ٦]. لكن ما ثمرة ذلك؟ ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. جميع المؤمنين مقرون أن الشيطان عدو، لا تردد عندهم في ذلك، لكن الجملة الثانية: ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. لا ينتبه لها إلا القليل من الناس. وشعورك بعداوة الشيطان لك، وتيقنك من ذلك،

стр. 221

يجعلك متيقظًا متنبهًا. فلو قيل لك: إن فلانًا من الناس يكيد لك ويخطط لك، ويريد أن يوقع بك، ويتحين الفرصة لإيصال الأذية إليك، فإنك حينما تسير في الطريق تكون منتبهًا، تنظر عن يمينك وعن شمالك ومن بين يديك، وتترقب أن يأتيك أحد من خلفك، مستعدًا للمواجهة في كل حين؛ لأنك تعلم يقينًا أن ثَم عدو يتربص بك. لو كنا نشعر بهذا في خبيئة قلوبنا تجاه الشيطان لكان لنا شأن آخر، لما كنا لقمةً سائغةً وفريسةً سهلةً لمكائد الشيطان وأحابيله، لكن لأننا نغفل وننسى أن ثم عدو يتربص بنا، يستجرنا ويوقعنا فيما حرم الله تعالى علينا، فانتبه لهذه الآية العظيمة: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦]. هذا هو الطاغوت الأكبر ورأس الطواغيت الخمسة. قوله: (وَمَنْ عُبِدَ وَهُوَ رَاضٍ)؛ يعني: أنه قدمت له صنوف العبادة؛ من الدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وهو يرمق ذلك لا يغير ساكنًا، ولا ينكر منكرًا، فالراضي كالفاعل، هذا طاغوت، وإن قال: لم آمر بذلك، ولم أحملهم عليه، بل هم فعلوا ذلك. يقال: إن رضاك بذلك وعدم نكيرك له، يلحقك بالطواغيت، فإنك عبدت وأنت راضٍ، وهذا يحصل لكثير من المتبوعين والمطاعين الذين يتقدم لهم الناس ويعظمونهم ويغلون فيهم، يلحسون أيديهم، ويتمسحون بهم، ويطلبون منهم ما لا يُطلب إلا من الله ، يطلبون منهم الغوث والمدد في أمور لا يقدر عليها إلا الله ثم يستحسنون ذلك! كما يقع لبعض الممدوحين: فَكُن كَما أشئتَ يا مَنْ لا شَبيهَ لَه … أو كَيفَ شِئتَ فَما خَلقٌ يُدانيكا فيعجبه ذلك. ويقول أحدهم لآخر: ما شئتَ لا ما شاءتِ الأقدارُ … فاحكُمْ فأنتَ الواحد القهّارُ ويعجبه ذلك، فهذا من الطواغيت.

стр. 222

قوله: (وَمَنْ دَعَا النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ نَفْسِهِ): من دعا إلى عبادة نفسه أشد ممن عبد وهو راض؛ لأنه حمل الناس وندبهم إلى أن يعبدوه من دون الله ، ومن هؤلاء فرعون الذي تباهى واستخف فقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿قَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] بل قال لموسى: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء: ٢٩] فحملهم على عبادته من دون الله . قوله: (وَمَنْ ادَّعَى شَيْئًا مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ): علم الغيب لا يعلمه إلا الله فإنه على اسمه: غيب، فالكهان، والسحرة، والمنجمون، والمتنبئون الكذابون، ومن على شاكلتهم، جميعًا طواغيت؛ لأنهم يدَّعون علم الغيب، فيزعمون أنهم يخبرون بالأمور الغائبة والأمور المستقبلة؛ وقد قال الله : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]. فكل من ادعى علم الغيب بأي صورة من الصور، فإنه طاغوت. وأما إن اطلع على بعض الأمور المعلومة لكن بطرق معقولة، فهذا لا يدخل في ذلك، كما يجري عن طريق الاتصالات السريعة، فهذا ليس من ادعاء علم الغيب، بل من ادعاء علم الشهادة، لكن علم الغيب الذي لا يكون إلا مستقبَلًا أو أمورًا لا يمكن إدراكها، فهذا لا يكون إلا كاهنًا أو ساحرًا أو منجمًا. وقد كثروا -لا كثرهم الله- واستغلوا ضعف الناس، وصاروا يحلبون أموالهم بغير حق، بدعوى أنهم يخبرونهم بالمغيبات. ومن شواهد ذلك في العصر الأخير: ما يسمى بالمطالع والنجوم والأبراج فقد شاع وفشا في بعض المجلات التافهة، ما يسمى بالأبراج، يقولون: إذا كنت أنت من برج الحمل أو من برج الأسد أو من برج كذا

стр. 223

وكذا، سيقع لك كذا وكذا. هذا رجم بالغيب، يجب أن يحارب وأن ينبذ وأن يحذر منه. وكذلك ما يدَّعيه بعض الناس من قراءة الكف، يأخذ كف الإنسان ويرمق الخطوط التي به ويقول: هذا الخط يدل على كذا، وهذا الخط يدل على كذا. هذا زور وبهتان وأكل لأموال الناس بالباطل، وبعضهم يدعي القراءة في الفنجان. وأصحاب العقول الضعيفة، وأصحاب العقائد الرقيقة، تنطلي عليهم مثل هذه الأمور ويصدقونها، ويجب على أهل العقيدة والإيمان أن يقفوا سدًا منيعًا وأن يقمعوا هؤلاء المفسدين والسحرة؛ حتى إنهم اتخذوا في الآونة الأخيرة قنوات للسحر، يتصل بهم المتصلون ويذكرون لهم بعض الأشياء؛ ويهرفون بما لا يعرفون ويخبرونهم بما سيقع لهم مستقبلًا. فهذه أيضًا مما يجب التحذير منها ومحاربتها، والحيلولة بينها وبين الناس. قوله: (وَمَنْ حَكَمَ بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ): الحكم بغير ما أنزل الله وقد أنزل الله تعالى في سورة المائدة آيات محكمات في تعظيم هذا الأمر وتشنيعه، فقال الله : ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، في آيات متواليات. وقال بعد ذلك: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 224

وقال: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩]، ثم قال بعد ذلك: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. فجاءت هذه الآيات العظيمات في سورة المائدة في تكفير من حكم بغير ما أنزل الله، والتشنيع عليه، ووجوب التزام الشريعة التي أنزلها الله، والتحذير من الاستدلال والافتتان والتخلي عن بعض ما أنزل الله تعالى؛ وبيان أن ما ثم إلا حكم الله وحكم الجاهلية، ولا سواء، ولا مقارنة بين الأمرين: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. كما أن الله نفى الإيمان عمن استغنى عن حكمه بحكم غيره، فذكر الله طائفةً من المنافقين، قال عنهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٣]، إلى أن قال ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]. فهذه الآيات تدل على وجوب الحكم بما أنزل الله لأن الله تعالى ما أنزل هذه الشريعة لكي تكون مادةً تحفظ في الكتب وتصف على الرفوف، وإنما أنزل الله هذه الشريعة لتحتكم إليها البشرية؛ فتصلح بها

стр. 225

أحوالهم وتستقيم أمورهم وترد المظالم بسببها وتقام الحدود ببركتها ويندفع الشر. فلا شك أن مَنْ نحى هذه الشريعة واستبدلها بقوانين وضعية أنه طاغوت من الطواغيت الخمسة الذين عدهم الشيخ ﵀. الحكم بغير ما أنزل الله من حيث هو، كفر وظلم وفسق؛ لأن الله قد سماه كفرًا، وفسقًا، وظلمًا، وهذا لا يختلف عليه اثنان ممن يقرؤون القرآن، ولكن هل هذا الكفر كفر أكبر أم كفر أصغر؟ وهل ذلك الفسق فسق أكبر أم فسق أصغر؟ وهل ذلك الظلم ظلم أكبر أو ظلم أصغر؟ لأن الأكبر من هذه الثلاثة مخرج عن الملة، والأصغر لا يخرج عن الملة. قد اختلف المفسرون في هذا الأمر، والصحيح في هذا هو التفصيل، فإنه يفرَّق بين أن يحكم حاكم بغير ما أنزل الله في قضية عين، تحمله عليها رغبةٌ أو رهبةٌ، وبين أن يقنن قانونًا ويُسن نظامًا ويحمل عليه الكافة، فالذي يحكم في قضية عين بغير ما أنزل الله رغبةً أو رهبةً؛ قد أتى كبيرةً لا تبلغ به مبلغ الكفر. مثال ذلك: احتكم رجلان إلى حاكم شرعي، فحكم للجاني على المجني عليه محاباةً له؛ لأنه من جماعته وأصحابه، فقد حكم بغير ما أنزل الله لكن في قضية معينة، فهذا لا يبلغ مبلغ الكفر، لكنه أتى كبيرةً، ولا ريب. أو حكم للظالم على حساب المظلوم رهبةً من الظالم وخوفًا منه، فهذا قد حكم في قضية عين بغير ما أنزل الله، فإنه لا يكون كافراً كفرًا أكبر مخرجًا عن الملة. كما قال ابن عباس في رده على الخوارج: (إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عنه الملة "ومن لم يحكم بما أنزل الله

стр. 226

فأولئك هم الكافرون"، كفر دون الكفر) (١). أما إذا شرعَّ الإنسان شرعًا للناس واستعاض به عن شرع الله المنزل، ودعاهم إليه، وحملهم عليه، وزهدهم في شرع الله ﷺ فهذا لا ريب أنه ينبئ عن كفر أكبر، قال الله ﷺ : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]. فسماهم الله تعالى شركاء، فكأن هذا منازعة لله في حق من حقوقه المتعلق بربوبيته وألوهيته أيضًا، فإن من ربوبيته الأمر: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]. فهو الآمر سبحانه، لا يجوز أن ينازع سبحانه في هذا الأمر، وطاعته من هذا الجانب: من التعبد إليه ومن حقوق ألوهيته، فمن أجل ذا كان الحكم بغير ما أنزل الله يتعلق به توحيد الربوبية وتوحيد الإلوهية. فهذا هو القول الفصل في هذه المسألة: وهو أن يقال: أن من حكم في قضية عين رغبةً أو رهبةً لم يخرج بذلك عن حد الإيمان، ولم ينتقل إلى الكفر، ولكنه أتى كبيرةً ولا ريب، ويوصف عمله بأنه كفر وفسق وظلم لكنه أصغر، أما من سن قوانين، ودعا إليها، وحمل الكافة عليها، واستعاض بها عن شرع الله فإن هذا يلحقه بالكفر الأكبر؛ لأنه ما كان ليصنع ذلك إلا لاعتقاده بأن هذه القوانين أفضل وخير من حكم الله ومما أنزل الله تعالى، أو على الأقل أنها مساوية، وكلا الحالين تعتبر مخرجةً عن الملة. وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله تعالى- أن هولاكو الذي غزا البلاد الإسلامية من جهة المشرق، اتخذ لقومه قانونًا وضعه جده جنكيز خان يقال له: الياسق. جمع فيه أحكامًا من مختلف الملل والنحل والشرائع،

стр. 227

ومنها شريعة الإسلام، وحمل الناس عليها، وعد ذلك ﵀ من الكفر (١)؛ فلأجل ذا لا يجوز لأهل الإسلام أن يستعيضوا بهذه القوانين الوضعية عن شريعة الإسلام، بل الواجب على أهل الإسلام أن يتمسكوا بالشريعة الإسلامية وأن يطبقوها، وألا يخبئوا شيئًا منها أو يستحيوا منه، فإن ما أنزل الله تعالى في كتابه من الأحكام والحدود هو غاية المصلحة لكل زمان، ولكل مكان، ولكل جيل وقبيل. ويجب علينا ألا نخفي شيئًا منها أو أن نعتذر عن شيء منها، فإن بعض الذين خالطوا الغرب، وتأثروا بثقافتهم، صاروا يستحون من أن تتضمن شريعتنا قطع يد السارق، ورجم الزاني المحصن وجلده، ويعتبرون أن ذلك منافٍ لحقوق الإنسان!، كثير منهم الآن يتلجلج ويجمجم ويغمغم عند ذكر حد الردة، إذا قيل له: هذا يتنافى مع حرية الرأي، يا سبحان الله!: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. الدول المختلفة تسن قوانين من قوانين الإعدام فيما يسمونه بالخيانة العظمى لو ارتكب أحد أفرادها شيئًا مخلًا بالأمن العام والمصلحة القومية لقومهم، ويرونه مستحقًا للإعدام، فكيف يستعظمون أن يكون المرتد عن دينه الذي أتى أكبر خيانة غير مستحق لحد الردة!. قد يقول قائل: لا تتمكن دولة ما أو نظام ما من تطبيق حد الردة. هذا شيء، لكن أن يقال: ليس من دين الله حد الردة، ليس من دين الله حكم الرجم، شيء آخر، فلا يجوز جحد ما أنزل الله في كتابه، ورده لمجرد ظنون وأوهام أو مصالح مزعومة أو مصالح ملغية، فعلينا أهل

стр. 228

الإسلام أن نعتز بديننا وشريعتنا، ونعلم أن ما أنزل الله تعالى هو الحق والمصلحة، وأن به تندفع الشرور، فعن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (حَدٌّ يُقَامُ فِي الْأَرْضِ، خَيْرٌ لِلنَّاسِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا ثَلَاثِينَ - أَوْ أَرْبَعِينَ - صَبَاحًا) (١). لكن الدول الغازية لبلاد المسلمين -بعد انفراط نظام الخلافة العثمانية- استغلت ضعف المسلمين وأحلت هذه القوانين الوضعية: القانون الفرنسي، القانون الإنجليزي، القانون الألماني … إلى آخره، في الممالك الإسلامية المختلفة؛ وضيقت الخناق على الشريعة الإسلامية، فلا يكاد يحكم بالشريعة الإسلامية إلا فيما يسمونه بالأحوال الشخصية؛ في مسائل الطلاق والنكاح، وربما إلى حد يسير فيما يتعلق بالمواريث، وأما بقية الأحكام المتعلقة بالأمور المالية والجنائية والحدود فقد نحيت جانبًا وهُجِرت، وهذا أمر عظيم، يجب على المسلمين أن يراجعوا أنفسهم، ويعودوا إلى دينهم، ونسأل الله تعالى أن يثبت القائمين على الحكم بما أنزل الله وأن يمسكوا بالكتاب. قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]): لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ: أي لا مُحوِج للإكراه في الدين، وقد تبين الرشد من الغي، فإن الدين ظاهر بين، أدلته ساطعة، وبراهينه ناصعة، فلا إكراه في الدين. (والغي): هو الضلال. ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾: كأن هذه الجملة جملةً تعليليةً لبيان عدم الإكراه في الدين، فكل عاقل استبان له الحق والرشد، فإنه يتجه إليه غير مكره؛ بل مختارًا، وليس معنى ذلك: أن لا إكراه في الدين أن يخلى كل أحد ولا يدعى إلى

стр. 229

الإسلام، كما يدعي العصرانيون بالحرية الفكرية وأن لكل أحد أن ينثر كنانته وينشر غيه وفساده، كلا، بل الواجب على من بسط الله تعالى يده أن يقيم الملة المعوجة، وأن ينشر الحق الذي أنزله الله تعالى، وأن يمنع الباطل وألا يمكن لأهل البدع والفساد والغي من أن يفسدوا المجتمعات. لكن أهل الإسلام يدعون إلى دين الله فإن كان لهم شوكة وسلطان دعوهم إلى الإسلام، فإن اعتنقوه فذاك، وإن أبوا عرضوا عليهم الجزية، فإن بذلوها عن يد وهم صاغرون خُلي بينهم وبين ما يدينون، غير أنهم لا يظهرون شيئًا ينافي أمور الإسلام العامة، فإن أبوا فالسيف؛ هكذا كان النبي ﷺ يصنع مع أعدائه ومخالفيه. وهذا الأمر يرتبط بحال أهل الإسلام قوةً وضعفًا؛ فإنهم يكونون في بعض الأحوال ممكنين وعندهم قوة وشوكة، وفي بعض الأحيان يلحقهم ضعف فلا يتمكنون من تطبيق ذلك؛ ولهذا كان القول الراجح: أن الآيات النازلة في أمر الجهاد آيات مرحلية، تنزل كل آية على الحال التي يناسبها: فالمؤمنون قيل لهم في مكة: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]. لأنهم كانوا مستضعفين، لا يستطيعون أن يواجهوا عدوهم. ولما قال العباس بن عبادة بن نضلة ﵁ للنبي ﷺ : والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال رسول الله ﷺ : (لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ) (١). ثم لما كان لهم نوع منعة في المدينة أُذِن له بقتال من يقاتلونهم،

стр. 230

﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩] ثم لما مكنهم الله نزلت آية السيف: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. إذن ينبغي أن نلحظ هذا المعنى، ولا يصح لإنسان أن يُعْمِل آيةً في غير موضعها، وأن يقوم بأعمال حمقاء أو تصرفات هوجاء، ويفسد على أهل الإسلام أمرهم أو يجرهم إلى أمور تعود عليهم بالضرر، هذه الأمور العامة من شأن ولاة الأمور وأهل الحَل والعقد، ولا يصح في الأمور العامة أن ينفرد كل أحد برأيه ويفعل ما زينه له عقله، لا بد من الرجوع في الأمور العامة إلى أهل الحَل والعقد من الأمراء والعلماء؛ حتى تكون كلمة المسلمين واحدةً وتصدر عن رأي واحد. قوله: (قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]): وهذا معنى: لا إله إلا الله، إذن لا بد من اجتماع الأمرين: الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، فهما ركنان أساسيان، لا بد من اجتماعهما، لا انفكاك لأحدهما عن الآخر، والعروة الوثقى: هي لا إله إلا الله، فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومعنى الوثقى التي لا تنفصم، فالعروة الوثقى هي كلمة التوحيد، ومن استمسك بالعروة الوثقى فقد أمن وسَلِم وبلغ ما ينشده في الدنيا والآخرة. قوله: (وَفِي الْحَدِيثِ: رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ) (١): هذا في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه.

стр. 231

رأس الدين قوله: (رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلامِ): والمراد بالإسلام هنا الذي هو بمعنى التوحيد؛ أي: الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة والخلوص من الشرك، فهذا هو رأس الأمر. عمود الدين قوله: (وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ): لأن الصلاة أعظم شرائع الدين العملية، فهي بمنزلة العمود للخيمة، وهذا يدلنا على أن الصلاة لها ميزة وخاصية ليست في بقية الشرائع العملية، وأي شيء سقط عموده فقد سقط؛ فلهذا كان القول الراجح من أقول أهل العلم أن تارك الصلاة -ولو تهاونًا وكسلًا- كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، وحسبك بهذا الوصف أن الصلاة هي عمود الدين، فمن لا عمود لدينه لم يكن له دين، كما أن من لا عمود لخيمته وفسطاطه، سقطت خيمته وفسطاطه؛ ولأدلة أخرى لا تخفى. وأمر الصلاة عظيم جدًا، ويجب أن نعظمه في النفوس؛ فإن من الناس من لا يرفع بالصلاة رأسا، ولا يرى بتركها بأسًا، والحقيقة أن هذه الشعيرة هي الصلة الحقيقية بين العبد وربه، شرعها الله أول ما شرعها خمسين صلاةً في اليوم والليلة، وهذا يدل على عظمها، ثم آل الأمر إلى خمس، فهي خمس في الفعل خمسون في الميزان، لما علم الله من حال عباده أنه تكتنفهم الغفلات والشهوات والشبهات جعل لهم هذه المحطات الخمس في اليوم والليلة؛ لكي ينصع القلب، وقد صورها النبي ﷺ بتصوير بديع، فقال: (أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيءٌ). قَالُوا لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ. قَالَ: (فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ

стр. 232

يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا) (١). فلو كان أحدنا ينغمس يوميًا في مجرى نهر خمس مرات لصار نظيفًا ناصعًا، لا يبقى على بدنه وبشرته درن، فهذه الصلوات الخمس كذلك، تنقي القلب وتطهره من الأوشاب والأخلاط التي تنشأ عن ماجريات الحياة اليومية. لكن مع ذلك فالناس يتفاوتون، فمن الناس من يؤدي هذا الصلوات جري العادة، فلا يحصل له الانتفاع التام، أما إذا أقبل الإنسان بكليته على هذه الصلاة العظيمة، وصفَّ قدميه في محرابه، وصوب بصره إلى موضع سجوده، ووضع يده اليمنى على اليسرى بين يدي ربه، واستشعر قيامه بين يديه وعبوديته له، وقال رافعاً يديه: الله أكبر. فألقى الدنيا خلف ظهره، واستشعر مثوله بين يدي ربه، وأخذ يناجي، ويتأمل فيما يقرأ، وفيما يذكُر، وجد في هذه العبادة ساحًا فِساحًا يُبحر فيها في عبودية الرب ، ثم إذا تأمل في هيئات الصلاة: في ركوعه وسجود وقيامه وانحطاطه؛ وجد من معاني التوحيد والخضوع ما يحصل به حياة القلب، معنى أن تركع وتحني صلبك خضوع لله ، معنى أن تسجد وتضع أشرف ما فيك في الأرض التي تطؤها بقدميك؛ تعظيمًا وإجلالًا للرب ، لو أنَّا تأملنا في هذه المعاني المضمنة في الأقوال والأذكار والأدعية والحالات، لحققنا الخشوع في الصلاة الذي يجده الصالحون. إن من أخص أوصاف المؤمنين الخشوع في الصلاة، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢].

стр. 233

فإذا أردت أن ترى موقعك في سلم الإيمان، فانظر حالك مع الصلاة، هل أنت إذا دخلت في صلاتك استجمعت همك، وخشع قلبك، ورأيت أنك في حال اتصال مع الله لأن الصلاة صلة؟ أم أنك إذا دخلت في الصلاة انفتحت عندك جميع المهام الدنيوية، وصرت تذهب يمنةً ويسرة في أودية الدنيا، فلا تشعر إلا والإمام يقول: السلام عليكم ورحمة الله؟! علينا أن نحسن صلاتنا، أن نضبط صلاتنا، فإنها إن صلحت؛ صلح جميع حالنا. ذروة سنام الدين قوله: (وذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ): ذروة الشيء أعلاه؛ لأن المقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، فعَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (١). والجهاد باق في هذه الأمة إلى يوم القيامة: (لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) (٢)، وقال نبينا ﷺ : (وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي) (٣)، وأحاديث الفتن والملاحم التي تقع في آخر الزمان دالة دلالةً أكيدةً على استمرار هذه الشعيرة، لكنها شعيرة مرتبطة بالحال العام للأمة، والذي يحكمها إعلانًا أو إيقافًا أو تأجيلًا هي السياسة الشرعية، لا يجوز لأحد -كائنًا من كان- أن يلغي الجهاد، لا

стр. 234

يختلف اثنان من المسلمين على أن الجهاد شعيرة باقية إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال. لكن إعلان الجهاد والنفير يدخل في باب السياسة الشرعية، وتقدير أهل الحل والعقد بحيث، وهل الأصلح الجهاد أو المصالحة؟، فباب السياسة الشرعية غير باب الثوابت العقدية، فمن الثوابت العقدية شعيرة الجهاد، أما السياسة الشرعية فتختلف باختلاف الأحوال، وقد وقع لنبينا ﷺ أحوال متنوعة. مثال ذلك: حينما تحزبت الأحزاب على المسلمين في المدينة، عشرة آلاف مقاتل من غطفان وقريش وسائر العرب أتوا ليستأصلوا شأفة الإسلام، (بعث رسول الله ﷺ إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا ومن معهما عن رسول الله وأصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة وفي ذلك ففعلا. فلما أراد رسول الله أن يفعل بعث إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ وذكر ذلك لهما واستشارهما فيه فقالا يا رسول الله أمر تحته فنصنعه أو شيء أمرك الله به لا بد لنا من عمل به أم شيء تصنعه لنا فقال لا بل لكم والله ما أصنع ذلك إلا أني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم فقال سعد بن معاذ يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو شراء فحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك نعطيهم أموالنا مالنا) (١).

стр. 235

لما رأى استعدادهم وشجاعتهم وتحملهم لهذا الأمر المقبل خلى بينهم وبين هذا الأمر. فلا حرج أن يقع في بعض الأحوال من ولي الأمر نوع مصالحة؛ لدفع شر متوقع أو نحو ذلك، فهذا باب واسع لا نضيق به ذرعًا. مثال آخر: وهذا صلاح الدين الأيوبي ﵀ الذي كان له قدم صدق مُعَلَّى في الجهاد في سبيل وطرد الصليبيين، اُضطر في موقف من المواقف إلى أن يُبرم صلحًا مع الصليبيين عرف باسم (صلح الرملة)؛ ليدفع شرهم، وبقيت عكا في أيديهم حتى مكثوا فيها من بداية الحروب الصليبية إلى نهايتها نحو مائتي سنة. فذروة سنام الإسلام هو الجهاد في سبيل الله؛ لما فيه من إعزاز الدين، وإعلاء كلمته، ونشره في الخافقين، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة في إدخال الناس في دين الله أفواجًا، حتى جاء وصفهم في الحديث أنهم يدخلون الجنة في السلاسل.

стр. 236

خاتمة قوله: (وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلى آله وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ): ختم المؤلف ﵀ كتابه برد العلم إلى الله ولا شك أن الله تعالى أعلم، ونبيه ﷺ أعلم أيضًا في الأمور الشرعية. فتقال هذه الكلمة- (الله أعلم) - في الأمور الكونية والشرعية، وله أن يقول: (الله ورسوله أعلم) في الأمور الشرعية فقط، لكن لا يقول: (الله ورسوله أعلم): في الأمور القدرية الكونية؛ لأن النبي ﷺ لا يعلم من الأمور الكونية القدرية إلا ما أعلمه الله، فإذا قال لك صاحبك مثلًا: هل قدم فلان من السفر؟ لا يستقيم أن تقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا أمر يعلمه الله ولا يعلمه نبيه ﷺ . قوله: (وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعلى آله وَصَحْبِهِ): وختم بالصلاة على نبيه ﷺ ، والصلاة من الله على نبيه أحسن ما قيل فيها: ما ذكره أبو العالية ﵀ فيما رواه عنه الإمام البخاري: "أي صَلَاةُ اللهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ" (١). والآل والأصحاب اصطلاحان: فالآل يطلق على الأتباع على الدين، فإذا قيل: آل محمد: فهم أتباعه على دينه إلى يوم القيامة، كما قال الإمام أحمد (٢).

стр. 237

أما إذا قُرن الآل بالأصحاب فإن الآل ينصرف إلى المؤمنين من آل بيته؛ لأن آل الرجل وآل البيت: هم القرابة، وهم خمسة بطون من قرابة النبي ﷺ ، ولا شك أن لقرابة النبي ﷺ منزلة وخاصية، سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قُرْبَى آلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَعَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ فَقَالَ: (إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ القَرَابَةِ) (١)، على أحد التفسيرين، لما ذكر له العباس أن بعض قريش يجفو بني هاشم، فقال رسول الله ﷺ : (وَاللهِ، لَا يَدْخُلُ قَلْبَ امْرِئٍ إِيمَانٌ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ، وَلِقَرَابَتِي) (٢)، فنحن نتقرب إلى الله بمحبة قرابة نبيه ﷺ وهذه البيوت هم: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل العباس، وآل الحارث بن عبد المطلب، الذين تحرم عليهم الصدقة. فنحب آل بيت النبي ﷺ ونتقرب إلى الله بمودتهم ونصرتهم. أما صحبه: فهي جمع صاحب أو جمع صحابي، وتعريف الصحابي: من اجتمع بالنبي ﷺ في حياته مؤمنًا به ومات على ذلك (٣). وقولنا: من اجتمع بالنبي ﷺ أو من لقي النبي ﷺ خير من أن نعبر: من رأى النبي ﷺ لأن الصاحب ربما كان أعمى لا يرى؛ فلذلك كان التعبير الأجمع أن يقال: من اجتمع أو من لقي النبي ﷺ مؤمنًا به.

стр. 238

إذن لا بد أن تكون هذه اللقيا وهذا الاجتماع حال الإيمان، فلو أن الصحابي لقي النبي ﷺ حال كفره ثم فارقه ولم يلقه بعد ذلك، ودخل في الإسلام، فلا يكون صحابيًا؛ لأنه لم تحصل اللقيا حال الإسلام، وقد وقع ذلك لكثيرين، لقوا النبي ﷺ في الموسم أيام كان يعرض نفسه على القبائل؛ فلم يستجيبوا لدعوته، ولم يدخلوا في الإسلام إلا بعد موته، فلا يدخل هؤلاء في عداد الصحابة، إذن لا بد أن يلقاه مؤمنًا به في حياته، وفائدة هذا القيد: أنه لو لقيه بعد موته؛ فإنه لا يكون صحابيًا، وهذا قد لا ينطبق إلا على رجل واحد، قدم مهاجرًا للمدينة في اليوم الذي مات فيه النبي ﷺ ورآه مُسَجَّى (١)، رآه بعد موته، فلا يكون ذلك قد أردك درجة الصحبة. ومات على ذلك: إذن لا بد أن يموت الإيمان، فلو مات -والعياذ بالله- على ردة زال عنه وصف الصحبة. وأما من تخللت صحبته ردة ثم عاد إلى الإسلام، فالقول الصحيح أنه يبقى له وصف الصحبة ولا يزول عنه، وهذا ينطبق على كثيرين ممن وقعت منهم الردة: كطليحة بن خويلد الأسدي، فإن الله مَنَّ عليه ورجع. قوله: (وَسَلَّمَ): هذا دعاء للنبي ﷺ بالسلامة، أما الدعاء له بالسلامة في حياته فظاهر: وهو أن يعصمه الله من الناس فلا يصلون إليه بأذى، وأما الدعاء له ﷺ بالسلامة بعد موته: فهو دعاء لدينه أن

стр. 239

يسلمه الله من البدع والإضافة والتغيير؛ ولهذا أمرنا الله تعالى بذلك فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. اللهم صل وسلم على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وبذلك تمت هذه الرسالة المباركة، وأدعوكم -يرعاكم الله- إلى مراجعتها وحفظها. والله أعلم.

стр. 240

المراجع ١ - الأدب المفرد بالتعليقات، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، حققه وقابله على أصوله: سمير بن أمين الزهيري، الناشر: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة: الأولى، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م. ٢ - إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة: الثانية - ١٤٠٥ - ١٩٨٥، عدد الأجزاء: ٨. ٣ - الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، المؤلف: أبو العباس أحمد بن خالد بن محمد الناصري، تحقيق: جعفر الناصري/ محمد الناصري، الناشر: دار الكتاب، سنة النشر: ١٤١٨ هـ/ ١٩٩٧ م، مكان النشر: الدار البيضاء، عدد الأجزاء: ٣. ٤ - الاعتصام للشاطبى، المؤلف: أبو إسحاق الشاطبي، دار النشر: المكتبة التجارية الكبرى - مصر، عدد الأجزاء: ٢. ٥ - الانتماء في الشعر الجاهلي، تأليف الدكتور: فاروق أحمد اسليم، من منشورات اتحاد الكتاب العرب. ٦ - البداية والنهاية، المؤلف: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي أبو الفداء، الناشر: مكتبة المعارف - بيروت، عدد الأجزاء: ١٤. ٧ - بدائع الفوائد المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان. ٨ - تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تأليف: شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي، تحقيق: د. عمر عبد السلام تدمري، دار النشر: دار الكتاب العربي، مكان النشر: لبنان/ بيروت، سنة النشر: ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م، الطبعة: الأولى. ٩ - تاريخ نجد المسمى "روضة الأفكار والأفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام"، المؤلف: الحسين بن غنام، المحقق: ناصر الدين الأسد، الناشر: دار الشروق، الطبعة: الرابعة - ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.

стр. 241

١٠ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار، المؤلف: أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي، الناشر: مكتبة دار البيان-دمشق، الطبعة الأولى، ١٣٩٩. ١١ - جامع الأصول في أحاديث الرسول، المؤلف: مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن محمد ابن عبد الكريم الشيباني الجزري ابن الأثير، تحقيق: عبد القادر الأرنؤوط - التتمة تحقيق بشير عيون، الناشر: مكتبة الحلواني - مطبعة الملاح - مكتبة دار البيان، الطبعة: الأولى. ١٢ - جامع البيان في تأويل القرآن، المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري، المحقق: أحمد محمد شاكر، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠ م، عدد الأجزاء: ٢٤. ١٣ - الجامع الصحيح، المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، حسب ترقيم فتح الباري، الناشر: دار الشعب - القاهرة، الطبعة: الأولى، ١٤٠٧ - ١٩٨٧، عدد الأجزاء: ٩. ١٤ - الجامع الصحيح سنن الترمذي، المؤلف: محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون. ١٥ - جامع المسائل لابن تيمية - عزير شمس، المؤلف: تقي الدين أبو العَباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي، تحقيق: محمد عزير شمس، إشراف: بكر بن عبد الله أبو زيد، الناشر: دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ. ١٦ - الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، المؤلف: أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي أبو بكر، الناشر: مكتبة المعارف - الرياض، ١٤٠٣، تحقيق: د. محمود الطحان، عدد الأجزاء: ٢. ١٧ - جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام، المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، الناشر: دار العروبة - الكويت، الطبعة الثانية، ١٤٠٧ - ١٩٨٧، تحقيق: شعيب الأرناؤوط - عبد القادر الأرناؤوط. ١٨ - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، المؤلف: عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه - مصر، الطبعة: الأولى ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧ م، عدد الأجزاء: ٢.

стр. 242

١٩ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية، المؤلف: علماء نجد الأعلام، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الطبعة: السادسة، ١٤١٧ هـ/ ١٩٩٦ م، عدد الأجزاء: ١٦. ٢٠ - السلسلة الصحيحة، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف - الرياض، عدد الأجزاء: ٧. ٢١ - سنن ابن ماجه، المؤلف: محمد بن يزيد أبو عبد الله القزويني، الناشر: دار الفكر - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، عدد الأجزاء: ٢. ٢٢ - سنن أبي داود، المؤلف: سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، الناشر: دار الفكر، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد. ٢٣ - السنن الكبرى، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، حققه وخرج أحاديثه: حسن عبد المنعم شلبي، أشرف عليه: شعيب الأرناؤوط، قدم له: عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م. ٢٤ - صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، المؤلف: محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤١٤ - ١٩٩٣، تحقيق: شعيب الأرنؤوط. ٢٥ - صحيح الأدب المفرد للإمام البخاري، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: دار الصدّيق، الطبعة: ط ١: ١٤٢١ هـ. ٢٦ - صحيح الترغيب والترهيب، المؤلف: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر: مكتبة المعارف - الرياض، الطبعة: الخامسة. ٢٧ - صحيح مسلم، المؤلف: مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، عدد الأجزاء: ٥. ٢٨ - طبقات الشافعية الكبرى، المؤلف: الإمام العلامة: تاج الدين بن علي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو دار النشر: هجر للطباعة والنشر والتوزيع - ١٤١٣ هـ، الطبعة: الثانية، عدد الأجزاء: ١٠. ٢٩ - الطبقات الكبرى، المؤلف: محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البصري الزهري، المحقق: إحسان عباس، الناشر: دار صادر بيروت، الطبعة: ١ - ١٩٦٨ م، عدد الأجزاء: ٨.

стр. 243

٣٠ - عمل اليوم والليلة، المؤلف: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني، النسائي، المحقق: د. فاروق حمادة، الناشر: مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة: الثانية، ١٤٠٦ ٣١ - الكامل في اللغة والأدب، المؤلف: محمد بن يزيد المبرد، أبو العباس. المحقق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار الفكر العربي - القاهرة، الطبعة: الطبعة الثالثة ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م ٣٢ - المجتبى من السنن، المؤلف: أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، الناشر: مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، الطبعة الثانية، ١٤٠٦ - ١٩٨٦، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، عدد الأجزاء: ٨ ٣٣ - مجموع الفتاوى، المؤلف: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية الحراني. المحقق: أنور الباز - عامر الجزا، الناشر: دار الوفاء، الطبعة: الثالثة، ١٤٢٦ هـ/ ٢٠٠٥ م. ٣٤ - مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، المؤلف: محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله، تحقيق: محمد حامد الفقي، الناشر: دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثانية، ١٣٩٣ - ١٩٧٣، عدد الأجزاء: ٣. ٣٥ - المستدرك على الصحيحين، المؤلف: محمد بن عبد الله أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، الناشر: دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١ - ١٩٩٠، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا. ٣٦ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، المؤلف: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني، المحقق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، الناشر: مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى، ١٤٢١ هـ - ٢٠٠١ م. ٣٧ - مسند البزار (المطبوع باسم البحر الزخار) المؤلف: أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار، المحقق: محفوظ الرحمن زين الله، (حقق الأجزاء من ١ إلى ٩)، وعادل بن سعد (حقق الأجزاء من ١٠ إلى ١٧)، وصبري عبد الخالق الشافعي (حقق الجزء ١٨)، الناشر: مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة: الأولى. ٣٨ - مصنف عبد الرزاق، المؤلف: أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية، ١٤٠٣، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، عدد الأجزاء: ١١.

стр. 244

٣٩ - المعجم الكبير، المؤلف: سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني، المحقق: حمدي بن عبد المجيد السلفي دار النشر: مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة: الثانية، عدد الأجزاء: ٢٥. ٤٠ - معرفة السنن والآثار، المؤلف: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي، المحقق: عبد المعطي أمين قلعجي، الناشرون: جامعة الدراسات الإسلامية (كراتشي - باكستان)، دار قتيبة (دمشق -بيروت)، دار الوعي (حلب - دمشق)، دار الوفاء (المنصورة - القاهرة)، الطبعة: الأولى، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م، عدد الأجزاء: ١٥. ٤١ - مؤلفات الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب، المؤلف: محمد بن عبد الوهاب، الناشر: مكتبة ابن تيمية، عدد المجلدات: ١٣ ٤٢ - الهدية النجدية، المؤلف: سليمان بن سحمان النجدي، الطبعة الأولى ١٣٤٢ هـ، مطبعة المنار بمصر. ٤٣ - تفسير آيات أشكلت على كثير من العلماء (١/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، المؤلف: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية. المحقق: عبد العزيز بن محمد الخليفة ط: مكتبة الرشد، سنة النشر: (١٤١٧ - ١٩٩٦).