← Акыда

Акыда · id 30156

الإغاثة في شرح الأصول الثلاثة

أحمد القاضي

Полный текст (244 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

المؤقتة فهي أهون، ولكنها لا تجوز إلا بشروط ثلاثة ذكرها شيخنا ﵀ (١): الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات؛ لأن القاصد إلى بلاد الكفار يطرأ على عقله من الشبهات، ويرد عليه من الأفكار المضلة ما قد يزلزل دينه وعقيدته، لا سيما إذا كانت بلادًا متطورة متقدمة من الناحية التكنولوجيه والمدنية؛ فقد يقع في قلبه زيغ -والعياذ بالله- فلا بد أن يكون عنده علم ثابت يدفع به الشبهات. الشرط الثاني: أن يكون عنده ورع يدفع عنه الشهوات؛ لأن بلاد الكفار على مر الأعصار بلاد فجور وتحلل وتساهل، بخلاف بلاد أهل الإسلام ففيها من رعاية الأخلاق والمحافظة على الآداب ما ليس في غيرها. الشرط الثالث: أن يكون لديه حاجة: كطلب علم أو طلب تجارة؛ فإن الفقهاء نصوا على أن طلب التجارة مما يبيح السفر إلى بلاد الكفار، وأن ذلك من الضرب المباح في الأرض، أو بغرض الدعوة إلى الله ؛ فهذا مقصد صحيح، أو لطلب علاج لا يجد مثله في بلاده؛ فهذه حاجات صحيحة. والسياحة لا تعد من الحاجة؛ لأن السياحة بالمفهوم المعاصر: تستلزم غالباً غشيان الأماكن والمواضع التي تكثر فيها المنكرات والفساد، وفي المتنزهات التي يقصدها الناس على اختلاف أحوالهم ورداءة طباعهم وعاداتهم؛ فيقع البصر على مناظر مؤذية وعورات مغلظة وغير ذلك؛ ولذلك فإن السياحة ليست من الحاجة التي تبيح أن يحمل الإنسان نفسه وحريمه ويذهب إلى بلاد الكفر والعهر.

стр. 177

فلا بد من تحقق هذه الشروط الثلاثة لجواز السفر إلى بلاد الكفر، وذلك أن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يحفظه: دينه؛ لأنه أعظم المقاصد، والأمور نسبية فالنبي ﷺ أذِن لأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى الحبشة مع أن الحبشة في ذلك الوقت ليست دار إسلام؛ لكنهم كانوا في مكة يتعرضون للفتنة في الدين وللأذى البدني والمعنوي حتى كان الحجر يوضع على صدر بلال وينوء به ويقول: أحد أحد، وكان يؤتى بأسياخ الحديد فتوضع على ظهر خباب بن الأرت؛ فلا يطفؤها إلا ماء ظهره، وكان عمار بن ياسر يغمس رأسه في الماء (١)، "فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا" (٢)، فهذا أخف الشرين، فلما بوأ الله تعالى للمؤمنين المدينة فلا يحكم بها إلا بدين الله والآمر الناهي فيها رسول الله ﷺ ؛ كان لزامًا على كل مؤمن أن يهاجر إلى المدينة رجعوا من الحبشة، أما من قصد بلاد الكفر لأجل السكنى والرفاهية والتوسع في أمور الدنيا والتنعم؛ فهذا قد خاطر بدينه ونفسه وعياله وأقامهم في موضع ينسلخون من دينهم؛ فهذا لا يحل، وقد رأيت بعيني رأسي من المسلمين الذين ابتلوا بالسكنى بين ظهراني الكفار في أوروبا وأمريكا من يبكي بكاءً مرًا وهو يرى ذريته ينسلخون من الدين أمام عينه، ولا يملك عليهم قوامة ولا ولاية؛ لأن الأنظمة المدنية لتلك الدول تمنعه من أن يقوم عليهم أو يأمرهم أو ينهاهم، فما أن تبلغ الفتاة

стр. 178

ثماني عشرة سنة، فلها أن تصاحب من تشاء، ولها أن تبيت مع من تشاء، ولها أن تتخذ صديقًا … إلى غير ذلك من الموبقات، يرى ذلك بأم عينيه ولا يحرك ساكنًا، فلا شك أن تعريض الإنسان ذريته لهذه المخاطر لأجل لعاعة من الدنيا مجازفة عظيمة وتعريض للنفس لكبائر هو في عافية منها، فبلاد الإسلام مهما بلغت من التخلف خير له؛ فإن الإنسان في بلاد الإسلام يقرع سمعه الآذان، ويسمع القرآن، ويجد أهل الإسلام، فالمقام فيها ليس كالمقام بين ظهراني الكافرين. قوله: (وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ قَالَ الْبُغَوِيُّ ﵀: سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ فِي المُسْلِمِينَ الَّذِينَ بِمَكَّةَ ولَمْ يُهَاجِرُوا، نَادَاهُمُ اللهُ بِاسْمِ الإِيمَانِ): استدل المصنف أيضًا بهذه الآية على الهجرة. فالله تعالى ناداهم باسم الإيمان، قال: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾، هذا يُفهم بأن من شرط الإيمان أن يهاجر الإنسان من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وأن هذا مقتضى العبودية ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾. والبغوي إمام مفسر مشهور، وتفسيره جرى -ولله الحمد- على التفسير بالمأثور، فهو من تفاسير أهل السنة، ولعل الشيخ نقل كلام البغوي بمعناه لا بحروفه؛ فإن الذي في التفسير غير مطابق لهذا اللفظ، فكأن الشيخ ﵀ نقله بمعناه. قوله: (وَالدَّلِيلُ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ السُّنَّةِ: قَوْلُهُ ﷺ : (لا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا) (١):

стр. 179

الحديث يدل على أن أمر الهجرة باق إلى أن تطلع الشمس من مغربها، وعلق التوبة بطلوع الشمس من مغربها؛ لأنه بعد طلوع الشمس من مغربها يوصد باب التوبة؛ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨] فإذا طلعت الشمس من مغربها فلا توبة، وإذا غرغرت الروح في الحلقوم فلا توبة.

стр. 180

•قال المؤلف ﵀: (فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ، أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَ - صَلاة اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ - وَدِينُهُ بَاقٍ). قوله: (فَلَمَّا اسْتَقَرَّ فِي الْمَدِينَةِ أُمِرَ بِبَقِيَّةِ شَرَائِعِ الإِسْلامِ): ما استقر نبينا ﷺ بالمدينة، وأوى إليه أصحابه؛ صارت شرائع الإسلام تترى وتتوالى؛ لأن البيئة صارت مناسبة لإقامة بقية أركان الدين. قوله: (مِثلِ: الزَّكَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالْحَجِّ، وَالأَذَانِ، وَالْجِهَادِ، وَالأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الإِسْلامِ): فشُرعت الزكاة، وشُرع الصوم، وقد تقدم معنا أن الصلاة قد شُرعت قبل الهجرة بثلاث سنين، وقد كانت مشروعية الزكاة والصوم في السنة الثانية من الهجرة، ولكن الزكاة كأمر عام قد نزلت فيها آيات في مكة: كقول الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٤]، لكن تفاصيلها بأنصبائها وشروطها وغير ذلك إنما حصلت في المدينة؛ فلذلك كان النبي ﷺ يبعث السُعاة؛ ليقبضوا الزكوات من بهيمة الأنعام ومن الخارج من الأرض من الحبوب والثمار وفق مقادير معينة جاء تفصيلها في المدينة، وأما الصوم فإنما فُرض في السنة الثانية من الهجرة، وصام النبي ﷺ تسع رمضانات إجماعًا، وقد كان الجهاد متدرجًا، فلم يفرض الجهاد دفعة واحدة، وإنما كان في بداية الأمر قد أُذن لهم في دفع الصائل وقتال الذين يقاتلونهم، ثم بعد ذلك توسع الأمر حتى نزلت آية السيف؛ فكانت إيذانًا بالجهاد في سبيل الله وإدخال الناس في دين الله

стр. 181

حتى تكون كلمة الله هي العليا، ومعنى أن تكون كلمة الله هي العليا: أن تكون الهيمنة والقوة ونفاذ الكلمة لسلطان المسلمين، وتكون الأمور العامة بيد المسلمين، فمن أبى الإسلام وارتضى أن يدخل في عقد المسلمين؛ فإنه يبذل لهم الجزية. وكذلك الآذان فإنه فرض في أول الإسلام في السنة الأولى (١)، وقيل: في السنة الثانية، فكان الآذان من أعظم شرائع الإسلام الظاهرة؛ لأنه يدل دلالة واضحة على هوية هذا المجتمع، فإذا دخل وقت الصلاة ولعلعت المآذن بهذا الصوت الندي، عُلم أن هذا البلد بلد إسلام. ولو تواطأ أهل بلدة على ترك الآذان لقاتلهم الإمام على ترك هذه الشعيرة، كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإنه من أعظم الشرائع، ومن أعظم خصائص هذه الأمة قال ربنا : ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]، وقال سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعني: إشاعة الحق وإبطال الباطل، وتلك رسالة هذه الأمة؛ إشاعة القيم والمعاني الصحيحة الصائبة، وإفشاء العلم النافع والعمل الصالح، ومقاومة البدع والخرافات والمعاصي والمنكرات، وهذا إنكار المنكر، فهما خطان متوازيان؛ الأمر بالمعروف من جهة البناء والتشييد، والنهي عن المنكر من جهة الصيانة والحفظ، وذلك من أخص خصائص الأمة المحمدية. قوله: (أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشْرَ سِنِينَ): يالها من عشر! عشر سنوات

стр. 182

مملوءة بالعلم والجهاد والتعليم! ولو تأملت في حال عامة الخلق تمر بهم عقود السنين ولا يأتون بطائل ولا شيئا ذا بال يستحق أن يُذكر، أما العشر سنوات التي أمضاها النبي ﷺ في المدينة، فكم تضمنت من غزوة، وسرية، وخطبة، وتعليم، وأحداث عظام؛ ببركة عمره ﷺ ونبوته. وفاة النبي ﷺ - قوله: (وَتُوُفِّيَ صَلواتُ اللهِ وَسَلامُهُ عَلَيْهِ): كما أخبر الله تعالى ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، فتوفي النبي ﷺ في يوم اثنين في السنة الحادية عشرة من الهجرة في ربيع الأول، وكان قد بدأ مرضه في أواخر شهر صفر وأول شهر ربيع الأول، وقد شعر النبي ﷺ بمبادئه في حجة الوداع في السنة العاشرة، فكان يقول لجموع الناس: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» (١)، فكان في هذا إشعار بأنه أدى المهمة، وأنزل الله تعالى عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وأنزل الله عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [سورة النصر] وكان من فقه ابن عباس ﵄ لما سأله عمر عن هذه الآيات أنه قال: «أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ» (٢)، فكانت هذه إرهاصات ومقدمات تُنبئ عن دنو أجله، وقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: «يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي

стр. 183

مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ» (١)، وتلك القصة قد رواها البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ، فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ، قَالَ: «مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ» قَالَ: - أَوْ قَالَ - «عَلَيَّ» قَالَ قَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا»، قَالَ: «فَمَا زِلْتُ أَعْرِفُهَا فِي لَهَوَاتِ رَسُولِ اللهِ ﷺ » (٢)؛ يعني: أمسكه الله عنه يُرى سواده وقد ورد في خارج الصحيح أنه ﷺ نهس منها نهسة؛ ثم أمر أصحابه أن يمسكوا، وقال: (إن هذه الذراع أخبرتني أن فيها سمًا)، وكان قد أكل منها بِشر بن البراء فمات لساعته ﵁، ولكن الله حفظ نبيه ﷺ (٣)،، ثم قال النبي ﷺ في آخر عمره: (فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ)، فلو قال قائل: إن رسول الله ﷺ قد قتلته يهود لما كان بعيدًا من صواب. توفاه الله تعالى في يوم اثنين، ودهش الناس دهشة عظيمة، لا سيما أنه في ذلك اليوم قد كان معه نوع نشاط، وأزاح الستر ورأى المسلمين وهم يصلون؛ فسُر واستنار وجهه وفرح المسلمون وظنوا أنه شفي، حتى إن أبا بكر الصديق ذهب يتفقد بعض ضياعه خارج المدينة، فعَنْ عَائِشَةَ ﵂، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ، - قَالَ: إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي بِالعَالِيَةِ - فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَتْ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ،

стр. 184

وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ " فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ: أَيُّهَا الحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ، فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ: أَلا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا ﷺ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، وَقَالَ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠]، وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، قَالَ: فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ، … قَالَتْ: فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ وَخَرَجُوا بِهِ، يَتْلُونَ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إِلَى ﴿الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] (١)، وهذا يدل على ثبات أبي بكر ورباطة جأشه وقوة علمه وفقهه في الملمات والأزمات، فتوفي رسول ﷺ ، وتلقى الناس هذا الأمر، ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم لتكريمهم له غسلوه في أثوابه ولم يكشفوه ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ثم صار الناس يدخلون إليه أرسالًا يُصلُّون عليه فرادى، دخل الرجال والنساء والولدان ثم دفن ﷺ ليلة الأربعاء، وقد أدى ما عليه، نسأل الله أن يجمعنا به في جنات النعيم، وهو الذي قام بين الناس في حجة الوداع قال: وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا

стр. 185

أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ: بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ «اللهُمَّ، اشْهَدْ، اللهُمَّ، اشْهَدْ» ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١)، ونحن والله نشهد أنه قد بلغ رسالات ربه وأدى ما عليه. قوله: (وَدِينُهُ بَاقٍ): قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣])، وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ» (٢).

стр. 186

•قال المؤلف ﵀: (وَهَذَا دِينُهُ، لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ، وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ، وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ، وَالشَّرُ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ الشِّرْكُ، وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُ اللهُ وَيَأْبَاهُ. بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ). قوله: (وَهَذَا دِينُهُ لا خَيْرَ إِلا دَلَّ الأُمَّةَ عَلَيْهِ، وَلا شَرَّ إِلا حَذَّرَهَا مِنْهُ): المشار إليه ما تقدم ذكره، وما سيأتي أيضًا. قوله: (وَالْخَيْرُ الَّذِي دَلَّهَا عَلَيْهِ التَّوْحِيدُ): لأن أصل الدين إفراد الله تعالى بالعبادة. قوله: (وَجَمِيعُ مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ)؛ أي: من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. قوله: (وَالشَّرُ الَّذِي حَذَّرَهَا مِنْهُ الشِّرْكُ): لأنه أصل الشرور، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]، وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» (١)، فأعظم الشر هو الشرك.

стр. 187

قوله: (وَجَمِيعُ مَا يَكْرَهُه اللهُ وَيَأْبَاهُ): ما ترك رسول الله ﷺ شاذة ولا فاذة إلا ونبه الأمة عليها، حتى قَالَ أَبُو ذَرٍّ: "لَقَدْ تَرَكَنَا مُحَمَّدٌ ﷺ ، وَمَا يُحَرِّكُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا أَذْكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا " (١) الله أكبر! كل شيء تحتاجه الأمة أخبر عنه النبي ﷺ ، وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ سَلْمَانَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ! قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ «لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ» (٢). تأمل في حياتك اليومية ستجد أنه ما من مرفق من مرافق الحياة الاجتماعية، والاقتصادية، والأدبية، والأخلاقية إلا وقد بيّن الله ونبيه ﷺ لنا منه علمًا نسير عليه ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]. قوله: (بَعَثَهُ اللهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَافْتَرَضَ طَاعَتَهُ عَلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ): فالنبي- ﷺ بعث إلى الناس كافة؛ إنسهم وجنهم، ليس كما يزعم بعض النصارى أنه بعث إلى العرب فقط؛ قياسًا على بعض الأنبياء السابقين، لا، بل رسالته ﷺ إلى الثقلين: الإنس والجن. أما الإنس فالأمر ظاهر فقد كان النبي ﷺ يوجه دعوته إلى الإنس، وكذلك الجن فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: " انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ

стр. 188

الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى قَوْمِهِمْ، فَقَالُوا: مَا لَكُمْ؟ فَقَالُوا: حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إِلَّا شَيْءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا مَا هَذَا الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ بِنَخْلَةَ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا لَهُ، فَقَالُوا: هَذَا وَاللَّهِ الَّذِي حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ، وَقَالُوا: يَا قَوْمَنَا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ [الجن: ٢]، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾ [الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ (١)، وهذا ما ذكره الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف: ٢٩ - ٣١] فقد بلغت رسالة النبي ﷺ إلى هذا العالم الغيبي غير المنظور وفي موقف آخر التقى بوفد من جن نصيبين، وقدموا إليه كما يفد إليه قبائل العرب، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِدَاوَةً لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟» فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا

стр. 189

بِرَوْثَةٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِي طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ العَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ، وَنِعْمَ الجِنُّ، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ، وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلَّا وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا» (١)، ووقع بعض ذلك أيضًا في العهد المكي قال علقمة: سَأَلْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَقُلْتُ: هَلْ شَهِدَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ الْجِنِّ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَفَقَدْنَاهُ فَالْتَمَسْنَاهُ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالشِّعَابِ. فَقُلْنَا: اسْتُطِيرَ أَوِ اغْتِيلَ. قَالَ: فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِنْ قِبَلَ حِرَاءٍ. قَالَ: فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ فَقَدْنَاكَ فَطَلَبْنَاكَ فَلَمْ نَجِدْكَ فَبِتْنَا بِشَرِّ لَيْلَةٍ بَاتَ بِهَا قَوْمٌ. فَقَالَ: «أَتَانِي دَاعِي الْجِنِّ فَذَهَبْتُ مَعَهُ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ» قَالَ: فَانْطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُمْ وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ وَسَأَلُوهُ الزَّادَ فَقَالَ: " لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ يَقَعُ فِي أَيْدِيكُمْ أَوْفَرَ مَا يَكُونُ لَحْمًا وَكُلُّ بَعْرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «فَلَا تَسْتَنْجُوا بِهِمَا فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخْوَانِكُمْ» (٢). وأنزل الله تعالى سورة كاملة -سورة الجن- تبين قبولهم لدين الله تعالى، ودخول بعضهم في دين الإسلام ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (١٤) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٤، ١٥].

стр. 190

•قال المؤلف ﵀: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]، وَأَكْمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِين﴾ [المائدة: ٣]، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]). استدل المصنف ﵀ بقول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] فقد أمرنا الله تعالى بالإيمان به، وأمرنا أيضا باتباعه، فلا يكفي مجرد التصديق بأنه رسول والثناء عليه، بل لا بد من الاتباع، ومعنى الإيمان بمحمد ﷺ : تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. قوله: (وَأَكْمَلَ اللهُ بِهِ الدِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِين﴾ [المائدة: ٣]): عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّ رَجُلًا، مِنَ اليَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَءُونَهَا، لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا. قَالَ: أَيُّ آيَةٍ؟ قَالَ: ﴿اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ

стр. 191

عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] قَالَ عُمَرُ: «قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، وَالمَكَانَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ» (١)، وهذه الآية تقطع الطريق على كل مبتدع؛ لأن الله قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾: فلا سبيل لأحد أن يضيف شيئاً من عنده إلى دين الله؛ فإن الله تعالى قد أكمل الدين، فمن زعم أنه ينبغي كذا ويستحسن كذا ويستحب كذا بلا دليل ولا بينة، فكأنما يطعن في كمال الدين، كأنما يقول: توفي رسول الله ﷺ وبقي عليه بقية لم يكملها، ولو لم يقل هذا بلسان مقاله، لكان قائلًا له بلسان حاله، لكن الله تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؛ فتمت النعمة ورضي الله لنا الإسلام دينًا، ونحن نرضى بما رضي الله لنا، رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ رسولًا نبيًا. قوله: (وَالدَّلِيلُ عَلَى مَوْتِهِ ﷺ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣٠، ٣١]). لما قرر الشيخ -رحمه الله تعالى- هذه الأصول الثلاثة وآخرها: معرفة نبينا محمد ﷺ وذكر طرفًا من سيرته، أخبر بأنه قد مات؛ وذلك لرفع شبهة من يدعِي أن النبي ﷺ لا يزال حيًا أو أن روحه تتجول، أو غير ذلك من الدعاوى الباطلة، فنبينا محمد ﷺ قد مات بنص الكتاب وشهادة من حضره ولا ريب، شأنه شأن بني آدم. قوله: (والدليل على موته قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠])؛ فالموت أمر كتبه الله تعالى على كل نفس.

стр. 192

قال الله : ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]؛ فلا شك أن الموت أدرك نبينا- ﷺ ولحق بالرفيق الأعلى، وشهد الناس بهذه الوفاة المحققة، قال تعالى ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فقد مات نبينا ﷺ ولا ريب كما يموت سائر بني آدم. وليس لبشر الخلد، لا النبي ﷺ ، ولا الخَضر كما يدعي الصوفية في مخاريقهم، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِي عَنِ السَّاعَةِ؟، وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللهِ، وَأُقْسِمُ بِاللهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ» (١)، وعَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، صَلَاةَ الْعِشَاءِ، فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ» (٢). أي أن ذلك الجيل وذلك القرن يفنى كله لا يبقى منهم أحد. فلو فرض جدلًا أنه كان أحد بعد على قيد الحياة فقد أدركه الموت ولا ريب. وقوله: (﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١]): قال ابن جرير الطبري ﵀: إن جميعكم أيها الناس تختصمون عند ربكم، مؤمنكم وكافركم، ومحقوكم ومبطلوكم، وظالموكم ومظلوموكم، حتى يؤخذ لكلّ منكم ممن لصاحبه قبله حق حقُّه. وهي خطاب لجميع عباده، فلم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض، فذلك على عمومه

стр. 193

على ما عمه الله به، وقد تنزل الآية في معنى، ثم يكون داخلا في حكمها كلّ ما كان في معنى ما نزلت به (١).

стр. 194

•قال المؤلف ﵀: (وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨]. وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]. وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]). الإيمان بالبعث كأن المؤلف ﵀ لما فرغ من ذكر الأصول الثلاثة التي يُسأل عنها الميت في قبره رأى التأكيد على مسألة الإيمان باليوم الآخر، وإن كان قد سبق ذكرها فيما مضى ضمن مسائل الإيمان. قوله: (وَالنَّاسُ إِذَا مَاتُوا يُبْعَثُونَ)؛ أي: ينشرون من قبورهم أحياءً. وقد جاء بهذا ناطق الكتاب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. هكذا أمر الله نبيه أن يُقسم بذاته الشريفة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي﴾ [التغابن: ٧]. وهذا أحد ثلاثة مواضع يؤمر فيها بالقسم بهذه الصيغة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]،

стр. 195

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]. وجاءت بهذه المؤكدات العظيمة، فالبعث حق، وفي الصحيح عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا» (١)، حفاةً: غير منتعلين، عراة: غير مكتسين، غرلًا: غير مختومين، بُهمًا: ليس معهم شيء؛ أي: أن الإنسان يرد بخلقه الكامل، حتى القلفة التي تكون على رأس الذكر، وتختن في وقت الصغر تعود مع صاحبها ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]): مرجع الضمير في الجمل الثلاث إلى الأرض، وذلك أن الله تعالى خلق أبانا آدم من قبضة من تراب الأرض -من سهله ووعره وأحمره وأسوده- ولأجل ذا جاءت أخلاق بنيه على أنحاء متفرقة، فمنهم السهل، ومنهم الصعب، كما أن ألوانهم متفاوتة؛ لحكمة بالغة، قبض الله قبضةً من تراب الأرض، وجعل فيها الماء فكانت طينًا، ثم بعد ذلك يبست؛ فصارت بعد أن شكلها الرب صلصالًا كالفخار، ثم نفخ فيها من روحه فاستحال خلقًا جديدًا. قوله: (﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]): وذلك أن ابن آدم إذا مات دُسَّ في الأرض ووري الثرى، كما دل الله تعالى ابن آدم الأول الذي قتل أخاه على هذه السنة الكونية. ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة: ٣١]. فمنذ ذلك الحين علم الناس سنة الدفن، فيعود الإنسان ترابًا، تتحلل أجزاؤه، ويفنى ولا يبقى منه إلا

стр. 196

عجب الذنب وهو العصعص، فمنه يُرَّكب الخلق يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ، خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» (١) وكأن هذا الموضع يحتفظ بالصفات الوراثية لكل آدمي؛ فمنه يتركب خلقًا جديدًا حين يأذن الله تعالى بالبعث والنشور. قوله: (﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾)؛ أي: من الأرض، لكن الأرض المبدلة، هي ذات الأرض في مادتها لكنها على نحو جديد، فالأرض التي يبعث عليها الناس يوم القيامة تمد مد الأديم، مسطحة كالقرصة، ليس فيها معلم لأحد، لا جبل يُعلو عليه، ولا واد يكنِّه؛ كما قال : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: ١٠٥ - ١١١]. فعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ، كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ، لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ» (٢). لن تجد تصويرًا لذلك المشهد العجيب الرهيب أبلغ من هذا التصوير، أرض جديدة تنشق عن المودَعين فيها من لدن آدم ﵇، ممن كانت أطوالهم ستون ذراعًا في السماء إلى من هم في مثل أطوالنا، إلى ما يكون من الخلق بعد ذلك، ومعهم الوحوش والعشار والدواب والطير

стр. 197

والبهائم ومن شاء الله تعالى، في مشهد مهيب ومسيرة عجيبة، يتجهون إلى الأرض التي سيحاكمون عليها ويقضى بينهم. قوله: (﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨]): هذا أيضًا موافق للآية الأولى، فهذه الأرض منها أنبتنا الله، فإن جزئيات أبداننا ومكوناتنا مرجعها إلى عناصر الأرض المعروفة؛ فمنها نبتنا ونشأنا، إما عن طريق ما يرضعه الطفل من والدته، أو عن طريق الغذاء الذي نتناوله. قوله: (﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٨]): فالإعادة تكون بالموت والدفن، ثم الإخراج يكون يوم القيامة بعد النفخ في الصور. فقد وقَّت الله وقتًا معلومًا لعمر هذه الدنيا وأخفاه عن العباد ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: ٦٥]، فلا أحد يعلم متى الساعة، وقد أخبر الله تعالى أنه لا يجليها لوقتها إلا هو: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]، فكل من ادعى العلم بالساعة ونهاية العالم؛ فاعلموا أن دعواه باطلة، فإنه يخرج علينا بين الفينة والفينة دعوات تزعم أن القيامة وخراب العالم ونهاية الدنيا في تاريخ كذا وكذا، كلها دعاوى باطلة مردودة بنص القرآن، يجب تكذيبها وردها على قائلها. الثواب والعقاب قوله: (وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ وَمَجْزِيُّونَ بِأَعْمَالِهِمْ): ما خلق الله تعالى هذه الخليقة عبثًا؛ بل خلقها الله تعالى لحكمة، هذه الحكمة هي

стр. 198

التي نص عليها بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال منكرًا على من زعم عدم الحكمة أو غاب عنه ذلك أو لم يؤمن به: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥]. لا يمكن أن يقيم الله هذا البناء العالي وهذا الأرض الممهدة، وينشر فيها هذه الخلائق، ويبث فيها رجالًا ونساءً لا لحكمة! فالله ينزه عن العبث بل ذلك لحكمة بالغة، ولأجل ذا قال: وَبَعْدَ الْبَعْثِ مُحَاسَبُونَ. فحين يبعث الناس ويسيرون إلى أرض المحشر يطول بهم المقام، ينتظرون الفصل في يوم طويل جدًا جدًا، يلحقهم فيه من العنت والعناء الشيء العظيم؛ إلا من خفف الله تعالى عنه ذلك، قال ربنا: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: ١٠]. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ [القمر: ٨، ٧، ٦]. عياذًا بالله. ففي ذلك الموقف العظيم يعرق الناس بعد أن تُدنو الشمس منهم قدر ميل، فعن سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ، حَدَّثَنِي الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، يَقُولُ: «تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ، حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ» قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ؟ أَمَسَافَةَ الْأَرْضِ، أَمِ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ - قَالَ: «فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا» قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ) (١). وهذا من الغيب الذي يجب

стр. 199

أن نؤمن به، ولا يجوز أن تعارض مثل هذه الأخبار الغيبية بالنظرات الفيزيائية، كأن يقول قائل: كيف يستقيم هذا والأرض مستوية منبسطة، وقانون الأواني المستطرقة عند أهل الفيزياء يمنع مثل هذا؟!، لا يجوز أن تعارض النصوص بمثل هذا!، الذي أوجد هذه القوانين الطبيعية قادر على إبطالها، وخبر الله حق، وخبر نبيه ﷺ حق، وهذه قاعدة يجب على الإنسان أن يُعملها فيما بلغه من كلام رب العالمين، وصح من كلام سيد المرسلين، وألا يعارضه بمحض العقول بل يقابله بالقبول والتسليم، وأنه حق على حقيقته. ثم بعد ذلك تنجفل الخلائق إلى أبينا آدم ﵇، قال ﷺ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُتِيَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً، ثُمَّ قَالَ: " أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهَلْ تَدْرُونَ مِمَّ ذَلِكَ؟ يَجْمَعُ اللَّهُ النَّاسَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، يُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي وَيَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنَ الغَمِّ وَالكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَلَا يَحْتَمِلُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ؟ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: عَلَيْكُمْ بِآدَمَ، فَيَأْتُونَ آدَمَ ﵇ فَيَقُولُونَ لَهُ: أَنْتَ أَبُو البَشَرِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَمَرَ المَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا قَدْ بَلَغَنَا؟ فَيَقُولُ آدَمُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ نَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُونَ: يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، وَقَدْ سَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ

стр. 200

يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُهَا عَلَى قَوْمِي، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَنْتَ نَبِيُّ اللَّهِ وَخَلِيلُهُ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ كُنْتُ كَذَبْتُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ - فَذَكَرَهُنَّ أَبُو حَيَّانَ فِي الحَدِيثِ - نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى مُوسَى فَيَأْتُونَ، مُوسَى فَيَقُولُونَ: يَا مُوسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَضَّلَكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ عَلَى النَّاسِ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَإِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِهَا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي، اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَيَأْتُونَ عِيسَى، فَيَقُولُونَ: يَا عِيسَى أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَكَلَّمْتَ النَّاسَ فِي المَهْدِ صَبِيًّا، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَيَقُولُ عِيسَى: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَلَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَنْبًا، نَفْسِي نَفْسِي نَفْسِي اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي اذْهَبُوا إِلَى مُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ، فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي، فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، أُمَّتِي يَا رَبِّ، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ البَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ، ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ مَا بَيْنَ المِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الجَنَّةِ، كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ

стр. 201

وَحِمْيَرَ - أَوْ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَبُصْرَى - " (١) وورد نحوه عن أنس مرفوعا ثم تلا ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: («وَهَذَا المَقَامُ المَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ نَبِيُّكُمْ ﷺ » (٢). فلهذا كانت هذه الأمة السعيدة هي أول الأمم يقضى بينها يوم القيامة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ … " (٣). فيقع القضاء بين العباد، ويقع في ذلك اليوم أمور عظيمة مهولة، يحار العقل في التفكر بها: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٥، ٢٦]. فتنشق كل سماء كما في بعض الآثار، وينزل ملائكتها فيحيطون بأهل الأرض إحاطة السوار بالمعصم، فتنشق السماء التي بعدها فيحيطون بمن قبلهم حتى يكونون سبع حِلق حول أهل الأرض. ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. يكون ذلك كالإرهاص والمقدمة لتنزل الرب ومجيئه لفصل القضاء بين العباد، فينزل ربنا نزولًا حقيقيًا، ويجيء مجيئًا حقيقيًا، ويأتي إتيانًا حقيقيًا على الوجه اللائق به -سبحانه-، لا ندرك كيفية ذلك ولا نتخيله، لكن نثبت معناه حقًا وصدقًا، فيجيء الرب للقضاء بين العباد يوم القيامة.

стр. 202

قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم: ٣١]): هذه نتيجة الحساب: الجزاء، والحساب كما تقدم على نوعين: حساب المؤمنين، وحساب الكافرين: فأما حساب الكافرين: فإنه ليس حسابًا بمعنى الموازنة بين الحسنات والسيئات؛ لأنه لا حسنات لهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. فليس في الكفة الأخرى شيء يوضع أصلًا؛ لأن الشرك لا تبقى معه حسنة، وإنما يقررون بذنوبهم، فيعترفون بها؛ إظهارًا للحق، ثم يؤمر بهم فيلقون في جهنم -عياذًا بالله-. وأما المؤمنون فإن حسابهم على ضربين: عرض ومناقشة: فالعرض: يكون لمن سبقت له من الله الحسنى، ممن أراد الله تعالى به خيرًا، عن ابن عمر -رضي الله عرضي الله عنهما- قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يُدْنَى الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رَبِّهِ ، حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُ؟ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَعْرِفُ، قَالَ: فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ) (١). ما أسعده! ما أهنأه! حينما يقرع سمعه (فَإِنِّي قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ). تلكم هي السعادة الحقيقية؛ سعادةً لا يشقى بعدها أبدًا. وأما المناقشة فإنها تكون في حق من أراد الله تعالى أن يعذبهم من عصاة الموحدين بقدر ذنوبهم، فإنه يدقق معهم في الحساب؛ لأنه يراد

стр. 203

بهم أن يعذبوا، فحينئذ يعذبون بقدر ذنوبهم، ثم يكون مآلهم إلى الجنة، على تفاوت فيما بينهم. وبهذا أخبر النبي ﷺ ؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمُ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ - أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ - فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا، أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ، فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ، فَبُثُّوا عَلَى أَنْهَارِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ قِيلَ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، أَفِيضُوا عَلَيْهِمْ، فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحِبَّةِ تَكُونُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) (١)، فيدخلون الجنة، فالجزاء بعد الحساب. والمجازاة إما في الجنة وإما في النار: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. لتتم الحكمة البالغة من هذه الخليقة، فالله تعالى ما خلق الدنيا عبثًا، وإنما خلقها لحكمة بالغة؛ ليعلم من يعبده ومن يعصيه، من يكون أهلًا لدار كرامته، ومن يكون أهلًا لدار عذابه ونقمته. حكم من كذب بالبعث قوله-معقبًا على هذه القضية العظيمة-: (وَمَنْ كَذَّبَ بِالْبَعْثِ كَفَرَ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: ٧]). الشرح أثبت الله تعالى البعث في هذه الآية إثباتًا لا مزيد عليه، حيث أمر نبيه أن يقسم بذاته -سبحانه- ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]. واللام لام القسم، والنون نون التوكيد الثقيلة. فالبعث حق، ومن كفر بالبعث؛ فقد كفر بالله العظيم.

стр. 204

ومنكرو البعث أصناف وطوائف: الدهرية، والدهرية ملاحدة يقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٤]. قال قائلهم: "أرحام تدفع، وأرض تبلع، وما يهلكنا إلا الدهر" هذه مقالة الدهرية. وقريب من هذه المقالة مقالة القائلين بتناسخ الأرواح، وهم أمم ممن يسكن شرق الكرة الأرضية من الهندوس، والبوذيين، ومن على شاكلتهم، يعتقدون عقيدةً باطلةً يقال لها تناسخ الأرواح، يزعمون أن الإنسان إذا مات ارتفعت روحه ثم انتسخت في جسد آخر، فإن كان في الدورة الأولى قد سلك سلوكًا حسنًا وعمل عملًا حسنًا، فإن روحه تنتسخ في بدن أرقى من البدن الذي كان فيه، وإن كان عمله في الدورة الأولى سيئًا ومشينًا؛ فإنه يعاقب بأن تنتسخ روحه في بدن أحقر من البدن الذي كان فيه، فتنتسخ في جسد صرصار أو حشرة أو غير ذلك، وتظل الدنيا تدور على هذا، لا نهاية لها. الفلاسفة، فإن الفلاسفة ينكرون البعث الجسماني، ولا يعتقدون بوجود البعث، ويقولون بقدم العالم وخلوده. الباطنية: الذين يزعمون ليس ثَمَّ بعث ولا نشور، وأن الأنبياء لم يُرسلوا من عند الله، وإنما هم قوم أذكياء، خاطبوا الناس لكي يحملوهم على الاستقامة والسلوك الحسن، فقالوا: إن لكم ربًا جبارًا قهارًا فعالًا … إلخ، وأنه قد جعل يومًا آخِر، يجازى فيه المحسن على إحسانه، والمسيء على إساءته، وليس هناك شيء من ذلك البتة، إنما هي مجرد دعوى، ومنهم (القرامطة) الرافضة. ولأجل ذا، كان الإيمان بالبعث من أصول الإيمان، في جميع الشرائع لا يمكن أن توجد شريعة من عند الله إلا والإيمان بالبعث،

стр. 205

والإيمان باليوم الآخر، من آصل أركانها: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة: ٦٢]. هذه الثلاث هي أصول الدين في جميع الشرائع: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح. وكثيرًا ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به والإيمان باليوم الآخر. من شواهد ذلك قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ١٧٧]. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]. فالإيمان باليوم الآخر من أصول الإيمان العظيمة التي تنضبط بها الأحوال والأعمال والسلوك والأخلاق وسائر الأمور، ولا يمكن أن يتصور إيمان بدون الإيمان باليوم الآخر؛ ولأجل ذا كان من كذب بالبعث كافرًا. وقد تنوعت دِلالة الكتاب والسنة على إثبات البعث بأنواع الأدلة، منها: هذا الدليل النقلي وما شابهه، من نصوص الكتاب والسنة التي تبلغ مبلغ التواتر، فكتاب الله، لا سيما القرآن المكي، مليء بالآيات الدالة على إثبات البعث؛ ويكفي أن تقرؤوا جزء (عم)؛ لتروا كيف أعاد الله تعالى وأبدى في إثبات اليوم الآخر: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤]، ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]، ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١]، فالقرآن المكي مليء بالأدلة الدالة على إثبات البعث، وكذا السنة النبوية.

стр. 206

الدليل العقلي: فإن العقل أيضًا يدل على إثبات وإمكانية البعث؛ كما قال : ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]. فالذي ابتدأ الخلق قادر على إعادته، فممَّ تعجبون أيها المنكرون!. ولما جاء أبي بن خلف وهو من زعماء المشركين إلى نبينا ﷺ بعظم رميم وفتَّه أمامه وقال: يا محمد، أتزعم أن ربك يحيي هذا بعد أن صار رميمًا؟ قال: نعم، ويبعثك ويدخلك النار، قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨، ٧٩] (١). النظر الصحيح: إذ أن كل عاقل يأبى أن يقبل أن يُنشئ الله الخليقة، ويرزق الله الناس ويطعمهم ويسقيهم ويأمرهم وينهاهم ثم ينتهي الأمر بلا بعث. قد أخبرنا سبحانه بأنه خلق السماوات والأرض بالحق، ألسنا نرى الظالم يموت ظالمًا؟ والمظلوم يموت مظلومًا؟ ألسنا نرى المحسن يموت محسنًا؟ والمسيء يموت مسيئًا؟ فأين الحق؟، ثَمَّ فصل آخر، ثَمَّ تتمة؛ حتى يرد الحق إلى نصابه، ويجازى الظالم بظلمه، والمظلوم عن مظلمته، والمحسن على إحسانه، والمسيء بإساءته، النظر يقتضي بأنه لا بد من يوم آخر تعاد الأمور فيه إلى نصابها. الدليل الحسي: والمقصود به: الأدلة المشاهدة المدركة بالحواس: كالسمع والبصر، فقد قامت أدلة حسية على إثبات البعث، فقد ذكر الله تعالى في سورة البقرة خمس أدلة حسية على إثبات البعث:

стр. 207

المثال الأول: بنو إسرائيل حينما قالوا: أرنا الله جهرًا. فأخذتهم الصاعقة وماتوا، قال الله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥، ٥٦]. المثال الثاني: قصة البقرة، وهو أن رجلًا من بني إسرائيل قُتل، واختلف في قاتله، فاحتكم بنو إسرائيل إلى موسى بن عمران، فأمرهم أن يذبحوا بقرةً ثم اختلفوا في صفة البقرة إلى أن وقعوا على البقرة بالمواصفات التي ذكرها لهم موسى ﵇: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ [البقرة: ٧٣]. فضربوه بجزء من هذه البقرة، فقام ذلك الميت من موتته، وقال له موسى: من قتلك؟ قال: ابن أخي. وكان ابن أخيه قد قتله ليأخذ ميراثه. المثال الثالث: القوم الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت، ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]، فروا من بلدتهم خوفًا من شيء معين، يخشون الموت، فأماتهم الله ثم أحياهم مرةً أخرى. المثال الرابع: قوله ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، الطعام والشراب الذي هو عرضة للخراب والفساد والتعفن بسرعة، أبقاه الله تعالى على حاله، ﴿وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. الحمار الذي هو أقوى بنية، جعله الله تعالى عظامًا بيضاء تلوح، قال: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: ٢٥٩]: فإذا بالرجل يبصر حماره الذي كان رضاماً من عظام، إذا بهذه العظام يتراكب بعضها على

стр. 208

بعض، وإذا باللحم يكسوها، وإذا بها تنتهي إلى حمار ينهق، عجبًا! ﴿قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. المثال الخامس: قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]، وفي هذا دليل على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن منه ما هو أزيد من بعض حتى في التصديق، ﴿قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا﴾ [البقرة: ٢٦٠]. يعني قطع هذا الطير، واجعل على هذا الجبل جزءًا، وعلى هذا الجبل جزءًا، وذاك جزءاً، وذاك جزءاً، وهكذا في كل واحد من هذه الطيور، قال: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. فدعاهن، فالتأمت أجزاؤهن، وأتين يخفقن ويسعين نحو إبراهيم، ﴿وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وبالإضافة إلى هذه الأدلة: ما جرى لأصحاب الكهف الذين ناموا ثلاثمائة وتسع سنين، ثم بعثهم الله ، وما أجراه الله تعالى على يدي عيسى ﵇ إذ كان يحيي الموتى بإذن الله. هذه كلها أدلة حسية تدل على إمكان البعث. وبالجملة فإن من تأمل في الأدلة؛ أيقن يقينًا لا شك فيه أنه لا بد من البعث، فقد تواترت على إثبات البعث وإمكانه، فيجب علينا أن نعتني بهذا الجانب؛ فإن إيمان المؤمنين بالبعث يتفاوت: بعض الناس إيمانه بالبعث إيمان يقظ إيمان حي، كلما هَمَّ أن يُقدم على عمل قام وازع الله في قلبه؛ فقال: احذر! أمامك يوم آخر، أمامك بعث ونشور؛ فأحجم وأمسك عن معصية الله. وبعض الناس يتبلد هذا المعنى في قلبه، وكأنها قصص ومرويات

стр. 209

وآثار تحكى! وكأنه ليس معنيًا بها، فإذا أردت يا عبد الله أن تربي نفسك، وأن تعظ نفسك موعظة حسنة، فالله الله أكثر من ذكر اليوم الآخر والموت، لا إلى الحد الذي يُفسد عليك عيشك، فأنت لا تحتاج من مخافة الله إلا إلى القدر الذي يحجزك عن معصية الله؛ فأقم في قلبك من مخافة الله، ومن الاستعداد لليوم الآخر، ما يحجزك عن معصية الله ويحفزك على طاعة الله وحسب.

стр. 210

•قال المؤلف ﵀: (وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمْ نُوحٌ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٥]. وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ -يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ؛ وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]. وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ. قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ). بعثة الرسل ﵈ ذكر الشيخ هذه المسألة المتعلقة بإرسال الرسل، وإن كان أيضًا قد جرى لها ذكر سابق. قوله: (وَأَرْسَلَ اللهُ جَمِيعَ الرُّسُلِ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ): والفرق بين

стр. 211

البشارة والنذارة: البشارة هي: الإعلام المقرون بخبر سار، والنذارة هي: الإعلام المقرون بخبر مخُوف. ولا شك أن أنبياء الله تعالى بعثوا مبشرين ومنذرين، مبشرين من أطاع الله تعالى بالجنة، منذرين من عصى الله تعالى بالنار، قوله: (وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]): إذن الحجة الوحيدة التي يمكن أن يحتج بها الآدميون على ربهم أن يقول قائلهم: ما جاءنا من بشير ولا نذير؛ فقطع الله تعالى هذه الحجة ببعثة الرسل، فلا يبقى للناس حجة إذا أرسل الله تعالى الرسل، فالحجة الرسالية لا بد من قيامها، قال ربنا : ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، فإذا افترضنا أن قومًا أو فردًا لم تقم عليهم الحجة الرسالية، فما حالهم؟ نقول: المحكمات تدل على أن الله تعالى لا يعذب إلا من قامت عليه الحجة، قد يقول قائل: كم مناطق نائية على نهر الأمازون في أمريكا الجنوبية، وفي مجاهل استراليا، وفي غابات أفريقيا لم يسمعوا بمحمد ﷺ ولا بدين الإسلام، ثَمَّ أقوام ماتوا في الفترة لم يبلغهم رسالة نبي، ما حال المجهول؟ ما حال الطفل الذي مات في صغره؟ ما حال كذا وكذا؟؛ أجاب النبي ﷺ عن هذا الإيراد؛ فعَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: " أَرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَصَمُّ لَا يَسْمَعُ شَيْئًا، وَرَجُلٌ أَحْمَقُ، وَرَجُلٌ هَرَمٌ، وَرَجُلٌ مَاتَ فِي فَتْرَةٍ، فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَسْمَعُ شَيْئًا، وَأَمَّا الْأَحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالصِّبْيَانُ يَحْذِفُونِي بِالْبَعْرِ، وَأَمَّا الْهَرَمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَمَا أَعْقِلُ شَيْئًا، وَأَمَّا الَّذِي مَاتَ فِي الْفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، مَا أَتَانِي لَكَ رَسُولٌ، فَيَأْخُذُ مَوَاثِيقَهُمْ لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إِلَيْهِمْ أَنْ ادْخُلُوا النَّارَ، قَالَ:

стр. 212

فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوهَا لَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا " (١) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَ هَذَا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي آخِرِهِ: " فَمَنْ دَخَلَهَا كَانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْهَا يُسْحَبُ إِلَيْهَا " (٢) فنحن نعلم أنه لا يهلك على الله إلا هالك، وأن الله تعالى لا يظلم مثقال ذرة، هذا هو المحكم الذي نتمسك به ونعتصم به، ونعلم أن الله تعالى لا يوقع عذابًا بأحد حتى يقيم عليه الحجة الرسالية كما قال هاهنا: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وفي هذا دليل على بطلان الاحتجاج بالقدر بعض الناس يحتج بالقدر، إذا قيل له: يا فلان لمَ عصيت الله؟ قال: والله هذا شيء كتبه الله علي، يا فلان لِمَ لمْ تفعل شيء مما أمرك الله به؟ قال: ما كتبه الله، لو كتبه الله لفعلته؛ فبعض البطالين العطالين يحتج بالقدر على ترك الواجبات وفعل المحرمات، فهل يتم استدلاله بالقدر على مراده، ويُعذر بهذه الحجة؟ لا؛ لأن الله تعالى لم يثبت إلا حجة واحدة يمكن أن يحتج بها الآدميون: ﴿رُّسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، لو كان في القدر حجة، لقبل الله حجتهم؛ لكن الله رد حجتهم، فأخبر الله تعالى عن هؤلاء المحتجين بالقدر أنهم يقولون: قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم﴾ [الأنعام: ١٤٨] فسمى الله دعواهم كذبًا، والكذب هو مخالفة

стр. 213

الخبر للواقع، ثم قال: ﴿حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨] ولو كان لهم حجة في القدر ما أذاقهم الله بأسه، ثم قال ثالثًا: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، يعني هل اطلعتم على كتابكم وقدركم السابق، وبناءً على اطلاعكم علمتم بأن هذا مكتوب عليكم؛ فسلكتم هذا السبيل؟ لا والله ما اطلعوا على قدرهم مسبقًا، إذن حقيقة الأمر: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، إذن لا حجة لكم في القدر. إذن هذه هي مهمة الرسل: البشارة والنذارة وقطع الطريق على الاحتجاج على الله . قوله: (وَأَّولُهُمْ نُوحٌ ﵇، وَآخِرُهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ: والدليل على أولية نوح قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]): وقال نبينا ﷺ في حديث الصور: (يَا نُوحُ، إِنَّكَ أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) (١)؛ إذن فقد ثبت بهذين النصين أن نوحًا ﵇ أول نبي وأول رسول، وقد ذكرنا لكم فيما مضى الفرق بين النبي والرسول، وخلاف العلماء في تحديد هذا الفارق، وبهذا يتبين خطأ من زعم أن أول الأنبياء هو إدريس ﵇، وهذا يوجد كثيرًا، حتى إن الناس يتداولون بعض المصورات يسمونها شجرة الأنبياء ويكون مرسومًا فيها إدريس بين آدم وبين نوح ﵇؛ فهذان النصان يثبتان أن أول الأنبياء وأول المرسلين: هو نوح ﵇، وأن إدريس جاء فيما بعد. والدليل على أن خاتمهم محمد ﷺ لم يذكره الشيخ هاهنا، قال الله ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، فآخر الأنبياء

стр. 214

هو محمد ﷺ فلا نبي بعده بنص القرآن، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: " مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ وَيَعْجَبُونَ لَهُ وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ قَالَ فَأَنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ " (١) وعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى يَعْبُدُوا الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ كَذَّابُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» (٢)، فمن ادعى النبوة بعد نبينا ﷺ ؛ فدعواه باطلة، وأدعياء النبوة هذا عددهم كما أخبر النبي ﷺ ثلاثون، وقد وقع إدعاء النبوة في أواخر عهد النبوة، إلى يومنا هذا لم يزل أدعياء النبوة يتواردون؛ فممن ادعى النبوة قبل وفاته ﷺ مسيلمة، وبعد وفاته سجاح والأسود العنسي وطليحة بن خويلد الأسدي، ولم يزل يخرج في مثاني التاريخ من يدعي النبوة كما ادعاها من تنتسب إليه البابية ومن ينتسب إليه البهائيون وكذلك القديانيون في الدول الشرقية، لم يزل يوجد من يدعي النبوة، والمقصود أن يكون ذلك الدَعِّي له أتباع وهيلمان، أما المجانين الذين يدعون النبوة فهؤلاء لا حصر لهم كثر وليسوا في الحسبة المقصود من يدعي النبوة يكون له أتباع وطائفة فهؤلاء كما قال النبي ﷺ ثلاثون كذابون، ولا أكذب من هؤلاء؛ فالله قد أكذبهم ونبيه ﷺ قد أكذبهم. قوله: (وَكُلُّ أُمَّةٍ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِا رَسُولا مِنْ نُوحٍ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ :

стр. 215

إي والله، أقام الله الحجة على كل أحد، ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. قوله: (يَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ، وَيَنْهَاهُمْ عَنْ عِبَادَةِ الطَّاغُوتِ وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [النحل: ٣٦]، وَافْتَرَضَ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْعِبَادِ الْكُفْرَ بِالطَّاغُوتِ وَالإِيمَانَ بِاللهِ): وهذه دعوى الأنبياء جميعًا، يقول الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، هذا مشروع الأنبياء جميعًا. ولا بد من اقتران هاتين الركيزتين معًا: الأمر بعبادة الله، واجتناب الطاغوت كما قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، لا يمكن إلا أن يجمع الإنسان بين الأمرين: الكفر بالطاغوت الذي يحصل به التخلية، والإيمان بالله الذي يحصل به التحلية، فلا بد من البراءة من الشرك تمامًا، وهذا هو الموافق للشق الأول من جملتي الشهادة: لا إله، ثم تتمتها بالإيمان بالله : إلا الله، فالكفر بالطاغوت والإيمان بالله قضيتان متلازمتان لا انفكاك بينهما، ولا يمكن أن يتصور مؤمن بالله وبالطاغوت في آنٍ واحد، هذان أمران لا يجتمعان، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، لقد كانوا مؤمنين بالله ولكن ما كانوا موحدين بالله، لا بد من الإيمان بالله وحده. قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: مَعْنَى الطَّاغُوتِ مَا تَجَاوَزَ بِهِ الْعَبْدُ حَدَّهُ مِنْ مَعْبُودٍ أَوْ مَتْبُوعٍ أَوْ مُطَاعٍ).
следующие страницы →