← Акыда

Акыда · id 30156

الإغاثة في شرح الأصول الثلاثة

أحمد القاضي

Полный текст (244 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

فيما لا يقدر عليه إلا هو، فإن صرفه لله، فقد سلم من الشرك، وإن دعا غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله، كأن يدعو ميتًا، أو يدعو غائبًا، أو يدعو حاضرًا فيما لا يقدر عليه، هذه ثلاثة أنواع: النوع الأول: أن يدعو ميتًا، ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]. النوع الثاني: أن يدعو غائبًا غير موجود، لا يسمع دعاءه؛ لأنه بمعنى الأول. النوع الثالث: أن يدعو حاضرًا لكن ليس من شأنه ذلك، كأن يقول له: يا فلان ارزقني، يا فلان اشفني، فهو لا يملك ذلك، قال تعالى ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ [العنكبوت: ١٧]، وقال ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧]. فهذه الصور الثلاث صور مخرجة من التوحيد مدخلة في الشرك، أما إن دعا غير الله فيما يقدر عليه ذلك الغير، فهذا ليس بشرك، فإذا دعا واحدًا من الناس في أمر من الأمور التي يقدر عليها فلا حرج، كما لو قال لرجل بين يديه طعام: يا فلان، أطعمني، لم يكن شركًا. والدعاء نوعان: النوع الأول دعاء المسألة: وهو طلب حصول الحاجات، وتحقيق الرغبات، فهذا كثير في بني آدم أن يدعو الإنسان بالرزق، بالصحة، بالذرية، بالرفعة. النوع الثاني: دعاء العبادة، وهو أن يتقرب لله بما أوجب عليه من الطاعات، يرجو بذلك ثوابه ويخشى عقابه، أو أن يتملق إلهه و معبوده بحمده وبالثناء عليه. فهو صورتان: الصورة الأولى: أن يمتثل أمر الله ويجتنب نهيه مستصحبًا أنه يرجو

стр. 72

بذلك أن يبلغه جنته، أو أن يصرف عنه عذابه، أو أن يصلح حاله ويدفع عنه السوء، فهذا وإن لم يدعُ بمسألة فهو في دعاء عبادة؛ لأنه يعلم أن الله تعالى نصب هذه العبادات سببًا موصلًا إلى الحياة الطيبة في الدنيا وإلى الفوز بالجنة في الآخرة، فسلك هذه الأسباب. الصورة الثانية: أن يُثني على الله تعالى بما هو أهله من صفات الكمال ونعوت الجلال كما كان النبي ﷺ يقوم في صلاة الليل فيقول: (اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَمَنْ فِيهِنَّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ وَوَعْدُكَ حَقٌّ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ) (١)، يناجي ربه، ويثني عليه بما هو أهله: هذا دعاء عبادة، وقد قال ربنا : ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وينبغي للداعي أن يدعو الله تعالى بالاسم المناسب للطلب، فإذا كنت تريد من الله تعالى أن يعفو عنك، فلا يستقيم أن تقول: يا ذا البطش الشديد اعف عني! ولكن قل: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفو عني، وإذا أردت من الله الرزق، تقول: يا رزاق ارزقني … وهكذا فاختر الاسم المناسب للطلب المناسب. وقد أنعم الله علينا بتسعة وتسعين اسمًا يمكن إدراكها واستخلاصها من نصوص الكتاب والسنة لكي ندعو الله تعالى بها، فالدعاء عبادة من أجل العبادات لمن تذوقه ووفق إليه حتى أن من يدعو الله من العارفين بالله ، يجد لذة ونعيمًا في مناجاة ربه في الأسحار وفي السجدات، ويتبين لنا سوء حال كثير من الناس الذين ابتلوا بدعاء

стр. 73

غير الله، حيث زين لهم الشيطان عن طريق مشايخ السوء وسدنة الأموات المنتفعين بها أن ينصبوا القباب والمشاهد على هذه القبور، ويغروا بهؤلاء العوام بدعائها وترك دعاء الله ، وقد قال ﷺ (لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ مِنَ الدُّعَاءِ) (١). وقال فما من عبد يدعو الله في الأرض دعوة إلا أعطاه بها أحد ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته. وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها. وإما أن يدخرها له أحوج ما يكون إليها. فلا يضيع على الله دعاء. وقد قيل: اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ وَبُنَيُّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ الآدمي إذا دعوته مرة، مرتين تبرم منك وتضايق. والرب بعكس ذلك، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّهُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ» (٢) وفي لفظ لأحمد" مَنْ لَمْ يَدْعُ اللهَ، غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ " (٣).

стр. 74

• قال المؤلف ﵀: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]. وَدَلِيلُ الُرَّجَاءِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]. وَدَلِيلُ الْتَوَكُّلِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٢٣]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. وَدَلِيلُ الْرَّغْبَةِ، وَالْرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٣]. وَدَلِيلُ الْإِنَابَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا﴾ [الزمر: ٤٥]. وَدَلِيلُ الْاِسْتِعَانَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَفِي الْحَدِيثِ: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالْلَّهِ». وَدَلِيلُ الْاِسْتِعَاذّةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفَلَق: ١]، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]. وَدَلِيلُ الْاِسْتِغَاثَةِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٩].

стр. 75

وَدَلِيلُ الْذَّبْحِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. وَمِنَ الْسُّنَّةِ: «لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ». وَدَلِيلُ الْنَّذْرِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]). الخوف وأنواعه قوله: (وَدَلِيلُ الْخَوْفِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾): (الخوف): توقع مكروه عن أمارة أو علامة مظنونة أو معلومة، وضد الخوف: الأمن، والخوف عبادة، والدليل على أن الخوف عبادة -ما استدل به المؤلف ﵀ وهو قول الله : ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، فقد جعل ذلك شرطًا في الإيمان، وأول هذه الآية ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: ١٧٥]، ومعنى ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾: أي يخوفكم بأوليائه. والخوف أنواع: النوع الأول: الخوف الطبيعي: هو ما جبل الله تعالى عليه الآدميين من الخوف من الأمور الضارة: كالخوف من السبع والحية والنار والعدو؛ وهو يقع لكل الناس، حتى أن موسى ﵇ لما ألقى العصا وانقلبت ثعبانًا: ﴿وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: ٣١]، فهذا خوف طبيعي ركبه الله تعالى في بنية ابن آدم؛ لدوام سلامته وحفظ الجنس الإنساني، ولو لم يكن عند الإنسان خوف لهلك الناس

стр. 76

منذ القدم؛ لأن الخوف يحمل ابن آدم توقي ما يضره، وهذا نوع مباح لا يلام عليه صاحبه. النوع الثاني: الخوف المحرم: وهو ما منعك من فعل واجب، أو حملك على الوقوع في محرم؛ فهذا الخوف خوف محرم لكنه لا يبلغ مبلغ الشرك. مثال: وجب الجهاد على المسلمين، واستنفرهم الإمام، وقد قال النبي ﷺ : (وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا) (١)، فمنع الخوف بعض آحاد المسلمين من القيام بهذا الواجب فهذا الخوف مذموم؛ لأنه حال بينه وبين فعل ما أوجب الله تعالى عليه؛ ولهذا حذر الله عباده، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤]، لما قعدوا عن الجهاد خوفًا على أزواجهم وأولادهم. النوع الثالث: خوف العبادة: ويسمى أيضًا خوف السر؛ لأن محله القلب لا يطلع عليه إلا العليم بالأسرار، وهو أن يخاف من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فمن وقع منه ذلك؛ فقد وقع في الشرك الأعظم، كأن يخاف من جن أو مخلوق أن يصيبه بشئ لا يملكه ولا يستطيعه؛ فهذا الخوف خوف ينافي التوحيد؛ فلا يجوز صرفه لغير الله . ويجب على الإنسان أن يعلم أنه لا يأتي بالحسنات إلا الله ولا يصرف السيئات إلا الله ، فمن خاف غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ فقد أشرك. قال ابن رجب ﵀ " والقدر الواجب من الخوف، ما حمل عَلَى أداء الفرائض واجتناب المحارم، فإن زاد عَلَى ذلك بحيث صار باعثًا للنفوس عَلَى التشمير في نوافل الطاعات والانكفاف عن دقائق

стр. 77

المكروهات، والتبسط في فضول المباحات، كان ذلك فضلاً محمودًا، فإن تزايد عَلَى ذلك بأن أورث مرضًا أو موتًا أو همًّا لازمًا بحيث يقطع عن السعي في اكتساب الفضائل المطلوبة المحبوبة لله ، لم يكن ذلك محمودًا، " (١)، فالخوف المطلوب هو الخوف المحمود، الذي يحجزك عن محارم الله؛ ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيما نقله عنه تلميذه ابن القيم: "الخوف المحمود ما حجزك عن محارم الله" (٢) وما زاد عن ذلك فلا حاجة لك به. وبيان ذلك أنك تحتاج حصة من الخوف في قلبك تكون رادعًا لك عن غشيان الحرام، فإذا تحقق ذلك فحسن فإن زاد قليلًا وحملك على مزيد توق من المشتبهات والمكروهات، فهذا نور على نور، لكن إن تزايد ذلك الخوف بحيث أفسد عليك عيشك، وأقض مضجعك، وصرت لا تهنأ بعيش؛ فعليك أن تتخفف منه؛ لأنه ليس من هدي النبي ﷺ ؛ بل الواقع هو حالة نفسيه غير مرادة شرعا، فبعض الناس الذين يدمنون قراءة المواعظ والزواجر ربما يتضاعف عندهم هذا الشعور حتى يسبب لهم قلقًا وأرقا وبلبلة وتشويشًا إلى درجة أنه يعطل عليهم مصالحهم الدينية والدنيوية؛ فلا يهنأ بعيش. ونبينا ﷺ وهو سيد الخائفين بأبي هو وأمي، ﷺ كان أطيب الناس عيشًا وأهنأ هم مجلسًا. قوله: (ودليلُ الرَّجاءِ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾):

стр. 78

حقيقة الرجاء وأنواعه حقيقة الرجاء: أنه ظن وانفعال يقوم في القلب يقتضي حصول مافيه مسرة، فالرجاء هو الأمل؛ أن يأمل الإنسان حصول شيء محبوب. والرجاء عبادة، والدليل على كون الرجاء عبادة قول الله : ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، وقوله: ﴿فَلْيَعْمَلْ﴾: يدل على أن الرجاء الصادق ليس بالأماني لا بد من العمل. والعمل الصالح ما جمع وصفين: الوصف الأول: الإخلاص لله. الوصف الثاني: المتابعة لرسول الله. قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾: فدل على أن رجاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك. والرجاء نوعان: رجاء عبادة ورجاء مباح: فرجاء العبادة لا يجوز صرفه لغير الله، لأنه رجاء السر؛ وهو أن يتعلق القلب بالمرجو في حصول منفعة أو دفع مضرة: فإن كان ذلك الأمر لا يقدر عليه إلا الله؛ فلا يجوز صرفه لغير الله. أما إن كان ذلك الأمر مما يقدر عليه الغير فلا حرج فيه، ولا بأس بأن يطلب من الغير فإذا قلت لصاحبك: أرجوك أعطني الكتاب، هذا ليس رجاءً شركيًا. وأهل التحقيق وأهل التوحيد البالغ يفحصون رجاءهم حتى إذا طلبوا من غير الله أمرًا ليتحقق على أيديهم لم يفارقهم شعور بأن مسبب الأسباب هو الله ، فإذا ذهب مثلًا إلى طبيب، لا يجد قلبه

стр. 79

معلقًا بشخص هذا الطبيب، وإنما يقوم في قلبه أنه سبب ساقه الله تعالى إليه وربما أجرى الشفاء على يديه، فقلبه في الحقيقة يستقبل ربه ولكنه لا يبطل الأسباب، بل يعلم أن الله هو مسبب الأسباب، لا يلغي السبب لكنه لا يغفل عن المسبب، قال ابن القيم ﵀: "الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب وهو الله والدار الآخرة ويُطيب لها السير. وقيل: هو الاستبشار بجود وفضل الرب ﵎ والارتياح لمطالعة كرمه سبحانه. وقيل: هو الثقة بجود الرب " (١). وقد قيل شعرًا: لولا التعلق بالرجاء تقطعت … نفس المحب تحسرًا وتمزقًا لولا الرجا يحدو المطي لما سرت … بحمولها لديارهم ترجو اللقا الفرق بين الرجاء وبين الأماني-: أن الأماني بضاعة البطال، ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] والرجاء مقرون بعمل، ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ﴾ [الكهف: ١١٠]، أما الأماني فإنها تشوفات وتطلعات غير مقرونة بعمل، فلا يلبث أن يرى أن بساط العمر قد طوي ولم يخرج بطائل (٢). فإياك أن تقع في هذا المزلق - مزلق الأماني-؛ فإنه لا يوصلك إلى مقصودك. فهاتان عبادتان متقابلتان، الخوف والرجاء، وهذا من بديع دين الله: أن الله يضبط النفس الإنسانية في معادلة دقيقة بحيث أن القلب يجري في هذا المضمار بين قطبي الخوف والرجاء، فالعبد يخاف من الله تعالى خوفًا يحجزه عن معاصيه، ويتعلق بربه تعلقًا يحفزه على طاعته،

стр. 80

ويصبح القلب متوازنًا بين هذين، فإذا أقبلت نفسه على الدنيا، واستشرفت مباهجها وفتنها، جاء الخوف فضربه بسوط لاذع وقال: الزم الجادة! وإذا ادلهمت الخطوب، وضاقت به السبل، ووقع في المضائق، جاء نسيم الرجاء فنفس عنه. وعلقه بربه وبفرجه؛ فتنفس الصعداء وتفتحت الآمال، كل هذا بأثر هاتين العبادتين الجليلتين. وقد صور العلماء الخوف والرجاء كجناحي الطائر؛ لو كان أحد الجناحين أكبر من الآخر لجنح في طيرانه، فينبغي أن يكون الحال الغالب على الإنسان تساوي الخوف والرجاء كما قال ربنا : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: ٥٧]. عبادة (المحبة) هناك عبادة ثالثة في الحقيقة هذا موضعها ومحلها، لم يذكرها الشيخ، ولعل هذا فوات حرص، وهي من أشرف العبادات القلبية ألا وهي: (المحبة)؛ لأن أمهات العبادات القلبية ثلاث: المحبة والخوف والرجاء، وأصل هذه الأنواع الثلاثة وأشرفها المحبة، فالمحبة أعظم من الخوف والرجاء؛ لأن الخوف والرجاء ينقطعان ببلوغ الجنة: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ [الزخرف: ٦٨] أما المحبة فلا تنقطع، فمحبة المؤمن لربه باقية في الدنيا وتتضاعف في الآخرة، ودليلها قول الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ فمحبة الله أشرف أنواع العبادة. المحبة كذلك أنواع: النوع الأول المحبة الطبيعية الغريزية المباحة: كمحبة الطعام،

стр. 81

والشراب، والولد، والوالد، والزوجة، والزوج، وغير ذلك، فلا يلام عليها صاحبها. النوع الثاني المحبة المحرمة: وهي أن تحمله المحبة والتعلق إلى الوقوع فيما حرم الله، كما لو أحب شرب الخمر. النوع الثالث محبة العبادة وهي محبة السر: فهذه لا يجوز أن تصرف لغير الله، فمن أحب غير الله المحبة التي لا تنبغي إلا لله، فقد وقع في الشرك الأعظم ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، ومن رُزِق هذه العبادة، صارت جميع المحابوجميع الملذات، تندرج تحت محبة الله ؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِى النَّارِ) (١). وبهذا تكتمل الحلق الثلاث: المحبة والخوف والرجاء؛ فحري بالمؤمن العاقل اللبيب أن يعتني بتحصيل هذه الأمهات؛ أمهات العبادات الثلاث: المحبة والخوف والرجاء. وقد صور بعض العلماء هذه الثلاث بالمركبة يستقلها الإنسان، فالمركبة هي المحبة، والقائد الذي يقودها هو الرجاء، والذي يحجزها عن الحيدة يمنة ويسرة هو الخوف. قوله: (ودليلُ التَّوكُّلِ قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾).

стр. 82

التوكل حقيقة التوكل اعتماد القلب على الله في حصول المطلوب، ودفع المرهوب مع فعل الأسباب الموصلة إلى ذلك. فالقلب قلب يركن إلى ركن شديد: وهو الله ، لا بمجرد الكلام بل يتضح في المواقف، فيتبين من المتوكل على الله حقًا ممن يتوكل باللسان، إذا ادلهمت الخطوب وضاقت السبل وغلقت الأبواب؛ حينئذٍ يهرب القلب ويتلفت يمنة ويسرة، فمن كان فزعه إلى الله معتقدًا بأنه لا يأتي بالحسنات إلا الله، ولا يدفع السيئات إلا الله ، ولم يمنعه شعوره ذلك من اتخاذ الأسباب التي نصبها الله أسبابًا، فهذا المتوكل حقًا. وأما من اتكأ على أريكته وقال: أنا متوكل، ولم يفعل سببًا، فهذا متواكل، وليس متوكلًا، فلا بد في التوكل من فعل الأسباب. استدل المؤلف ﵀ على إثبات عبادة التوكل بقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، هكذا جاء فيما خاطب به موسى ﵇ بني اسرائيل حينما قالوا: ﴿أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩] فوعظهم وكان في موعظته: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فدل ذلك على أن التوكل شرط في الإيمان، وكذلك قول الله تعالى على سبيل الإطلاق: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] ومعنى حسبه؛ أي: كافيه، من: أداة شرط، يتوكل: فعل الشرط، جواب الشرط وجزاؤه: جملة (فهو حسبه) وهذا ضمان من رب العالمين. وهذه الآية جاءت عند ذكر الرزق حيث قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ

стр. 83

حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٢، ٣]، ما أحوجنا إلى التوكل! ما أحوجنا إلى استحياء هذه المعاني في قلوبنا، لماذا نقلق؟ لماذا نأرق؟ لماذا يلحقنا الهم والغم؟ بسبب ذهاب النفس حسرات وراء الأسباب الدنيوية، لكن لو كان العبد مملوء القلب بهذه المعاني، لاستقر قلبه وسكن باله ولم ينشأ عنده ما يدعوه إلى القلق. والتوكل عبادة؛ لا يجوز صرفه لغير الله؛ فلا يجوز للعبد أن يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فلو قال عبد لشخص: توكلت عليك في شفائي أو توكلت عليك في رزقي؛ فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله . وأما التوكيل فهو مباح؛ وهو ما يُعرف عند الفقهاء "بالوكالة الشرعية" بأن يذهب الإنسان إلى كتابة العدل ويقول: وكلت فلانًا ببيع بيتي، أو في شراء كذا أو كذا؛ فهذا لا حرج فيه، وقد وكَّل النبي ﷺ عددًا من أصحابه في بعض الأمور، ولم يزل الناس هكذا: الناس للناس من بدو وحاضرة … بعض لبعض، وإن لم يشعروا خدم فالناس يقضي بعضهم مصالح بعض بالوكالة، فهذه الوكالة لا حرج فيها ونقول أيضًا: أنه ينبغي لمن وكل غيره بوكالة أن يستصحب في قلبه أن الله هو الذي يبلغه مقصوده، وأنه ليس الوكيل الفلاني هو الحاذق البارع الذي يمكن أن يتم عليه المطلوب، بل يرى أن هذا سبب نصبه الله تعالى يمكنه من بلوغ مراده. قوله: (وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ، وَالرَّهْبَةِ، وَالْخُشُوعِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]).

стр. 84

الرغبة والرهبة والخشوع هذه ثلاث عبادات قلبية، والمقصود بالرغبة: الميل للوصول إلى المقصود. وأما الرهبة: فإنها نوع من الخوف، وقد عرفها ابن القيم بأنها: " الإمعان في الهرب من المكروه" (١). وأما الخشوع: فهو الخضوع والضراعة والهبوط كما قال الله ﴿تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً﴾ [فصلت: ٣٩]؛ أي: مطمئنة وهامدة وساكنة ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فصلت: ٣٩]، فالمقصود بالخشوع الذل والتطامن، والخشوع الشرعي: هو الذل والتطامن لله ؛ فلذلك كان عبادة. وقد جمع هذه المقامات الثلاث قول الله عن جملة من أنبيائه من المصطفين الأخيار الذين ذكرهم الله- في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، هؤلاء هم المثل، هم النماذج، هم الأسوة الحسنة التي ينبغي للبشرية أن تنسج على منوالها؛ لا أن يُعظم بعض القاصرين الناقصين ويمجدون ويوصفون بالكملة، الكملة حقًا من عباد الله هم أنبياء الله تعالى ومن سار على طريقهم، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠]؛ أي أنهم لا يقتصرون على فعل الخيرات؛ بل فوق ذلك يسارعون فيها، وذلك أن الإيمان إذا حل في القلب كان كالوقود الباعث الذي يدفع صاحبه حثيثًا للوصول إلى مقصوده؛ فلذا تجد

стр. 85

أهل الإيمان يحفزهم باعث قوي، كما في قصة الرجل المؤمن فقال: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس: ٢٠]، هذا السعي نابع من امتلائه بالإيمان، فتجده حيًّا يقظًا متحركًا بسبب هذه الجذوة التي تعتمل في داخله. والمؤمن يكون في حال بين الخوف والرجاء، وبين الرغبة والرهبة، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: ٥٦]، هذه حقيقة الإيمان؛ فالخوف والرجاء والرغبة والرهبة ويضاف إليهما المحبة، هي أسباب صلاح القلب، ولا يجوز الاقتصار على أحدها وترك الباقي؛ فإن بعض من يدعون السلوك يختارون خصلة واحدة ويدعون ما سواها، فتجد مثلًا من يعبد الله بالخوف وحده، وتجد من يعبد الله بالرجاء وحده، وتجد من يعبد الله بالحب وحده، قال أهل العلم: "من عبد الله بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحد" (١). فهناك من يعبد الله بالخوف وحده: وهذا حال الحرورية الخوارج الذين لا يقرؤون إلا نصوص الوعيد ويحجرون رحمة الله تعالى. وبإزائهم المرجئة: الذين يوسعون دائرة الرجاء والأماني، ويتعلقون بنصوص الرجاء، ويغضون الطرف عن نصوص الخوف. وهناك طائفة ثالثة وهم: "غلاة الصوفية"، الذين يعبدون الله بالحب وحده، ويدعون ما سواه حتى إن قائلهم يقول: "ما عبدتك طلبًا لجنتك

стр. 86

ولا خوفًا من نارك إنما عبدتك محبة لك"، كما قال إمامهم وكبيرهم ابن عربي الطائي الأندلسي: أدين بدين الحب أنى توجهت … ركائبه فالحب ديني وإيماني. يا سبحان الله! إذا كان الخلص من عباد الله يرجون رحمة الله ويخافون عذابه فمن أنت حتى تقول: أنا تجاوزت هذا الحد وصرت لا أعبدك لا خوفًا ولا رجاءً، عبدتك بالحب وحده! هذه زندقة. أما عبادة سيد المرسلين وإمام المتعبدين محمد بن عبد الله ﷺ فإنه يعبد الله بالحب، والخوف، والرجاء، وسائر أحوال القلوب. قوله: (وَدَلِيلُ الْخَشْيَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية [البقرة: ١٥٠]). تعريف الخشية والفرق بينها وبين الخوف الخشية: نوع من الخوف لكنها أخص منه، وذلك أن الخشية خوف مقرون بعلم، فهي نابعة عن علم بالمخوف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فخشية العلماء لله تعالى مبنية على علمهم بمقتضى أسمائه وصفاته؛ فلذلك كانت خشية مبصرة، وهذا أعلى وأجل، والخوف من المقامات الإيمانية. والفرق بين الخوف والخشية من جهتين: الفرق الأول: أن الخشية أخص من الخوف؛ لأنها خوف مقرون بعلم. الفرق الثاني: أن الخشية مبنية على عظم المخشي، والخوف مبني على ضعف في الخائف. وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالخوف والخشية فقال

стр. 87

سبحانه: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ الآية [البقرة: ١٥٠]، فيجب صرف الخشية لله وعدم صرفها لغيره، والمقصود بذلك خشية السر: أي خشية العبادة. قوله: وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ … ﴾ الآية [الزمر: ٥٤]. الإنابة: المقصود بها الرجوع والعود، استدل بقول الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ … ﴾ [الزمر: ٥٤]؛ أي: أقبلوا على ربكم بالتوبة وراجعوه بالطاعة، وأسلموا له: أي اخضعوا له. وذلك أن الإسلام نوعان: إسلام كوني وإسلام شرعي: أما الإسلام الكوني: فإنه يشمل جميع الخلائق كما قال الله : ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]، فهذا الإسلام لا يخرج عنه أحد، فما من ذرة من ذرات الكون إلا وهي خاضعة لرب العالمين مستسلمة منقادة له، لا يخرج عن ذلك أحد حتى الكافر هو مسلم بهذا الاعتبار؛ لأنه منقاد خاضع لقدر الله الكوني، لا انفكاك له عما يُجريه الله تعالى عليه من أقدار، هذا هو النوع الأول وهو الإسلام الكوني. أما الإسلام الشرعي: فهو الإسلام الطوعي الاختياري الذي يفعله المرء بمحض اختياره وسبق إصراره، فيمتثل الأوامر ويجتنب النواهي، وهذا هو إسلام المؤمنين، ويتفاوت أهل الإيمان في درجات هذا الإسلام: فمنهم من يكمل استسلامه لله فلا يعصي الله تعالى في شيء، ومنهم من يثلم إسلامه بنوع معصية لكنه في الأعم الأغلب يكون من جملة المسلمين.

стр. 88

وإنما يُحمد صاحب الإسلام الشرعي؛ لأن الكوني ليس للإنسان فيه دور ولا أثر. قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. وَفِي الْحَدِيثِ: ( … وإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ)). الاستعانة الاستعانة: هي طلب العون، والمرء ضعيف بطبعه ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨] فلا غنى له عن مدد خارجي، وهو يحتاج إلى هذه المعونة في أموره الدينية والدنيوية؛ إذ لا قيام له بنفسه؛ بل لا بد له من مقيم؛ ولذلك كانت الاستعانة عبادة كما قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] حتى العبادة لا بد فيها من معونة الله وقد قيل: إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجني عليه اجتهاده وقد قال النبي ﷺ في وصيته الرقيقة لمعاذ بن جبل قال: (يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ)، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ) (١)، فلا غنى لك أيها المؤمن عن الاستعانة بمعبودك للوصول

стр. 89

إلى مقصودك، وقال النبي ﷺ أيضًا: (الْمُؤْمِنُ الْقَوِىُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِى كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ … ) (١)، فالاستعانة عبادة؛ ولما كانت عبادة لم يجز صرفها لغير الله ، فمن استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، فقد وقع في الشرك الأكبر. أما من استعان بغير الله في أمر يقدر عليه ذلك الغير، فذلك ليس شركًا كما تقول لصاحبك مثلًا: أعني على حمل متاعي، أعني على ركوب دابتي، أعني على إتمام هذا البحث، أما من استعان بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله أو استعان بذلك الغير فيما لا يقدر عليه ذلك الغير؛ كأن يستعين بميت مقبور، أو يستعين بشخص غائب، فهذا هو الشرك الأعظم الذي يخرج صاحبه من الملة، وأما ما سوى ذلك فهو ما بين محمود ومذموم ومباح: فالمحمود منه: التعاون على البر والتقوى كما قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فهذه الاستعانة استعانة محمودة. والمذموم منه: ما كان تعاونًا على معصية الله كأن يستعين بصاحبه على تهيئة أمر محرم، فهذا محرم لكن لا يبلغ مبلغ الشرك. والمباح منه: ما جرت به عادة الناس من تخادمهم فيما بينهم. قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق: ١]. وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]).

стр. 90

الاستعاذة الاستعاذة عبادة لله ، وحقيقة الاستعاذة: طلب العوذ، والمقصود بالعوذ: الاعتصام والالتجاء بالمعوذ به، ولما قالت امرأة دخل عليها النبي ﷺ وهي ابنة الجون قالت: (أَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ) فَقَالَ: (لَهَا لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ) (١)، وهي عبادة؛ لأن الله تعالى أمر بها عباده فقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وقال النبي ﷺ : (أَعُوذُ بِاللهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ) (٢)، وقال: (وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي) (٣)، وقال: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالحَزَنِ وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) (٤) … إلى غير ذلك من نصوص الاستعاذة الكثيرة. فالعِوذ الشرعية كثيرة جدًا؛ فيجب صرفها لله والاستعاذة التي تكون عبادة: هي التي لا تطلب إلا من الله فمن طلبها من غير الله فقد وقع في الشرك الأكبر، كمن استعاذ بمخلوق فيما لا يقدر عليه ذلك المخلوق، أما من استعاذ بمخلوق في أمر مقدور له فهذا ليس بشرك،

стр. 91

وقد جاء في الحديث: (يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ) (١)، في إشارة إلى المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وذلك أن البيت الحرام فيه معاذ للناس وأمن؛ لأنه لا يحل فيه سفك الدماء. فعلى هذا: لو قال امرؤ لصاحبه أعذني من كذا وكذا وذلك الشيء المستعاذ منه مقدور للمخاطب فلا بأس؛ كأن يلحقه لص أو عدو، فيقول لصاحبه أعذني منه يعني أجرني منه وأدخلني في حمايتك فهذا لا بأس منه. أما لو استعاذ به على وجه شركي فهذا لا يجوز، ومثال ذلك: ما حدثنا الله تعالى به في سورة الجن قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، جاء في سبب نزول الآية أن بعض العرب كَانُوا إِذَا نَزَلُوا الْوَادِي قَالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ، فَتَقُولُ الْجِنُّ: مَا نَمْلِكُ لَكُمْ وَلَا لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٢). (فزادوهم رهقًا) قال المفسرون: تحتمل أحد معنيين (٣): إما أن الجن زادوا الإنسَ رهقًا؛ أي: خوفًا، وعنتًا، وذعرًا، باضطرارهم إليهم، وتضعفهم أمامهم، فلم يحصل لهم مرادهم. وإما أن المراد زاد الإنسُ الجنَّ رهقًا؛ أي: تكبرًا، وتجبرًا. ولا تنافي بين المعنيين فكلاهما حاصل، فلما استعاذوا بغير الله

стр. 92

فيما لا يقدر عليه إلا الله أورثهم ذلك هذه النتيجة الوخيمة زاد خوفهم وذعرهم وزاد طغيان الجن واستضعافهم إياهم، وهكذا كل من استعاذ بغير الله، فالذين يقصدون السحرة والمشعوذين لا يزيدهم هذا إلا وبالًا، فإنهم لا يزالون يبتزونهم ويستضعفونهم ويسلبون أموالهم؛ لأنهم يعلقونهم بأمر موهوم مخوف، فيزيدونهم رهقًا. وأعظم ما استعاذ به المستعيذون هاتان السورتان: الفلق والناس، فعن أبي سعيد ﵁ قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ عَيْنِ الْجَانِّ، ثُمَّ أَعْيُنِ الْإِنْسِ، فَلَمَّا نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، أَخَذَهُمَا وَتَرَكَ مَا سِوَى ذَلِكَ) (١)، فينبغي للإنسان أن يعتني بهاتين السورتين في أوراد الصباح والمساء وقبل النوم؛ حتى يحصل بذلك العوذ الشرعي المطلوب، وعلى الإنسان ألا يستعيض عنها بالأدعية المزخرفة التي يصطنعها الناس، بل يرفع رأسًا بالعوذ الشرعية التي دل عليها كلام الله وكلام نبيه ﷺ -وأن يقدمها على كل شيء. وتجوز الاستعاذة بالله سبحانه بأن يقول: أعوذ بالله أو باسم من أسمائه: كأن يقول أعوذ برب الفلق أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس، فيكون قد استعاذ بجملة من أسماء الله، ويجوز أن يستعيذ بصفة من صفات الله: كأن يقول أعوذ بعزة الله، كما قال نبينا ﷺ : (أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ، وَأُحَاذِرُ) (٢)، فاستعاذ بصفتين من

стр. 93

صفات الله ، أما من استعاذ بميت أو غائب أو حي غير قادر على الإعاذة فهذا ضرب من الشرك. قوله: (وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية [الأنفال: ٩]). الاستغاثة وأنواعها الاستغاثة: طلب الغوث وقد جرى ذلك للمؤمنين يوم بدر فإن الله جمع بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، خرجوا يطلبون العير فلقوا النفير، خرجوا يريدون قافلة أبي سفيان فوجدوا قريش بقضها وقضيضها، وعتادها وخيلها ورجلها، كان عدد المسلمين ثلاثمائة وبضعة عشر وكان عدد قريش ألفًا ونيف، فلا سواء؛ من حيث العدد والعدة، ومع ذلك ثبَّت الله المؤمنين، فقام النبي ﷺ يستغيث بربه ويناجيه -وهو في العريش- ويقول: «اللهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ : ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ) (١)، فهذه استغاثة.

стр. 94

فالاستغاثة عبادة تطلب من الله ، وهي أنواع: النوع الأول: استغاثة العبادة، وهي: طلب الغوث من الله . ومن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله؛ كالذين يستغيثون بالأولياء والأوتاد والأقطاب، وغير ذلك من الألقاب التي يخترعونها، وهذا قد فشا وعم وطم بين الجهال من الطرقية الصوفية والرافضية، حتى إنهم ليأتون بالمضحكات ومن قرأ في "طبقات الشعراني" - " طبقات الأولياء" كما يسميهم- رأى العجب العجاب، من أقوام ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، وهم يدعون غير الله، ويصيح أحدهم: مدد يا فلان، يطلب المدد من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وهو غائب، ومما مر بي ذلك أنه كان ذكر حال رجل ممن يدعي أنه من الأولياء، وأن أحد مريديه استأذنه في السفر إلى الهند، فأذن له وقال: إن اعتراك خطب فادعُ باسمي، يعني استغث بي، فخرج الرجل وركب البحر، قال: فبينا ذلك الشيخ المزعوم بين أصحابه يومًا إذ به يفسر عن ذراعه ويمد يده فإذا هم يرون الماء يبلغ كمه حتى بلغ عضده حتى بلغ الماء إلى كتفه؛ فقالوا: رأينا منك عجبًا، قال: نعم، أتذكرون فلانًا؟! فإني أوصيته إذا ألم به خطبُ أن يستغيث بي، فركب البحر فهاج البحر وعلتهم الأمواج حتى أشرفوا على الغرق فذكر مقالتي فنادى باسمي: يا شيخ فلان، فمددت يدي فأخرجت السفينة من قعر البحر! هكذا تروج هذه الخرافات على هؤلاء الطغام فينتقول من التوحيد إلى الشرك. فيجب التنبه لهذا، والفصل بين هذا وبين الولاية الحقيقة لرب العالمين، فإن الولاية الحقيقية غير الولاية المدعاة، وأعظم علامة لأولياء الله امتثالهم لشرع الله وأعظمه التوحيد ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٢، ٦٣].

стр. 95

النوع الثاني: الاستغاثة المباحة، وهي: الاستغاثة فيما يقدر عليه الآدمي فلا بأس بها، والدليل على جواز ذلك: قول الله في قصة موسى مع الإسرائيلي والقبطي قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص: ١٥]، فلا حرج أن يقول إنسان: يا فلان، أغثني. فيما يقدر عليه، مثال ذلك: أن يكون شخص يتخبط غرقًا فيبصر أحدًا على الشاطئ فيقول: يا فلان! أغثني، أغثني. فهذه ليست استغاثة شركية. أو يكون في بيت يحترق فيفتح النافذة ويقول: الغوث، أغيثونا. فهذه أيضًا استعانة مباحة. قوله: (وَدَلِيلُ الذَّبْحِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١ - ١٦٣]. وَمِنَ السُنَّةِ: (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)). الذبح وأنواعه النسيكة هي الذبيحة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾، فقرن بين الصلاة والنحر، كما قرن بينهما هاهنا فقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾، فالنسك قيل إنه الذبح، وقيل إنه مطلق العبادة، والأقرب أن يكون المراد به الذبح؛ لأنه ذكره مقرونًا أو معطوفًا على الصلاة كما جرى التعاطف في سورة العصر، (وَمَحْيَايَ): عملي في حياتي، (وَمَمَاتِي)؛ أي: ما أموت عليه، (لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَه) الدين لا يقبع في زاوية من زوايا الحياة، أو يختص بأعمال معينة بين جدران المسجد، أو بدريهمات يبذلها للفقير، أمر الدين أشمل من ذلك، الدين يستوعب الدنيا بأكملها ويتصل بالآخرة، فينبغي أن ندرك هذا المعنى الشمولي؛ لأن كثيرًا من الناس من جراء تأثرهم بالنظرات الغربية للدين صاروا يتصورون الدين أحد أنواع الاهتمامات

стр. 96

واختصاصات الحياة وهذا فهم كهنوتي للدين، هذا فهم النصارى الذين يقسمون الناس إلى قسمين: رجال الكهنوت الذين هم رجال الدين عندهم، والعلمانيين الذين هم رجال الدنيا، ليس عندنا في الإسلام هذا التقسيم، الدين والدنيا عندنا في سياق واحد، فكل أمور الحياة ومناشطها يجللها ويصبغها دين الله ، الذي لم يدع شاذة ولا فاذة إلا دل الناس عليها؛ ولهذا عبر الله تعالى بتعبير بديع فقال : ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨]، وميزة الصبغة أنها تنتشر في جميع الأنسجة فأنت إذا أخذت قطعة قماش وغمستها في سائل ملون فإن هذا اللون يصبغ جميع الأنسجة، كذلك الدين؛ ما إن ينغمر القلب في دين الله حتى يسمع بالله، ويبصر بالله، ويأتي ويذر بدين الله، فيصبح جميع الأمر لله ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فالذبح عبادة فلا يجوز الذبح لغير الله أبدًا فمن ذبح لغير الله، ومن أهرق الدم تقربًا لغير الله، فقد وقع في الشرك الأعظم الذي لا يغفره الله، وقد كان زيد بن عمرو أحد الحنفاء قبل بعثة النبي ﷺ -ينكر على مشركي العرب صنيعهم فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄: (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحٍ، قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنِّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ، وَلَا آكُلُ إِلَّا مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو كَانَ يَعِيبُ عَلَى قُرَيْشٍ ذَبَائِحَهُمْ، وَيَقُولُ: الشَّاةُ خَلَقَهَا اللَّهُ، وَأَنْزَلَ لَهَا مِنَ السَّمَاءِ المَاءَ، وَأَنْبَتَ لَهَا مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ تَذْبَحُونَهَا عَلَى غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ، إِنْكَارًا لِذَلِكَ وَإِعْظَامًا لَهُ) (١) فيالها من حجة بالغة.

стр. 97

والذبح أنواع: النوع الأول: ذبح العبادة: فهو ما يتعلق بما شرعه الله لعباده؛ من الهدي، والفدية، والأضحية، والعقيقة. النوع الثاني الذبح مباح: كأن يذبح الإنسان لتحصيل اللحم ولضيف وفد عليه، أو نحو ذلك؛ فإن اقترنت به نية صالحة تحولت هذه العادة إلى عبادة، وإن لم تقترن به هذه النية، فإنها تبقى عادة من العادات. لكن يشترط فيها ذكر اسم الله وإنهار الدم. النوع الثالث الذبح الشركي: هو ما يقع من بعض مشركي هذا الزمان وما قبله من أزمان، بأن يذبحوا تقربًا إلى الجن أو السحرة والمشعوذين، فتجد هذا الساحر أو المشعوذ يطلب ممن قصده أن يذبح ديكًا أسود، أو تيسًا أسود، في ساعة معينة ولا يذكر اسم الله عليه -فهذا والعياذ بالله- مخرج عن الملة لا يجوز فعله بأي حال من الأحوال. قوله: (وَمِنَ السُنَّةِ (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ): عد النبيصلى الله عليه وسلم أربعة ملاعن فقال: (لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَار) (١)، ومنها هذه اللعنة: (لعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ)؛ لأن من ذبح لغير الله فقد أشرك معه غيره. وينبغي في هذا المقام التنبيه على ما يفعله بعض الناس حينما يريقون الدماء بدعوى إكرام الضيف لكن يكون في قلوبهم تعظيم القادم وهذا يقع في بعض البوادي إذا قدم عليه الضيف قدم هذه الذبائح وقام يذبحها أمامه فربما قام في قلبه تعظيم هذا القادم إن كان سلطانًا أو

стр. 98

أميرًا. بخلاف أن يكرمه بقصد الإطعام، فذلك مستحب فإن النبي ﷺ قد قال: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ) (١) لكن إن قصد بذلك تعظيم هذا القادم أدخله في الشرك من حيث لا يعلم؛ لأن في الذبح نوع تعظيم، فعلى الإنسان أن ينتبه لمثل هذه المسالك. قوله: (وَدَلِيلُ النَّذْرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]). النذر وحكمه النذر عبادة، وحقيقة النذر: إلزام المكلف نفسه عبادة ليست واجبة عليه، أو أمرًا لا يلزمه. وقد اختلف العلماء في حكم النذر فمنهم من قال: هو حرام، ومنهم من قال: هو مكروه. ولعل القول بالكراهة أعدل الأقوال. وفرق بين الابتداء وبين الوفاء، فابتداؤه مكروه؛ لأن العبد يضيق على نفسه واسعًا، ولو تعبد العبد لله بما شرع لكفى، وقد رأينا من حال الناذرين أنهم يبحثون عمن يخرجهم من هذا الحرج، إما أنهم ينذرون صومًا طويلًا، أو صدقة باهظة، أو بحجج أو عمرات، أو غير ذلك من الأمور، قال النبي ﷺ (إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ) (٢)، وصدق بأبي هو وأمي فإنا والله نسمع من بعض المستفتين من إذا أخذ يسأل عن النذر كأنما يماكس مماكسة، هل يجب

стр. 99

علي كذا؟ هل يمكن أن أخرج منه بكفارة يمين؟ هل يمكن أن أنفقه على أولادي؟ فينبغي أن يتجنب الإنسان النذر، وإذا أراد من ربه شيئًا فما أسهل الأمر، يرفع يديه ويقول: يارب، يارب. فالله تعالى لا يعطيك بالمقايضة لأجل أن تنذر، الله تعالى كريم لا تفنى خزائنه فسل الله ما أردت من خيري الدنيا والآخر دون أن تنذر. وإذا انعقد النذر وجب الوفاء به إن كان نذر طاعة لقول النبي ﷺ : (مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ) (١). واستدل الشيخ على كونه عبادة بقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: ٧]، وقد اختلف العلماء هل النذر المقصود في هذه الآية النذر الذي يعنيه الفقهاء؟ أو المقصود بالنذر مطلق الطاعة؟ قولان؛ يحتمل هذا ويحتمل هذا (٢). وشبيه بهذا قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، فقيل أيضًا فيها إن المقصود بوفاء النذور إما النذر الذي سبق تعريفه عند الفقهاء، وإما المقصود مطلق الطاعة (٣). فيجب أن يفي الإنسان بالنذر الذي خرج مخرج الطاعة. والنذر أنواع محل تفصيله وبحثه في كتب الفقه، والمقصود هاهنا أنه لا يجوز أن يتقرب لغير الله بالنذر، لايجوز أن ينذر الإنسان لمقام فلان ومشهد فلان وتربة فلان، وهذا وللأسف شائع عند كثير من الجهال، ويشجعهم على ذلك السدنة ومشايخ السوء، المنتفعين من هذه النذور؛ لأنهم هم الذي يستقبلونها ويستغلونها.

стр. 100

• قال المؤلف ﵀: (الأَصْلُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ وَهُوَ: الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ، وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ). الأصل الثاني الأصل الثاني هو معرفة دين الإسلام بالأدلة وقد نبهنا على عناية الشيخ بالأدلة، وفرق بين من يعلم الحق بدليله، ومن يعلمه تقليدًا، فإن من كمال التعبد لله أن تعرف الحق بدليله، وأن تمتثله اتباعًا. قوله: (مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلامِ بِالأَدِلَّةِ): وعرفه الشيخ ﵀ بقوله: (الاسْتِسْلامُ للهِ بِالتَّوْحِيدِ)؛ يعني: الخضوع بالتوحيد، وقد بينا التوحيد بأنواعه الثلاثة بأن يفرد الله تعالى بالربوبية، وأن يفرد الله تعالى بالعبادة والألوهية، وأن يفرد الله تعالى بما ينبغي له من صفات الكمال ونعوت الجلال. قوله: (وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ): لا يمكن أن يقع إسلام إلا بطاعة خلافًا للمرجئة؛ فإن من ضرورة الإسلام لله رب العالمين العمل؛ ولأجل ذا نجد أن الله تعالى لا يكاد يذكر الإيمان إلا ويذكر معه العمل الصالح، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 101

الصَّالِحَاتِ﴾ [الشعراء: ٢٢٧] ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: ١٧٣]، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، فلابد من طاعة، فلو زعم زاعم أنه قد أفرد الله بالتوحيد لكنه لا يعمل عملاً البتة، لقلنا هذه دعوى باطلة. قوله: (وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ): البراءة تعني: التخلي والمجانبة؛ إذ لا يجتمع توحيد وشرك فالله تعالى يجعل الإيمان قائمًا على ساقين: توحيد الله والبراءة من الشرك كما قال الله في آية الكرسي: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، قال الله تعالى في قصة الفتية من أهل الكهف ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [الكهف: ١٦]، فقد كان قومهم يعبدون غير الله، ويعبدون الله أيضًا، لكن هؤلاء الفتية أفردوا الله بالعبادة فلم يكن قومهم قد تركوا عبادة الله كانوا يعبدون الله لكنهم يفسدون ذلك بالشرك. وكذا قال إبراهيم: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦، ٢٧]، فقد كان قومه يعبدون الله لكنهم يفسدون ذلك بعبادة غيره معه فتبرأ من جميع معبوداتهم واستثنى ربه . وكذا كان مشركو العرب فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، قَالَ: فَيَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (وَيْلَكُمْ، قَدْ قَدْ) فَيَقُولُونَ: إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ، تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ (١). فأهل النبي ﷺ بالتوحيد: (لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ

стр. 102

لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ) (١)، فلابد من البراءة من الشرك وأهله؛ لأن الشرك يتمثل في جماعة فلابد من البراءة من أهله أيضًا؛ ولهذا قال النبي ﷺ : (أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ؟ قَالَ: (لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا) (٢)، وقد قال الله : ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، هذه حقيقة الإسلام، ويجب أيها الإخوة أن يكون لدينا ألسنة ناطقة، وبيانًا واضحًا حينما نُعرف بديننا، فإذا قيل لنا ما دينكم الذي تدعون إليه؟ ينبغي أن ينطلق لسانك وبيانك في بيان حقيقة هذا الدين، وتميزه على سائر الأديان، وأنه لا يوجد دين توحيدي على وجه الأرض إلا دين الإسلام، هو إرث الأنبياء السابقين، وأما ما سواه من الملل والنحل فقد دخلها الشرك وفسدت بما أحدثه الأحبار والرهبان. قوله: (وَهُوَ ثَلاثُ مَرَاتِبَ: الإسْلامُ، وَالإِيمَانُ، وَالإِحْسَانُ. وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَانٌ): الواقع أن هذه المراتب كما أسلفنا هي مراتب الدين؛ إذ لا يستقيم أن نقول الإسلام ثلاثة مراتب أولها الإسلام؛ لأن هذا تعريف للشيء ببعضه وإنما هي مراتب الدين بدليل أن النبي ﷺ قد

стр. 103

قال في حديث جبريل -الذي ذكر فيه الإسلام والإيمان والإحسان- قال في آخره: (هَذَا جِبْرِيلُ جَاءَ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ) (١).

стр. 104

• قال المؤلف ﵀: (فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللهِ الْحَرَامِ فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لَا إله إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَآئِمَا بِالْقِسْطِ لَا إله إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران، ١٨]. وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ، وَحَدُّ النَّفْيِ مِنْ الإِثْبَاتِ ﴿لا إله﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ. وَتَفْسِيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآء مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]. وقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ؛ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] وَمَعْنَى شَهادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ: طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا نَهَى عَنْهُ وَزَجَرَ، وَأَلَّا يُعْبَدَ اللهُ إِلاَّ بِمَا شَرَعَ).

стр. 105

أركان الإسلام الركن الأول قوله: (فَأَرْكَانُ الإِسْلامِ خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لا إله إِلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ): شروع من المؤلف ﵀ في بيان أركان الإسلام، فالإسلام مقام على خمسة مبان، أعظمها وأشرفها وهي بوابة الإسلام وأول الأمر وأوسطه وآخره، الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمداً رسول الله قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، هذه أعظم شهادة من أعظم شاهد في أعظم مشهود به. قوله: (وَالْمَلَائِكَةُ)؛ أي: الملائكة شهدوا بذلك أيضاً؛ لأنهم عند ربهم وهم أعلم الخلق به، وقد أثنى الله عليهم ثناءً عطراً فقال: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٨] وقال: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١١] فهؤلاء الملائكة العظام يشهدون لله بالوحدانية. قوله: (وَأُولُو الْعِلْمِ): لله درهم ما أعظم حظهم وشرفهم، حينما قرن الله شهادتهم بشهادته وشهادة ملائكته، وذلك أن أهل العلم قد نور الله عقولهم وبصائرهم فأبصروا الأشياء والحقائق على ما هي عليه، ألم تر أن الله تعالى أحال عليهم وأرى رأيهم فقال: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦] قوم يحيل الله على رأيهم جديرون بالثناء،

стр. 106

ففي هذا شرف لأهل العلم. وقال تعالى ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إلي الرَّسُولِ وَإلي أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] فأهل العلم لديهم الملكة والقدرة على الاستنباط ولذلك أثبت الله شهادتهم، فهذه أعظم شهادة في أعظم مشهود به من أعظم شاهد، وفي هذا شرف لأهل العلم لا يبلغه شرف؛ لأن الله تعالى قرنهم بذاته وملائكته. (أشهد)؛ أي: أقر وأعترف، كأنك لقوة يقينك بهذا الأمر القلبي تشاهده رأي العين، ولا ريب أن المشاهدة أعظم ما يكون في التحقيق، فلهذا عبر بالشهادة مع أنه أمر علمي. (إله)؛ أي: مألوه بمعنى معبود، فهو على وزن فعال بمعنى مفعول؛ كقولنا كتاب؛ أي: مكتوب. فراش؛ أي: مفروش. بساط؛ أي: مبسوط. غراس؛ أي: مغروس، وليس إله بمعنى آله أي فاعل فمعنى قولك لا إله إلا الله، أي لا معبود بحق إلا الله، هذا تفسير كلمة التوحيد. والإله: هو من تألهه القلوب محبة وتعظيمًا؛ أي تنجذب إليه، من الوله، وذلك أن الإله المستحق للعبادة سبحانه وبحمده هو الذي يستقطب القلوب ويجذبها محبة وتعظيمًا، لا يستحق هذا أحد سواه، وهناك آلهة سوى الله بدليل أن الله سماها آلهة فقال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا﴾ [الأنبياء: ٤٣] لكنها ليست آلهة بحق ولهذا قال يوسف ﵇: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يوسف: ٤٠] إذن هي مجرد أسماء وعناوين، أما الإله الحق المستحق للعبادة وحده دون ما سواه فهو الله سبحانه، لا إله غيره، ولا رب سواه، وقد عدت شهادة واحدة مع تعدد المشهود به؛ لأنه لا يمكن أن تتحقق عبادة الله إلا بالإيمان برسوله ﷺ ولا يمكن أيضًا أن تتحقق شهادة أن محمدًا رسول الله إلا بالإيمان بالله.

стр. 107

ثم بين معناها بقوله: (وَمَعْنَاهَا: لا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلا اللهُ: ﴿لا إله﴾ نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ ﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ). وكلمة (لا)، هي النافية للجنس، فاسمها (إله)، وخبرها محذوف. تقديرها: لا إله حقٌ إلا الله؛ فمعنى الكلام: لا معبود بحق إلا الله . أما المعبودات المزعومة فكثيرة؛ فمن الناس من يعبد الشجر، ومنهم من يعبد الحجر، ومنهم من يعبد البقر، وأصناف المعبودات التي قد لا تخطر ببال!. قوله: (إلا اللهُ): فأثبت الألوهية له وحده سبحانه ف (لا إله)؛ أي: نافياً جميع ما يعبد من دون الله. قوله: (﴿إِلا اللهُ﴾ مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ): وهذا تعليل حسن، فلما كان سبحانه لا شريك له في ملكه كان جديراً بأن يكون لا شريك له في عبادته، وتأملوا هذا المعنى العظيم الذي ذكره الله في سورة سبأ، لتروا عظمة القرآن، وقوة دلالته وحجته، يقول تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢] فالله تعالى نفى عنهم ابتداءً ملك ذرة في السماوات أو في الأرض. فربما قائل: لا يملكون استقلالاً لكن ربما يملكون مشاركة فيكون في ذلك مسوغاً لدعاء من دون الله فقال (وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ). فربما قال قائل لا يملكون استقلالاً ولا مشاركة، لكنهم بمنزلة الأعوان والخدم والحشم، الذين لا يستغني عنهم السلاطين، فيكون مسوغاً لعبادتهم ودعائهم من

стр. 108

دون الله، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]؛ أي: معاون، فمحق الله جميع ما قد يتسلل إلي الذهن من احتمال صحة دعاء غير الله، لكن بقي شيء واحد ربما يتذرع به المشركون؛ بل قد تذرعوا به وهو: الشفاعة. قالوا سلمنا أنهم لا يملكون استقلالاً، ولا مشاركة، ولا معاونة، لكن لهم جاه ومنزلة عند الله تسوغ لنا أن نتخذهم وسائط كما هو الحال عند ملوك الدنيا يكون لهم وزاراء مقربون فإذا توسط الإنسان بهم بلغوه مراده. وهذا الاحتمال من أعظم أسباب الشرك، فقال الله تعالى معقباً: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٣] فإذا كانت الشفاعة لله جميعاً فمعنى ذلك أنها لا تطلب إلا من عنده وبإذنه، إذا كانت الشفاعة لا تنفع إلا بإذنه فهي ملكه، فما الفائدة أن تطلب ممن لا يملكها؟! الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند ملوك الدنيا، فملوك الدنيا يجيزون شفاعة فلان وعلان إما رغبة أو رهبة، لكن الله لا يستكثر بنا من قلة ولا يستعز بنا من ذلة، فكان تمكين بعض الأنبياء والصالحين من الشفاعة لإظهار فضلهم، لا أنهم يبادرن الله تعالى بذلك دون إذنه فلا بد من شرطين: إذن الله للشافع، ورضاه عن المشفوع له. فيا لهما من آيتين عظيمتين يمحقان الشرك من أصوله ويثبتان التوحيد؛ ولذا أردفهما الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾؛ أي: الملائكة الذين هم أقوى من يتصور دعاؤه من دون الله فحالهم مع ربهم ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فعن أبو هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (إِذَا قَضَى اللهُ الْأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ فَإِذَا [فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ

стр. 109

قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا] لِلَّذِي قَالَ [الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) (١)، إذا كان هذا حال هؤلاء الذين هم أقوى من نتصور من يمكن أن يدعى من دون الله فما بالك بمن دونهم، فهذا من عظيم دلائل القرآن ونفيه للشرك وإثباته للتوحيد. قوله: (وَتَفْسِيرُهَا: الَّذِي يُوَضِّحُهَا؛) أي: كلمة التوحيد. قال: (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآء مِمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٨]). هذا النبي الكريم صدع بكلمة التوحيد بين ظهراني قومه، فخص وعم، فلم يختلف الأمر عنده بين قريب وبعيد. فعن أبي هريرة ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» (٢). وكذلك كان جده إبراهيم ﵇ يقول لأبيه وقومه ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ وكلمة (براء) يسميها أهل اللغة صفة مشبهة وهي أبلغ من أن يقول إنني برئ مما تعبدون، كأنما صار هو ظرفًا للبراءة ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٧] هذا يدل على أن قومه كانوا يعبدون الله ويعبدون معه

стр. 110

غيره؛ ولهذا تبرأ من جميع معبوداتهم واستثنى خالقه وإلهه الذي فطره، وهذا إذا اعتبرنا الاستثناء متصلاً. أما إن قلنا الاستثناء منقطع فذلك يدل على أنهم لم يكونوا يعبدون الله فتبرأ من جميع معبوداتهم، ثم قال: إلا الذي فطرني؛ يعني: بل أعبد الذي فطرني، فعلامة الاستثناء المنقطع أن ترفع (إلا) وتضع مكانها (بل). والتوجيه الأول أولي وأرجح؛ فإن الأمم السابقة كانت تعبد الله لكنها تشرك معه غيره. معنى فطرني؛ أي: ابتدأ خلقي فمعنى ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] أي مبتدئ خلقهن. يقول ابن عباس ﵄: (كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا فَاطِرُ السَّمَوَاتِ حَتَّى أتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: أَنَا فَطَرْتُهَا، أي ابْتَدَأْتُهَا) (١). فقول إبراهيم ﵇ ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ من أقوى دلائل التوحيد؛ لأنه يدل على أن الذي ابتدأ الخلق وأوجد مادته من العدم هو الحقيق بالعبادة، وبمثل ذا قال مؤمن القرية حينما جاء إلى قومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١) وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٢٠ - ٢٢]، تجد أن كلام أهل الإيمان متشابه، وإلا فلا علاقة زمنية ولا جغرافية بين إبراهيم ﵇ ومؤمن القرية ﵀، لكن الإيمان واحد فيثمر ثمرات واحدة فقال ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، وفي الحديث القدسي قال الله : (يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِى أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِى كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ
следующие страницы →