← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30157

ترشيح التوشيح وتوضيح الترجيح

تاج الدين ابن السبكي

Полный текст (808 стр.). Показаны 771–808 · переход к 776.

стр. 771

للبخاري (١) - خالفه فيه أهل المغازي والسير قاطبة، وآخرهم شيخه الدمياطي خالفه أيضا (٢). مسألة: وأنَّ الحَسَن لم يسمع من سَمُرة شيئًا، لا حديث العقيقة ولا غيره، وهو رأي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين. مسألة: وأنكر أن يكون يعقوب أو شُعيب أو غيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حصل له عمى، وشدَّد النكير على مُدَّعِيه، وأَوَّلَ جميع الظواهر الواردة فيه. مسألة: وذهب إلى أنَّ قريشا ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وهو رأي شيخه الدمياطي. مسألة: وأن دمشق فتحت عنوة. مسألة: وأنَّ المفهوم حُجَّةٌ في الشرع لا في اللغة ولا في العرف. مسألة: وأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، وفاقًا للبيانيين. مسألة: وأن الاختصاص غير الحصر خلافًا لهم. مسألة: وأن تعميم النكرة في سياق النفي باللزوم لا بالوضع. مسألة: وأنَّ العام المخصوص حقيقة، قال: «والمراد به الخصوص مجاز بالإجماع».

стр. 772

مسألة: وأن "من" الاستفهامية ليست للعموم في الأفراد بل للماهية، ولا يظهر بينه وبين الأصوليين خلاف معنوي. مسألة: وأنَّ قولك: "مَنْ عندك؟ " يُطلب به التصور لا التصديق. مسألة: ويقول في نحو الله من قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]: إنه اسم مفرد ولا يعربه خبر مبتدأ محذوف، ولا مبتدأ خبره محذوف. مسألة وأنَّ الجار والمجرور إذا وقعا خبرًا لم يقدر "كائن" ولا "استقر "، بل كل منهما خبر بنفسه، وهو مذهب أبي بكر (١) السراج من النحاة. مسألة: وذهب في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] إلى قول السُّدِّي، وهو أنَّ الله تعالى أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم في القبر وقت سؤال الملكين، ثم أماتهم فيه، ثم أحياهم في الحشر (٢). وأجاب عما يورد عليه من أنه يلزمه الإحياء ثلاث مرات: إما بأن الحياة التي تحصل الإماتة عَقِيبها لا يُعتَدُّ بها، وإما بأنَّ الله يُحييهم في قبورهم وتستمر تلك الحياة، فلا يموتون بعدها، ويَعدُّهم في المستثنين من الصعقة في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، قال: «ولا يرد كون الإحياء ثلاث مرات؛ لأنَّ الآية ساكتة عن الثالثة لا تنفيها». ولا مطمع في استيعاب مذاهبه في أصناف العلوم، ومن أحاط علما بما في

стр. 773

هذا «الترشيح»، وحصل على ترجمة الشيخ الإمام من كتابنا «الطبقات الكبرى» أحاط بعلم كثير من علوم الشيخ الإمام وفوائده؛ فإنَّ ترجمته في «الطبقات الكبرى» أزيد من خمسين ورقة، غالبها فوائد ومسائل ومباحث عنه، جمع الله بيننا وبينه في دار كرامته.

стр. 774

بَابُ الفَوَائِد وهذه فوائد سمعتها منه مُشافهةً، ذكرتُ بعضها في «الطبقات الكبرى»، أحببتُ جمع شملها هنا. سمعتُ شيخي ﵀ يقول وقد سئل عن العلقة السوداء التي أُخرجت من قلب النبي ﷺ في صِغَره حين شُقَّ فؤاده، وقول الملك: «هذا حظ الشيطان منك»: «إنَّ تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلةً لما يُلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه ﷺ ، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يُلقي الشيطان فيه شيئًا» (١). قال: «هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان فيه ﷺ حظ قط، وإنما الذي نفاه الملك أمر هو في الجبلات البشرية، فأزيل القابل الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب» (٢). قلت له: فلِمَ خَلق (٣) هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان يمكن أن لا يخلقه فيها؟ فقال: لأنه من جُملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني، فلا

стр. 775

بُدَّ منه، ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، وقد رأى الأخ شيخنا الإمام أبو حامد أحمد الوالد ﵀ بعد موته في نومه وعليه أنوار، وقع في نفسه أنها ببركات هذا البحث (١). سمعت شيخي يقول: «ينبغي للمصلي في الركوع عند قوله: «خشع سمعي، وبصري، وعظامي، وشعري، وبشري، وما استقل به قدمي» (٢) أن يحرص على صدقه في هذا الكلام، بأن يكون الخشوع محققًا في القلب، ظاهرا أثره على هذه الأعضاء، ليتحقق صدق هذا الخبر، وإلا فالإخبار بين يدي الله في هذا المقام على خلاف الواقع صعبٌ، إلا أن يراد أنها متصوَّرة في حال من هو كذلك، وهو مجاز» (٣). قلت: ثم هذا المجاز خير من أن لا يراد شيء بالكلية، بل تجري الألفاظ على اللسان اعتيادا، من غير حضور ألبتة (٤). سمعت شيخي في درس الشامية العصر يقول وقد سُئل ذكر نكتة: اذكروا مسألةً أقرّر فيها نكتةً، فقلتُ أنا: النكاح بلا وليّ، فقال على الفور: النكاح بلا ولي باطل؛ لأن قوله ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (٥) إما أن يراد به حقيقة اللفظ، أو صورة النزاع وهو الحرَّةُ البالغة العاقلة، أو مقيد بقيد يندرج فيه، أو شيء يلزم منه، أو أحد هذه الأمور الأربعة، أو القدر

стр. 776

المشترك بين الأول والثاني، أو الأول والثالث، أو الأول والرابع، أو بين الثاني والثالث، أو الثالث والرابع (١). فهذه أحد عشر قسمًا، على تقدير إرادة واحدٍ منها يلزم ثبوت الحكم في صورة النزاع، وواحد منها مراد؛ لأنه جائز الإرادة مع صلاحية اللفظ له، وغيرها منتف بالأصل، فإذا ثبت أحد الملزومات الأحد عشر فيثبت اللازم وهو أنَّ النكاح بلا ولي باطل. وأيضاً فاعتقاد البطلان راجح؛ لأنه على أحد عشر تقديرًا كلُّها عليه دليل، واحتمال الصحة على احتمال واحدٍ لا دليل عليه، فيكون مرجوحاً، فاعتقاد الصحة مع ذلك ممتنع؛ لأنه يلزم منه الترجيح بلا مرجح وهو باطل، فيكون اعتقاد الصحة باطلا، فيثبت مقابله وهو اعتقاد البطلان (٢). سمعت شيخي ﵀ في درس الغزالية يقول وقد سُئل عن الدليل على تقبيل المصحف: «دليله القياس على تقبيل الحجر الأسود، ويد العالم والوالد والصالح، ومعلوم أنَّ المصحف أفضل منهم، وسبب تقبيل الحجر الأسود ما ورد أنه يمين الله في الأرض، والعادة تقبيل يمين مَنْ يُقصد إكرامه، فجُعِل إشارةً إلى ذلك، تعالى الله عن التشبيه». قال: «وهذا معنى لطيف في تقبيل الحجر الأسود، والقرآن صفة الله فهي بذلك أحق» (٣).

стр. 777

سمعت شيخي يقول: «لا بُدَّ للأول من ثانٍ، ومن زعم أنه يقال لِمَا لا ثاني له أصلا: أوَّل، فقد أبعد». قلت: فقد أُطلق على الله ولا ثاني له؟ قال: لا ثاني له في الإلهية، وإطلاق الأول عليه بمعنى أنه السابق في الوجود على غيره. قلت: فما (١) غيره من جنسه. قال: لا يُشترط كونه من جنسه، و "أوَّل" أفعَلُ تفضيل، فإذا لم يتصف (٢) لا يقتضي إلا المشاركة في الوصف الذي اشتقت منه صفته (٣)، أما المشاركة في الجنس فلا يقتضيها إلا الإضافة، وله على ذلك في سورة الحشر كلام نفيس (٤). سمعت شيخي يقول: «من قواعد الفلاسفة الفاسدة: أنَّ الواحد لا يَصدُرُ عنه إلا واحد؛ لأنه لو صدر عنه أكثر من واحد، فكونه مصدرًا ل- «ج» مثلا مخالف لكونه مصدرًا ل- «ب»، فالمفهومان إن كانا داخلين في الذات لزم التركيب، أو خارجين لزم التسلسلُ الممتنع، أو الانتهاء إلى التركيب، إلى آخر ما نظموه من الشبهة، وهذا الذي قالوه بعينه يلزمهم في الواحد الصادر مع كونه صادرا عن الذات، والنَّسَبُ عندهم ثبوتية، فيقال لهم: الصادر وتأثير القادر فيه إما أن يكونا داخلَينِ، أو خارجين، أو أحدهما داخلا والآخَرُ خارجًا، ويُنقض كلُّ قسم بما

стр. 778

نقضوه به، فتبيَّن فساد كلامهم (١). قال لي شيخي الله وقد انتهى في التلاوة إلى «سورة الفرقان» إلى قوله تعالى: ﴿أَرَوَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَيْهُ﴾ [الفرقان: ٤٣]، يقول: سألني (٢) شيخي أبو الحسن الباجي: لِمَ لا قيل: اتخذ هواه إلهه؟ فما زلتُ مفكرًا في الجواب من أربعين سنة، حتى تلوتُ ما قبلها، وهو قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ﴾ إلى قولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ وَالِهَتِنَا﴾ [الفرقان: ٤٢، ٤٣]، فعلمتُ أنَّ المراد الإله المعهود (٣) الباطل الذي عكفوا عليه وصبروا، وأشفقوا من الخروج عنه، فجعلوه هواهم (٤). قلت: وقد تعسّر فهم سؤال الباجي وجواب الشيخ الإمام على من سألني تقريرهما، وأنا أُوَضَحُهُما فأقول: ﴿هَوَيْهُ﴾ خبر عن المبتدأ الذي هو إلَهَهُ، والخبر محطّ الفائدة، وقضيَّةُ هذا أن يكون اتخذ إلهه فجَعَلَه هواه، والذي يجعل إلهه هواه لا يكون مذموماً بل محموداً، وقد قال (٥) ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئتُ به» (٦). فمن عمد إلى إلهه فجعله هواه وغرضه فقد أحسن، فكيف ينادى عليه بالذم؟! والمقصود إنما هو ذمُّ مَنْ اتَّخذ هواه وغَرضَهُ الفاسد فصيَّره واعتقده إلها،

стр. 779

لا من عكس. وتقرير الجواب: أنَّ هذا السؤال صادر عن توهم أنَّ المعنى بـ ﴿إِلَهَهُ﴾ الإله الحق، وما المعنى به إلا الصنم الذي اعتقده إلهاً واتخذه هواه، فمعبوده بالباطل متخذ هوى وغرضاً، أي: مجعول عين الهوى ونفس الغرض، واستدل على ذلك بقولهم: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ [الفرقان: ٤٢]، فهم إنما تكلموا في آلهتهم. وهذا جواب نفيس، وقد وقع في سورة الجاثية: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: ٢٣]، وذكر الشيخ الإمام في تفسيرها هذا السؤال، وأجاب بـ «أنه لو قال: اتخذ هواه إلهه؛ لم يُفِدْ غير أنه أطاع هواه حتى صيره إلهه ومعبوده، وأما ﴿اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ فإنه يقتضي أنَّ الإله المعلوم الثابت في العقل والشرع كونه إلهه جعله وصيره هو هواه، فلا شيء يعبده غير الهوى، ونفى الإله حيث حصر الأمر في الهوى، ومفعولاً ﴿اتَّخَذَ﴾ يكون الأول محولاً إلى الثاني، فهذا الكافر حَوَّلَ إلهه عن الذات الواجبة إلى ذات هواه، ولو عكس لم يحصل هذا المعنى» (١)، انتهى. وهذا جواب على أنَّ إلهه المعني به المعبود بحق، والأحسن الجواب الأول، وهو ما كان يذكره في آخر عُمره، أما تفسيره فأقدم من هذا، وقد تأملت أنا أيضاً سورة الجاثية، فوجدت قوله تعالى قبل ذلك: ﴿وَلَا يَغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الجاثية: ١٠] إلى قوله بعده عنهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلاَّ الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] يدل على أنَّ المعنى بإلهه المعبود بباطل.

стр. 780

وقد تأملتُ أيضا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، ولم يقل: إنَّ المسيح هو الله، فوجدت قولهم: ﴿اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ﴾ أكفَرَ من قولهم: "المسيح هو الله"؛ لأنَّ فيه نفيًا للإله الحق بالكلية وإن اشتركا في الكفر. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَةَ﴾ [آل عمران: ٩٦]، ولم يقل: إنَّ الذي ببكة لأوَّلُ بيت وضع للناس"، فوجدته أحسن؛ لأنَّ المبحوث (١) عنه أول مسجد ما هو؟ لا مكَّةُ هل هي أول مسجد؟ فتأمل هذه الأقدام الراسخة في فهم هذه الآيات المتقاربة، فبعضها من بعض. سمعت شيخي يقول: «لكل مسلم عندي وعند كل مسلم حق في أداء هذه الصلوات الخمس، ومتى فرط مفرّط في صلاة كان معتديا على كل مسلم؛ لأنَّ منها: «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين»، وهو إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض، فإذا ترك صلاةً واحدةً سُمِعت الدعوى عليه وإن لم يكن على وجه الحسبة من كل مسلم، وكان بتركها تاركا لحق الله وحق العباد». ووجدت في كلام القفال ما يشهد لما قاله. سمعت شيخي يقول: «مَنْ سنَّ سنَّةٌ حسنةً فله أجرها، ومن العامل الأول بها أجر، ومن الثاني أجران؛ أحدهما منه والآخَرُ من شيخه، ومن الثالث أربعة، ومن الرابع ثمانية، وهكذا يُضعف إلى يوم القيامة»، قال: «وبهذا يتبين كثرة أجور

стр. 781

المتقدمين، وجميعها حاصل للنبي ﷺ ، ولا يعلم قدر ذلك إلا الله، ونعوذ بالله من ضده». وقد ذكر ذلك مبسوطاً في كتابه «شفاء السقام». سمعت شيخي يقول في الفرق بين تقدم السلب على "كل" وتأخره: «إن تقدم كقوله: ما كلُّ ما يتمنى المرءُ يدركه أفاد سلب العموم، ولا يفيد العموم؛ لأنها سالبة محصلة نقيض الموجبة المحصلة، والموجبة تقتضي العموم، فلا يقتضيه نقيضُها. وإن تأخر، كقوله ﷺ : «كل ذلك لم يكن» (١)، وقول الشاعر: كله لم أصنع (٢) أفاد العموم؛ لأنه حكم بالسلب على كل فرد، وذلك هو العموم، قال: وقد قيل في تقريره غير هاتين الطريقين مما لم أرتضه (٣). قلت: وذكره في «أحكام كل». سمعت شيخي يقول: يُستحَبُّ أن يكون الخروج للحج يوم السبت، ففيه خروج النبي ﷺ لحجته، وقد صح، ولم يذكره الفقهاء (٤).

стр. 782

قلت: وخروجه ﷺ فيه لحجته متردد بين الجبلي والشرعي، وفي لحاقه بالشرعي تردد ذكرته في أصول الفقه. سمعت شيخي يقول وقد ذكر قول عبد الغني بن سعيد الحافظ: «إنَّ الرجل الذي أتى النبي ﷺ فذكر أنه وطئ أهله في رمضان سَلَمةُ بن صخر البياضي، وإنَّ ذلك كان نهارا، وإنه أصح من قول ابن إسحاق: ليلا»: «إنَّ ابن إسحاق لم ينفرد به، بل رواه الترمذي أيضًا وحسنه، وإنّ رجال إسناده ثقات»، وإنَّ المختار عنده أنهما واقعتان، وإن حديث أبي هريرة في الوقاع، وحديث سلمة بن صخر في الظهار. قال: «وسواء أكان المبهم في حديث أبي هريرة هو سلمة بن صخر، فيكون قد وقعت له واقعتان، أم غيره» (١). سألتُ شيخي: لِمَ يقول المصلي في الاعتدال: «كلنا لك عبد»، ولا يقول (٢): "عبيد"، مع عود الضمير في «كلنا» على جمع؟ فقال: «لأنه قصد أن يكون الخلق أجمعون بمنزلة عبدٍ واحدٍ وقلب واحد» (٣). سألتُ شيخي: لِمَ لا يفترق الحال بين إبداء الصدقة وإخفائها عند الصوفية، وقد قال الله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١]؟ فقال: «المراد أنَّ قلب الصوفي لا يتأثر بالإعلان؛ لأنه لا يرى غير الله، فكانا بالنسبة إليه سواء، وإن كان السرُّ من حيثُ هو أفضل من الجهر» (٤).

стр. 783

سمعت شيخي ﵀ يقول - وقد ذكر قول الشهيلي في قوله ﷺ : «أو مُخرجي هم؟» (١)، وأن فيه دليلًا على حُبّ الوطن -: «إِنَّ أحسن منه أن يقال: تحركت نفسه؛ لما في الإخراج من فوات ما نُدِب إليه من إيمانهم وهدايتهم، فإنَّ ذلك مع التكذيب والإيذاء مترقب، ومع الإخراج منقطع، وذلك هو الذي لا شيء عند الأنبياء ﵉ أعظم منه؛ لأنه امتثال أمر الله تعالى، وأما مفارقة الوطن فهو أمر جبلي، والنبي ﷺ أجل وأعلى مقاما من الوقوف عنده في هذا الموطن العظيم» (٢). سمعت شيخي ﵀ ينكر قول الغزالي عند ذكر خصائص رسول الله ﷺ : وقالوا: إذا وقع بصره على امرأة فوقعت منه موقعاً؛ وجَبَ على الزوج تطليقها؛ لقصة زيد، ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليفه النزول عن أهله، ومن جانبه ﷺ ابتلاؤه ببلية البشرية، ومنعه من خائنة الأعين، ومن إضمار ما يخالف الإظهار؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] (٣)، انتهى لفظ «الوسيط»، وذكره الرافعي عنه ساكنا عليه. قال لنا الشيخ الإمام مرات: «هذا منكر من القول، ولم يكن رسول الله ﷺ لتعجبه امرأة أحدٍ من الناس، وقصة (٤) زيدٍ إنما (٥) جعلها الله تعالى - كما صرح به في سورة الأحزاب من أولها إلى آخر القصة - قطعًا لقول الناس: إنَّ زيدًا ولد

стр. 784

رسول الله ﷺ ، وإبطالاً للتبني في الإسلام، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ أي: مِنْ أبوين في الإسلام، إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ﴾، إلى أن قال: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٤، ٥] (١). ثم ساق الله تعالى السورةَ إلى أن قال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] تحريض على امتثال أمره تعالى في طلاق امرأة زيد، ثم قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، يعني: من أمر زيد بطلاق امرأته وتزوجك أنت إيَّاها، لا من محبتها، معاذ الله، ثم معاذ الله، ثم معاذ الله. ثم بيَّنَ الله تعالى بالقول الصريح بعد التعريض الطويل أنَّ السر في ذلك إبطال التبني ونسخه (٢)، ورفعه بالقول والفعل؛ ليعلم الناس أنه لو كان ولدًا له لما تزوَّج امرأته، فقال تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَا بِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ثم قال تعالى بعده: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِّجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠]. فمن تأمل السورة، وعرف شيئًا من حال رسول الله ﷺ تيقن بالعلم القاطع أن تزوج امرأة زيد إنما كان لذلك لا لغيره، وأنه ﷺ كان أكره الناس - بالطباع البشرية - لزواجها، عكس ما توهمه الغزالي، وكان يشق عليه ذلك، وما كان ليُمكنه أن يخفي شيئًا مما أنزله الله، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ

стр. 785

﴿مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، فنزلت الآية آمِرَةً له بإظهار ما أمر الله من زواجها؛ لإبطال التبني وإن كان زواجها أشق شيء عليه (١)). قلت: وينبغي لكل مسلم أن يعرف هذا. قلت: وهما موضعان مُستنكران في كلام الغزالي: أحدهما: هذا الذي نبه عليه الشيخ الإمام، وهو أهم في الدين، ينبغي تلقيه بكلتا اليدين. والثاني: نبه عليه شيخه ابن الرفعة، وهو قول الغزالي في قصة بريرة ﵂: لو شُرِطَ الولاء للبائع فوجهان، أحدهما: الصحة؛ لأنه (٢) ﷺ لا يأمر بفساد قال: «والثاني: المنع، فإنه في غاية البعد عن القياس»، قال: «واحتمال تقدير مساهلة من الشارع في هذه المشارطة أهون من تشويش قاعدة القياس» (٣). قال ابن الرفعة: «هذه عبارةٌ في ظاهرها مستنكرة في حق من لا ينطق عن الهوى، والنص مقدَّم على القياس بالإجماع، ومنصب الغزالي أجل من أن يريد ظاهرها، ومراده بالمساهلة استعمال اللفظ في مجازه لا في حقيقته». قلت: أما أنه لم يرد بالمساهلة أمرًا منكَرًا، فهذا لا يُشَكُّ فيه، وأما أنه استعملها مجازا فلا، بل ليس في لفظ المساهلة إلا التسهيل باستعمال اللفظ وإن أريدت حقيقته تسويغا وتشريعا، فاشتراط الولاء - وإن خالف القياس - سوغه

стр. 786

الشارع، وأباحه بقوله: «واشترطي لهم الولاء» (١)، وأما ثبوت الولاء على حسب الشرط فأمر آخر، وكونه إذا لم يثبت يكون غدرًا وخديعة (٢) ممنوع، بل هو جزاء من حاول تغيير الشرع، ووَضْعَ الولاء حيث لم يضعه الله. ودعوى ابن الرفعة الإجماع على تقديم النص على القياس؛ إن عنى بالنص القاطع فصحيح، ولكن ليس حديث بريرة منه، وإن عنى أعم منه ومن أخبار الآحاد فممنوع، فإنَّ الناس مختلفون في تعارض خبر الواحد والقياس، لا سيما خبر واحدٍ ليست دلالته قويةً في معارضة قياس قاطع، أو قريب من القطع. فما نبه عليه الشيخ الإمام أشرف وأعلى وأحق مما نبه عليه شيخه، ومن تأمل كلام الجدليين وجدهم كثيرا ما يطلقون المساهلة الشرعية، وإنما يعنون نحو قول الفقهاء: حقوق الله مبنية على المساهلة، ولا يعنون ما أنكره ابن الرفعة، ولا يُظَنُّ بمسلم أنه يعنيه. وقول الغزالي هذا نظير قول الرافعي في الطلاق حكاية عن الإمام في الحربي يُكره على الشهادتين: «إنَّ الظاهر من المحمول عليهما بالسيف أنه كاذب» (٣). ومن يسمع (٤) هذا يقول: قائل الشهادتين ليس بكاذب؛ لأنَّ الكذب عدم المطابقة لما في نفس الأمر، وقائل الشهادتين مطابق، فكيف يقال: كاذب، وما

стр. 787

هذا الإطلاق العجيب؟! ومن تحقق يعلم أنَّ المراد: كاذب في إخباره عن نفسه أنه أسلم لا في مضمون مخبَرِه، وقد صرّح الإمام في «النهاية» بالظرف فقال: «كاذب في إخباره»، وإنما الرافعي حذف هذا الجار والمجرور اكتفاء بظهور الأمر فيه، فورد ما لا قِبَلَ به، وجوابه وضوح أمره، وأن المراد غيره (١). واعلم أنَّ الذي يصح من الحربي إذا أُكره: إنشاء الإسلام لا الإقرار به، كما أفاده صاحب «البحر» في كتاب الطلاق، وعلى هذا فالإنشاء لا مدخل للصدق والكذب فيه (٢). قال لي الشيخ الإمام استمحانًا لي وتعليما: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩] مع قوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: ٣] يدلُّ على أنه لا يجوز لأحد أن يزيد على الواحدة، فما الجواب (٣)؟ قال لي شيخي نكتة معتزليةً: الرزق مأمور بالإنفاق منه، ولا شيء من المأمور بالإنفاق منه بحرام، ينتج: لا شيء من الرزق بحرام، وبيان الصغرى: ﴿أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [يس: ٤٧]، والكبرى: أنه لا يُؤمر بإنفاق المحرم. قال لي الشيخ الإمام ﵀: السرُّ في إباحة نكاح أكثر من أربع لرسول الله ﷺ : أن الله تعالى أراد نقل بواطن الشريعة وظواهرها، وما يُستحيى من ذكره وما لا يستحيى، وكان رسول الله ﷺ أشد الناس حياءً، فجعل الله له نسوةً ينقلن من الشرع ما يرينه من أفعاله ويسمعنه من أقواله التي قد يُستحيى من الإفصاح بها

стр. 788

بحضرة الرجال، فيُكمل نقل الشريعة، وكثر عدد النساء ليكثر الناقلون لهذا النوع، ومنهنَّ عُرِف غالب مسائل الغُسل والحيض والعِدَّةِ ونحوها (١). قال: ولم يكن ذلك الشهوة منه ﷺ في النكاح، ولا كان يحبُّ الوطء للذَّةِ البشرية، معاذ الله، بل إنما حُبّب إليه النساء لنقلهنَّ (٢) عنه ما يستحي هو من الإمعان في التلفظ به، فأحبهنَّ لما فيهنَّ من الإعانة على نقل الشريعة في هذه الأبواب، وأيضًا فقد نقلن ما لم يكن ينقله غيرهن مما رأينه في منامه، وحالة خلوته من الآيات البينات على نبوته، ومن جده واجتهاده في العبادة، ومن أمورٍ يشهد كلُّ ذي لب بأنها لا تكون إلا لنبي، وما كان يشاهدها غيرهنَّ، فحصل بذلك خير عظيم. وهذه فائدة نفيسة تلتحق بما قدمناه عنه في واقعة زيد بن ثابت، وقد كنتُ أستحسِنُها وأظنه لم يُسبَق إليها، ثم رأيتُ صاحب «التعجيز» سبقه إليها، فقال في مختصره المسمى «نهاية النفاسة» وهو من أحسن مختصرات الفقه في «كتاب النكاح»: «وهو مما حُبِّبَ إلى النبي ﷺ لتَطَّلِعَ النساء على ما لديه، فينفين ما نُسِبَ إليه مما لا يجوز عليه». قلت: ولِيَنقُلنَ ما يَرَيْنَ من أخلاق طاهرة، وخلال نادرة، وجِبلة لم يُطبع عليها سواه، فسبحان من خلقه وسواه، فإنَّ من العجائب بَشَرًا ابنَ ثلاث وستين سنة، ينام فيَنقُلُ النساء أنَّ رائحة نكهته عَقِيب نومه أطيب من رائحة المسك، وعرقه يُجمع ليتطيب به، ولا يَنقُلُ أحد أنه رأى (٣) غائطا ولا بولا، حتى قيل: إِنَّ

стр. 789

الأرض تبتلع ما لعله يكون منهما. وروى ذلك الدارقطني بإسناد صحيح في كتاب «الأفراد» من حديث هشام بن عروة، عن عائشة ﵂ مرفوعاً، إلى غير ذلك من الجِبلة النفيسة (١). فلو لم يكن إلا هذه الجِبلة لكفت في الشهادة بنبوته ﷺ ، مع ما ينضم إلى ذلك من قول عائشة ﵂: «ما رأيتُ منه ولا رأى مِنّي» (٢)، وغير ذلك مما نقلته نسوته من شدَّة حيائه، وعظيم وفائه، وحسن أخلاقه، وطيب أعراقه، وأنه ما عاب طعاماً قطُّ، ولا شتم خادمًا، ولا كسر قلباً، وخدمته لنفسه ولأهل بيته، ولو شاء لاستخدم الملك والبشر، وكان الكل عبيداً، وغير ذلك من صفاته التي لا يحصيها كتاب مع كثرة التصانيف فيها. سمعت الشيخ الإمام ﵀ يقول: لم يكن رسول الله ﷺ فقيرا من المال قط، ولا كانت حالته حالة فقر، بل كان أغنى الناس بالله، قد كُفِي أَمرَ دُنياه في نفسه وعياله. وكان يقول في قوله ﷺ : «اللهم أحيني مسكينا» (٣): «إنَّ المراد به استكانة القلب، لا المسكنة التي هي أن لا يجد ما يقع موقعاً من كفايته»، وكان يشدّد النكير على من يعتقد خلاف ذلك (٤).

стр. 790

قلت: وهذا حق؛ فإنَّ من جاءت إليه مفاتيح خزائن الأرض وأباها، وكان مع ذلك قادرا على تناول ما فيها كل لحظةٍ كيف يُوصَف بالعدم؟ ونحن لو وجدنا من له مال جزيل في صندوق من جوانب بيته؛ لَوَسَمْناه بسمة الغناء (١) المفرط، مع العلم بأنه قد يُسرق، أو تغتاله غوائل الزمان فيصبح فقيرًا، فكيف لا يُسمَّى من خزائن الأرض بالنسبة إليه أقرب من الصندوق بالنسبة إلى صاحب البيت، وهي في يده بحيث لا تتغير، بل هو آمِنٌ عليها بخلاف صاحب الصندوق (٢)؟ فما كان ﷺ فقيراً من المال ولا مسكيناً قط، نعم، كان أعظم الناس جوارًا إلى ربه وخضوعاً له، وأشدهم في إظهار الافتقار إليه والتمسكن بين يديه. وقد قال الإمام الجليل أبو حاتم بن حبان في «صحيحه» عند كلامه على قوله ﷺ : «إني (٣) لستُ كأحدكم، إني أطعم وأُسقَى» (٤) ما نصه: «في هذا الخبر دليل على أن الأخبار التي فيها ذُكِر وضع النبي ﷺ الحجر على بطنه كلها أباطيل، وإنما معناها الحجز لا الحَجَر، والحُجَزُ هو طرف الإزار؛ إذ الله كان يُطعم رسول الله ﷺ ويسقيه إذا واصل، فكيف يتركه جائعا مع عدم الوصال حتى يحتاج إلى شدّ الحجر على بطنه؟! وما يُغني الحجَرُ عن الجوع؟!» (٥). قلت: ولم يكن ابن حبان ليذهب عنه حديث: «خرج أبو بكر بالهاجرة»،

стр. 791

وفيه قول النبي ﷺ : «والذي نفسي بيده، ما أخرجني إلا الجوع»، وقد خرَّجه ابن حبان في «صحيحه» قبل هذا الحديث، ولكن لعله يقول: إنَّ النبيَّ ﷺ لم يَقُل فيه: ما أخرجني إلا جوع لحقني، وإنما قال: ما أخرجني إلا الجوع، وأشار إلى جوعهم (١). وبالجملة إن عَسُر تأويل أنَّه ﷺ كان يجوع، وادُّعِيَ أنَّ كثرة الأخبار الواردة فيه ظاهرةٌ جدًّا فيه = فهو جوع اختياري لا اضطراري، ومعنى قولنا: اختياري أنه كان قادرًا على أن يطرده عن نفسه، إما بأن تنصرف عنه شهوة الطعام والشراب مع بقاء القوة بإذن الله، وقد اتفق ذلك ببركته ﵇ الخلق من أمَّته، وإما بتغذية الله له المغنية عنهما كما اتفق له في الوصال، وإما بتناول الغذاء، وكان ﷺ يجوع تارةً، والجوع حينئذ أفضل في حقه، ويشبع أخرى، والشَّبَعُ حينئذ أفضل في حقه، هذا هو الذي يظهر (٢). سمعت الشيخ الإمام يقول: من الخلاف الغريب الذي لا يكاد يوجد: حكاية الشافعي عن بعض أهل الكلام أن الصلاة على الفور، كما قال بذلك خلق في الحج، وأن تأخيرها عن أول الوقت معصية، وذكره في «النوادر الهمدانية» (٣). سمعت شيخي يقول: «ظنَّ بعض الضَّعَفَة إمكان وقوع حَجَّتين في سنة، بأن يبيت بمزدلفة إلى نصف الليل من ليلة النحر، ثم يأتي إلى مكة فيطوف، ثم يرجع إلى عرفة قبل الفجر وقد أحرمَ بحَجَّةٍ أخرى، وهذا غلط؛ لأنه قد بقي عليه بقيَّةُ أعمال الحج من الرمي وغيره، ولا يجوز له أن يُحرم بنُسُكِ وهو مشتغل

стр. 792

بُنُسُكِ آخَرَ». قال: «وقد رأيتُ المسألة منصوصةً للشافعي في «الأم»»، ذكره في «النوادر الهمدانية» وفي «شرح المنهاج» أيضا (١). قلت: وبالاستحالة أيضًا صرّح الماوردي قبل «باب قتل المحرم الصيد» (٢). سألتُ الشيخ الإمام ﵀ عمَّن دس إلى إنسان خمرًا، فشربه يحسبه ماءً. قلت: هل يحرم على الداس ما فعله؟ قال: نعم. قلت: ينبغي أن لا يَحرُمَ؛ لأنَّ الشارب لم يأثم؛ لعدم العلم، والداس لم يَتَسَبَّب إلى حرام. فقال: لأنه حقق المعصية التي طلب الشارع أن لا تكون. سايرتُ الشيخ الإمام ونحن ركوب، فضربتُ بغلتي لتسرع في المشي، فقال: بأي مستند ضربتها؟ فقلت: لأستوفي منها منفعةً مباحةً لي، وهي المشي، كضرب الزوج زوجته تأديبًا لاستيفاء ما يجب له عليها، فتبسم وأعجبه وقال: فلا تطلب منها سيرًا أسرع من المعتاد من مثلها، فقلتُ: هذه فائدة: لا يستوفى السَّيرُ من دابة إلا بقدر المعتاد منها. وكنتُ يومًا في دهليز دارنا في جماعة ونحن شباب، إذ مرَّ بنا كلب يَقْطُرُ ماءً كاد يمس ثيابنا، فنهرته وقلتُ: يا كلب يا ابن الكلب، وإذا بالشيخ

стр. 793

الإمام يسمعنا من داخل، فلما خرج قال: لِمَ شَتَمَتَهُ؟ فقلتُ: ما قلتُ إلا حقًّا، أليس هو بكلب ابن كلب؟ فقال: هو كذلك، إلا أنك أخرجت الكلام في مخرج الشتم والإهانة، ولا ينبغي ذلك، فقلت: هذه فائدة: لا يُنادى مخلوق (١) بصفته إلا إذا لم يخرج مخرج الإهانة. واعلم أن ما دار بيني وبين الشيخ الإمام من البحث، وما سمعته منه من الفوائد في أصناف العلوم لا سبيل لي إلى حصره لكثرته، فقد كان بيني وبينه من ذلك صباحاً ومساءً، ليلا ونهارًا، نومًا ويقظةً، سفرًا وحضرًا، صحةً ومرضا، قيامًا وقعودًا وعلى جنب؛ لكثرة ملازمتي له = ما يطول شرحه، ولا يتذكر إلا بحدوثِ وقائعه أو ما يُشبهها، ولم أورد إلا ما يحلو سماعُه، وتخف كتابته، فليقع الاكتفاء به، وبالله التوفيق. فإن قلت: ما ادعيتم من بلوغ الشيخ الإمام - غفر الله له ولكم - درجة الاجتهاد المطلق مردود بقول الغزالي في «الوسيط»: «وقد خلا العصر عن المجتهد المستقل» (٢)، وهذا لم ينفرد به، بل سبقه إليه القفال شيخ الخراسانيين، وذكره الرافعي والنووي عن «الوسيط» ساكتين عليه. قلت: قد نظرتُ في هذا الكلام غيرَ مرَّة، وفكرتُ فيه، فظهر لي أنه ومن سبقه إليه إنما أرادوا: خلا عن مجتهد قائم بأعباء القضاء، فإنه لم يكن يلي القضاء في زمانهم مرموق ولا منظور إليه بكبير علم، بل كانت جهابذة العلماء منهم

стр. 794

يَرْبَؤُونَ بأنفسهم عن القضاء، وكيف يمكن (١) القضاء على الأعصار بخلوها عن مجتهد؟! هذا مُنْكَرٌ من القول. والقفَّالُ نفسه كان يقول للسائل في مسألة الصُّبْرة: «أتسألني عن مذهب الشافعي أم ما عندي؟» (٢). وقال هو، والشيخ أبو علي، والقاضي الحسين، وغيرهم: «لسنا مقلِّدين للشافعي، بل موافقين، وافق رأينا رأيه»، فما هذا كلام من يدعي زوال رتبة الاجتهاد. وقد قالت طوائف: لا يخلو كل عصر عن مجتهد، وهي مسألة خلافية بين الأصوليين، يعجبني فيها قول المجتهد المطلق تقي الدين ابن دقيق العيد: «إنه لا يخلو العصر عن مجتهد إلا إذا تداعى الزمان وقرُبَتِ الساعة» (٣). وهذا القرن الذي نحن فيه قد كان فيه هذان الرجلان، وهما: الوالد وقبله ابن دقيق العيد، ما شك أحد في أنهما بلغا هذه الدرجة (٤) وجاوزاها، وقد نطق الوالد وقبله شيخه ابن الرّفعة - وكان من أقران ابن دقيق العيد - بأن ابن دقيق العيد مجتهد لا شك فيه. وما اختلف تلامذة ابن عبد السلام في أنه بلغ رتبة الاجتهاد، وهكذا لا نعهد عصرًا إلا وقد أقام الله فيه الحُجَّة بعالم بين أظهر المسلمين، ولن تبرح

стр. 795

حُجَّةُ الله قائمة وإن تفاوتت مراتب القائمين، وشريعة الإسلام ظاهرةً وإن اختلف ظهورها على أيدي المظهرين، ولله الحمد والشكر والثناء الحسن الجميل. فهذه معاشر إخواننا - شغلنا الله وإياكم بما يُرضيه، وأماتنا عليه - بغيتنا قد سطرناها؛ لينظر فيها المنصف (١)، ويعتمد ما يقع له أنه حق، والحمد لله ربّ العالمين عودًا على بدء، ومختتمًا على مفتتح، وصلى الله على سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. اللهم ارحمني، وارحم أبي، واغفر لي وله، وتجاوز عني وعنه، واجمع شملي به في دار كرامتك، على موائد رحمتك، وبساطِ كرمك، ممتعين بالنظر إلى وجهك، منعمين برضاك، مكرَّمين بالفوز الأعظم عندك، وكذلك والدتي وذريتهما أجمعين. اللهم إني أسألك الرضا بالقدر، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك من غير ضراء مُضِرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة، وأسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، وأسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، والفوز بالجنَّة، والنجاة من النار. اللهم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجةً هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين. اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي.

стр. 796

اللهم اغفر لي خطئي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني. اللهم إني أعوذُ بمعافاتك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم اجعل صدري خزانة من خزائن توحيدك، وجوارحي من خَدَمِ طاعتك، ونفسي مُطمَئِنَّة بقضائك وقدرك، وعملي عملا صالحا متقبلا لديك، وسيئاتي مغفورةً عندك، مستورة بحلمك، وكلّي عزيزا بالذل لك، غنيا بالفقر إليك، آمِنًا بالخوف منك، مُستقرًا بالقلق نحوك، منعما بالنظر إلى وجهك، منشرحا بالرضا بقَسْمِك. اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً، وفي سمعي نوراً، وفي بصري نورًا، ومن خلفي نوراً، وأمامي نورًا، ومن فوقي نورا، ومن تحتي نورا، واجعلني نوراً، وأعطني نورا. اللهم ارزقني فهما لشريعتك، وحفظاً لكتابك، وقياما به عملًا وعلما، وتلاوةً وتدبرا، وجمعيَّةً عليك متصلة بالموت، وذريَّةً صالحة، وافعل ذلك كله بأخي وذُريَّتنا، وأهل ودنا أجمعين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم كلما ذكره الذاكرون، وكلما غفل عن ذكره الغافلون (١)، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين. قال المصنف - أدام الله تعالى أيامه (٢)، وختم لنا وله بالخير ولوالدينا

стр. 797

ولجميع المسلمين: فرغتُ من تصنيف هذا الكتاب يوم (١) الثاني والعشرين من شعبان المكرَّم سنة سبعين وسبعمئة، بمنزلي بالدهشة ظاهر دمشق (٢). وأرسلت في صفر سنة إحدى وسبعين وسبعمئة منه نسخةً إلى أخي شيخنا الشيخ الأستاذ العلامة المحقق الحبر البحر بهاء الدين (٣) أبي حامد أحمد ــ أطال الله بقاءه في خير وعافية بلا محنة ـ، وسألته أن يخُصَّ باب المستدرك بمزيد نظر، وأن يذكر ما عنده فيه، فحضر إليَّ جوابه في أول ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وسبعمئة، وصورته: الحمد لله، وقفت على كتاب «ترشيح التوشيح» تصنيف سيدنا قاضي القضاة الأخ، كفاه كل محذور، وبلغه من خير الدنيا والآخرة ما أرومه له من الأمور، فوجدتُ فيه من العلوم والفوائد ما لا يَنهَضُ ببعضه أبناء الزمان (٤)، وقد استفتحه (٥) بذكر شيءٍ من مناقب والده - تغمده الله برحمته - فقلت: لِأَبِيكَ مَنْقَبَةٌ لَقَدْ أَهْمَلْتَهَا … وَبِهَا يَسُودُ عَلَى الْأَنَامِ (٦) وَيُذْكَرُ

стр. 798

وَلَتِلْكَ أَعْظَمُ مِنْ مَزَايَاهُ الَّتِي … قَدْ سُقْتَهَا وَبِهَا يَعِزُّ وَيَفْخَرُ مَا تِلْكَ إِلَّا أَنَّهُ لَكَ وَالِدٌ … لا تُحْيِي لَهُ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ وَتَنْشَرُ مَنْ خَلَّفَ ابْنَا هَكَذَا فَلَهُ الْهَنَا … وَشَرَابُهُ عِنْدَ الْمُهَيْمِنِ كَوْثَرُ إِنْ كَانَ فِي إِيجَادِكَ السَّبَبَ الَّذِي … أَضْحَتْ بِهِ فِيْنَا عُلُومُكَ تَظْهَرُ فَلَأَنْتَ فِي إِحْيَائِهِ مُتَسَبِّبٌ … لا تُحْيِي لَهُ الذِّكْرَ الْجَمِيلَ وَتَنْشُرُ (١) أَظْهَرْتَ مِلْءَ الْخَافِقَيْنِ عُلُومَهُ … فَلَهَدْيُها نُورٌ يُضِيءُ وَيُزْهِرُ وَلَأَنْتَ نَجْلٌ صَالِحٌ لَمْ تَنْقَطِعْ … لِأَبِيهِ أَعْمَالُ عَلَيْهَا يُؤْجَرُ ثُمَّ بدأت حسب مرسومه بالوقوف على الفصل المتضمن للمستدرك على الوالد فأقول: أما المسألة الأولى - وهي: الأرض المعمورة عمارة إسلامية - فجميع ما ذكره فيها هو (٢) الحق، فإنَّ الظاهر أنَّ الإمام إنما أراد الأرض لا آلات العمارة (٣)، وأنَّ الرافعي إنما أراد استقراض ثمن الأرض بعد بيعها، لا استقراض الأرض، والاحتمال المقابل لذلك لا يخفى ضعفه بعد تأمل كلامي الإمام والرافعي (٤). وأما مسألة: ما إذا وكَّل في الطلاق الثلاث، فطلق واحدةً بألف، ففيما ذكره

стр. 799

من الجواب والاعتذار عن الوالد ما يرفع الاستدراك، فإنَّ قول الرافعي: «ولا يبعد أن يُصار إلى ثبوت المال». نعم، ما إذا طلق ثلاثًا وما إذا طلق واحدةً بمال فقول الرافعي: «إنه زاد خيرًا» يعترض عليه بأن زيادة الخير إنما هي من كل وجه في أحد القسمين، وهو ما إذا طلق واحدةً، أما إذا طلق ثلاثًا فإن زاد خيرًا من وجه فقد أذهب خيراً من وجه آخر (١). وما ذكر من البحث في هذه المسألة وذكر الفروع التي تؤخذ منها (٢) لا مزيد على حسنه، وما اختاره من عدم ثبوت المال في الصورتين بما استند إليه في غاية الحسن، والفرق بين المخالفة في الصفة والعدد، وبين المخالفة في أحدهما حسن، وبالجملة ليس وراء ما ذكره فيها شيء يقال (٣). وأما مسألة: ما إذا طلقها زوجها، فذكرت أنها تزوجت بغيره، وأنه فارقها = فالاستدراك الذي استدركه صحيح واضح، وإنما الوالد لم يتأمل. وأما اعتراض ابن أبي عصرون على الإمام في قوله: «إمساك العدد المشروع فيمن أسلم على أكثر من أربع واجب»، فالإرادات المحتفة بالقرائن الواضحات تدفع الإيرادات، ولا بِدْعَ فيمن تكلم بكلمةٍ في محل (٤) تكلم بمثلها (٥) ﵊، فإِنَّ قوله ﷺ : «أمسك أربعًا» مسوّغ لقول الإمام: «الإمساك واجب»؛ لما اقتضته

стр. 800

صيغة "أفعل" من الإيجاب (١). والإمساك إنما أريد به تعيين المختارات، إما باختيارهن صريحاً أو بالطلاق الدال عليه، ولا شك أنَّ فيهن أربع زوجات، والبقية بوائن، وأن تركهنَّ على الاشتباه حرام، فالأمر بالإمساك والأمر بالمفارقة واجب على الفور، سواء أطلبن أم لم يطلبن. ولو قيل بأن الواو فيه بمعنى "أو "؛ لأنَّ الواجب أحد الأمرين = لكان له وجه؛ فإن بتعيين الأربع يحصل تبين مفارقة البواقي وبالعكس، بل هما أمران لا يمكن امتثالهما معاً، فتعين أن يكون فيه الواو بمعنى "أو"، وتضمن «الترشيح» قبل ذلك أن الوالد اختار أنَّ الواجب (٢) إنما هو ترك الجمع بين أكثر من أربع - ولم أر ذلك في كلامه - وهو يرجع لما قلناه؛ فإن ترك الجمع لازم لاختيار الأربع أو مفارقة البواقي، ولا يمكن أن يعني بترك الجمع إلا ذلك؛ لأنَّ الجمع بينهنَّ في النكاح قد ارتفع بالإسلام؛ لأن الزائد عن الأربع بوائن بلا خلاف، وإن اختلف الأصحاب في العِدَّة في (٣) أنهن هل لهنَّ حكم الرجعيات أو لا، فذلك فيما يرجع إلى أحكام خاصة. وذكر أيضا أن الوالد اختار أنَّ الأمر بالإمساك للإباحة، وبالفراق للوجوب، ولم (٤) أَرَهُ أيضًا في كلامه، ولا وجه له، فإنه يلزم من وجوب مفارقة البواقي، التي يلزمه منها اختيار الأربع = وجوب الاختيار.

стр. 801

وأما اعتراض الوالد على إطلاق النووي استحباب الإقعاء فصحيح على ظاهر اللفظ، وإن كان المراد خاصًا كما ذكره (١). وأما مسألة: من له قريب أو زوج، هل يُعطى من الزكاة؟ وقولُ الوالد: «إِنَّ الرافعي في «المحرر» صحح قول ابن الحداد على خلاف تصحيحه في الشرح»، وأن بين تصحيح «الروضة» و «الشرح» وتصحيح «المحرر» و «المنهاج» اختلافًا في الإعطاء = فلا شك أن تنزيله على ما في الكتب فيه صعوبة، وأقصى ما فيه أن الوالد اختار مذهب ابن الحداد، فإنه يرى أنهما يعطيان من الوقف ولا يعطيان من الزكاة، فإنهما فقيران يأخذان من الوقف لصدق الاسم، ولا يأخذان من الزكاة لعدم الحاجة، وإن كانا فقيرين (٢). وهذا هو مذهب ابن الحداد؛ لأنَّ الرافعي نقل عنه ذلك في كل من الصورتين، وظنَّ الوالد أنَّ هذا هو مختار الرافعي في «الشرح»، وسبب ظنه ذلك أنه نَقَلَ عن ابن الحداد أنهما لا يعطيان من الزكاة؛ وعلله بأنهما فقيران، ثم ذكر الأوجه الأربعة في الوقف، ولم يصحح شيئًا، ثم قال: «أما الزكاة فإن قلنا: لا استحقاق (٣) لهما في الوقف؛ فلا يعطيان من (٤) الزكاة لعدم الحاجة»، وما قال: لعدم الفقر (٥). ثم قال: «وهذا أصح على ما ذكره الشيخ أبو علي وغيره»، وقوله: «إنَّ هذا

стр. 802

أصح» صرفه الوالد إلى أنهما لا يأخذان من الزكاة؛ ولذلك قال في «شرح المنهاج»: «إنَّ الرافعي نقل تصحيح عدم الاستحقاق في الزكاة»، والرافعي كلامه محتمل أن يريد: «وهذا أصح» إلى الوجه القائل بعدم الاستحقاق (١) في الوقف المستلزم لعدم استحقاقه في الزكاة، ويُحتمل أن يريد: عدم الاستحقاق في الزكاة، ففهم الوالد الثاني، ثم نقل عنه أنه صحَّحَ الاستحقاق في الوقف وعدم الاستحقاق في الزكاة (٢). فأما نقله عنه عدم الاستحقاق في الزكاة فقد صرح به نقلا عن الشيخ أبي علي، إما في الزكاة، فيكون منصوصًا عليه، وإما في الوقف، فيكون باللازم، وأما تصحيحه الاستحقاق في الوقف فأخذه من ثلاثة أمور: أحدها: أنه لما نقل عن ابن الحداد الاستحقاق في الوقف علله بأنهما فقيران. الثاني: أنه لما نقل عدم الاستحقاق في الزكاة علله بعدم الحاجة، ولم يعلل بعدم الفقر. الثالث: أنه لما فرع على الاستحقاق من الوقف صحح الاستحقاق من الزكاة، وعلله من جهة نفسه بأنهما فقيران، كالجازم به الراد به على ابن الحداد في ذكره (٣) أنه لا يستحق من الزكاة. فتلخص من كلامه أنَّ الرافعي يقول باستحقاقهما من الزكاة، إنما جاء ذلك

стр. 803

من توهم الوالد من تصحيح الرافعي عدم الاستحقاق أنه هو عائد إلى الزكاة لعدم الحاجة، مع جزمه بأنهما فقيران، فكيف لا يأخذان من الزكاة؟! ولو خُلّينا و «الشرح (١) الكبير» لكان الذي فهمه الوالد هو الحق، لكن (٢) في «الشرح الصغير» التصريح بأنَّ الصحيح أنهما لا يأخذان من الوقف ك- «المحرر». وأما مسألة: "خالعتُكِ بألف" فهي على ما في «الترشيح». وكذلك مسألة: "كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق". وأما قوله: إنَّ "ما " كـ "متى "، لا كـ "إذا " إلى آخر ما ذكره؛ فليس كلامه في ذلك حاضرا، ولا رأيته. وأما مسألة: العقل (٣) فلا شك أن الوالد إنما أراد بالوجه الذي لم يذكره الرافعي وجها أنه ينتقل في حياة المعتق إلى عصباته الأبعدين: ما فَضَلَ عن الأقربين منهم، لكني لم أرَ كلام الوالد؛ فإنَّ «الغيث المغدق» لم أجده بعد طول التفتيش (٤)، ولعله ضاع بين الكتب، ولكن أين هذا الوجه في كلام غيره إلا أن يؤخذ من قولهم: إنَّ حكم (٥) عصبات المعتق حكم عصباتِ النسب. وقول «الترشيح»: «إنَّ هذا الاعتذار لا يتم؛ لأنَّ هذا قد قدمه الرافعي جازمًا به حيث قال: فإن فَضَلَ تحملت عصبته» = فيه نظر؛ فإنه لم يصرح بتحمل

стр. 804

الأبعدين منهم، فلعلَّ الشيخ الإمام وجد وجها كذلك، ولكن تكون الأوجه حينئذ أربعة، ونسخة (١) الشيخ الإمام في هذا المكان من الرافعي (٢) صحيحة لا سُقْمَ فيها. انتهى ما كتبه الأخ سَلَّمه الله، وأحسن إليه، وأطال عمره، نقلته من خطه حرفًا حرفًا، ولم أزد بعده على أن قلتُ: أنا لستُ أعرفُ أو أرى أو أذكُرُ … إلَّا بما علمتني بك أفخَرُ يا أيُّها الحَبرُ الذي لِزَمَانِهِ … و بوجودِهِ فيه الفَخَارُ الأوفرُ يا ثاني الشيخ الإمام وثالثًا … لله شيخ العراق وحبر طوس وأكبر قد نَصَّ ذَا الشيخ الإمامُ وقالَهُ … نثراً ونظما عنه قِدْمًا يُؤثَرُ وسَمِعتُ منه: أحمد لي والده … فأريتُه نقلاً لذاك يُقرر قولاً أبو سهل تقدَّمَه به (٣) … وله فغدا أبي فَرِحا به يستبشر وسمعتُ منه: غَيبَةُ (٤) ابني أحمدٍ … وله عني أشد علي مما أَحذَرُ وسمعتُ منه: دروس أحمد كلها … لله خير وأحسن من دروس أَذكُرُ وسمعتُ منه: لا يُجاري أحمدًا … لله منَّا مُجار في علوم تَكثُرُ وسمعتُ منه: أحمد ابن صالح … و قد كان يَذكُرُ كلَّ ذا ويُكرّر

стр. 805

هذا ولم يك بالمحابي واحِدًا … و لكن بقسطاس يفوهُ ويَشكُرُ مَاذَا عَسَايَ أَقُولُ مَدْحًا بَعْدَمَا … قَدْ قَالَ وَالِدُكَ التَّقِيُّ الْأَنْوَرُ مَوْلَايَ وَافَانِي جَوَابُكَ وَافِيًا … فَوَجَدْتُهُ الحَقَّ (١) الَّذِي لَا يُنْكَرُ أَنَا وَاحِدٌ مِنْ أَلْفِ تِلْمِيذِ لَكُمْ … يَطْوِي بِقَدْرِ الْفَهْمِ عَنْكَ وَيَنْشُرُ فَإِذَا بَدَا خَطَئِي فَأَنْتَ مُبَرَّأَ … مِمَّا أَقُولُ وَسُوءُ فَهْمِيَ يَقْصُرُ وَإِذَا أَصَبْتُ فَعَنْكَ ثُمَّ أَنَا كَأَبْلَهِ … فَقَدْ يُصِيبُ وَفِي خَطِئِهِ يُعذَرُ أَسْبِلْ عَلَيْهِ سِتْرَ عُرفِكَ (٢) فَهُوَ لَمْ … يَبْرَحْ يُوَارِي لِلْعُوَارِ وَيَسْتُرُ وأشرتُ بقولي: وثالثًا شيخ العراق وحبر (٣) طوس، إلى قول والده ﵀، وسمعته من لفظه، وكتبته من خطه (٤): أَبُو حَامِدٍ فِي الْعِلْمِ أَمْثَالُ أَنْجُم … وَفِي النَّقْدِ كَالْإِبْرِيزِ أُخْلِصَ بِالسَّبْكِ فَأَوَّلُهُم مِنْ إِسْفَرَايِنَ نَشْؤُهُ … وَثَانِيهِمُ الطُّوسِيُّ وَالثَّالِثُ السُّبْكِي وبقولي: قولا تقَدَّمَه … البيت، إلى قول الشيخ الإمام، وقد قال في حقه: «أحمد والدنا» سيدي قد تقدَّمك بمثل هذا الأستاذ أبو سهل الصعلوكي، فقال ذلك في حق ولده الأستاذ أبي الطيب سهل ﵏. وما (٥) نقلته عن الشيخ الإمام في حديث: «أمسك أربعًا» هو في باب نكاح

стр. 806

المشرك» من «شرح المنهاج» عند الكلام على حبس الزوج للاختيار. وكتب عبد الوهاب بن السبكي في ليلة الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى وسبعين وسبعمئة (١).

стр. 807

تم الكتاب بحمد الله تعالى وعونه وحُسن توفيقه، غفر الله لمؤلفه ولوالديه ولجميع المسلمين أجمعين، وصلَّى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين (١).

стр. 808

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .