وتحقيقها، ولا شكَّ أنَّ الإنسان بتتبع ذلك يُحدِث الله فيه قوةً لما يشاء، وقد حدثت في قوةِ الآن لاختيار جوازها» (١)، انتهى ملخصاً.
واعلم أنه ﵀ كما كان مجتهدا مطلقا كذلك كان في مذهب الشافعي مجتهداً مُقَيَّداً.
فرُبَّ مسألة اطلع فيها على نصوص الصاحبِ ﵁ وأعطى النظر حقه، فلم يبال فيها بخلافِ مُتَقَدِّم من الأصحاب ولا متأخر، ولا بالأكثرين ولا بالمتأخرين، وعبارته عما هذا شأنه غالبا لفظ «المختار» أو نحوه.
ورُبَّ مسألة لم يستوف فيها النظر، وكان عنده فيها بعض التوقف فعزاها إلى قائلها، كما يقول في كثير من المسائل: «قاله الرافعي»، أو: «كذا صححوه»، أو ما أشبه ذلك.
ورُبَّ مسألة استوفى فيها النظر، ووافق رأيه رأي الأكثر، فقال مع حكاية قول الأكثر: «إنه المختار»، أو مع حكاية تصحيح الرافعي والنووي: «إنه المختار».
فهذه الأقسام الثلاثة جارية في اجتهاده المقيد جريانها في اجتهاده المطلق.
واعلم أنه ﵀ كان في الواقعات الواردات عليه يهتم منها بما ليس بمنقول أكثر من اهتمامه بما هو منقول، كأن يرى أنَّ الاشتغال به أهم من الاشتغال بالخلافيات التي استقرت المذاهب عليها، ولا يثير تحريك (٢) البحث فيها إلا
стр. 737
نزاعًا لا يقف عند غاية، ولا يؤول إلى رجوع منقطع لمستظهر في مجلس النظر، بل هي كما كان القاضي أبو حامد المروروذي (١) يُنشِد حين يسمع تراجع المتناظرين في مناظراتهم، وتنازع المتكلمين في محاوراتهم، ثم انفصالهم وكل مصمم على مقالته، باق على حالته:
وَمَهْمَةٍ دَلِيلُهُ مُطَوِّحُ … يَدْأَبُ فِيهِ الْقَوْمُ حَتَّى يَطْلَحُوا
ثُمَّ يَمُرُّونَ كَأَنْ لَمْ يَبْرَحُوا … كَأَنَّمَا أَمْسَوْا بِحَيْثُ أَصْبَحُوا
نعم، وكان يرى أن ما خاض فيه الأولون فقد كَفُوا المؤنة غالبًا فيه، وأما م لم يجر لهم فيه نظر فقد تعين عليه القيام به، فإنه كان - فيما يُظهر من حاله، لا فيما يُفصح به بمقاله - يعتقد أنَّ أهل عصره محجوجون به، متعيّن عليهم الانقياد لأقواله وأفعاله، حتم عليهم التقيد بما يأمر عن الله، وعليه أن يبذل الجهد في فتاويهم كما عليهم أن يبذلوا الجهد في متابعته، وما هو بمفوت ما أوجب الله عليه إذا فوتوا هم - أو بعضُهم - ما أوجبه الله عليهم من متابعته، فكانت إذا جاءته فتيا أفرغ ليلته لها من أجل ذلك.
ومن ثم كان ﵀ يقول عند ذكره قول الفقهاء: لا ينقض قضاء القاضي في الاجتهاديَّات المختلف فيها: «إنما يُطلَق «المختلف» على ما فيه خلاف لمن تقدم، وأما ما يقع لنا من صور المسائل، وتتجاذب الآراء فيها؛ فلا يقال: إنها من المختلف فيه، بل ينبغي أن يُنظر فيها، فإن اتضح دليل عليها اتبع، وإلا فلا، وإن حكم حاكم فيها بحكم ولم يكن عليه دليلٌ؛ ينبغي جواز نقضه، وإن كان عليه دليل لم ينقض» (٢).
стр. 738
هذا كلامه، وقد ذكره في «فتاويه»، وهو صحيح، وعليه تُحمل أقضية صدرت من شريح وغيره نقضها عليٌّ كرَّم الله وجهه، وغيره في مسائل لم يكن تقدم فيها خلاف، ولا عليها دلالة قاطعة.
وكان في اشتغال الشيخ الإمام - لا سيما في أواخر عُمره - بما وصفناه من الحوادث مع ما كان عليه من أوراد العبادة = ما يشغله عن إمعان النظر في المسائل التي استقر عليها الخلاف؛ لعدم اتساع الزمان.
* القسم الثالث من الأقسام في اجتهاده المطلق: ما أعطى فيه النظر حقه، وبلغ منه الجهد، وأداه إلى مخالفة المذهب والبوح بمنابذته، لا الوقوف على الاستشكال، كما فعل في المزارعة والمخابرة آخر عمره.
ولهذا القسم عقدنا هذا الباب، ورأينا أنَّ جمعه ونقله من باب نقل الشريعة وحملها، وأداء النصيحة فيها، فإنَّ هذا الإمام الآتي في هذا الزمان الأخير إذا ذهب إلى خلاف المذهب، أو مشهور المذاهب = تعيَّن على المحتاط لدينه أن ينظر فيما قاله، ليتبصَّر أيُّ المذهبين أولى بالاتباع؟
وقد أوضحنا حاله، وبيَّنا معتقدنا فيه، وكرَّرنا الكلام عودًا على بَدْءٍ، مفتتحًا على مختتم، إلى أن بلغنا في البيان مبلغا لا مزيد عليه، ثم نقول كما قال إمام الحرمين قُبيل «باب الخلع في المرض»: «ليس من الممكن إنهاء كل مسألة إلى حدّ يفهمه كل أحد».
ولنشرع في مقصود هذا الباب فنقول - وفقنا الله (١) فيما نقول ونفعل:
стр. 739
ذهب والدنا وشيخنا الشيخ الإمام - سقى الله عهده، ونور لحده - فيما انتحله لنفسه مذهبًا، وارتضاه رأيا، إلى:
أنه إن شهد طبيب واحدٌ أنَّ المشمس يورث البرص؛ كُره استعماله أو حرم، وتقدم اعتباره من جهة المذهب طبيبين للكراهة (١).
مسألة: وأنَّ الغُسالة غير المتغيرة طاهرة مطلقا، طهر المحل أم لم يطهر، وفي مذهبنا ثلاثة أقوال:
الجديد: إن انفصلت وقد طَهُرَ المحل فهي طاهرة غير مطهرة، وإن انفصلت ولم يطهر فنجسة.
والثاني: نجسة بكل حال.
والثالث - وهو القديم -: طاهرة مطهرة بكل حال.
والخلاف في الماء القليل، أما الكثير فطاهر مطهر، لا ينجس إلا بالتغير بلا خلاف (٢).
ومن نظر «شرح المنهاج» يحسب أنه يختار القديم، وليس كذلك؛ لأنه يقول بالطاهرية، وهنا يوافق القديم لكنه يُنكر الطهورية، وهنا يفارقه، صرح بذلك في كتاب «الرقم الإبريزي في شرح مختصر التبريزي»، قال: «ولم أرَ مَنْ قال به في المذهب، وهو الذي أختارُه، وليس من القديم ولا الجديد» (٣).
стр. 740
قلت: وتقدم ترجيحه من حيث المذهب أنه لا فرق بين أن يزيد الوزن أو لا.
مسألة: وأنه إذا تخلل النبيذ المتَّخذ من التمر (١) أو الزبيب بعد أن كان خمرا بنفسه؛ يطهر، قال: «ولم أجد مَنْ صرَّح به»، قال: «والمنقول عن أصحابنا أنه لا يطهر، نقله القاضي أبو الطيب وغيره» (٢).
قلت: وقد تقدم هذا في الخلاف المرسل؛ لأنَّا لم نجد نصا للشافعي يوافق القاضي أبا الطيب، وقواعد المذهب (٣) تقتضي خلافه؛ فلذلك عددناه من المذهب.
مسألة: وأن شارب الخمر يتنجس باطنه، ثم لا يمكن تطهيره أبدًا، وإن كنا نطالبه بما نطالب به الطاهرين والطاهرات من الصلاة ونحوها للضرورة.
وقد قدمت هذا في الخلاف المذهبي؛ لأني حكيتُ له أنَّ أبا العباس بن سريج قال - فيما وجدته منقولاً عنه في «شرح المفتاح» للقاضي أبي الحسن علي بن أحمد الفسوي -: «إنَّ الشريعة تقتضي أنه ليس في باطن الإنسان نجاسة»، فقال: «مراده ما في باطنه مما خلقه الله فيه منه، لا مما دَخَلَ من خارج، وهذا ظاهر، ذكره الأصحاب حيث قالوا: إنَّ النجاسة في محلّها لا يُحكم عليها بحكم النجاسة، أما نجَسٌ أدخله الإنسان عدوانًا إلى باطنه فإنه يُنجسه؛ لأنه أدخل نجساً محكوما عليه بالنجاسة يلاقي الباطن فينجسه، ثم تطهيره متعذر؛
стр. 741
لأنَّ كلَّ قَدْرٍ ينتهي إليه، ينجس بملاقاته لنجس = يُحكم عليه بالنجاسة» (١).
وأطال في تقرير هذا، ولم أسمعه يَعُدُّه خارجًا عن المذهب، بل قضيَّةُ كلامه أنه مقتضى مذهب الشافعي، في مباحِثَةٍ طويلة كانت بيني وبينه وقع فيها ذِكرُ مسألة العجين، ومسألة الخيط في الصوم، وغيرهما، ومن ثَمَّ قدّمته في مسائل المذهب.
مسألة: وأنَّ ابتداء المدة في مسح الخف من حين لبسه، وهو مذهب الحسن البصري (٢).
مسألة: وأنه لو قيل في الليلة المطيرة ونحوها: إن المؤذن يترك الحيعلتين ويقول بدلهما: "ألا صلوا في رحالكم" = لم يكن به بأس، والأصحاب متفقون على أنه يقول ذلك بعد فراغه من الأذان، أو عَقِيبَ ذكر الحيعلتين (٣).
مسألة: وأنه إن صح عن الصحابة ما ورد في «مسند أبي عوانة» عن ابن مسعود ﵁: «فلما قُبِضَ النبي ﷺ قلنا: السلام على النبي» (٤) = دلَّ على أنَّ الخطاب في السلام غير واجب، فلا يكون أقله: "السلام عليك أيها النبي"، بل: "السلام على النبي، وما كان ليذهب على الشيخ الإمامِ أنَّ البخاري ﵀ ذكر في «كتاب الاستئذان» من حديث ابن مسعود ﵁ بعد ذكر السلام بصيغة كاف الخطاب أنهم كانوا يقولون ذلك وهو بين أظهرهم، فلما قبض قلنا: السلام،
стр. 742
يعني: على النبي» (١).
كذا وقع في «البخاري»، ولو كان صريحاً في أنَّ ابن مسعود قال: قلنا السلام على النبي، لكان الاقتصار على عزوه إلى «أبي عوانة» مع كونه في «البخاري» دليلا على عدم استحضار ما في «البخاري» وقتَ العَزْو، لكنه ليس بصريح، بل الظاهر من قوله: «قلنا: السلام»، أي: ذكرنا السلام كما كنا نذكره في حياته ﵇، ولم يُرد ابن مسعود الكلام على كونه بكاف الخطاب أو بدونها، إنما كلامه على أصل السلام من حيث هو.
وقول الراوي: «يعني: على النبي» هذا ليس من كلام ابن مسعود، لم يزد ابن مسعود على ما في «صحيح البخاري» على قوله: «قلنا: السلام»، وفسَّره الراوي بقوله: «يعني: على النبي»، ويُحتمل أن يُريد: "يعني: أصل السلام على النبي" معرضاً عن كونه بكاف خطاب أو ليس بكاف خطاب لأنه قد عُرفت كيفيته من خارج.
ويُحتمل أن يُريد "أعرضنا بعدما قُبض عن كاف الخطاب، واقتصرنا على قولنا: السلام على النبي"، غير أن ذلك من كلام الراوي عن ابن مسعود، وليس من كلام ابن مسعود، فلما كان في «مسند أبي عوانة» من كلام ابن مسعود جزمًا، اقتصر على عزوه إليه.
هذا مع تجويز أن لا يكون الشيخ الإمام استحضر ما في «البخاري» في ذلك الوقت، فقد قدمنا أنه ربما اتفق لأجَلَّ منه أضعاف ذلك، أو أن يكون مع ذكره له أعرض عنه لما ذكرناه، ولأنه كان في الثمن الأول من
стр. 743
«شرح المنهاج» يختصر جدا، ولا يستطيع مُتثبّت فيما يقول أن يأخذ من هذا إعراض الصحابة عن كاف الخطاب أصلا، ومن ثَمَّ قال الشيخ الإمام: «إن صح عن الصحابة فليكن المرء على بصيرة من دينه».
مسألة: وأنَّ من كان في المسجد فأدركته فريضة الصلاة؛ لم يحل له الخروج بغير ضرورة حاقة حتى يؤديها فيه (١).
مسألة: وأنَّ مَنْ أدرك الإمام وهو راكع لا يكون مدركًا للركعة، وهو مذهب البخاري صاحب «الصحيح»، وابن خزيمة، والصبغي من أصحابنا (٢).
مسألة: وأنه يصح (٣) اقتداء المخالف بمخالفه - كشافعي بحنفي - ما لم يعلم أنه ترك واجبًا، إما في اعتقاد الإمام أو المأموم، فيبطل - مثلاً - فيما إذا اقتدى بحنفي اقتصد، أو مس ذَكَرَه، وجوز أن يكون هذا هو قول الأستاذ أبي إسحاق في المسألة، وإن كان الأستاذ أطلق مَنعَ الاقتداء إطلاقًا (٤).
مسألة: ومال إلى وضع اليدين قبل الركبتين في السجود، كما هو مذهب مالك (٥).
مسألة: واستشكل قول الأصحاب: «إِنَّ حَمْل المصلي ما يلاقي نجاسة مُبطل لصلاته»، وقال: «إنه محتاج إلى دليل»، وهذا استشكال يصحبه ميلٌ إلى
стр. 744
المخالفة، ليس كما صدرنا به الباب من استشكال مجرَّد ما معه إلا وقفة؛ فلذلك ذكرناه (١).
مسألة: ومثله أيضًا استشكل قولهم: «إنه يُشترط محاذاة المأموم للإمام في موقف الصلاة»، وقال: «المعتمد أن يُعَدَّا مجتمعين، وأما هذا التضييق فيحتاج إلى دليل» (٢).
مسألة: وذهب إلى أنَّ المأموم إذا عيَّنَ الإمام وأخطأ لا تبطل صلاته، وإنما يبطل اقتداؤه (٣).
مسألة: وأنَّ الأقرأ لا يُقدَّم على الأسنّ الأورع إذا كان حافظاً لبعض القرآن، مساويًا للأقرأ في الفقه (٤).
مسألة: وأنه لا يجوز الجمع بين الصلاتين بالمطر، ووافق على الجواز بالسفر، فتوسط بين الشافعي وأبي حنيفة (٥).
مسألة: وأنَّ المسافر إذا نوى إقامة أكثر من مدة إحدى وعشرين صلاةً أتم، كما هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل ﵀، فالترخص عنده يتعلق بهذا العدد، لا بإقامة أربعة أيامٍ غير يومي الدخول والخروج (٦).
стр. 745
مسألة: وأنَّ الصف المؤخَّر في صلاة عُسفان يحرس المقدَّم في الركعة الأولى، وقد قدمناه في الباب الأول، وسبب إعادته هنا أنه قال: «لو اتصل الحديثُ بالشافعي لَمَا عدَلَ عنه، وأنا لا عُذر لي؛ لاتصال الحديث بي»، وهذا تصريح بمخالفة الشافعي، كما هو إشارة إلى جعله مذهبًا لمن قال: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، فتأمَّلْ (١).
مسألة: وتوقف في إيجاب الفاتحة في القيامين بعد الركوعين من صلاة الكسوف وقال: «لم أقف في الأحاديث على قراءة الفاتحة في كل قيام»، قال: «والشافعي أوجبها في كل قيام كالركعة الكاملة» (٢).
مسألة: وأنه يُزاد ركوع لتمادي الكسوف، وهو رأي إمام الأئمة أبي بكر بن خزيمة (٣).
مسألة: وأن تارك الصلاة يُضرب بالعصا إلى أن يصلّي أو يموت تحت العصا، ولا يُضرب عنقه، ولا يُنخَس بحديدة (٤)، وهو اختيار ابن سريج في كيفية قتله، ووافق الشيخ الإمام ﵀ في التعزير على غير الصلاة من الحقوق - إذا أصَرَّ من هي عليه - أنه يُشترط فيه تخلل بين الضربات؛ حتى لا يفضي إلى الهلاك (٥).
стр. 746
وقال في «باب نكاح المشركات»: «التعزيرُ أجمع أصحابنا على أنا لا نفضي به إلى الهلاك؛ لأنه على ماض، وأما الصلاة ففيها أمران، أحدهما: أنها حق مستقبل يمكن التوصل إليه بالعقوبة، والثاني: عِظَمُ موقعها من الدين، فانتهي بها إلى الهلاك».
قال: «وأما المطالبة بالحقوق المستقبلة فهي تُشارك الصلاة من الوجه الأول دون الثاني، فيحتمل الإفضاء بها إلى الهلاك كما قاله الشافعي في الصلاة، ويحتمل أن لا يُفضى بها إليه، والاحتمال الأول هو الذي جزم به في تفسيره» في «سورة الحجرات» عند الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ﴾ [الحجرات: ٩].
مسألة: وأنه يُقتل في آخر الوقت، ولا يُشترط إخراجه إياها عن الوقت، وهو رأي ابن سريج، كما حكاه عنه الشيخ أبو إسحاق في «النكت» (١).
مسألة: وأنَّ الوارث يصلي عن الميت كما يصوم، على القديم المختار عنده وعند النووي، وهو رأي ابن أبي عصرون، وأشار الرافعي في «باب الوصية» إلى أنه وجه مخرج من الصوم، لكنه في «كتاب الصوم» لم يفصح به هكذا، وإنما ذكر احتمالا للبغوي أنه يُطعم عن كل صلاة، وسمعتُ الشيخ الإمام يقول: «مات لي قريب عليه صلاة يوم، فصلَّيتُ عنه»، وكذا ذكر في تفسير سورة والنجم (٢).
مسألة (٣): وأنه يعتكف عن الميت أيضاً، وهو قول للشافعي ذكره في
стр. 747
(البويطي)، ذكره في «التفسير»، ولم يذكره في «شرح المنهاج» (١).
مسألة: وأن الانتظار في القراءة في الصلاة للحاق آخرين، إذا كان في مسجد جرت العادة بإتيان الناس إليه فوجاً فوجاً، ما لم يبالغ فيشوش على الحاضرين = غير مكروه، قال: «لأنه صح أن رسول الله ﷺ كان يطول الركعة الأولى من الفجر ومن الظهر كي يُدرك الناس» (٢).
مسألة: وأن الفعل الكثير في الصلاة نسياناً لا يُبطلها، وهو رأي المتولي، غير أن المتولي لم يقل ذلك في الكلام الكثير، وقضية اختيار الشيخ الإمام القول به أيضاً، وقد قدمناه في «الباب الأول»، ولا وجه للتفرقة (٣).
مسألة: وأنه لو قيل بوجوب إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد؛ لم يُبعد (٤).
مسألة: وأنه يجوز صرفها إلى ثلاثة من الفقراء والمساكين، وهو رأي الإصطخري (٥).
مسألة: وقال في المرء يُديم السفر: «تجويز ترك الصوم لمثل هذا فيه نظر، فإنه يزيل حقيقة الوجوب بخلاف القصر»، قال: «وإنما يظهر الجواز فيمن يرجو إقامةً يقضي فيها»، ومال إلى قول قتادة وطاوس: إنه يُطعم
стр. 748
عمن هذه صفته إذا مات ولم يصم» (١).
مسألة: وأنَّ قول ابن بنت الشافعي وابن خزيمة وابن المنذر: «إنَّ المبيت بمزدلفة ركن لا يصح الحج إلا بهِ» قوي (٢).
مسألة وأنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلا بعد الزوال، وهو قول الغزالي، قال الشيخ الإمام: «هذا هو الراجح دليلا، وأما المترجح عندي من مذهب الشافعي فالجواز قبل الزوال وفي الليل، سواء أقلنا: قضاء أم أداء»، قال: «وأما رمي يوم النحر فيجوز قبل الزوال وبعده خلافًا للغزالي» (٣).
مسألة: وأنه لا يجوز تجاوزُ الشَّبَع في الأكل، والري في الشرب وإن لم يضر، إذا لم يكن فيه نفع معتبر، والذي جزم به الأصحاب في «باب الأطعمة» الاقتصار على الكراهة (٤).
مسألة: وأنه لا يجوز للجندي ذبح فرسه الصالحة للجهاد إلا بإذن الإمام، والأولى عندي أن لا يُجعل هذا خارجاً عن مذهب الشافعي؛ إذ ليس للشافعي نص نحفظه في خصوص هذه المسألة، وما هي إلا إطلاقات تقبل التقييد.
نعم، تردَّد الشيخ الإمام ﵀ في جواز ذبح الفرس الصالحة للكر والفر مطلقًا، أذِنَ فيه الإمام أم لم يأذن، كانت لجندي أم لم تكن، ومال إلى المنع (٥).
стр. 749
مسألة: وأنه لو باع بنصفِ وثُلُثِ وسُدُس دينار لزمه دينار صحيح، وقد تقدمت؛ لأنه ينبغي أن تُعَدَّ من المذهب، هي ومسألة ذبح الفرس الصالحة للجهاد من قبيل واحد، لا مخالفة فيها إلا لإطلاق، لا لصريح من القول (١) ولا ظاهر (٢).
مسألة: وأن التفريق بين المحارم كالتفريق بين والدة وولدها، وهو قول في المذهب، قال: «والظاهر اختصاص ذلك بمن كان ذا رَحِمٍ مَحْرَم، ليخرج بنو العم» (٣).
مسألة: وأنه يجوز الانتفاع بالمبيع في مدة المسير لرده، إذا اطلع على عيبه، بشرط وقوع الانتفاع في المدة التي يُغتفر التأخيرُ فيها من السير، وهذا أيضًا يُشبه أن يكون تقييداً لإطلاق الأصحاب، غير أن الأظهر فيه خلاف ذلك، بخلاف ما تقدم (٤).
مسألة: وأنه إذا قال: "اشتريته بمئة"، ثم قال: "بل بمئة وعشرة"، وكذَّبه المشتري، ولم يُبيّن لغلطه وجهاً محتملاً، ولكن أقام بينةً على ذلك = فإنها تقبل، وإن كان بإقراره السابق مكذبا لها، وهو رأي ابن المُغَلّس من الظاهرية، غير أنَّ ابن المُغَلّس علل رأيه بجواز كونه غافلا أو ناسيا، والوالد يختار قبول البيئة وإن قال: تعمَّدتُ، فقد جَسَر على ما لم يجسر عليه ابنُ المُغَلّس، ومذهبه أعم وأشدُّ من مذهب ابن المُغَلّس (٥).
стр. 750
مسألة: وأن إثبات الربا في الستة المنصوص عليها - الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح - تَعَبُّد، ويقول مع ذلك: «يثبت الربا في كل مطعوم، لكن لا بالقياس، بل بعموم قوله ﷺ : «لا تبيعوا الطعام بالطعام» (١) وسبقه إلى هذا المذهب إمام الحرمين (٢).
مسألة: وأنَّ بيع النقد الثابت في الذمة بنقد ثابت في الذمة لا يظهر دليل منعه، وجنح إلى جوازه كما هو مذهب مالك وأبي حنيفة -رحمهما الله-.
واتفق الشافعي والأصحاب على المنع، واستدلوا بالنهي عن بيع الكالئ بالكالئ (٣)، ونقل أحمد بن حنبل الإجماع على أن لا يُباع دين بدين، وأجاب الشيخ الإمام بأنَّ ذلك فيما يصير دينًا، كما لو تصارفًا على موصوفين، أما دينان ثابتان يقصد طرحهما فلا (٤)
مسألة وأنه يحرُمُ في وقت الضرورة احتكار كلّ ما بالناس ضرورةٌ إليه، وهو في غُنية عنه، سواء القوتُ والمُعِين على (٥) القوت كاللحم، وما سَدَّ مسَدَّ المُعين على (٦) القوت في بعض الأحوال وإن كان لا يمكن المداومة عليه.
وغير ذلك، كالثياب إذا كان بالناس حاجةٌ إليها؛ لشدة البرد، أو لستر
стр. 751
العورة، قال: «ولا أعلم خلافًا بين أصحابنا في جواز الاحتكار في غير الأقوات وإن كان في وقت غلاء ذلك الصنف، لكن الغزالي يتلخّصُ من كلامه تحريم احتكار ما هو مُعِين على (١) القوت في وقت الغلاء»، قال: «وكذلك اتفق الأصحاب فيما أعلم على جواز احتكار القوت في وقت الرخص، والذي ينبغي أنه إن مَنَعَ غيره، وحصل به ضيق؛ حَرُمَ وإن كانت الأسعار رخيصةً» (٢).
هذا ملخص كلامه في شرح المهذب، وهو يدور مع التضييق على الناس في قوت وغيره، والأصحاب كأنهم لم يروا التضييق إلا في إمساك القوت في وقت الغلاء، ولعل ما ذكَرَهُ أضبط وأولى.
وقد يحاول مُحاولٌ رَدَّ الخلاف إليه وتنزيله عليه، فما أظن الأصحاب يسمحون بتحليل حبس ما اضطر الناس إليه مع استغناء الحابس عنه، وقول القاضي الحسين في الثياب يحتاج الناس إليها لشدة البرد، أو لستر العورة: «يُكرَه إمساكه» ا لعله يريد: كراهة التحريم (٣).
مسألة: وأنَّ المفلس المحجور (٤) لا يُنفق عليه من ماله؛ لتعلق الغرماء به، بل من بيت المال، وهو احتمال لابن الرفعة، ذكر أنه لم يرَ مَنْ قال به (٥).
مسألة: وأنَّ القِراض على الدراهم المغشوشة جائز، وهو وجه (٦).
стр. 752
مسألة: وأنَّ المساقاة غير لازمة (١).
مسألة: وأن التوقيت غير شرط فيها (٢).
مسألة: وأنَّ المساقاة على جميع الأشجار المثمرة المحتاجة إلى عمل جائزة، ولا يجوز على ما لا يحتاج منها إلى عمل، فتوسط بين الجديد الذي خصها بالعنب، والقديم الذي جوزها على كل الأشجار، ما احتاج منها إلى عمل وما لم يحتج (٣).
مسألة: وأنَّ المزارعة والمخابرة جائزتان (٤)
مسألة: وأنَّ من زرع في أرض غيره بغير إذنه، أو بإذن فاسد؛ فالزرع لصاحب الأرض لا للزارع، وهو مذهب شَرِيك بن عبد الله النخعي، واستحسنه الطحاوي؛ لحديث: «مَنْ زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء» (٥)، وأحاديث أخر (٦).
مسألة وأنه يجوز استئجار شجرة لثمرتها كما (٧) تُستأجر الأرض لزرعها، قال: ولا أجد فرقًا يصح بينهما، ولا دليلا على بطلانهما
ذكر المسائل السبع في كتاب «الطريقة النافعة»، وهو من آخِرِ مصنفاته،
стр. 753
وفي «شرح المنهاج» لم يقل بشيء من ذلك، بل صرح بخلافه، وآخر الأمرين منه ما في «الطريقة النافعة» (١).
مسألة وأنه يجوز أن يُستأجر إنسان للدعاء، فيقول: "استأجرتك بكذا لتدعو لي بكذا"، فيذكر ما شاء من أمور الدنيا والآخرة، سمعته يذكر ذلك في الإملاء وفي التدريس، وعاودته فيه غيرَ مرَّةٍ فكان من كلامه في بعض المرات: لو وجدتُ عبدا صالحا يدعو الله بمغفرة ذنوبي ولا يفعل ذلك إلا بأجرة لكنتُ أستأجره بما شاء، ثم أشكُرُ له صنيعه) (٢).
مسألة: وأنَّ الوقف على سبيل البرّ مصرفه ذوو القربى، واليتامى، والمساكين، والسائلون، والرقاب، وأهلُ وُدّ أبي الواقف وأُمه، قال: «ولم أرَ أحدا قاله» (٣).
قلت: يعني ولا أجمعوا على نفيه، قال: «ولا يَبعُد أن يضاف إليهم الأسير»، وفي آخر كلامه في شرح المنهاج ما يشير إلى تنزيل كلام الأصحاب عليه بعد أن صرح بخلافهم وخلاف غيرهم فيه (٤).
مسألة: وأن الوفاء بالوعد واجب، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز مطلقا، ومذهب مالك في بعض الصور، وقد تكلم الشيخ الإمام في تفسير سورة والذاريات على الوعد، وذكر قول ابن قتيبة: «إنَّ الكذب مختص بالماضي،
стр. 754
والخلف بالمستقبل» وردَّه وقال: «الحقُّ أنَّ المستقبل يوصف بالصدق والكذب؛ لأنه خبر، وكلُّ خبر محتمل لهما» (١).
قال: «لكن له وصف خاص وهو الخُلف، وله حكم خاص به، وهو أنه إن قاله وفي نفسه وقت قوله أنه لا يفعل؛ فهو آثم، وإن كان في نفسه أن يفعل وعرض مانع منعه من الفعل فليس بآثم، وإن لم يعرض مانع فهو الوعد الذي اختلف الناس في وجوب الوفاء به».
وقال في باب القرض من «شرح المنهاج»: «ظواهر الكتاب والسنة يدلان على الوجوب؛ لأنَّ إخلاف الوعد كذب، والخُلفُ والكذب من صفات المنافق».
قلت: وصرّح الماوردي في «الحاوي» في «كتاب الشهادات» (٢) الثاني في الكلام على المروءة بأنَّ مخالفة الوعد كذب تُرَدُّ به الشهادة، ذكره عند الكلام على ما (٣) يُروى من قوله ﵇: «أكذب الناس الصباغون والصواغون» (٤).
قال الشيخ الإمام: «ولا أقول بأنه إذا وعد بشيء صار دينا في ذمته، حتى يُقضَى بعد موته، وإنما أقول: إنه يجب الوفاء به تحقيقا للصدق وعدم الإخلاف، وتصير الواجبات ثلاثة، منها ثابت في الذمة يطالب بأدائه، وهو الدين على موسر ونحوه، ومنها ثابت في الذمة لا يجب أداؤه، كالزكاة بعد الحول وقبل التمكن،
стр. 755
ومنها غير ثابت في الذمة، ولكنه يجب أداؤه، مثل هذا (١).
قلت: ونظيره قول الشيخين الذي قدمناه في «الباب الأول» في التحالف، وقول ابن جرير: «إنَّ الحوالة يجب على المحتال قبولها، ولا يُجبر عليه»، وقول أبي إسحاق في «اللقطة» إذا تلفت: «لا يضمن حتى يطالب بها المالك»، وقد اختاره الشيخ الإمام كما تقدَّم في «الباب الأول»، فقد أعداه اعتقاده وأداه من حيث لا يشعر إلى ذلك.
وقد يشهد له أيضًا قول الأصحاب: «إنَّ الدعوى بالدية المأخوذة من العاقلة لا تتوجه عليهم، بل على الجاني نفسه، ثم هم يدفعونها بعد ثبوتها»، كذا رأيتُ ابن القاص صرح به في كتاب «أدب القضاء» في «باب صفة اليمين على البت».
وهو مقتضى كلام الرافعي في «باب القسامة»، إذ قال: «وإذا أقسم السيد فإن كانت الدعوى على حُرّ» إلى قوله: «وإن ادعى الخطأ أو شبه العمد أخذها من عاقلته» (٢)، انتهى، فجعل الدعوى على الجاني والأخذ من العاقلة، ولي على هذا كلام مبسوط في «الأشباه والنظائر» في «كتاب الجراح».
قال الشيخ الإمام: «وقد استنبطت من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الآية [الحشر: ١١] أنَّ الكذب لا يختص بالماضي، وأنَّ الجملة المقسم عليها خبرية؛ لأنه كذَّبَهُم في قولهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُ جَنَّ مَّعَكُمْ﴾» (٣).
قلت: وبحثت معه مرارًا في ذلك، ونقل كلام من قال من أهل اللسان: إِنَّ
стр. 756
الكذبُ يختصُّ بالماضي وردَّهُ، وأذكرُ أني كتبتُ إليه مرَّةً انْتِقَاضَاهُ وَوَعدًا:
يَا مَالِكًا فِي وَفَاءِ الْوَعْدِ مَذْهَبَهُ … كَمَا لِكَ هَاتِ قَدْ قُلْتَ الْوَفَا يَجِبُ
كَذَا تَلَقَّنْتُ (١) هَذَا مِنْكَ وَاسْمِي لَمْ … يزَلْ إِلى مثله التَّلْقينُ يَنتَسِبُ
يَا مَنْ لَهُ أَنَا كَسْبُ وَهُوَ لِي سَبَبٌ … فِيمَا أَرُومُ وَنِعْمَ الْوَالِدُ السَّبَبُ
وأشرتُ إلى تلقين القاضي عبد الوهاب (٢) في مذهب مالك، وبكوني كسبًا له إلى قوله ﷺ : ﴿إنَّ أولادكم من كسبكم﴾ (٣)، وبكونه سببًا لي إلى قول الفقهاء: الوالد سبب في وجود الولد.
مسألة: وأنه يكفي إشهادُ الموصي على كتابة نفسه مبهمًا من غير أن يطلع الشاهدان على تفصيل ما كتبه، فإذا شهدًا عليه أنَّ هذا خطي وأن هذه وصيَّتي ولم يعلما ما فيها؛ كفى، وهو قول محمد بن نصر المروزي (٤).
مسألة: وأنه إذا أوصى للعلماء دخل فيهم القرَّاء، قال: «وليس هو مذهب الشافعي، وإن حاول ابنُ الرِّفعة جَعَلَه مذهبه» (٥).
مسألة: وأنَّ مذهب المزني في أنه لا يُفضِّل الذَّكر من بني هاشم وبني المُطَّلب على الأنثى في قَسْم الفَيْء قويٌّ، وتوقف في استحقاق النساء مع ذلك (٦).
стр. 757
مسألة: وقال بعدما ذكر الأحاديث في النهي عن العُمرى والرُّقبى: «إجازتهما في غاية البعد عن الأصول، ولكن الحديث مقدَّم على كل أصل وعلى كل قياس؛ ولهذا قدَّمتُ ذِكرَ الأحاديث فيهما، ولو قيل بتحريمهما للنهي، وصحتهما للحديث؛ لم يبعد» (١).
مسألة: وذهب إلى أنَّ من مات وعليه دَيْن، وكان قد استحقَّ في بيت المال بصفة من الصفات مقداره؛ وجب على الإمام وفاؤه عنه، وكذلك وفاء المقدار الذي كان يستحقه إن لم يكن قد استحق مقدار الجميع، سواء أكان المديون غنيا أم فقيرًا، أما الفقير قال: «فيجب وفاء دينه مطلقا» (٢).
مسألة: وأنَّ الغلول لا يمنع شهادة من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، بل هو معصيةٌ يؤاخذ بها مع كونه شهيدًا غلَّ أم لم يَغُل، صَبَر واحتسب أم لم يفعل ذلك، صرح به في «الفتاوى» وقد سُئل عمَّا عنده في ذلك، وجزم في «شرح المنهاج» بأنه غير شهيد؛ لكونه في «شرح المنهاج» يجري على قواعد المذهب، ولا يذكر مذهب نفسه إلا نادرا.
وهذا بالنسبة إلى الآخرة، أما بالنسبة إلى الدنيا فالغال شهيد، بمعنى أنه لا يُغسل ولا يُصلى عليه بلا خلاف (٣).
مسألة: وأنَّ القاضي إذا حكم بصحة النكاح بلا ولي يُنقض قضاؤه، وإن كان يعتقد ذلك، وهو رأي الإصطخري، قال الشيخ الإمام ﵀: «أنا أستحيي
стр. 758
من الله ورسوله ﷺ أن يُرفَع إليَّ نكاح صح عن رسول الله ﷺ أنه باطل فأستمر به على الصحة؛ لرأي واحدٍ من الناس) (١).
مسألة: وأنَّ عِلَّة الإجبار في النكاح البكارة والصغَرُ جميعاً، وهو رأي ابن حزم (٢)، ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة (٣).
مسألة وأنه لو قال لجاريته التي لا يأمَنُ وفاءها بالنكاح إذا أعتقها، وهو لا يريد العتق إن لم تنكحه: "إن كان في علم الله أن أَنكِحَكِ أو تنكحيني بعد عتقك فأنتِ حرة"، فرغبت وجرى النكاح بينهما = عتقت وحصل الغرض، وإلا استمر الرّق، وهو رأي ابن خيران، وقاله أيضًا صاحب «التقريب»، وعبارته: «إنَّ الطريق أن يقول: "إن يَسَّر الله بيننا نكاحاً فأنتِ حُرةٌ قبله بيوم"، ومال إليه الغزالي» (٤).
قلت: ويمكن أن يعبّر بقوله: «إن كان حِلُّ وطئي إياكِ مُستمراً مع إعتاقي إياكِ بنكاحٍ يَصدُر معه فأنتِ حرَّةٌ مع صُدُور عقد النكاح»، ويكون حِلّ الوطء حينئذ لازم النقيضين، والأصحاب - غير هؤلاء - مطبقون على أنه لا يصح النكاح ولا يحصل العتق، فإن يكن معهم نص غير معارض بمثله، وإلا فللقوم أن يعدُّوا هذا من مذهب الشافعي ﵁ (٥).
стр. 759
مسألة: وقال في أنكحة المجوس: «لا يَبِينُ لي تحريمها»، وصعوه إلى الحِلَّ ظاهر، وهو رأي أبي إسحاق المروزي وأبي عبيد بن حربويه، وسبقهما أبو ثور، وزاد فجوز وطء كلَّ مَنْ لا تناكح بملك اليمين، كما نقله صاحب «الحاوي» (١).
مسألة وقال في غيرهم من أهل الكتاب: «قد سوى الأصحاب بين الذبائح والمناكح، ولو قيل بأنَّ الذبائح أولى بالحِلّ لكان له وجه؛ لأنه منصوص على طعامهم في القرآن غير مختلف فيه، والنكاح فيه خلاف عن الصحابة» (٢).
مسألة: وذهب إلى حِلَّ نكاح الكتابيات غير المجوس مطلقًا، سواءٌ أعلم أنهنَّ من بني إسرائيل أو لا، ولم ير توقف ذلك على العلم بكونهنَّ من بني إسرائيل، ولا ممن دخل قبل النسخ والتبديل، وقال: «إنَّ التوقف على ذلك لا دليل عليه» (٣).
قلت: لكنه لا يرى ذلك خارجا عن المذهب، بل الذي تعطيه قوة كلامه أنه مذهب الشافعي، وهو صحيح، وقد بسطت القول فيه في كتاب «منع الموانع».
مسألة: ومن مذهب الشيخ الإمام: أنه إذا غُرَّ بحرية أمةٍ كان أولاده منها أرقاء ولاحقين به مع ذلك، وهو مذهب ابن حزم الظاهري (٤).
مسألة: وقال لي الشيخ الإمام ﵀: «للمتوفى عنها زوجها سكنى حول
стр. 760
كامل، وإن كانت عِدَّتُها من ذلك الحول أربعة أشهر وعشرا، فإن نكحت بعد انقضاء العدة لم يكن لها السكنى فيما بقي). سمعته منه وأنا صغير، ثم لما كنتُ أصنف شرح منهاج البيضاوي عاودته فيه فوجدته مصرا عليه، وهو مذهب مجاهد ﵀، وقال: «إنَّ مدَّعي النسخ في الآية الدالَّة عليه ليس مُحِقًا» (١).
مسألة: وقال: «إنَّ الخلع ليس بشيء»، وهو القول المحكي في «التنبيه»، صرح الشيخ الإمام باختياره في غير موضع من «فتاويه»، وصنَّف فيه مختصرا مستقلا سماه الفواق في أن الخلع (٢) ليس بفراق (٣)، وسأله سائل بحضوري أن يحكم له به فقال: لا.
كل هذا قبل أن يصل إلى باب الخُلع من «شرح المنهاج»، ولما وصل إليه لم يذكره بل ذكر ضدَّه، ولستُ أحقق عنه فيه رجوعًا، غير أنه يُشبه أن يكون رجع؛ لأنه أطال النفس في شرح المنهاج، ولم يذكر ذلك بعدما كان يبوح (٤) به، وسمعناه منه مرارا (٥).
مسألة: ومال إلى أنه لا يقع الطلاق فيما إذا خالَعَها على خمر أو خنزير، وقال: «ما الدليل على الوقوع؟» (٦).
стр. 761
مسألة: وقال: «إنَّ المتعة تجب لكلّ مطلقة، وهو مذهب علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، والجديد وجوبها إلا لمن لم تُوطأ، والقديم عدم وجوبها إلا لمن لا مهر لها ولا دخول». فخالف الشيخ الإمام الجديد والقديم معا (١).
مسألة: وذهب إلى أن أهل الذمة يُمنعون من الربا والتعامل به فيما بينهم، ويُعترض عليهم، وإن كنا لا نعترض في الخمر والخنزير ونحوهما؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: ١٦١]، وهو مذهب أبي حنيفة، قال الشيخ الإمام في كتاب «كشف الغُمَّة»: «أنا أختاره؛ إذ لم يظهر لي دليل على تقريرهم على الربا، فلا حرج علي في مخالفة المذهب» (٢).
مسألة: وأنَّ للإمام العفو عن قاتل من لا وارث له مجانًا إذا رآه مصلحةً، والأصحاب جزموا بأنه ليس له ذلك، بل إما أن يعفو على الدية أو يقتص.
والذي أراه: أنه لا خلاف بينهم، وإنما هو تحقيق مناط، فهم تصوروا أنَّ العفو مجانا لا مصلحة فيه كما هو الغالب، فقالوا: لا يعفو مجانا، وإن كانوا غير منكرين أنه (٣) إذا اتفق كونه مصلحةً لا يُمنع، وإنما سكتوا عن صورة كونه مصلحةً لندورها، والشيخ الإمام أشار إلى الصورة المسكوت عنها، فعلى هذا ينبغي تنزيل خلافهم، ولا يجعل بينهم وبينه خلاف (٤).
وأنا أكتب هنا وجاءني كتاب قاضي بعلبك بأنَّ رجلا اعترف بقتل من لا
стр. 762
وارث له ثم رجع، فهل يُقبل رجوعه؟ والذي اقتضاه نظري قبول رجوعه (١)؛ لأنه إن كان ماله المخلف عنه لبيت المال بالمصلحة كما يرجحه الوالد فهو حق الله، والرجوع في حق الله مقبول، وإن كان إرثاً كما يرجحه الشيخان فهو إرث لعموم الناس، فلا يبعد أن يُقبل رجوعه أيضاً، فإنَّ حكمة القصاص التشفي، ولا تشفّي لعموم الخلق، ووارثو هذا القاتل من جملة المسلمين الوارثين، وقد يكون فيهم ولد له، وإذا وجب القصاص على رجل فورث القصاص أو بعضه ولده لم يقتص.
ولستُ بقانع بهذا المأخذ دليلًا على قبول الرجوع، فإنه لو تَمَّ أوجب أن لا يجب القصاص على قاتل من لا وارث له مطلقا، ولكني أقول بقبول الرجوع فيه تغليبًا لحق الله في هذه الصورة.
مسألة وأنه لا يجوز قتل الكلب غيرِ الكَلب والعقور، وهو قضيَّةُ كلامهم في بابي «التيمم» و «الأطعمة»، وصححه النووي في «شرح المهذب»، وفي «شرح مسلم»، والمسألة مذكورة في «التيمم» و «إزالة النجاسة» و «الأطعمة» و «محرمات الإحرام» و «البيع» و «قسم الغنائم» (٢).
فإن قلت: إذا توافق النووي وشيخك على تصحيح المسألة، فما وجه ذكرك إيَّاها في باب تنازعهما، فإنك ثُمَّ ذكرتها؟ ثم إن كانت على خلاف المذهب فلِمَ ذكرتها ثم، وإن لم تكن فلم ذكرتها هنا؟
قلت: أما ذكرها في باب التنازع فلأنَّ النووي أقر الرافعي في «باب محرمات الإحرام» على أنه مكروه، وزاد أنَّ مراده أنها كراهة تنزيه، فأحوجنا
стр. 763
اختلاف ترجيحه فيها (١) أن نذكرها في «باب التنازع»، على أنَّ الذي قاله: أنَّ مراد الرافعي أنها كراهة تنزيه وأنَّ غيره قال بالتحريم، كذا في زيادة «الروضة» من غير زيادة (٢).
وقد يقال: إنه لا اختلاف في ترجيح النووي؛ لأنه فسر مراد الرافعي بالكراهة ولم ينسب لنفسه شيئًا، وقال في «شرح المهذب»: «الصحيح التحريم»، وكذا في غيره، ولم يجرِ إلا على منوال واحد لم يختلف كلامه، غير أنَّ شيخي في «شرح المنهاج» عبارته: أنَّ النووي زاد في «الروضة» أنها كراهة تحريم. وفيه نظر، فإنه ما زاد ذلك، وإنما زاد أن مراده أنها كراهة تحريم، ولا يلزم من كون ذلك مراد الرافعي أن يكون هو الراجح (٣) عند النووي، كيف وقد صرح بخلافه.
وأما إنها هل هي على المذهب فلا تُذكر في هذا الباب؟ فاعلم أنَّ قولَ الشافعي ﵁: «أقتلها حيث وجدتها» صرفني عن أن أعتقد أنها على المذهب، فمن ثمَّ عددتها في هذا الباب، ولم أتركها في ذلك الباب؛ لأنَّ الشيخ الإمام أخذ يؤوّل النص، لكنه اعترف بأنَّ في تأويله بعدًا، فذكرت المسألة في هذا الباب لهذا الاعتراف، وفي ذلك الباب لإقدامه على التأويل.
فإن (٤) سألت عن رأيي في المسألة، فاعلم أني تصفّحتُ كتب المذهب وترويتُ، وغاية ما عليه تحصّلتُ أنَّ غيرَ الكَلِب والعقور إن كانت فيه
стр. 764
منفعة مباحة فحرام قتله بلا خلاف، وإلا فالأصح عند النووي وشيخي التحريم، صرّح النووي بالوجهين في «باب محرّمات الإحرام» من «شرح المهذب»، وصرح بأنه لا خلاف في التحريم في باب البيع من «شرح المهذب» أيضا، وإطلاق نص الشافعي صريح في الحِل، وأن الحديث فيه غير منسوخ (١).
وقد يُؤَوَّل على أنَّ من أطلق التحريم أراد غير المضر، ومن أطلق الحِلَّ أراد المضر، ولا يجعل خلاف، وفي كلام (٢) بعض الأصحاب ما يُؤخذ منه أنَّ كلَّ كلب لا منفعة فيه مباحة فهو مُضر، وهذا فيه نظر، إلا أنه يُبيِّنُ إطلاق الشافعي الحل.
وأما العقور فصرح جماعات - منهم الرافعي ومن تبعه - باستحباب قتله، ومثله الكَلِبُ، والكَلِبُ غيرُ العقور هو (٣) أشدُّ منه.
واقتصر القاضي الحسين على الإباحة، وعندي أن مراده بها نفي الحرج لتصاحبِ الوجوب، وأن قتلهما واجب، ولا ينافيه تعبير من عبَّرَ بالاستحباب للمُحرِم، وإن كان ضمَّ إلى المُحرِم غيره، فإنَّ لفظ الاستحباب منهم (٤) لم يقع عن قصد، بل لما استطردوا ذكر ما يحرم على المحرم واستثنوا الفواسق؛ أحبُّوا الزيادة على الحِل، وأنها ليست مما يحرم قتله عليه فقالوا: يُستحَبُّ له قتلها، ثم زادوا فقالوا: ويُستحبُّ لغيره أيضًا (٥).
стр. 765
وفي العبارة توسع، ومثلها قول صاحب «البحر»: «يُستحَبُّ ويثاب على فعله»، يعني: أنه ليس مما يمتنع على المُحرِم قتله، بل مما يُطلب منه قتله، وقد يجامع الاستحباب الوجوب فيجب (١) لكونه مُضِرًّا، ويُستحَبُّ لكون القاتل محرما ينبغي له أن يتعاطى قتل ما يجب قتله؛ لئلا يتخيَّل أنه بإحرامه ممنوع منه (٢).
ولقوله ﷺ الثابت في (صحيح مسلم) من حديث ابن عمر ﵄: حدثتني إحدى نسوة رسول الله ﷺ : أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور الحديث (٣)، وفي «الصحيحين»: «أمر بقتل خمس فواسق ( … ) فذكر الكلب العَقُور (٤).
وبطريقةٍ أُخرى: يجب على الكفاية، ويُستحَبُّ لكلِّ أحد، ولا أشك أنَّ في عبارة من عبر (٥) بالاستحباب توسعا (٦).
وقد وقع للرافعي في كتاب الحج في النوع السابع في إتلاف الصيد أنه يُستحَبُّ للمُحرم وغيره قتل المؤذيات بطبعها (٧)، نحو الفواسق الخمس، مع قوله في باب الأطعمة»: قال صاحب (التلخيص) - وساعده الأصحاب: ما أُمِرَ بقتله من الحيوان فهو حرام؛ لأنَّ الأمر بقتله إسقاط لحرمته ومنع من اقتنائه،
стр. 766
ولو كان مأكولاً لجاز اقتناؤه، فمن ذلك الفواسق الخمس» (١)، وهذا كما (٢) وقع لمن تقدمه، ولا تناقض فيه، بل الاستحباب لا ينافي الوجوب بالطريقة التي ذكرنا، وقد تضمن كلامه أنَّ اقتناءها حرام، وهو كذلك، وهذه مسألة مليحة.
مسألة: وأنَّ من جاءه شيء من المال وهو غيرُ مُشرِفٍ ولا سائل؛ يأخذه حرامًا كان أم حلالاً، ثم إن كان حلالاً لا تَبِعَةَ فيه تمولَه، وإلا ردَّه في مَرَدَّهِ إِنْ عرف مستحقه، وإلا فهو كالمال الضائع، قال: «وهذا هو ظاهر الأمر في قوله ﴿ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخُذْهُ، وما لا فلا تُتبعه﴾ نفسك» (٣).
قال: «وليس في قوله ﷺ هذا ما يدفع ما نقوله؛ لأنا على قطع بأنه لم يعنِ خصوص ذلك المال الذي دفعه هو ﷺ ، فلم يبق إلا أعم منه ومن كل حلال، أو الأعم مطلقًا من كلّ مال»، قال: «وهذا هو الراجح المتبادر إلى الذهن»، وأَملى في المسألة كلامًا على الأخت سُتيتة، أملاه عليها وهو مريض، فكتبته عنه في مرض موته.
مسألة وأنه لا صغيرة في الذنوب، بل كلُّها كبائر، وبعضُها أكبر من بعض، وهو رأي الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، ونسبه الشيخ الإمام إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري نفسه كرَّم الله وجهه، وقاله الإمام في أصول الدين، وعلى أنَّ الشيخ الإمام لم يذكر اختياره هذا في كثير من كلامه، بل كاد يدعي في
стр. 767
«التفسير» اتفاق الفقهاء على خلافه، ذكره في تفسير سورة والنجم (١).
فهذا ما يحضرني من مذهب الشيخ الإمام ﵁ في الفروع، ولعلّي تركتُ شيئًا كثيرًا.
فإن قلت: أفمحمودٌ شيخك في ذهابه إلى هذه المسائل التي خالف فيها جماهير المسلمين؟
قلتُ: لو كنتَ تعلم ما كان عليه شيخي من إعظام مخالفة الجمهور، ونسبته خارق الإجماع إلى خرق حجاب الهيبة، واقتحام الجرائم بانتهاك حرمات الدين = لأعظمتَ هذا السؤال في حقه، وهو لم يخرق في واحدة من المسائل إجماعاً سابقا، وقد بلغت كلماته في الردِّ على من خرق الإجماع النهاية، وكان يشدّد النكير على مقتحمي المخالفة.
وقد كان منه من ذلك - قلمًا ولسانًا، مصرًا وشامًا - ما سارت به الركبان، غير أنه لا إجماع يضادُّ واحدةً من المسائل التي ذهب إليها، بل معه في كل واحدة منها أعوان وأنصار من حَمَلةِ الشريعة، فإذا لم يكن إجماع وساقه الدليل إلى القول بها قامت حُجَّة الله عليه، ليُبَيِّن للناس ولا يكتمه.
أفمحمودٌ هُوَ إن أدنى رقبته بالكتمان إلى لجام من نار؟! معاذ الله، بل عليه أن يُسرج ويُلجم، ويُصَرِّحَ ولا يحوّم، سنَّة الله في حَمَلَةِ الشريعة الماضين، وإخوانه السالفين من أهل العلم المكين، والورع في الدين.
والله لا يذهب شيخي باطلا، ولا يرهب غير الله ساكتا وقائلا، بذلك نزهو
стр. 768
به على مَرِّ السنين، ونُنْشِدُ:
وَكَانَ لَنَا أَبُو حَسَنِ عَلِيٌّ أَبَا بَرًّا … وَنَحْنُ لَهُ بَنِينُ
فَصْلٌ
وأما معتقدنا في أصول الديانات، وما نَدِينُ به رب الأرضين والسماوات، وقولكم معاشر إخواني: ماذا تنتحلون من مذاهب المتكلمين، وما كان عليه شيخكم؟ فاعلموا أنَّ الكلام في العقائد لم يكن من دأب شيخنا، ولا هو من دأبنا إلا عند داع يدعو إليه من دفاع مبطل، أو جدال مبتدع، ولنا في ذلك كلماتٌ كثيرة، وقد افتتحنا كتابنا هذا بخطبة كافية في هذا المعنى، ما وراءها إلا الخوض فيما لا يعني، وكان الشيخ الإمام كثير التباعد عن فتح باب ما في أمر ما من هذا العلم، ومن نظمه:
وَلَيْسَ لِلنَّاسِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ هُدًى … بَلْ بِدْعَةٌ وَضَلَالٌ فِي تَطَلُّبِهِ
هذا مع كونه كان أعرف من تحت أديم السماء في زمانه بهذا العلم، وأقعدهم بمذهب أهل السُّنَّة (١)، ومن مقالاته في أصول الديانات ذهب إلى أنَّ الكلام النفسي يُسمَع، وهو أحد قولي الأشعري (٢).
مسألة: وأن التعلق قديم، وهو أيضا رأي أبي الحسن (٣).
стр. 769
مسألة: وأنَّ الرضا غير الإرادة، وحكى فيه أقوالا ثلاثة، أحدها: أنه نفسها، والثاني: غيرُها، وهو صفة فعل، والثالث: غيرها، وهو صفة ذات، وعزا هذين القولين إلى ابنِ كلَّاب، ولم يرجِّح منهما واحدًا على الآخر (١).
مسألة: وتردَّد في فناء الروح عند قيام القيامة، قال: «والأظهر أنها لا تفنى أبدًا» (٢).
مسألة: ورأى انحصار اللَّذات في العلوم والمعارف، قال: «وما عداها دفع آلام» (٣).
مسألة: وقال: «البشَرُ أفضل من الملك، ولكن لا يجب على المكلف اعتقاد ذلك، ولو لقي الله ساذجًا من هذه المسألة لم يُبال» (٤).
مسألة: وذهب إلى القول بالكسب كما يقول الأشعري، غير أنه يقول: «لسْنَا مكلَّفين بفهمه، ولا وصول إلى دَركِ حقيقته».
قال في «تفسيره» في سورة الزُّمَر بعدما عدد مذاهب الناس: «الذي ينبغي اعتقاده أنَّ الله خالق أفعال العباد، وأنها مكتسبة لهم، وأنَّ حُجَّة الله قائمة عليهم، وأنه لا يُسأل عما يفعل، ولا يُطلب الوصول إلى الغاية في ذلك، فلسنا مكلفين بها مع صعوبة مزلقها» (٥).
стр. 770
قلت: وهذا هو الحق، وقد قرَّرتُه في شرح مختصر ابن الحاجب» (١).
مسألة: وذهب إلى أنَّ أطفال المشركين في الجنَّة، وتوقف في كونهم خدم أهلها، وقال: «إن ورد نص في هذا اتبع، وإلا فليس بلازم»، وله على مسألة الأطفال كلام طويل نفيس جدا ذكره في «تفسيره» في سورة والطور، وتكلم فيه أيضاً على حديث: «كلُّ مولود يولد على الفطرة» (٢)، وقد تكلّم عليهما في «الفتاوى» أيضاً لكن مختصرًا، وما ذهب إليه من أن أطفال المشركين في الجنة هو اختيار النووي، غير أنَّ النووي (٣) نقل كونهم في النار عن الأكثرين، ونازعه الشيخ الإمام في هذا النقل، والذي نقله ابن عبد البر عن الأكثر القولُ بالوقف فيهم (٤).
مسألة: وذهب إلى امتناع المعاصي صغيرها وكبيرها، عمدها وسهوها على الأنبياء قبل النبوة وبعدها (٥).
ومما أغرب به
تفسيرًا، وحديثًا، وأصولا، ونحوا، ومنطقا، وبلاغة، وتواريخ، ومغازي، وسيرا، وأنسابا:
ذهب إلى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر وهو رأي
стр. 771
للبخاري (١) - خالفه فيه أهل المغازي والسير قاطبة، وآخرهم شيخه الدمياطي خالفه أيضا (٢).
مسألة: وأنَّ الحَسَن لم يسمع من سَمُرة شيئًا، لا حديث العقيقة ولا غيره، وهو رأي أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين.
مسألة: وأنكر أن يكون يعقوب أو شُعيب أو غيرهما من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حصل له عمى، وشدَّد النكير على مُدَّعِيه، وأَوَّلَ جميع الظواهر الواردة فيه.
مسألة: وذهب إلى أنَّ قريشا ولد فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، وهو رأي شيخه الدمياطي.
مسألة: وأن دمشق فتحت عنوة.
مسألة: وأنَّ المفهوم حُجَّةٌ في الشرع لا في اللغة ولا في العرف.
مسألة: وأن تقديم المعمول يفيد الاختصاص، وفاقًا للبيانيين.
مسألة: وأن الاختصاص غير الحصر خلافًا لهم.
مسألة: وأن تعميم النكرة في سياق النفي باللزوم لا بالوضع.
مسألة: وأنَّ العام المخصوص حقيقة، قال: «والمراد به الخصوص مجاز بالإجماع».
стр. 772
مسألة: وأن "من" الاستفهامية ليست للعموم في الأفراد بل للماهية، ولا يظهر بينه وبين الأصوليين خلاف معنوي.
مسألة: وأنَّ قولك: "مَنْ عندك؟ " يُطلب به التصور لا التصديق.
مسألة: ويقول في نحو الله من قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧]: إنه اسم مفرد ولا يعربه خبر مبتدأ محذوف، ولا مبتدأ خبره محذوف.
مسألة وأنَّ الجار والمجرور إذا وقعا خبرًا لم يقدر "كائن" ولا "استقر "، بل كل منهما خبر بنفسه، وهو مذهب أبي بكر (١) السراج من النحاة.
مسألة: وذهب في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١] إلى قول السُّدِّي، وهو أنَّ الله تعالى أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم، ثم أحياهم في القبر وقت سؤال الملكين، ثم أماتهم فيه، ثم أحياهم في الحشر (٢).
وأجاب عما يورد عليه من أنه يلزمه الإحياء ثلاث مرات: إما بأن الحياة التي تحصل الإماتة عَقِيبها لا يُعتَدُّ بها، وإما بأنَّ الله يُحييهم في قبورهم وتستمر تلك الحياة، فلا يموتون بعدها، ويَعدُّهم في المستثنين من الصعقة في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، قال: «ولا يرد كون الإحياء ثلاث مرات؛ لأنَّ الآية ساكتة عن الثالثة لا تنفيها».
ولا مطمع في استيعاب مذاهبه في أصناف العلوم، ومن أحاط علما بما في
стр. 773
هذا «الترشيح»، وحصل على ترجمة الشيخ الإمام من كتابنا «الطبقات الكبرى» أحاط بعلم كثير من علوم الشيخ الإمام وفوائده؛ فإنَّ ترجمته في «الطبقات الكبرى» أزيد من خمسين ورقة، غالبها فوائد ومسائل ومباحث عنه، جمع الله بيننا وبينه في دار كرامته.
стр. 774
بَابُ الفَوَائِد
وهذه فوائد سمعتها منه مُشافهةً، ذكرتُ بعضها في «الطبقات الكبرى»، أحببتُ جمع شملها هنا.
سمعتُ شيخي ﵀ يقول وقد سئل عن العلقة السوداء التي أُخرجت من قلب النبي ﷺ في صِغَره حين شُقَّ فؤاده، وقول الملك: «هذا حظ الشيطان منك»: «إنَّ تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلةً لما يُلقيه الشيطان فيها، فأزيلت من قلبه ﷺ ، فلم يبق فيه مكان قابل لأن يُلقي الشيطان فيه شيئًا» (١).
قال: «هذا معنى الحديث، ولم يكن للشيطان فيه ﷺ حظ قط، وإنما الذي نفاه الملك أمر هو في الجبلات البشرية، فأزيل القابل الذي لم يكن يلزم من حصوله حصول القذف في القلب» (٢).
قلت له: فلِمَ خَلق (٣) هذا القابل في هذه الذات الشريفة، وكان يمكن أن لا يخلقه فيها؟
فقال: لأنه من جُملة الأجزاء الإنسانية، فخلقه تكملة للخلق الإنساني، فلا
стр. 775
بُدَّ منه، ونزعه كرامة ربانية طرأت بعده، وقد رأى الأخ شيخنا الإمام أبو حامد أحمد الوالد ﵀ بعد موته في نومه وعليه أنوار، وقع في نفسه أنها ببركات هذا البحث (١).
سمعت شيخي يقول: «ينبغي للمصلي في الركوع عند قوله: «خشع سمعي، وبصري، وعظامي، وشعري، وبشري، وما استقل به قدمي» (٢) أن يحرص على صدقه في هذا الكلام، بأن يكون الخشوع محققًا في القلب، ظاهرا أثره على هذه الأعضاء، ليتحقق صدق هذا الخبر، وإلا فالإخبار بين يدي الله في هذا المقام على خلاف الواقع صعبٌ، إلا أن يراد أنها متصوَّرة في حال من هو كذلك، وهو مجاز» (٣).
قلت: ثم هذا المجاز خير من أن لا يراد شيء بالكلية، بل تجري الألفاظ على اللسان اعتيادا، من غير حضور ألبتة (٤).
سمعت شيخي في درس الشامية العصر يقول وقد سُئل ذكر نكتة: اذكروا مسألةً أقرّر فيها نكتةً، فقلتُ أنا: النكاح بلا وليّ، فقال على الفور: النكاح بلا ولي باطل؛ لأن قوله ﷺ : «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (٥) إما أن يراد به حقيقة اللفظ، أو صورة النزاع وهو الحرَّةُ البالغة العاقلة، أو مقيد بقيد يندرج فيه، أو شيء يلزم منه، أو أحد هذه الأمور الأربعة، أو القدر