← Книги сунны

Книги сунны · id 30158

مسند الحارث بن أبي أسامة

الحارث بن أبي أسامة

Полный текст (2 064 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- أ - تقديم الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين، وخير خلق الله أجمعين، ورحمة الله للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد، فإنّ علم الحديث النبوي الشريف بأصوله وتفريعاته، من أكثر العلوم التي شهدت حركة تأليفية في تراثنا الإسلامي، امتدت من الجمع والتدوين، إلى الشرح والترتيب والتأليف، إلى النقدِ والتنقيحِ والتمحيص، إلى غير ذلك من أبواب العلم. وقد قيد الصّحابةُ رضوانُ الله عليهم كلام النبيِّ ﷺ مثلما قيَّدوا عنه القرآن الكريم، باعتباره المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، دونَ خلطٍ أو تداخلٍ بينهما، فقد روى الإمام أبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: "كنتُ أكتبُ كلَّ شيء أسمعه من رسول الله ﷺ ، أريدُ حفظه، فنهتني قريش، وقالوا: أتكتب كلَّ شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشرٌ يتكلَّم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله ﷺ ، فأومأ بأصبعه إلى فيه، فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق". ولا تعارضَ بين هذا الحديث وبين ما رواهُ الإمام مسلم من حديث أبي سعيدٍ الخدري ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "لا تكتبُوا عنِّي، ومن

стр. 2

- ب - كتب عنِّي غيرَ القرآنِ فَلْيَمْحُه، وحدِّثوا عني ولا حرجَ، ومَن كذب عليَّ - قال همامٌ: أحسِبُه قال: متعمِّدًا - فليتبوأ مقعَدَه من النارِ"؛ وذلكَ أنّ هذا النهي كانَ في بداية الإسلام؛ مخافةَ اختلاط الحديثِ بالقرآن، فلمّا أُمِن الالتباس نُسِخَ هذا النهي، وأذِنَ لهم النبي ﷺ بكتابة الحديث (١). وقد رصدَ الإمام الحافظ جلال الدِّين السيوطي رحمه الله تعالى بدايات تدوين الحديث الشريف، فقال (٢): أولُ جامعِ الحديث والأثر … ابنُ شهابٍ آمرًا لهُ عُمَرُ وأوّلُ الجامع للأبواب … جماعةٌ في العصر ذو اقترابِ كابن جُريجٍ وهُشَيمٍ مالكِ … ومَعْمَرٍ وولد المُبارك وأوّلُ الجامع باقتصارِ … على الصحيح فقَطِ البُخاري ومُسلمٌ من بعده والأوّلُ … على الصّوابِ في الصحيح أفضلُ وفي العصر العباسي توسّع العلماءُ في تدوين الحديث الشّريف، وظهرت المسانيد وكتب السُّنن والجوامع والمستدركات والأجزاء، واشتملت على أحاديث متفاوتةٍ في الصحة والضعف، مما استدعى الحاجة إلى ظهور علم الجرح والتعديل، ونقد الحديث متنًا وسندًا، ويعنى بتمحيص المرويات. _________ (١) انظر: شرح النووي على مسلم ١٨: ١٢٩. (٢) من ألفية السيوطي في علم الحديث، الأبيات: (٤١ - ٤٥)، ص ٧.

стр. 3

- ج - وبين أيدينا سِفْرٌ جليل من ذلك العصر الزاهر، ظل حبيس الرفوف حتى ظُنّ أنه مفقود، لذا، فإن إخراجه يبعث في قلوب الباحثين في السنة السرور والبهجة، كتاب طلعت أنواره في العصر الذهبي للسنة: "مسند الحارث بن أبي أسامة". صنّفه الحافظ المحدّث المعمَّر ملحِق الأحفاد بالأجداد، مُسنِد العراق، الإمام الحارث بن أبي أسامة المولود سنة ستٍّ وثمانين ومئة، والمتوفى سنة اثنتين وثمانين ومئتين عن سبع وتسعين سنة. أثنى عليه كبار أئمة الإسلام، ومنهم الإمام أبو إسحاق إبراهيم الحربي (ت ٢٨٥ هـ) وهو من أقرانه، وكذلك إمام النقد والعلل أبو الحسن الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ)، وأمر تلميذه البَرْقاني بإخراج حديث الحارث في الصحيح، وحسبك به. وقال الذهبي: "كان حافظاً عارفًا بالحديث، عالي الإسناد بالمرّة". وكفاه شرفًا وفضلاً ونبلاً وإخلاصًا أنّ ما أُخِذَ عليه عند بعض الجارحين له هو أخذه الأجرة على التحديث، ولا يضرّه ذلك إن شاء الله؛ إذ كان فقيرًا، ولعلّ هذا الخبر يُسْفِر عن سرّ أخذه الأجرة، فعن محمد بن موسى الرازي قال: سمعت الحارث بن أبي أسامة يقول: "لي ست، بنات، أصغرهن بنت ستين سنة، ما زوجت واحدة منهن؛ لأنني فقير، وما جاءني إلا فقير، وكرهتُ أن أزيد في عيالي، وها كفني على الوتد من ثلاثين سنة، خفتُ أن لا يجدوا لي كفنًا".

стр. 4

- د - وأما كتابه المسند فقد حفظ الله له ذلك وأبقاه له، وحَرِص العلماء على اقتنائه والأخذ منه، إلّا أنّ كثيرًا من المخطوطات فُقِدت أو ظُنَّ فقدها في الآونة الأخيرة، ولولا أن العلماء الأجلاء حفظوا لنا جملة مما جاء في تلك المخطوطات لما عَلِمنا بمحتوياتها ولما أفدنا من الكنوز التي فيها، وكان من ضمن تلكم الأصول هذا المسند، إذ وصلنا ما ألّفه العلماء في زوائده على المسانيد الأخرى دون أن نعثر على أصل الكتاب. وقد خُدِم مسند الحارث من قِبَل علماء كبار، منهم الإمام نور الدِّين الهيثمي (ت ٨٠٧ هـ)، فجمع زوائدَه على الكتب الستة، وسماه: "بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث"، وهو مطبوع متداول من سنوات عدة. وهذا العمل كان بإشارة الحافظ المحدِّث زين الدِّين العراقي للهيثمي، وحثِّ ابنه ولي الدِّين له، وليس ذاك إلا لعظم وَقْع مسند الحارث في قلوب العلماء والمحدثين، وكبر مكانته. وكذلك فعل هذا العمل - أعني جمع زوائده على الكتب الستة - الحافظُ ابن حجر (ت ٨٥٢ هـ)، كما أشار إلى ذلك تلميذه السخاوي. ومن خدمات العلماء على مسند الحارث عملان جليلان آخران: وهما: صنيع الإمام شهاب الدِّين أبي العباس البوصيري في كتابه "إتحاف الخِيَرة المَهَرة بزوائد المسانيد العشرة"، حيث جمع زوائد عشرة مسانيد من أمّات الحديثية على الكتب الستة، ومن تلك المسانيد مسند الحارث بن أبي أسامة.

стр. 5

- هـ - وصنيع الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه الحافل النافع "المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية"، حيث جمع زوائد ثمانية كتب على الكتب الستة ومسند أحمد، ومن تلك المسانيد مسند الحارث. ورغم نفاسة هذه الكتب وصنيع هؤلاء الأئمّة إلا أنها لا تغني عن أصل الكتاب، لاسيما في الإسفار عن طرق الحديث، وألفاظه، وألفاظ النقلة للحديث تحمّلاً وأداءً، وغيرها من الأمور النافعة التي يجدها الباحث في أصل هذا الكتاب المبارك. والكتاب كان محجوبًا عن أنظار الدارسين والباحثين المعاصرين. كما ذكرت إلى أن قيض الله له أحد أعيان علماء الحديث في عصرنا ألا وهو العلامة المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (ت ١٤١٢ هـ)، حيث وقف في إحدى المكتبات الخاصة في الهند على نسخة خطية منه فاستنسخها وقابلها، ثمّ جاء سبطه الدكتور مسعود أحمد الأعظمي فقام بتحقيق الكتاب على تلك النسخة وقابلها بقطع أخرى من الكتاب، وبذل في ذلك جهده وأفرغ فيها وسعه، وقد بلغت أحاديث المسند الأصل في هذا التحقيق (٣٠٠٧) حديثًا، لذلك حرصت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم على إحياء هذا الأثر العظيم، والمساهمة بإبراز هذا المسند الكريم من أحاديث النبي عليه أفضل الصلاة والتسليم.

стр. 6

- و - وفي مسك الختام أخص بالشكر والامتنان، أتمّه وأجزَله صاحب السموّ الشيخ محمّد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي حفظه الله، راعي جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم، الذي أنشأ هذه الجائزة لتكون منارَ خيرٍ تنشر ما تجود به القرائح في حقل الدراسات الإسلامية النافعة الجادّة، فجزاه الله عن العلم والدين خير الجزاء. ومن منطلق إسناد الفضل لأهله؛ فإنّ وحدة البحوث والدراسات في الجائزة تتقدّم بالشكر والتقدير إلى رئيس اللجنة المنظمة للجائزة سعادة المستشار إبراهيم محمد بوملحة، مستشار صاحب السمو حاكم دبي للشؤون الثقافية والإنسانية، الذي ما فتئ يشجع نشر الكتب العلمية القيمة في إطار رسالة الجائزة في خدمة كتاب الله الكريم وسنة رسوله العظيم ﷺ وسيرته العطرة ونشر العلوم الإسلامية. وصلى الله وسلّم على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحيم سلطان العلماء رئيس وحدة البحوث والدراسات

стр. 7

الإهداء إلى روح سيدتي الوالدة العابدة الصالحة المربية الجليلة التي نشأتُ في كنفها وترعرتُ، وكان مهدها وحَجْرها أول مدرسة تربَّيتُ فيها، ثم لم تزل ترعاني وتحفُّني وإخوتي وأخواتي بدعواتها الصالحة صباح مساء وليل نهار. وكانت أصغر أولاد شيخنا العلامة المحدث حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى ومن أحبِّهم إليه. وقد فارَقَتنا في ٢٢/ ١/ ١٤٣٩ هـ = ١٣/ ١٠/ ٢٠١٧ م، وهذا الكتاب في طريقه إلى المطبعة ولم يظهر بعد، حتى تراه وتستبشر به. رحمها الله رحمة واسعة، وأمطر عليها شآبيب رضوانه، وأسكنها فسيح جناته، وجمَعَنا معها في دار كرامته. مسعود أحمد الأعظمي

стр. 8

تمهيد للعالم المسنِد المعمَّر الشيخ رشيد أحمد الأعظمي النجل الأكبر للعلامة المحدث الأعظمي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمده ونصلي على رسوله الكريم. وبعد، فمن المعلوم لدى أهل العلم أن والدي العلامة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي - رحمه الله تعالى - كان من المولعين بالعلم، مشغوفًا بحب الكتب حُبًّا يفوق الوصف، وكان له غرام زائد عجيب بالمخطوطات ونوادر الآثار، وبلغ من غرامه بها أنه كان يتصفَّح؛ بل يدرس ويقرأ المجلدات الكبار الضخام من فهارس المكتبات التي تتوفر فيها الكتب الخطية مما صنَّفه القدماء في العلوم الإسلامية نحو الحديث والفقه والتاريخ والتراجم والطبقات ونظائرها. كما كان يسافر بين فينة وأخرى إلى شتى أرجاء الهند وأطرافها للقيام بشئونه العلمية أو الدعوية والتوجيهية، وفي هذه الرحلات عندما ينزل بمدينة أو بلدة لا يفوته أن يُلِمَّ بتأريخها وبمن مضى فيها من أهل العلم والدين، وبما خلَّفوه من كتب ومصنفات، وأورثوه من تراث علمي. وكثيراً ما كان يشدُّ الرحال إلى إحدى المراكز العلمية أو المدن التي فيها خزانة كتب أو مكتبة شهيرة، كمكتبة خدا بخش (بانكي فور، فتنه)

стр. 9

ومكتبات دار المصنفين (أعظم كره) ودار العلوم (ديوبند) وندوة العلماء (لكنئو) ومكتبات حيدر آباد، وبومباي، وكلكوتا، وأمثالها مما يطول ذكرها. وفي إحدى هذه الرحلات، التي قام بها إلى ولاية غجرات - الهند -، والتي زار فيها بليدة فتن - موطن العلامة المحدث الشيخ محمد طاهر الفتني - كان يتفحَّص خزانة كتب المدرسة التي تنتمي إلى العلامة الفتني، إذا به قد اطلع على نسخة خطية نادرة، هي بحق من نوادر الدهر، ألا وهي كتاب "مسند الحارث بن أبي أسامة"، فاستعارها الشيخ الوالد من أمين المكتبة أو ناظر المدرسة، وجاء بها إلى بلده، ولم يلبث أن وزَّع أجزاءها على نخبة من تلاميذه الموثوق بهم لاستنساخها، وأنا واحد ممن كان نصيبه أجزاء منها، فنسخناها في أول فرصة وأسرع وقت، ولما تمَّ النسخ أعاد الوالد ﵀ النسخة الأصلية إلى مكانها الأصلي من بلدة فتن. ولم تزل نسخة الوالد من ذلك الحين في حيازته، يراجعها عند الضرورة ويستفيد منها، ولكنه لم يجد فرصة لإعدادها للطبع والنشر، وبقيت محفوظة في آثاره هذا، وقد كان يهمني قيمة هذا الكتاب وأهميتها، وطالما كنت أودُّ لو نشر هذا الكتاب عن هذه النسخة التي تكاد تكون وحيدة في العالم الإسلامي، لكان خدمة عظيمة للسنة النبوية والحديث الشريف - على صاحبه أزكى التحيات وأطيب التسليمات، ولم يزل حرصي على ذلك يزداد على مرِّ الوقت

стр. 10

والزمان، ولكن الكتاب كان في حاجة إلى تحقيقه وتخريج أحاديثه ومقارنته بكتب الأحاديث والآثار، حتى يكون مواتيًا لروح هذا العصر الراهن. والقيام بأداء هذا الأمر المهم أمانة عظيمة، ولم يقع بصري لها إلا على ابن أختي الأخ العزيز مسعود أحمد الأعظمي، فاقترحت عليه أن يقوم بأداء هذا الواجب والأمانة العلمية العظيمة التي وقعت على كواهلنا بعد وفاة الوالد ﵀ رحمة واسعة. فاشتغل به وبذل جهدًا كبيرًا في تحقيق الكتاب، ومقارنة رواياته بمظانها من الكتب، وتخريج أحاديثه وكتابة التعليقات الحافلة عليه، ولإعداده إعدادًا ينسجم تمامًا لروح العصر ومنهجه في البحث والتحقيق، ولما أطلعني على عمله بدا لي فوق ما كنت أتوقعه وأقدِّره، ورأيته قد جاء في حلة قشيبة، وصورة أنيقة رائعة، تروق النواظر وتثلج الصدور، فحمدت الله على توفيقه لهذا العمل المبارك الميمون. وختامًا؛ بل دائمًا أدعو الله أن يتلقاه بالقبول، ويجزي محققه عنا وعن سائر أهل العلم خير الجزاء وأحسنه، ويحسن مثوبته في الدنيا والآخرة، فإنه نعم المولى ونعم والوكيل.

стр. 11

مقدمة فضيلة الأستاذ الجليل والعالم النبيل الشيخ نعمة الله الأعظمي رئيس قسم التخصص في الحديث بالجامعة الإسلامية دار العلوم، ديوبند، الهند بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فإن الحديث الشريف مصدر ثانٍ من مصادر التشريع الإسلامي، وهو شرح وتبيان لكتاب الله العزيز، فلا يتم الانتفاع والاتباع والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي نزَّله الله على نُبَيْهٍ الأمي الكريم، وجعله شرعةً ومنهاجًا، إلا في ضوء أحاديثه الكريمة ﷺ ، فهو آخر كتاب إلهي نزل على آخر نبي، وخاتم الكتب المنزلُ على خاتم الرسل. وإذا كان الكتاب والرسول كل منهما خاتمًا وآخرًا، حيث لا ينزل كتاب بعده، كما لا يأتي رسول ولا نبي بعد، كان من الطبيعي أن يُحفظ هذا الكتاب ويبقى أبد الدهر بحيث لا يتطرَّق إليه تحريف ولا تبديل، وإذا لم يمكن العمل به - تمامًا - بدون أحاديث النبي ﷺ كان من الطبيعي كذلك؛ بل من الضروري أن تبقى تلك الأحاديث والآثار التي هي

стр. 12

بمثابة الشرح والتبيان والتفسير لذلك الكتاب. وإننا لنرى أن الله لم يحمل على كاهل أحد من عباده مسئولية حفظ هذا الكتاب؛ بل الله ﵎ تكفَّل بنفسه حفظه وصيانته، وأعلن عهده هذا بأسلوب قوي متين مؤكد - أبلغ التأكيد - حيث يقول ﷻ وعمَّ نواله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وفي ضمن هذا الوعد الإلهي والعهد الرباني لحفظ كتابه العظيم، يأتي صيانة الأحاديث التي هي شرحه على لسان النبي الكريم ﷺ . وقد وقع كل ذلك فعلاً، وظهر ظهورًا لا يخفى على من له أدنى بصيرة، وأتفه حظ من العلم والفهم. وقد قيَّض الله من أجل ذلك أفواجًا من عباده العلماء والحفاظ والمحدثين وأئمة الدين، ووفَّق في كل عصر ومصر من وقف حياته وبذل نفسه ونفيسه في خدمة هذا الدين الإسلامي وعلومه، مما أدَّى إلى بقاء العلوم الإسلامية، وفي جملتها - بل على رأسها - الحديث النبوي على صاحبه ألف ألف صلاة وتحية - على ما مضى عليه أربعة عشر قرنًا - غضًا طريًّا، حيًّا ناضرًا، خالصًا كما كان في مطلع فجره، ولم يزل مصونًا من مكايد الأعداء ودسائس الحُسَّاد لمساس كرامته وتشويه وجهه، ورغم الجهود المكدَّسة لتكدير صفائه وبهجته وبهائه، فكان جهود أئمة الدين والمحدثين وعلماء المسلمين من هذه الناحية تفسيرًا حياً لما رُوي عن النبي ﷺ : "سيحملُ هذا

стр. 13

العلم من كلِّ خَلَفٍ عُدولُه، يَنفُون عنه تَحريفَ الغَالِين، وانتحالَ المُبطِلين، وتأويل الجاهلين" (١) أو كما قال ﵊. وقد جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ" (٢). وقال ﵊: "بلِّغوا عني ولو آية" (٣). وقال أيضا: "فليبلِّغ الشاهدُ الغائب" (٤). عني المسلمون بحفظ الأحاديث والآثار - سواء كان عن ظهر القلب أو بالكتابة أو التعليم والتبليغ - عناية تدهش العقول وتحيِّر القلوب، وجهودهم في ذلك تفوق الوصف والبيان، ولا يمكن الإحاطة بما لهم فيه من تاريخ مشرق، وعهد زاهر، ومفاخر عظيمة هائلة لا يسيغها العقل البشري بسهولة. فمن تصفَّح تاريخ الثقافة الإسلامية منذ العهد النبوي؛ بل منذ أول يوم طلعت فيه شمس الإسلام، وانبثق شعاعها على وجه الأرض، حتى الأجيال المتعاقبة والقرون المتأخرة، وجد في كل طبقة من طبقات الرجال والتاريخ، جموعًا جمةً من رجال العلم والرواية والإسناد يشتغلون بحفظ الأحاديث وأدائها _________ (١) رواه الطحاوي في شرح مشكل الآثار برقم ٣٨٨٤. (٢) رواه الترمذي برقم ٢٦٥٧، وصححه. (٣) رواه البخاري برقم ٣٢٧٤. (٤) رواه البخاري برقم ٦٧.

стр. 14

وتبليغها إلى من جاء بعدهم، لا يهمُّهم شيء ولا يعنيهم إلا الاهتمام بالكتاب والسنة، والاشتغال بخدمة العلم والدين، ووَجَد المجتمع الإسلامي كله يمثِّل تفسيرًا عمليًا مثاليًا لما جاء على لسان النبي ﷺ من التأكيد البالغ للتعليم والتبليغ ونشر العلم. فقد ظهر من علماء الإسلام، والمحدثين، وحفاظ الأحاديث ورواة الآثار، لا في القرون الأولى فحسب؛ بل عبر القرون المتتالية نشاطات وممارسات، لا يوجد لها نظير في عصر من عصور التاريخ الإنساني برمتها؛ بل لم تشهد البشرية عشر معشارها عبر تاريخها الطويل. فأصحاب النبي ﷺ الذين كانوا الرعيل الأول من علماء هذه الأمة وحُفَّاظها ومحدِّثيها، والذين اقتبسوا العلم والدين ونور الهداية واليقين مباشرة من مهبط الوحي الإلهي، والتابعون لهم، وتابعوهم، ومن بعدهم، حتى القرون الأربعة أفنوا أعمارهم في النشاطات العلمية التي لها أثر قوي بالغ، ودور أساسي هام في صيانة الكتاب والسنة وعلومهما عن يد الحدثان وغوائل الدهر. وليس هذا موضع بسطه وتفصيله، وكفى بتاريخ الثقافة والعلوم الإسلامية وتراجم الرجال دليلاً عليها وشاهدًا لها. وإلى جانب الحفظ عن ظهر القلب ومهمة الرواية والإسناد، ظهر منهم عناية عظيمة منقطعة النظير بالتصنيف والتأليف والكتابة، فبدأت ظاهرة كتابة الحديث في العهد النبوي، واستمرَّت خلال القرن الأول للهجرة، ونفقت سوقها في القرن الثاني للهجرة. وكتابته في العهد النبوي وعصر الصحابة

стр. 15

والتابعين قد ثبت تاريخيًّا؛ بل بما هو أقوى منه حجة، وأشدُّ وثاقة، وأجلى برهانًا. وهذا النشاط لم يزل يتطوَّر عبر الوقت والزمان، ومع انقضاء القرن الأول بدأ تدوين الحديث الشريف وجمعه في بطون الكتب والدفاتر، وما انقضى القرن الثاني للهجرة حتى اتسع نطاق التصنيف والتأليف في علم الحديث، وظهرت خلال تلك المدة مجموعات شتى في هذا العلم الشريف، ولم يقتصر مصنفوها على الأحاديث النبوية المرفوعة؛ بل ربما توسعوا فيها فأودعوها آثار الصحابة والتابعين. وتتابعت الكتب والتصانيف في القرن الثالث الهجري، فوضعوا كتب الجوامع، والسنن، والمسانيد، والمصنَّفات والمعاجم وما إلى ذلك. ولسنا بصدد بسطه وتفصيله، كما أن هذا ليس موضعه. وفي نفس القرن الثالث بدأت التصانيف تظهر في غريب الحديث ومُشْكِله، وتراجم الرجال والرواة، ثم كثرت العلوم والفنون فيما يتعلق بالحديث الشريف في القرون التالية. هذا، ولما تمَّ تدوين الحديث وجمعه في بطون الكتب والدفاتر، ووقع الأمن من أن يتطرَّق إليه الضياع أو العفاء والدروس، من أجل ما كثرت التصانيف بالأسانيد، توجَّه الناس إلى وضع التصانيف في شروح الحديث، وكتب الزوائد، والتخريجات، كما عني بعضهم بإفراد الكتب المجردة من الأسانيد للتسهيل على الناشئين من طلاب هذا الفن ورواده.

стр. 16

والآثار العلمية والقلمية التي برزت في ذلك العصر الزاهر، منها ما أفناه حوادث الدهر، ولم يبق منه إلا الاسم أو الرسم، ومنها ما قد ساعده الجدُّ، فظلَّ محفوظًا مصونًا من براثن الزمان، وتداولته أيدي العلماء والمحدثين، خلفًا عن سلف وكابرًا عن كابر، حتى وصل الأمر إلى هذا العصر الذي انتشر فيه طباعة الكتب وإذاعتها وإصدارها انتشارًا عظيمًا واسعًا، حتى أصبحنا نستفيد من المصادر الأساسية الأصلية إفادة ما كان يرجو مثلها العلماء الذين مضوا قبلنا بقليل. ومن تلك الكتب والآثار الأثرية التي ظلَّت مصونة عن يد الدهر، هذا الكتاب النادر الذي حُمِّلتُ مسئولية التقديم لها، وقبل أن أقول شيئًا عن هذا الكتاب وجهود محققه في إخراجه وإعداده، يبدو لي أن أتحدث عن إسهام علماء الهند في الحديث الشريف بشيء من الإيجاز والاختصار. فمن الأمر العجيب أن الهند مع كونها ذات صلة عريقة قوية بالبلاد العربية، كان حظُّها من الحديث قليلاً مدى القرون، فلا نرى فيها من مجالس الرواية والإملاء والتحديث ونشاطات التصنيف والتأليف في هذا الفن الشريف، قرونًا طويلة، مثل ما نراها في العراق والشام ومصر والمغرب وخراسان وغيرها من البلاد التي دخلها الإسلام، وترفرفت على أرضها الراية الإسلامية، على أن الإسلام قد جاوز ثغور الهند ودخلها في القرن الأول، ووصل الجيوش الإسلامية إلى العديد من مدنها في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، كما يقول المؤرخ العلامة البلاذري في فتوح البلدان

стр. 17

"ولَّى: عمر بن الخطاب ﵁ عثمان بن أبي العاص الثقفي البحرين وعمان سنة ١٥، فوجه أخاه الحكم إلى البحرين ومضى إلى عمان، فأقطع جيشًا إلى تانه ......... ووجه الحكم أيضًا إلى بروص، ووجه أخاه المغيرة بن أبي العاص إلى خور الدَّيْبَل" (١). و "تانه" و "بروص" و "ديبل" ثلاثتها كانت من سواحل الهند الشهيرة في ذلك الزمان. وبعد فترة من ذلك أخذ الإسلام ينتشر في أرجاء الهند، وكان يزداد أثره وانتشاره خصوصًا في المدن الساحلية، ولكن الحقيقة أن الهند - رغم تلك الصلة والعلاقة - لم تشهد من مجالس الرواية والإملاء والتحديث، ومظاهر التصنيف في هذا الفن الشريف كما شهدها البلاد الآخر. والتطوُّر الحقيقي للحديث الشريف في الهند يبدأ منذ نهاية القرن التاسع الهجري، كما يقول العلامة المحقق السيد سليمان الندوي في إحدى مقالاته ما معربه: "إن العهد الحقيقي لتطور علم الحديث في الهند هو نهاية القرن التاسع وبداية القرن العاشر الهجري" (٢). وهذا هو العهد الذي قويت فيه العلاقات العلمية والثقافية بين شبه القارة الهندية وشبه الجزيرة العربية، وظهر فيه التبادل الثقافي والعلمي بين _________ (١) فتوح البلدان: ٤٣٨. (٢) مقالات سليمان: ٢/ ١٠.

стр. 18

الهند والعرب على أوسع نطاق، فقد نزح العديد من العلماء والمحدثين العرب عن أوطانهم، وقدموا الهند، واستوطنوها، وقاموا فيها بتدريس الحديث وتحديثه ونشره، وهؤلاء العلماء القادمون من أرض العرب منهم من كان من أصحاب الإمام المحدث الحافظ ابن حجر العسقلاني، وأكثرهم كانوا من أصحاب تلاميذه. وفي نفس هذا العصر بادر كثير من علماء الهند الذين ولدوا فيها، وفيها تمت نشأتهم، إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، واستفادوا خلال تلك الرحلات المباركة من علماء الحرمين الشريفين، وأخذوا عنهم علم الحديث، وحصلوا على ما لديهم من الأسانيد والإجازات والمرويات. وممن اشتهر في القرن العاشر والحادي عشر بالاشتغال بالحديث والاختصاص به، وامتاز بعظيم خدماته في هذا الفن والصنعة: الشيخُ حسام الدين علي المتقي الكجراتي - المتوفى بمكة سنة ٩٧٥ هـ، وتلميذه الشيخ محمد بن طاهر الفتني - المتوفى سنة ٩٨٦ هـ -، والشيخ عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني - المتوفى سنة ٩٦٨ هـ -، وتلميذه الشيخ طاهر بن يوسف السندي - المتوفى سنة ١٠٠٤ هـ -، - والشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي - المتوفى سنة ١٠٣٤ هـ -. وجاء من بعدهم، وهو أجلُّهم من ناحية المساهمة في التصنيف والتأليف في فمن الحديث، العلامة المحدث الشيخ عبد الحق الدهلوي - المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ -.

стр. 19

ومنذ القرن العاشر أخذت تظهر التصانيف في الحديث وعلومه في البلاد الهندية تترى، وانتشر هذا العلم انتشارًا عظيمًا بعد أن كانت سوقه فيها مدى عشرة قرون راكدة، كما يقول العلامة المحدث الشيخ محمد زاهد الكوثري: "ثم توزَّعت الأقطار النشاط العلمي، وكان حظ إقليم الهند من هذا الميراث - منذ منتصف القرن العاشر - هو النشاط في علوم الحديث، فأقبل علماء الهند عليها إقبالاً كليًا، بعد أن كانوا منصرفين إلى الفقه المجرد والعلوم النظرية، ولو استعرضنا ما لعلماء الهند من الهمة العظيمة في علوم الحديث من ذاك الحين - مدة ركود سائر الأقاليم - لوقع ذلك موقع الإعجاب الكلي والشكر العميق، وكم لعلمائهم من شروح ممتعة وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها، وكم لهم من مؤلفات واسعة في أحاديث الأحكام، وكم لهم من أيادٍ بيضاء في نقد الرجال، وعلل الحديث، وشرح الآثار، وتأليف مؤلفات في شتى الموضوعات. والله سبحانه هو المسؤول أن يديم نشاطهم في خدمة مذاهب أهل الحق ويوفقهم لأمثال أمثال ما وفقوا له إلى الآن، وأن يبعث هذا النشاط في سائر الأقاليم من جديد" (١). هكذا كثر التصانيف في علم الحديث وزاد إقبال الناس عليه، ولم تزل تلك النشاطات تزداد رُقيًا وازدهارًا، حتى دخل القرن الثاني عشر، وولد فيه شيخ مشايخ علماء الهند نابغة العصر ونادرة الزمان العلامة المحدث الفقيه _________ (١) مقالات الكوثري: ٧٣.

стр. 20

الأصولي الشيخ الشاه أحمد بن عبد الرحيم المعروف بالشاه ولي الله الدهلوي، الذي ولد في اليوم الرابع من شوال عام ١١١٤ هـ، ونشأ في بيت علم ودين، وأخذ العلم عن نوابغ عصره وفضلاء دهره، ثم سافر إلى الحجاز، واستفاد كثيرا من علماء الحرمين الشريفين، وتشرَّف بالإجازة والرواية عن كثير من مشايخهما الأجلاء المعروفين برواية الحديث وعلو الإسناد، من أشهرهم العلامة المحدث المسند الشيخ أبو طاهر الكردي الكوراني - المتوفى سنة ١١٤٥ هـ - ابن العلامة المحدث الراوية الشيخ إبراهيم الكردي صاحب كتاب "الأمم لإيقاظ الهمم". وبعد ما رجع الشيخ ولي الله من هذه الرحلة المباركة إلى أرض الهند أخذ في نشر علم الحديث بهمة جديدة وحماسة بالغة، وقام بوضع تصانيف كثيرة في شتى العلوم والفنون الإسلامية، فحصل على يده لهذا العلم نهضة جديدة في المناخ الهندي، وتعتبر تصانيفه وتأليفاته نقطة تحول في الإصلاح الاعتقادي والتعليمي والفكري والاجتماعي على مستوى الهند. وإلى جانب التصنيف والتأليف عني هذا الرجل العظيم عناية تامة بتربية الأجيال القادمة ورُوَّاد العلوم الدينية والإسلامية وطلابها، حتى تخرَّج عليه جماعة من أفراد الزمان ونوابغ العصر الذين لعبوا دورًا بارزًا في تقديم الركب العلمي بوجه عام، وعلم الحديث بوجه خاص. ومن أجلِّ أصحابه الذين ورثوا منه هذه الأمانة العلمية، وأدَّوها إلى الأجيال اللاحقة، وقاموا بنشرها

стр. 21

تدريسًا وتصنيفًا وتعليمًا وإملاءً عبقري وقته الإمام المحدث المفسر الفقيه الشيخ الشاه عبد العزيز الدهلوي ابن الشاه ولي الله وخلَفُه في العلم والعمل. وتوفي الشاه عبد العزيز في السابع من شوال سنة ١٢٣٩ هـ عن عمر يناهز ثمانين سنة. ومن المسندين عنه والآخذين منه هذا العلم المبارك ابن بنته ومسند وقته الشهير في الآفاق المحدث الشيخ الشاه محمد إسحاق بن محمد أفضل الدهلوي المهاجر المكي - المتوفى سنة ١٢٦٢ هـ بمكة المكرمة -. وعن الشاه محمد إسحاق انتشرت هذه السلسلة الذهبية للإسناد انتشارًا واسعًا في كافة أرجاء الهند وأطرافها، فأسند عنه واستفاد كثير من الناس، من أجلِّهم وأشهرهم في العلم والفضل وأبعدهم صيتًا العلامة المحدث الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي - المتوفى سنة ١٢٩٦ هـ بالمدينة المنورة. ومن نجباء تلاميذ الشيخ عبد الغني: الإمام العلامة الحجة الشيخ محمد قاسم النانوتوي - المتوفى سنة ١٢٩٧ هـ -، وعصريُّه الإمام الرباني العلامة المحدث الفقيه الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي - المتوفى سنة ١٣٢٣ هـ -. وأخذ منهما العلم والمعرفة كثير من علماء الهند ومشايخها الأجلاء البارزين في مجال العلم والفن وخدمة الإسلام والدين المبين، المتفانين في نشر العلوم الإسلامية والدينية في شبه القارة الهندية إثر سقوط الإمبراطورية المغولية. وهما اللذان اقتبس منهما الرواية والإسناد علماءُ ديوبند ومن سلك مسلكهم من معظم علماء المدارس الدينية في الهند.

стр. 22

ولكن من أشهر مَن أخذ منهما وتخرَّج عليهما: الإمام العَلَم الفَرْد المحدِّث المفسِّر حامل لواء العِلم والإصلاح والتربية الدينية مع قيادة حركة الحرية الوطنية الشيخ محمود حسن الديوبندي الشهير بشيخ الهند - المتوفى سنة ١٣٣٩ هـ - وقد حمل عنه العلم رجال كثيرون، بارعون في العلم والفضل والكمال، ونبغ بفضل تربيته وتثقيفه عدد كبير لا يتفق مثلها لشيخ واحد إلا نادرًا، فقد قرأ عليه وتخرج مثل: الإمام العلامة المحدث الأوحد الشيخ أنور شاه الكشميري المتوفى سنة ١٣٥٢ هـ، والعلامة المحدث المفسر الشيخ شبير أحمد الديوبندي - المتوفى سنة ١٣٦٩ هـ -، وشيخنا العلامة المحدث شيخ العرب والعجم السيد حسين أحمد المدني - المتوفى سنة ١٣٧٧ هـ وخلق سواهم، تغمَّدهم الله برحمته، وأمطر عليهم شآبيب رضوانه، وأسكنهم فسيح جنانه. فجهود علماء الهند في مجال علم الحديث عند ركود سائر العالم فيه، وقيادتهم لموكبه النبيل في تلك الظروف المتدهورة تستحق الاعتراف والتقدير، وممن اعترف بفضلهم وبارز دورهم فيه، وأشاد بجهودهم المباركة في هذا المضمار، العلامة السيد الشيخ رشيد رضا، حيث يقول في مقدمة مفتاح كنوز السنة المطبوع بمصر سنة ١٣٥٣ هـ = ١٩٣٤ م ما نصه: "ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر، لقُضِي عليها بالزَّوال من أمصار الشرق، فقد ضعُفت في مصر والشام والعراق

стр. 23

والحجاز منذ القرن العاشر للهجرة، حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل هذا القرن الرابع عشر" (١). وقد انتهت رئاسة علم الحديث وهذا الفن الشريف في الهند إلى شيخنا العلامة المحدث المحقق الناقد البارع الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى. وعنايته بهذه الصناعة، ومنزلته السامية، ومكانته المرموقة، وخدماته الجليلة فيها قد اشتهرت اشتهارًا أجلُّ من أن يوصف ويُذكر، فقد اعترف بإمامته في علم الحديث وحذقه ومهارته فيه فُرسان مضمار العلم وجهابذة هذا الشأن. ولا شك في أنه كان قد حظي ببراعة لا تتيسر مثلها إلا لأفذاذ الرجال، وله - مع ذلك كله - أيادٍ بيضاء في نشر هذا العلم على مستوى واسع بإعداد كثير من كتب الحديث القديمة ومخطوطاتها النادرة بعد المقابلة والتصحيح والتخريج والتعليق عليها، مع الاشتغال بالتدريس والإفادة والتصنيف والتأليف، والمداومة عليها مدى حياته. ومما يزيد في قائمة مهماته العلمية اكتشاف مخطوط هذا الكتاب الذي فوِّض إليَّ مسؤولية التقديم له، فلا شك أنه من نوادر التراث الإسلامي، وهو مما لم يكن يوجد له أثر ولا عين، وكنا كثيرًا ما نُلِمُّ برواياته التي يوردها أصحاب شروح الحديث ومصنِّفو كتب الزوائد والتخريجات في تصانيفهم، وما كان يُعتقد؛ بل لم يكن يخطر ببال أحد، أن له نسخةً في مكتبة من مكتبات _________ (١) مفتاح كنوز السنة: (ق) ط. ١.

стр. 24

العالم، إلا ما نراه من عزو شيخنا الأعظمي في بعض تعليقاته على المطالب العالية. فرحم الله شيخنا العلامة المحدث الأعظمي، إذ هو السبب الأول الذي قد يسَّر لنا سبيل الاستفادة من هذا الكتاب، حيث كشف القناع عن نسخته الوحيدة الفريدة في العالم - فيما نعلم، ولم يكن قد اكتفى به؛ بل استنسخ منها نسخة لنفسه، وقارن بين النسختين، وخلال مطالعته أثبت على نسخته تعليقات وملاحظات في كثير من المواضع، مما يكفي لتوثيق نسخة الكتاب. أما مهمة تحقيق الكتاب والتعليق عليه، فإني قد تصفَّحته من مواضع شتى، وسرَّحت النظر في التعليقات الحافلة عليه، فوقع مني موقع الإعجاب والاستحسان، ووجدته من مناهج هذا العصر في التحقيق والإخراج والإعداد بأسمى مكان، وقد قام بتحقيق الكتاب والتعليق عليه ومعارضته على أصوله وتخريج أحاديثه من مظانه حِبي وقرة عيني الأخ العزيز الدكتور مسعود أحمد الأعظمي أحد أصحابي. ألا وإن عمله هذا قد ذكَّرني بجهود جده لأمه - المحدث الجليل والمحقق الكبير العلامة الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي - قدَّس الله سرَّه العزيز - في خدمة السنة النبوية المطهرة ونشر الحديث الشريف، فإنه ليتَبَلْوَر أثره وتشفُ روحه في تعليقات حفيده على الكتاب. وإن حفيده الأخ الباحث مسعود أحمد الأعظمي - جزاه الله خيرًا - قد بذل جهودًا مشكورةً في استخراج هذا الكنز الثمين النادر من زاوية الخمول والخفاء، وإعداده للطباعة والنشر، كما أن لجدِّه مولانا العلامة الشيخ حبيب الرحمن

стр. 25

الأعظمي منة عظيمة في رقاب أهل العلم باكتشافه لهذا الكتاب الذي لم يزل متواريًا عن أعين أهل العلم. فعناية حفيده بهذا الكتاب على أثر رحيله تستحق الشكر والتقدير من الأوساط العلمية، وإننا لنرجو من فضل الله بعد العثور على عمله هذا أنه سوف يسدُّ - إن شاء الله - بعض الفراغ الذي كان قد وقع بوفاة جده رحمه الله تعالى في مجال البحث والتحقيق على مستوى الهند، وإنه يبدو لنا أن الغراس قد أتى بثماره. فأدعو الله أن يتقبَّل عمله هذا بقبول حسن، ويجعله له أجرًا وذخرًا، ويجزيه على هذه الخدمة العظيمة المباركة الجزاء الأوفر والأوفى.

стр. 26

كلمة التحقيق الحمدُ لله نَحمَده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهدي الله فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمَّدًا عبدُه ورسوله. وبعد، فإنه يسعدني ويسرني أن أتقدَّم إلى أهل العلم ولا سيما رُوَّاد الحديث الشريف وطلابهم بهذا الكنز الدفين والتراث العلمي الثمين الذي لم يزل حتى الآن مستورًا عن أعين الناس ونواظرهم، وإني أحمد الله أنه وفَّق هذا العاجز المسكين لخدمته وإعداده وإخراجه إلى عالم الطباعة والنشر، فإنه هو الموفِّق والمعين، وهو المستعان وعليه التكلان، وبنعمته وعزته وجلاله تتم الصالحات. وهذه نبذة يسيرة ونظرة عابرة ينبغي أن أقدِّمها قبل أن نبدأ الكتاب، فهذه الكلمة تشتمل على دراسة تكاد تكون شاملة لحياة المصنِّف - الحارث ابن أبي أسامة - وسيرته، ومكانته في الأوساط العلمية؛ ودراسةٍ لهذا المسند، وما حظي به من تمام العناية والاحتفاء لدى أهل العلم بالحديث والمصنفين في هذا الفن الشريف. كما تشتمل على وصف مشبع لهذه النسخة التاريخية القيمة، والطريق التي وصل بها إلينا. عسى أن يكون فيها مقنع وكفاية للناظر في الكتاب وقارئه الكريم.

стр. 27

ترجمة المصنف (١) اسمه وكنيته ونسبه: هو: مسند العراق (٢)، الإمام أبو محمد الحارث بن محمد بن أبي أسامة البغدادي الحافظ، صاحب المسند (٣). _________ (١) له ترجمة في: الثقات لابن حبان (٨/ ١٨٣)، وتاريخ بغداد (٨/ ٢١٨)، والمنتظم (١٢/ ٣٥٠)، والأنساب للسمعاني (٣/ ٧٨)، والتقييد لابن نقطة (١/ ٣١٧)، والكامل في التاريخ (٦/ ٤٨٨)، وتذكرة الحفاظ (٢/ ١٧٥)، وتاريخ الإسلام (٦/ ٧٣١)، وسير أعلام النبلاء (١٣/ ٣٨٨)، والعبر في خبر من غبر (٢/ ٦٨)، وميزان الاعتدال (١/ ٢٠٥)، والمغني (١/ ١٤٣)، وأسماء من عاش ثمانين سنة بعد شيخه أو بعد سماعه (ص: ٣٦)، والمعين في طبقات المحدثين (ص: ١٠٦)، والوافي بالوفيات (١١/ ٢٠٠)، والبداية والنهاية (١١/ ٨٣)، ولسان الميزان (١/ ١٥٧)، وطبقات الحفاظ (ص: ٢٧٦)، وكشف الظنون (ص: ١٦٧٨)، وبستان المحدثين - الفارسية - (ص: ٣٥)، وإتحاف النبلاء المتقين - الفارسية - (ص: ٢٤١)، والرسالة المستطرفة (ص: ٥٠)، والأعلام (٢/ ١٦٠)، ومعجم المؤلفين (٣/ ١٧٦)، وتاريخ الأدب العربي لبروكلمان (٣/ ١٥٨)، وتاريخ التراث العربي (١/ ٣١١). (٢) المعين، رقم الترجمة: ١١٩٢. (٣) تذكرة الحفاظ: ٢/ ١٧٥.

стр. 28

وجاء نسبه في الأنساب (١): الحارث بن محمد بن أبي أسامة - واسمه زاهر - بن يزيد بن عَدي بن السَّائب بن شمَّاس بن حنظلة بن عامر بن الحارث بن مُرَّة بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد بن مناة بن تميم بن مُرَّة بن أُدِّ بن طابخة التميمي من أهل بغداد. وكذا ذكره الخطيب في تاريخ بغداد إلا أنه زاد بعد "طابخة": ابن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (٢). قال الخطيب بعد سياق نسبه المذكور: "قرأت نسبه هذا بخط أبي عمر بن حَيُّويه"؛ ثم حكى بإسناده عن عبد الصمد بن علي بن محمد بن مكرم أنه قال: "أبو محمد الحارث بن محمد بن الحارث بن داهر التميمي"؛ وأتبعه الخطيب بقوله: "كذا قال دَاهِر بالدال، وزاد قبله الحارث"، وحكى عن علي بن إسحاق المادراني نحو ما قال عبد الصمد بن علي. ومن أجل هذا الاختلاف قد جاء في غير واحد من المصادر اسم أبي أسامة "داهر" مكان "زاهر"، ولكن أكثر المترجمين لم يذكروا الحارث. وجاء لقبه في تاريخ الإسلام وسير الأعلام (٣) "الخَضِيب"، ولعله لقب به لأنَّه كان يَخضِب بالحمرة، كما في تاريخ بغداد وكتاب التقييد. _________ (١) ٣/ ٧٩ - ٧٨. (٢) تاريخ بغداد: ٨/ ٢١٩. (٣) الكلمة تصحفت فيه إلى "الخصيب".

стр. 29

قال ابن حبان: من أهل واسط (١). ونسبه سائر أصحاب التراجم إلى بغداد، فيحتمل أن يكون أصله من واسط، فجاء بعض أسلافه إلى بغداد، واستوطنها، أو أن يكون قد ولد في واسط، وتمت نشأته وثقافته في بغداد، فإنه لا يعلم بالضبط مكان ولادته. أما نشأته فأكبر ظني أنه كانت في بغداد؛ لأن الحارث قد روى حديثاً عن يحيى بن عَبَّاد، كما جاء في بغية الباحث برقم ٧٤٩، فإن كان يحيى هذا ابنَ عَبَّاد الضُّبَعي (٢) - كما زعم محقق البغية -، فقد توفي هو سنة ثمان وتسعين ومائة، وسن الحارث لا تجاوز إذ ذاك اثني عشر عامًا. ثم نراه يحدث عن علي بن عاصم، فهو وإن كان ممن سكن بغداد، ولكنه توفي بواسط - كما صرَّح به ابن سعد (٣) - سنة إحدى ومائتين. فإما أن يكون قد سمع منه الحارث في بغداد، أو رحل إلى واسط فسمع منه هناك، حتى نسبه ابن حبان إلى أهل واسط. مولده ومنشؤه: ولد في شوال من شهور سنة ست وثمانين ومائة (٤)، يوافقه أكتوبر عام ٨٠٢ م. _________ (١) كتاب الثقات: ٨/ ١٨٣. (٢) ولي فيه نظر، ولينظر ما كتبته على اسم "يعلى" برقم الحديث ٥٣٢ من هذا الكتاب. (٣) الطبقات: ٧/ ٣١٣. (٤) تاريخ بغداد: ٨/ ٢١٨، الأنساب: ٣/ ٧٩.

стр. 30

نشأ نشأة علمية، وتثقَّف ثقافة ذلك العصر. ارتحل، وتنقَّل، واختلف وتردَّد إلى شيوخ العصر وأئمة الرواية والتحديث، وورد مناهلهم وصدر، ونهل وعلَّ، فقرأ، وأخذ، وروى، وأسند. فأخذ من علماء بغداد وغيرها من مراكز رواية الأحاديث والأخبار. شيوخه: أخذ عن كثير من الشيوخ، فسمع من علي بن عاصم، ويزيد بن هارون، وعبد الوهاب بن عطاء، وأبي النضر هاشم بن القاسم، ورَوْح بن عُبادة، ومحمد بن عمر الواقِدي، وعبيد الله بن موسى العَبْسي، وأبي عاصم النَّبيل، ومحمد بن عبد الله بن كُنَاسة، وإسحاق بن عيسى بن الطَّبَّاع، والحسن بن موسى الأشْيَب، وأسود بن عامر شاذان، وهَوْذة بن خَليفة، وعَفَّان بن مُسلم، وبِشْر بن عمر الزهراني، وكَثير بن هشام، وعبد الله بن بكر السَّهْمي، وسعيد بن عامر الضُّبَعي، وعثمان بن عمر بن فارس، وأبي نوح قُراد، ويحيى بن أبي بُكير الكِرْماني، وأبي جابر محمد بن عبد الملك، ومحمد بن مُصْعَب القَرْقَسائي، وقَبيصة، وأبي نُعيم، ومُسْلِم بن إبراهيم، وأبي عُبيد، وأبي بَدر شُجاع بن الوليد، وخلق سواهم. أول طلبه للعلم: يبدو لنا من مصادر ترجمة الحارث أنه أخذ في طلب العلم وتحصيله في سن مبكرة، فإن كان سمع من يحيى بن عباد الضُّبعي، فقد ثبت أخذه وسماعه في الثاني عشر من عمره على الأقل.

стр. 31

وقد ذكر المترجمون له سماعه من علي بن عاصم، وهو ممن توفي في جمادى الأولى سنة إحدى ومائتين، كما أسلفنا، فيحصل أخذه وسماعه منه وهو ابن خمسة عشر عامًا. وعاش بعد ذلك أكثر من ثمانين سنة، ومن ثم ذكره الذهبي في كتاب "أسماء من عاش ثمانين سنة بعد شيخه أو بعد سماعه" (١). ويستدلُّ بذلك على عنايته بالطلب والتحصيل، واشتغاله بالأخذ والسماع والرواية في غضاضة غصنه ومقتبل شبابه، كما يدلُّ عليه كثرة عدد شيوخه الذين روى عنهم وسمع منهم. رحلاته: فمَن كان هذا حرصَه على تحصيل العلم واجتناء ثماره، وولوعَه برواية الأحاديث والآثار والأخبار، كان لا بد أن يمنح ويوهب همةً عاليةً ونفسًا طامحةً، وكان بالطبع ممن يدع راحته، ويتجشم مشاق السفر ومتاعبه، ويركب من الطريق سهله ووعره؛ لأن هذا العلم الشريف لا يؤخذ بدون الترحال والتجوال، وكان من دأب العلماء منذ عصر الصحابة، على مدى القرون وعبر الدهور، الرحلة إلى مشارق الأرض ومغاربها، لإحراز ما تفرق من الروايات في البلدان الشاسعة والأقطار النائية، واغتراف ما عند المشايخ المتوطنين في نواحيها من الآثار والأخبار، ولا سيما أسانيدها التي يتفرد بها شيخ أو يمتاز بها راوٍ من الرواة عن غيره من مشايخ الحديث. _________ (١) ص: ٣٦.

стр. 32

والذي بين أيدينا من مصادر ترجمة الحارث، لا تعطينا معلومات وافية؛ بل لا تخبرنا بشيء من رحلاته العلمية، وتنقلاته في طريق التحصيل، ولكن هذا الكتاب الذي نتشرَّف بتقديمه إلى جناب القارئ الكريم، يلقي على ذلك شيئًا من الضوء الضئيل. فسوف يطَّلع قارئه برقم ١١٧ من أخبار هذا المسند على ما يخبره المصنف بقوله: "ثنا أبو جابر محمد بن عبد الملك الأزدي البصري بمكة إملاءً لست بقين من ذي الحجة سنة تسع ومائتين". وبرقم ٢٩٩١: "ثنا أبو هشام إسماعيل بن عبد الكريم بن مَعْقِل بن مُنَبِّه اليماني الصنعاني بمكة للنصف من ذي الحجة من سنة تسع ومائتين". فيتجلَّى من هذين الخبرين أن المصنف قد سافر في سنة تسع ومائتين إلى مكة، والغالب على الظنِّ أن يكون قد أدَّى في هذه الرحلة فريضة الحج مع إحراز فضيلة طلب العلم وسماع الحديث. ويستنتج من هذا رحلتُه إلى المدينة المنورة، فإنه لا يتصور من مسلم يشُدُّ رحله للحج، ثم لا يزور مدينة النبي ﷺ . وقبل ذلك كان قد شدَّ رحله إلى البصرة، كما قال في الحديث ذي الرقم ٢٣:

стр. 33

"ثنا أشهل بن حاتم البصري بالبصرة في جمادى الأولى سنة سبع ومائتين". وفي الحديث ذي الرقم ٥٨١: "ثنا بشر بن عمر الزهراني أبو محمد البصري بالبصرة إملاءً في جمادى الأولى سنة سبع ومائتين". وقال في الحديث ذي الرقم ١٨٣٥: "ثنا أبو زيد سعيد بن الربيع بالبصرة سنة سبع و سبع ومائتين". ولم نعثر على شيء من رحلته سوى هاتين الرحلتين. تلاميذه: وبعد ما ارتوى وشبع من ينابيع العلم الثرة الفياضة، أخذ في الرواية والإفادة والإملاء والتحديث والتسميع، فأخذ منه وسمع جماعة من أهل العلم وأئمة الحديث، فممن روى عنه: أبو بكر بن أبي الدنيا، ومحمد بن جرير الطَّبَري، ومحمد بن خلَف وكيع، ومحمد بن خلف بن المرزبان، وأحمد بن معروف بن الخَشَّاب، ومحمد بن مخلد العَطَّار، ومحمد بن أحمد الحَكيمي، وعبد الصمد بن علي الطَّسْتي، وأبو عمرو بن السَّمَّاك، وأحمد بن سلمان النَّجَّاد، وأبو سهل بن زياد، وأحمد بن عثمان الأدمي، وأبو بكر الشافعي، وجعفر الخُلْدي، وإسماعيل بن علي الخُطَبي، وأبو بكر بن خلَّاد، وأبو العباس النَّضْري، وخلق.

стр. 34

أقوال العلماء فيه: اختلف فيه أقوال العلماء جرحًا وتعديلاً، فقد وثقه جهابذة النقاد وأئمة المحدثين، على أنه قد تناوله بعضهم بجرح لا يُعْتَبر ولا يضُرُّ الرجل، فوثَّقه إبراهيم الحربي حيث قال لمن سأله عنه: "اسمع منه فإنه ثقة" (١). ووثقه أحمد بن كامل أيضا (٢). ووثقه أبو حاتم إن سلمت عبارةُ الذهبي في التذكرة، فقد جاء فيه: "وثقه إبراهيم الحربي … وأبو حاتم وابن حبان" (٣). وظني أنه اقتحم خطأ حرفُ الواو قبل ابن حبان. وهو ثقة عند ابن حبان حيث ذكره في الثقات. وقال الدارقطني: صدوق (٤). وقال ابن الجوزي: "وكان صدوقًا ثقة" (٥). وقال العالم الأجل الشاه عبد العزيز الدهلوي ما معربه: وثقه أبو حاتم، وابن حبان، وإبراهيم الحربي، والدارقطني وغيرهم من أئمة هذا الفن (٦). _________ (١) تاريخ بغداد ٨/ ٢١٩، التقييد: ١/ ٣١٨. (٢) المصدر السابق. (٣) تذكرة: ٢/ ١٧٦. (٤) تاريخ بغداد: ٨/ ٢١٩، الوافي بالوفيات: ١١/ ٢٠١، تاريخ الإسلام: ٦/ ٧٣٢. (٥) المنتظم: ١٢/ ٣٥٠. (٦) بستان المحدثين: ٣٥، وكذا في إتحاف النبلاء، ص: ٢٤٢.

стр. 35

وأثنى عليه الذهبي ثناءً حسنًا جميلاً، فوصفه في تذكرة الحُفَّاظ بكلمة "الإمام" و "الحافظ"، وفي تاريخ الإسلام بكلمة "المحدث"، وحلاه فيه بلفظ "مُسند بغداد في وقته". وقال في سِير أعلام النُّبَلاء: "الحافظ، الصَّدوق، العالم، مُسنِد العراق". وقال في الميزان: "وكان حافظًا، عارفًا بالحديث، عالي الإسناد بالمرة، تكلم فيه بلا حجة". وذكره في المعين بقوله: "ومسند العراق الحارث بن أبي أسامة التميمي الحافظ". وقال أبو العباس النباتي: "ثقة راوية للأخبار كثير الحديث" (١). وقد ضعَّفه بعض النقاد، ولكن جماهير أهل العلم بالحديث لم يلتفتوا إلى جرحهم وتضعيفهم إياه، حتى قال الذهبي في الميزان: "تكلم فيه بلا حجة". وممن ضعَّفه أبو الفتح الأزدي، وقال: "الحارث بن أبي أسامة ضعيف، لم أرَ في شيوخنا من يحدِّث عنه". فردَّ عليه الذهبي بقوله: "هذه مجازفة، وليت الأزدي عرف ضعف نفسه، وقد أمر الدارقطنيُّ البَرْقانيَّ بإخراج حديث الحارث في الصحيح" (٢). وضعَّفه ابن حزم فقال: "متروك الحديث"، وقال في موضع آخر "مجهول" (٣). _________ (١) لسان الميزان: ٢/ ١٥٨. (٢) تاريخ الإسلام ٦/ ٧٣٢، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٨٩. (٣) لسان الميزان: ٢/ ١٥٩.

стр. 36

وليَّنه الذهبي نفسه حيث قال في تلخيص المستدرك: "ليس بعمدة". فتعقَّبه ابن حجر في اللسان وقال: "مع أنه في الميزان كتب مقابله "صحيح"، واصطلاحه أن العمل على توثيقه" (١). ولعل جرحهم إياه لم يكن لضعف في نفسه، أو شيء في حفظه وذاكرته، أو عدم ضبطه وإتقانه، أو قلة عدالته؛ بل كان قدحه لسبب آخر، لم يكن ليؤثِّر في قبول روايته، وهو أنه كان يأخذ الدراهم على الرواية والتحديث، كما قال الذهبي في الميزان (٢): "وليَّنَه بعضُ البَغَادِدَة لكونه يأخذ على الدَّراهِم"، وقال في سير النبلاء (٣): "وذنبُه أخذُه على الرواية". وقال الشاه عبد العزيز الدهلوي ما معربه: وتردَّد الثقات من المحدثين في الأخذ والرواية عنه لكونه يأخذ على الرواية والتحديث (٤). ولكن ذنبه هذا لم يكن قادحًا في وثاقة الراوي، فهذا إبراهيم الحربي يسأله عنه محمد بن محمد بن مالك الإسكافي حيث يقول: "سألتُ إبراهيم الحربي عن الحارث بن أبي أسامة وقلت له: أريد أن أسمع منه وهو يأخذ الدَّراهِم. فقال: اسمع منه فإنه ثقة" (٥). _________ (١) ٢/ ١٥٩. (٢) ١/ ٢٠٥. (٣) ١٣/ ٣٨٩. (٤) بستان المحدثين: ٣٥. (٥) تاريخ بغداد: ٨/ ٢١٩، تاريخ الإسلام ٦/ ٧٣٢، سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٨٩.

стр. 37

وقد اعتذر عنه الذهبي وقال: "فَلَعَلَّه وهو الظاهر أنه كان محتاجًا، فلا ضَيرَ" (١). وقال في تذكرة الحفاظ (٢): "وأما أخذ الدَّراهِم على الرواية فكان فقيرًا كثير البنات". كما اعتذر عنه بذلك الشاه عبد العزيز في بستان المحدثين. وقد بيَّن هذا السبب الحارثُ نفسه، كما ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام. فالظاهر أنه كان معذورًا في صنيعه هذا، ومن أجل ذلك قال الذهبي: "لا بأس بالرجل، وأحاديثه على الاستقامة" (٣). تصانيفه: ١ - المسند: وسيأتي التعريف به. ٢ - كتاب الخلفاء: ذكره فؤاد سيزكين وقال: "ومنه اقتباس في كتاب الوزراء للجهشياري ص ٢٤١" (٤). _________ (١) سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٩٠ - ٣٨٩. (٢) ٢/ ١٧٦. (٣) سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٨٩. (٤) تاريخ التراث العربي: ١/ ٣١١.

стр. 38

وفاته: رزقه الله عمرًا طويلاً، حتى بلغ ستًّا وتسعين سنة، وتوفي ليلة عرفة، ودفن يومها ضحوة النهار سنة اثنتين وثمانين ومائتين (٢٨٢ هـ) (١)، يوافقه شهر يناير من عام ٨٩٦ م. * * * * * _________ (١) تاريخ بغداد: ٨/ ٢١٩.

стр. 39

تعريف بالكتاب كتاب مسند الحارث هو بالمعجم أشبه منه بالمسند، والفرق بين المسند والمعجم أنَّ: المسند: في اصطلاح المحدثين الكتاب المصنَّف على ترتيب الصحابة، على نسق حروف المعجم، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو القبائل، أو البلدان أو غير ذلك، والأول أي المرتَّب على حروف المعجم هو أسهل تناولاً (١). والمعجم: هو الذي يرتَّب فيه الأحاديث على ترتيب الشيوخ. ويعتبر فيه التقدم في وفاة الشيخ، أو الترتيب على حروف الهجاء، أو التقدم في العلم والتقوى، ولكن اعتبار حروف الهجاء هو الأكثر (٢). فمسند الحارث على غير ترتيب المسند الاصطلاحي، فإنه قد وردت فيه الأحاديث حسب الشيوخ، وهو أيضًا بدون ترتيب، كما سيظهر للناظر في الكتاب، وكما قال الذهبي: "ومسنده لم يُرَتِّبه" (٣). وقال أيضًا: "ولم يُرَتِّبه على الصحابة، ولا على الأبواب" (٤). _________ (١) عجالة نافعة: ١٩، الرسالة المستطرفة: ٤٦ أصول التخريج ودراسة الأسانيد: ٤٠. (٢) عجالة نافعة: ٢٠ - ١٩. (٣) تذكرة: ٢/ ١٧٥. (٤) سير أعلام النبلاء: ١٣/ ٣٨٨.

стр. 40

وقول بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (١): "له مسند رتَّبه على أبواب الفقه، فهو ليس بمسند على الحقيقة" ليس إلا مجازفة، ولذا كتب شيخنا رحمه الله تعالى في نسخته من كتاب بروكلمان بإزاء قوله هذا: "خبط عشواء". شيوخ المصنف في هذا الكتاب: ينبغي لنا في هذا الموضع أن نسرد شيوخ المصنف الذين روى عنهم في هذا الكتاب مع ترجمة وجيزة وبطريقة عابرة على نسق حروف الهجاء، فمن كان من رجال التهذيب، اقتصرنا على نقل ترجمته من التقريب دون العزو إليه، ومن لم يكن من رجاله، رجعنا للبحث عنه إلى غيره من كتب التراجم وأسماء الرجال، فالتقطنا ترجمة من وجدناه فيها مع إثبات المرجع والعزو إليه، وعدد رواياتهم في هذا المسند، ومن تكرَّرت رواياته رمزتُ له (م) وهم: ١ - أحمد بن إسحاق (م): هو أحمد بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق الحَضْرمي، أبو إسحاق البَصْري، ثقة كان يحفظ، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة. م د ت س. له في هذا الكتاب ثمانية أحاديث. ٢ - أحمد بن يونس (م): هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس التَّميمي اليَرْبُوعي الكوفي، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، مات سنة سبع وعشرين، وهو ابن أربع وتسعين سنة. ع. له فيه خمسة عشر حديثاً. _________ (١) ٣/ ١٥٨.
следующие страницы →