← Фикх общий

Фикх общий · id 30160

السعة والضيق في الأبواب الفقهية

يوسف العودة

Полный текст (778 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

والشكر الجزيل لشيخي مشرفِ أصل هذا البحث، فضيلة الشيخ أ. د محمد بن عبد الله الصواط، فلقد ترعرعت هذه الفكرة بين يديه يوم أن كان مرشدًا، فسقاها من علمه الواسع، وأدبه الجمِّ، حتى اشتدَّ عودها، وقامت على سوقها، ولقد قرأ الرسالة قراءةً فاحصةً متأنِّية، فأفدت منه كثيرًا، وأرشدني وصوَّبني وشجَّعني وأخذ بيدي، وما أردته في شيء إلا وجدته، وما تواصلت معه في وقت إلا لقيته، ولقد فتح لي قلبه وبيته، وأكرمني حسًّا ومعنًى، فيا رب أحسن له كما أحسن إلي، واغفر له ولوالديه ولذريته، وبارك في علمه وعمله. والشكر لكل من أفاد ونصح وأرشد، وقوَّم ونبَّه وسدَّد، وأخص منهم: مشايخي: الشيخ د. أحمد بن حميد، والشيخ أ. د خالد المشيقح، والشيخ أ. د عياد العنزي، والشيخ أ. د إسماعيل مرحبا، والشيخ د. عبد الرحمن الموجان، والشيخ أ. د محمد الجاسر، والشيخ د. خالد الجريسي (١)؛ فلقد استفدت منهم كثيرًا أثناء إعداد خطة الرسالة، وبناء فكرتها، فيا رب بارك فيهم وفي علمهم، واجزهم عنِّي خير الجزاء. وإخوتي وأخواتي، وأخص منهم أشقَّائي: الشيخ د. عاصم بن سليمان العودة، والشيخ د. أحمد بن سليمان العودة، والشيخ أنس بن سليمان العودة، فلقد أكرموني بتصويباتهم، واقتراحاتهم، وإفاداتهم، فاللهمَّ أحسن إليهم كما أحسنوا إليَّ، وبارك لهم فيما أعطيتهم. وزملائي جميعًا، وأخصُّ منهم: الشيخ سليمان بن محمد المخلف، والشيخ خالد مرزوق، والشيخ عبد الواحد الفهمي، والشيخ أنس النازل، والشيخ د. عبد الرحمن

стр. 37

القاضي، والشيخ عبد العزيز التويجري (١)، فلقد أفدت منهم زمن إعداد الخطة أولا، وأفدت منهم أيضًا في كتابة الرسالة ثانيًا، وبعد مناقشتها ثالثًا، وكان لتصويباتهم الأثر البالغ، فأسألك يا الله أن تجزيهم عني خير الجزاء، وأن تبارك فيهم، وأن تيسِّر لهم وتعينهم. والشكر موصول لمناقشيْ هذه الرسالة، الشيخ د. عبد الرحمن بن غرمان العمري، والشيخ د. خالد بن أحمد شبكة، وإني لأسأل الله أن يجزيهما خيرا، وأن يجزل لهما المثوبة على تصويباتهما وملحوظاتهما إنه سميع مجيب. ثم الشكر الوافر، والثناء العاطر لهذه الجامعة العريقة (جامعة أم القرى)؛ إذ هيَّأت أسباب العلم لأهله، وقرَّبته لطلابه، وأخصُّ منهم القائمين على كلية الشريعة: عميدها، ورئيس قسم الشريعة، وجميع أساتذتها على قدموا لي من إعانة، والشكر موصولٌ لجامعتي التي ابتعثت منها (الجامعة الإسلاميَّة) جامعة الخير والبركة، ممثلة برئيسها، وعمادة الدارسات العليا، وكلية الشريعة، فلقد فرَّغتني طيلة مرحلة الدكتوراه، ويسَّرت لي طريق العلم، وأخصُّ منهم: الشيخ: أ. د أحمد العواجي عميد كلية الشريعة سابقًا، والشيخ: د. عبد الله العقيل رئيس قسم الفقه، وجميع أعضاء القسم على تيسيرهم أمر بعثتي، فيا رب بارك فيهم جميعًا، وزدهم توفيقًا وسدادًا. والشكر لهذه الدولة، وإنِّي لأسألَ الله أن يجعلها منارة للحق، وأن يبارك فيها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 38

وختامًا: فإني أسألك يا الله أن تتقبَّل منِّي إنَّك أنت السميع العليم، وأن تبارك لي في هذه الرسالة، وأن تجعلها خالصة لوجهك، ثقيلة في الميزان، وأن تصلح لي نيتي وذريتي، إنك خير مسؤول وأعظم مأمول. ثم إنِّي أعتذرُ من كل خطأٍ أو تقصير، وذلك واقعٌ لا محالة، إما من جهة وهم في نسبة قول، أو فهم كلام على غير وجهه، أو غير ذلك، وإني لأرجو من القارئ أن يلتمس العذر لي، فلقد مكَثَتْ فكرةُ الكتاب في خاطري بضع سنين، ولم يمر يوم إلا ويشتغل فكري أو قلمي فيها، ومع هذا كله لم أفتأ عن التعديل والحذف والإضافة؛ لعلمي بقصور عملي، وقلة بضاعتي، وضعفي، فإذا كان هذا حال الكاتب مع كتابه، فكيف بغيره؟! وإنِّي لأرجو ممن قرأ شيئًا من صفحات هذه الرسالة، فوجد وهمًا، أو ملحوظةً، أو تنبيهًا، أو غيرَ ذلك أن يفيدني، وله منِّي الدعاء، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. * * * وكتبه: يوسف بن سليمان العودة Dr.yosuf. ١١@hotmail.com

стр. 39

التمهيد وفيه مباحث: • المبحث الأول: تعريف السَّعة والضِّيق في اللغة، والمرادُ بهما في البحث. • المبحث الثاني: الفرق بين الاتساع والضيق في الأبواب الفقهية، والاتساع والضيق في المسائل المفردة. • المبحث الثالث: الأبواب الفقهية التي لا يظهر فيها لمذهب توسع أو ضيق. • المبحث الرابع: السعة والضيق بين الأبواب الفقهية. • المبحث الخامس: العلماء المهتمون بذكر التوسع والضيق في الأبواب الفقهية. • المبحث السادس: دعوى ضيق وشدَّة الحنابلة في المسائل الفقهية. • المبحث السابع: الاتساع والضيق في غير علم الفقه.

стр. 40

التمهيد يحسنُ في مطلع هذا البحث الكلام على عدَّة قضايا لها ارتباطٌ وثيقٌ بمحل الدراسة، ومن أهمِّ هذه القضايا: تعريف السَّعة والضِّيق والمراد بهما في اللغة وفي هذا البحث، وذلك أنَّ هذا المصطلح فيه نوع نسبيَّة على ما سيأتي. ومن القضايا المهمَّة أيضًا: الكلام على التَّوسُّع والضِّيق في المسائل المفردة؛ والكلام على الأبواب التي لا يظهر فيها سعة أو ضيق؛ وذلك أنَّ الأبواب التي يظهر فيها توسُّع أو ضيق أقلُّ بكثير من الأبواب التي لا يظهر فيها ذلك. ومن الحسنِ أيضًا: الإشارة إلى التوسُّع والضِّيق بين الأبواب الفقهيَّة، وذكر العلماء الذين لهم اهتمام بارزٌ في بيان الاتِّساع والضِّيق، والكلام على دعوى ضيق الحنابلة في عموم الفقه، والكلام على الاتِّساع والضِّيق في غير علم الفقه. وعلى ذلك فإنَّ التَّمهيد ينتظم في سبعة مباحث:

стр. 41

المبحث الأول: تعريف السَّعة والضِّيق في اللغة، والمرادُ بهما في البحث المطلب الأول: تعريف السَّعة والضيق في اللُّغة. السَّعة لغة: مصدر من الفعل (وَسِع) (١)، واتَّسَع تفعيل منه (٢)، وهي: كلمة تدلُّ على خلاف التضييق والعسر (٣). وأصل السَّعة: كثرةُ أجزاء الشيء ثم استعمل في الغنى ونحوه (٤)، ومن ذلكَ قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ينفق الغنيُّ على قدر غناه (٥). وذكر الطاهر ابن عاشور ﵀ في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠] أنَّ السَّعة «حقيقة اتساع الأمكنة، وتطلق على رفاهية العيش، فهي سعة مجازية» (٦). فيحتمل أنَّ كل ما سوى السَّعة المكانية من المعاني تكون على وجه المجاز. ولكن نصَّ الراغب الأصبهاني على أن «السَّعة تُقال في الأمكنة، وفي الحال، وفي الفعل» (٧)، ولعل ذلك أشبه.

стр. 42

ومن السَّعة في المكان ما رُويَ عن خالد بن الوليد ﵁ «أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ الله ﷺ الضِّيقَ فِي مَسْكَنِهِ فَقَالَ: ارْفَعْ إِلَى السَّمَاءِ وَسَلِ اللهَ السَّعَة» أخرجه أبو داود في المراسيل، والطبراني في المعجم الكبير (١). وأما الضيق في اللغة: فهو مصدر من الفعل (ضاق)، وهو خلاف السَّعة (٢). ونصَّ الزمخشري على أنَّ قولهم: وقع في مضيق من أمره، وضاقت عليه الحيلة، وإذا تضايق عليك الأمر فانتظر سعة، ونحوها من المجاز (٣). وجاء الضِّيق في القرآن على المعنى الذي عدَّه الزمخشري مجازًا، كقول الله تعالى: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ [الشعراء: ١٣]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: ٩٧] وغير ذلك. وقُرِئ قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ

стр. 43

وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل: ١٢٧]. بفتح الضاد (ضَيْق) وبكسرها (ضِيْق) (١)، وكذلك موضع النمل: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٠]. ونصَّ كثيرٌ من أهل العلم على أنَّهما لغتان في (ضيق)، وقيل في معناها غير ذلك (٢). والسَّعةُ والضيقُ أضداد (٣)، يبيِّن ذلك أنَّ الله تعالى لما قال: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، جاء العطف بقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧]، والمراد بقوله: (وَمَن قُدِرَ) أي: ضُيِّق عليه رزقه (٤)، فعلم من ذلك الضديَّة بين السَّعة والضِّيق. وفي هذا المعنى يقول الشاعر: نَمُدُّهمُ بِالماءِ مِنْ غَيرِ هُونِهِمْ … ولَكِنْ إِذَا مَا ضَاقَ شيءٌ يُوَسَّعُ (٥)

стр. 44

ويقول أبو العتاهية: واِذَا قَنِعْتَ فَأَنْتَ أَيْسَرُ مَنْ مَشَى … إِنَّ الْفَقِيْرَ هُوَ الَّذِيْ لا يَقْنَعُ وَإِذَا طَلَبْتَ فَلا إِلَى مُتَضَايِقٍ … ما ضَاقَ عَنْهُ فَرِزْقُ رَبِّكَ أَوْسَعُ (١) ومن هذا المعنى أيضًا القاعدة الفقهيَّة: (إذا ضاق الأمر اتَّسع) (٢)، فمعنى الضِّديَّة بين السَّعة والضيق ظاهر فيها (٣)، بل إن الأصوليين جعلوا الواجب المضيَّق والواجب الموسَّع أضدادًا (٤).

стр. 45

وأشير في ختام هذا المطلب إلى أنَّ الناظر يَلْحظُ أنَّ أهل اللُّغة عَرَّفوا السَّعة بخلاف الضيق، ثم عرَّفوا الضِّيْق بخلاف السَّعة، وهذا فيه دَوْر (١)، ولعلَّ ذلك عائدٌ إلى وضوح المعنى من حيث أصل اللُّغة. المطلب الثاني: المراد بالسَّعة والضِّيق في البحث. بعد بيان الأصل اللغوي للسَّعة والضيق يقتضي الحال بيان المراد بهما في هذا البحث، لا سيما وأن استعمال الفقهاء لهذا المصطلح لم يستعمل إلى الحدِّ الذي أوجب عليهم وضع الحدِّ له، ويمكن القول: إن استعمال الباحث لمصطلح السَّعة والضيق يعود إلى معنًى أصلي وآخر فرعي: أما المعنى الأول -وهو المعنى الأصلي-: فالمراد بالسَّعة: (التخفيف واليسر على المكلف)، والمراد بالضيق: (التشديد والأخذ بالأثقل عليه). وهذا المعنى هو الذي يستعمله عامَّة الفقهاء ﵏ في تضاعيف كتبهم، والقاعدة المتقدم ذكرها (إذا ضاق الأمر اتَّسع) يراد بها هذا المعنى، ولذا هي في حقيقتها فرعٌ من القاعدة الكبرى: (المشقة تجلب التيسير) (٢).

стр. 46

ونصَّ الحَمَوي ﵀ على أنَّ «المراد بالاتِّساع: الترخُّص عن الأقيسة وطرد القواعد، والمراد بالضيق: المشقَّة» (١)، ونصَّ أيضًا على أنَّ قاعدة (إذا ضاق الأمر اتَّسع) بمعنى قاعدة (المشقَّة تجلب التَّيسير) (٢). ومن هذا المعنى حديث سلمة بن صخر ﵁ إذ قال لقومه: «وَجَدْتُ عِنْدَكُمُ الضِّيقَ، وَسُوءَ الرَّأْيِ، وَوَجَدْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ السَّعَة، وَحُسْنَ الرَّأْيِ، وَقَدْ أَمَرَ لِي بِصَدَقَتِكُمْ» أخرجه الخمسة إلا النسائي (٣).

стр. 47

فمراد سلمة ﵁ بالضِّيق: حصول المشقَّة والعنت، ومراده بالسَّعة: التخفيف والتَّيسير (١)، وذلك ظاهر في قصَّة الحديث. ومن هذا المعنى أيضا أن رجلا ألَّف كتابا أسماه (كتاب الاختلاف)، فقال له الإمام أحمد ﵀: «سمَّه كتاب السَّعة» (٢)، ونقل ابن تيمية ﵀ عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أنه كان يقول: «ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا؛ لأنهم إذا اجتمعوا على قول فخالفهم رجل كان ضالًا، وإذا اختلفوا فأخذ رجل بقول هذا ورجل بقول هذا كان في الأمر سعة» (٣). وهنا قد يرد سؤال، وهو كيف يصحُّ أن ينسب إلى مذهب الضيق في باب مع أنَّ الأصل في الشريعة التَّيسير والسَّعة، والله تعالى يقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ويقول: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وعائشة ﵂ تقول: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا» (٤)، والقواعد الفقهيَّة مقررة لهذا كـ (ـالمشقَّة تجلب التيسير) و (إذا ضاق الأمر اتَّسع)؟

стр. 48

وجوابه -والله أعلم-: أن المراد بالسَّعة والضيق هنا هو النسبة بين المذاهب لا في أصل التشريع، ولذا فالمذهب المضيِّق هو داخل في أصل التيسير والسَّعة الذي جاءت به الشريعة، ولكنه مضيِّق بالنِّسْبة إلى مذهب غيره، وكذا الحال في الموسِّع. وإنما قيل هذا لأنَّه لا يمكن أن يقول مقلّدٌ -فضلًا عن عالم- بقول يعلم فيه شدة وضيقًا تحصل بها المنافاة لأصل التشريع، وإنما هو ضيق باعتبار غيره من الأقوال؛ ولذا يصح أن يقال: إن هذا الاصطلاح نسبي. ولأجل هذا صيغ لفظ (أوسع، وأضيق) من أفعل التفضيل (١)، وهي صيغة تقتضي وقوع الاشتراك غالبًا (٢). وبالجملة فقد استعمل العلماءُ ﵏ هذا الاصطلاحَ على هذا المعنى في مسائل الفقه، من ذلك قول الماوردي ﵀ عن قول مالك في حكم اختلاف النيَّة بين الإمام والمأموم «هو أضيق المذاهب» (٣)، وذكر ابن المبرد ﵀ أن في مذهب أحمد «مسائل كثيرة مذهبه فيها أضيق المذاهب، وأشد المذاهب» (٤).

стр. 49

وهذا المعنى يُستعمل عند اختلاف المذاهب بين الوجوب وعدمه، أو التحريم وعدمه، أو الصحة والفساد، ونحو ذلك مما يمكن وصف أحد القولين بأنه مضيق بالنسبة إلى الآخر. وأما المعنى الثاني -وهو المعنى الفرعي-: فالمراد بالسَّعة: (الاتساع في إثبات فروع الباب)، وعكسه الضيق، فالقول: (إن أوسع المذاهب في باب القصاص المالكيَّة) يراد به: اتساعهم في إثبات القصاص في المسائل المتنازع فيها، والقول: (إنَّ أضيق المذاهب في باب عيوب النكاح الحنفيَّة) يراد به: عدم الفسخ بالعيوب في النكاح. وهذا المعنى له اتصال ظاهرٌ بالمعنى اللغوي، فالسَّعة في أصل اللُّغة -كما تقدَّم-: (كثرةُ أجزاء الشيء)، وهنا المذهب الموسع توسَّع في إثبات أجزاء الباب، والمذهب المضيق على الضدِّ من ذلك، وبالجملة فالمواضع التي استعمل الباحث فيها هذا الاصطلاح محدودة، هي: (باب التحالف عند الاختلاف في العقود، وباب عيوب النكاح، وباب القصاص في النفس، وباب القصاص فيما دون النفس). وهنا تنبيهات: الأول: أنَّ المعنى الفرعي إنما صير إليه لعدم تحقق المعنى الأول في الأبواب المشار إليها آنفًا، وسبب ذلك أنَّ السَّعة أو الضيق يتجاذَبُها كلا القولين، وجلُّ هذه الأبواب تكون في الخصومات بين المكلَّفين، فأحد القولين يكون واسعًا باعتبار أحد الطرفين وضيَّقا باعتبار الآخر، والقول الثاني على العكس من ذلك، ومثال ذلك: العيوب في النكاح، فمن أثبت العيب فهو واسع باعتبار من طلب الفسخ، ومن لم يثبته فهو واسع أيضًا باعتبار من ردَّ الفسخ من الزوجين؛ ولأجل هذا صير إلى المعنى اللغوي، وهو أن معنى السَّعة: كثرة إثبات العيوب في الباب.

стр. 50

والتنبيه الثاني: أنَّ بعض أهل العلم استعملوا السَّعة والضيق على هذا المعنى، من ذلك: قول ابن القيم: ﵀: «مذهب مالك، أضيق المذاهب في النفقات» (١)، وإنَّما صار مذهبه أضيق المذاهب لأنَّه قصر النفقة الواجبة على الأب فقط في والده الأدنى، وفي الولد الأدنى كذلك إلى البلوغ، فلا «يُجبر على نفقة ابن ابنه، ولا بنت ابنه وإن سفلا، ولا تجبر الأم على نفقة ابنها، وابنتها ولو كانا في غاية الحاجة، والأم في غاية الغنى، ولا تجب على أحد النفقة على ابن ابن، ولا جد، ولا أخ، ولا أخت، ولا عم، ولا عمة، ولا خال، ولا خالة، ولا أحد من الأقارب البتة سوى ما ذكرنا» (٢). ثم ذكر مذهب الشافعي ﵀ في أنها تجب على عمودي النسب وقال: ومذهب الشافعي أوسع من مذهب مالك، ثم ذكر مذهب أبي حنيفة في أنها تجب على كل ذي رحم محرم لذي رحمه، وقال: ومذهب أبي حنيفة أوسع من مذهب الشافعي (٣). والحاصل أنَّ ابن القيم استعمل السَّعة هنا على المعنى الثاني، وهو كثرة إثبات المذهب لفروع المسألة. وكذلك استعمل هذا الاصطلاح ابن حجر الهيتمي ﵀ إذْ يقول: «ينبغي للمفتي أن يحتاط في التكفير ما أمكنه لعظيم خطره وغلبة عدم قصده سيما من العوام، وما زال أئمتنا على ذلك قديمًا وحديثًا بخلاف أئمة الحنفيَّة فإنهم توسَّعوا بالحكم بمكفرات كثيرة مع قبولها التأويل» (٤). وقال أيضًا في كلامه على ما يقع به التكفير: «من أراد تحقيق هذا المبحث وغيره من المكفرات فعليه بكتاب (الإعلام في قواطع الإسلام) فإني ذكرت فيه أكثر المكفِّرات على المذاهب الأربعة مع بيان ما يوافق

стр. 51

قواعد مذهبنا مما نص عليه غير أئمتنا فحسب كالحنفيَّة فإنهم أوسع الناس في هذا الباب» (١). وقال أيضا في مذهب أبي حنفية «قد توسع أصحابه في المكفرات وعدوا منها جملًا مستكثرةً جدًّا، وبالغوا في ذلك أكثر من بقية أئمة المذاهب» (٢). ومراده في جميع ما سبق أنَّ الحنفيَّة أكثروا من القول بالمكفرات خلافًا لغيرهم، ولا يمكن حمل هذا الكلام إلا على المعنى الثاني. والتنبيه الثالث: أنَّ هذا المعنى إنما سمَّاه الباحث معنًى فرعيًّا؛ لأنَّه درج على المعنى الأول في غالب البحث، وهو أن المراد بالسَّعة التيسير والتخفيف، فإذا كان المراد المعنى الثاني -وهو الإكثار من إثبات مسائل الباب- فإنه يجري التنبيه على ذلك في تمهيد كل باب -على ما سيأتي بحول الله- بالقول: (مراد الباحث بالسَّعة في هذا الباب: كذا، والمراد بالضيق: كذا). وإنما جرى الباحث على هذا لئلا يقع اللَّبسُ بين المعنيين. * * *

стр. 52

المبحث الثاني: الفرق بين السعة والضيق في الأبواب الفقهية، والسعة والضيق في المسائل المفردة درج العلماء ﵏ على جمع النظائر من المسائل في كتب وأبواب مفردة، ثم في فصول مقسَّمة. والكتاب في اللغة: الجمع (١)، وهو في اصطلاح المُصنِّفين: «اسم لجنس من الأحكام ونحوها تشتمل على أنواع مختلفة؛ كالطهارة مشتملة على: المياه، والوضوء، والغسل، والتيمم وإزالة النجاسة وغيرها» (٢). والباب في اللغة: المدخل إلى الشيء (٣)، ثم استعمل مجازًا «على ما يتوسل به إلى ما تحت الباب من الأحكام، والمسائل، والفوائد، وما أشبه ذلك» (٤). والفصل في اللغة: الحاجز بين الشيئين (٥)، ثم استعمل في كتب العلماء على الحجز بين أجناس المسائل وأنواعها (٦).

стр. 53

ومعلوم مما تقدَّم أنَّ الفصلَ جزءٌ من الباب وأنَّ الباب جزءٌ من الكتاب (١). إذا تبيَّن هذا فإن الفرق بين الباب وبين أفراد المسائل ظاهر من حيث اصطلاح الفقهاء؛ ولذا فالسَّعة أو الضيق واقع في أفراد عامَّة المسائل، ولكن لا يستلزم من ذلك السَّعة أو الضيق في الباب بعمومه؛ إذ إن المذاهب تتجاذب السَّعة والضيق في مسائل الأبواب، فقد يكون ضيِّقًا في مسألة واسعًا في أخرى، ولكن إذا برزت سعة مذهب أو ضيقه في عامَّة مسائل الباب صحَّ إطلاق السَّعة أو الضيق عليه في الباب. وعليه فقد يردُ عن بعض أهل العلم ﵏ إطلاق لفظ السَّعة أو الضيق على مسألة بعينها، ولا يكون مرادهم في ذلك الاتساع والضيق في الباب، ومحل هذه الدراسة هو السَّعة والضيق في الأبواب بعمومها لا في المسائل بأعيانها، وذلك أنّ الثاني لا يمكن حصره من وجه، والفائدة الواقعة من جمعه وبيانه أشبه بالمنعدمة من وجه آخر؛ إذْ لا تكاد تخلو عامَّة المسائل من موسِّع أو مضيِّق. ومن أمثلة كلام العلماء على السَّعة والضيق في المسائل المفردة: قول ابن تيمية ﵀ في حكم نقل الوقف للمصلحة: «كان الإمام أحمد يتوسع في هذا الباب ما لا يتوسع غيره، والناس محتاجون إلى ذلك» (٢)، وذكر الكشميري الحنفي ﵀ في مسألة قبض

стр. 54

المبيع والتصرف فيه أنَّ «أضيق المذاهب مذهب الشافعي» (١)، وذكر الكنكوهي ﵀ أنَّ أوسع المذاهب في ملاقاة النجاسة للماء هو مذهب مالك (٢)، فهذه النصوص وأجناسها يريد بها قائلوها عين تلك المسألة لا الباب بأصله (٣)، والله أعلم. * * *

стр. 55

المبحث الثالث: الأبواب الفقهية التي لا يظهر فيها لمذهب سعة أو ضيق إذا نَظَر المتفقِّه إلى الأبواب الفقهيَّة يجد أنَّ الأبواب تحتوي على ثلاثة أنواع من المسائل (١): النوع الأول: المسائل التي وقع فيها الإجماع بين العلماء ﵏، وهذه المسائل بمنزلة الرأس من الجسد، فالإجماع يجب المصير إليه ولا يُنسخ (٢)؛ «لأنَّه لا طريق إلى النَّسخ بعد انقطاع الوحي، ولا نصَّ يعارضه، ولا لنا إجماع يعارضه، بخلاف النص الذي يعارضه نص آخر؛ لاجتماع نصين في زمن واحد؛ لأن النصين يصدران عن عصر يجتمع فيه النصان، وهو عصر النبوة، ولأنَّ الأمة معصومة في اتفاقها عن أن تجمع على حكم ثبت فيه نص عن الله سبحانه أو عن رسوله بخلاف اتفاقهم» (٣). وإن كان يجب على الفقيه أن يتنبَّه إلى أنَّ جملة من حكايات الإجماع فيها نظر من جهة ثبوتها، والمطالع إلى (نقد مراتب الإجماع) لتقيِّ الدِّين ابن تيمية ﵀ يرى أمثلة

стр. 56

وافرة لإجماعات لم تثبت (١)، ومن نظر في (موسوعة الإجماع في الفقه الإسلامي) يتحقق هذا الأمر بلا ريب (٢). النوع الثاني: المسائل التي ثبت فيها الخلاف، ولكن اتفقت المذاهب الأربعة على قول فيها، وهذه المسائل دون مسائل الإجماع بلا ريب، ولكن القول الذي صار إليه الجمهور قول قوي؛ ولذا يلحظ الناظر أن الأئمة يذكرون هذا الاتفاق في

стр. 57

معرض بيان قوة القول (١). وفي ذلك يقول الذهبي ﵀: «لا يكاد يوجد الحق فيما اتفق أئمة الاجتهاد الأربعة على خلافه، مع اعترافنا بأن اتفاقهم على مسألة لا يكون إجماع الأمة، ونهاب أن نجزم في مسألة اتفقوا عليها، بأن الحق في خلافها» (٢)، بل ألَّف ابن رجب ﵀ رسالة في (الرد على من اتبع غير المذاهب الأربعة) (٣).

стр. 58

وهنا تنبيهٌ مهم: وهو أنَّه قد يحصل داخل المذهب الواحد الخلاف العريض في كثير من المسائل، والمطالع للكتب المذهبية المعتنية بالخلاف النازل كحاشية ابن عابدين ﵀، ومواهب الجليل للحطَّاب ﵀، والمجموع للنووي ﵀ والإنصاف للمرداوي ﵀ يجد هذا الأمر واضحا جليًّا، وفي هذا نشأت قضيَّة (التَّصحيح المذهبي) (١)، وهي: معرفة المشهور أو الصحيح من الأقوال داخل المذهب؛ ولذا فحكاية اتفاق المذاهب الأربعة لا يعني بالضرورة عدم وجود الخلاف فيها، وإنما يعني: أنَّ هذا القول هو المعتمد عند المذاهب الأربعة. النوع الثالث: المسائل الخلافيَّة بين المذاهب الأربعة، وهذه المسائل هي عمادُ النظر في الاتساع والضيق بين المذاهب؛ إذ من خلالها يمكن معرفة المذهب الموسِّع أو المضيِّق في الباب. وأهمُّ هذه المسائل: المسائل التي يقع فيها الانفراد من مذهب واحد، وأُلِّف في ذلك كتب المفردات (٢)؛ وذلك أنَّ اتجاه المذهب من سعة أو ضيق يبرز في المسائل التي يقع الانفراد فيها.

стр. 59

إذا تبيَّنَت هذه الأنواع فإن الأبواب ليست على درجة واحدة، فمن الأبواب ما يكون الإجماع والاتفاق غالبًا عليها كباب الفرائض (١)، ومن الأبواب ما يكون الخلاف فيها كثيرًا جدًّا بالنسبة إلى الإجماع والاتفاق؛ ككثيرٍ من أبواب المعاملات الماليَّة. بعد هذه التقدمة يمكن القول: إن عامة الأبواب الفقهيَّة لا يظهر فيها توسُّع أو ضيق من أحد المذاهب، بل المذاهب تتجاذب المسائل الخلافيَّة في الباب. وهذا جواب لسؤال قد يرد: أين عامَّة الأبواب الفقهيَّة من الاتساع والضيق؟ وأنا أمثِّل بباب يتَّضح به هذا المقال، وهو (باب نواقض الوضوء): فأصولُ المسائل التي وقع فيها الخلاف بين المذاهب الأربعة في باب نواقض الوضوء يمكن حصرها في عشر مسائل، هي: (الخارج من السبيلين، وخروج النجاسات من البدن، وصفة النوم الناقض، والارتداد عن الإسلام، والقهقهة في الصلاة، ومس الفرج، ومس المرأة، وأكل لحم الجزور، وغسل الميت، والشك في الحدث) (٢)، ثم إنَّ كلَّ مذهب وقع منه ضيق وتشديد انفرد به عن الجمهور:

стр. 60

• فأمَّا الحنفيَّة فقالوا: القهقهة في الصلاة ناقضة للوضوء (١)، وقال الجمهور: لا تنقض (٢). • وأمَّا المالكيَّة فقالوا: يجب الوضوء بالشك في الحدث بعد تيقن الطهارة (٣)، وقال الجمهور: الشك لا يوجب الطهارة (٤). • وأمَّا الشافعيَّة فقالوا: ينتقض الوضوء بالتقاء بشرتي الرجل والمرأة مطلقًا (٥)، وقال المالكيَّة والحنابلة: ينتقض الوضوء بشرط وجود الشهوة (٦)، وقال الحنفيَّة: لا ينتقض الوضوء بمس المرأة إلا في المباشرة الفاحشة (٧).

стр. 61

• وأمَّا الحنابلة فقالوا: أكلُ لحم الجزور ناقض للوضوء (١)، وقال الجمهور: لا ينقض (٢). ومن هنا فإنَّه لا يصح إطلاق السَّعة أو الضيق على مذهب بعينه في هذا الباب؛ لعدم تحقق ذلك، وعامَّة الأبواب الفقهيَّة إنَّما هي من هذا الجنس. * * *

стр. 62

المبحث الرابع: السعة والضيق بين الأبواب الفقهية يلحظ القارئ في المدونات الفقهيَّة تداخل بعض الأبواب فيما بينها، وهذا التداخل يحتاج إليه الفقيه في التصوُّر العامِّ للأبواب، ومن أجناس هذا التداخل: السَّعة والضيق بين الأبواب الفقهيَّة. والمراد بالسَّعة بين الأبواب: أن يُنص على أن (باب كذا) أوسع من (باب كذا)، وهذا الأمر يصحُّ أن يطلق عليه: (ضابط فقهي) (١). وقد وقفت على جملة من هذه الضوابط، من ذلك (٢): • قول الماوردي ﵀: «الجعالة أوسع حكمًا من الإجارة» (٣). • وقال الكاساني ﵀: «باب الخلع أوسع من باب النكاح» (٤). • وقال أيضًا: «باب الحج أوسع من باب الصلاة» (٥).

стр. 63

• وقال أيضًا: «السلم أوسع جوازًا من القرض، والقرض أضيق منه» (١). • وقال الصفيُّ الهندي ﵀: «باب الشهادة أضيق من باب الرواية» (٢). • وقال ابن تيمية ﵀: «باب اللباس أوسع من باب الآنية» (٣)، وقرَّره ابن القيم ﵀ بقوله: «باب الآنية أضيق من باب اللباس والتحلي» (٤). • وقال ابن تيمية أيضًا: «أنواع التطوعات دائمًا أوسع من أنواع المفروضات» (٥). • وذكر أيضًا: أنَّ الوطء بملك اليمين أوسع من الوطء في النكاح (٦). • وذكر أن سبب وجوب الكفارة أوسع من سبب وجوب الحد (٧). • وقال: «موجبات القتل في حق الذميَّة أوسع من موجباته في حق التي ليست ذميَّة» (٨). • وذكر الزيلعي ﵀ أن باب الوصية أوسع من المزارعة وغيرها من العقود (٩).

стр. 64

• وذكر أيضًا: أن باب الكفالة أوسع من باب البيع (١). • وذكر ابن القيم ﵀: أنَّ باب الإجارة أوسع من باب البيع (٢). • وذكر أيضًا: أنَّ باب الصلح أوسع من البيع (٣). • وذكر أيضًا: أن باب الانتفاع أوسع من باب البيع (٤). • وذكر أيضًا: أن باب الوصية أوسع من التصرف في الحياة (٥)، وذكر أنَّ الوصية أوسع من الوقف (٦). • وذكر أيضًا: أنَّ طرق حفظ الأنساب أوسع من طرق حفظ الأموال (٧). • وذكر أيضًا: أنَّ الفتيا أوسع من باب الشهادة (٨). • وذكر أيضًا: أن باب الإخبار في التسمية أوسع من باب الإنشاء (٩). • وقال أيضًا: «قتال الدفع أوسع من قتال الطلب» (١٠).

стр. 65

• وذكر خليل ﵀: أنَّ باب السلم أوسع من باب الصرف (١). • وذكر أيضًا: أن باب الكتابة أوسع من الصداق (٢). • وذكر ابن قاضي شهبة ﵀ أنَّ باب الهبة أوسع من باب البيع (٣). • وذكر زكريا الأنصاري ﵀: أنَّ باب غسل الميت وتكفينه ودفنه أوسع بابًا من الصلاة عليه (٤). • وقال الرملي ﵀: «باب الإذن أوسع من باب الوكالة» (٥). • وقال أيضًا: «باب القضاء أوسع من باب الشهادة» (٦). • وحكى ابن حجر الهيتمي ﵀ الإجماع «على أنَّ باب الرواية أوسع من باب الشهادة والقضاء» (٧).

стр. 66

• وقال ابن قاسم العبادي ﵀: «باب الزكاة أوسع من باب الإنفاق» (١). • وقال مرعي الكرمي ﵀: باب العاريَّة «أوسع من باب الجعالة، والجعالة أوسع من باب الإجارة» (٢). • وذكر الخرشي ﵀ أنَّ باب الرهن أوسع من باب النكاح في الغرر، وأن باب الخلع والهبة أوسع من باب الرهن في الغرر (٣). • وقال البجيرمي ﵀: «باب الأمان أوسع من باب الجزية» (٤). • وذكر أيضًا: أن باب الوصية أوسع من باب الوقف (٥). • وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ﵀ أنَّ باب الإيفاء أوسع من باب البيع (٦). • وقال ابن عثيمين ﵀: «باب التَّبرع أوسع من باب المعاوضة» (٧). وأختم هذا المبحث بالإشارة إلى أن هذه الضوابط يمكن أن تبحث في رسالة علميَّة، وذلك بأن تجمع نظائرها في كتب أهل العلم، وتستقصى غاية ما يمكن، ثم

стр. 67

يتحقق من اتِّجاهات المذاهب وأقوالها فيها (١)، وتذكر أدلتها ومآخذها، وما يترتَّب عليها من الفروع الفقهيَّة، ولا شك أن في ذلك إثراءً عظيمًا للمكتبة الفقهيَّة. * * *

стр. 68

المبحث الخامس: العلماء المهتمون بذكر السعة والضيق في الأبواب الفقهية تختلف طرق العلماء ﵏ في تناولهم للمسائل الفقهيَّة، فمن العلماء من له عناية ببيان المعتمد في المذهب، ومنهم من له عناية بالخلاف العالي، ومنهم من له عناية بالخلاف النازل، ومنهم من له عناية برؤوس المسائل، ومنهم من له عناية بأسباب الخلاف، ومنهم من له عناية بالاستدلال بوجه عام، ومنهم من له عناية بالاستدلال العقلي والأقيسة بوجه أخص، ومنهم من له عناية بربط الفروع بأصولها، ومنهم من له عناية بمناقشة أدلة المخالفين، ومنهم من له عناية ببيان الفروق الفقهيَّة، ومنهم من له عناية بذكر تفاريع المسائل، ومنهم من له عناية بذكر قيود المسائل، ومنهم من له عناية بذكر القواعد الكليَّة في الخلاف العالي، وهذا الاختلاف له ثمرة عظيمة من جهة اختصاص كل كتاب بطريقة خاصة. والاتِّساع والضِّيق في الأبواب الفقهية له ارتباط وثيق بالتقعيد الكلي في الخلاف العالي، وقد برز من أهل العلم ثلَّة يلحظ القارئ في مدوناتهم جملة من القواعد الكليَّة التي تسهِّل فهم الخلاف بين المذاهب الفقهية. ومن أعيان من تكلَّم في القواعد الكليَّة في الخلاف العالي: ابن رشد الحفيد، وابن تيمية، وابن القيم ﵏: فأمَّا ابن رشد فكتابه (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) فيه ذكر لبعض القواعد الكلية التي يَسهل من خلالها فهم الخلاف، وابن رشد له نَفَسٌ خاص في (البداية) لا أعلم عالمًا سبقه إلى هذا.

стр. 69

وبالجملة فقد أبان ابن رشد عن منهجه في مقدمة الكتاب؛ إذ يقول: «فإنَّ غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكت الخلاف فيها، ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع» (١). وقال في أثناء الكتاب: «القصد هو إثبات المسائل المشهورة التي وقع الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار مع المسائل المنطوق بها في الشرع، وذلك أن قصدنا في هذا الكتاب كما قلنا غير مرة: إنما هو أن نثبت المسائل المنطوق بها في الشرع المتفق عليها والمختلف فيها، ونذكر من المسائل المسكوت عنها التي شهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار، فإن معرفة هذين الصنفين من المسائل هي التي تجري للمجتهد مجرى الأصول في المسكوت عنها وفي النوازل التي لم يشتهر الخلاف فيها بين فقهاء الأمصار سواء نقل فيها مذهب عن واحد منهم أو لم ينقل، ويشبه أن يكون من تدرب في هذه المسائل وفهم أصول الأسباب التي أوجبت خلاف الفقهاء فيها أن يقول ما يجب في نازلة من النوازل، أعني: أن يكون الجواب فيها على مذهب فقيه من فقهاء الأمصار، أعني: في المسألة الواحدة بعينها، ويعلم حيث خالف ذلك الفقيه أصله وحيث لم يخالف، وذلك إذا نقل عنه في ذلك فتوى، فأما إذا لم ينقل عنه في ذلك فتوى أو لم يبلغ ذلك الناظر في هذه الأصول فيمكنه أن يأتي بالجواب بحسب أصول الفقيه الذي يفتي على مذهبه، وبحسب الحق الذي يؤديه إليه اجتهاده» (٢).

стр. 70

وهذا ملمح في غاية الأهميَّة، وهو أنَّ من فَهِم أصول مذهبه، وتدرَّب عليها أوشك أن يقول فيما لم يبلغه في تلك المسائل بحسب تلك الأصول، وأوشك أن يقول في الحوادث والنوازل على مقتضى تلك الأصول والقواعد أيضًا، ولا شك أنَّ هذا في منتهى الفهم للمذهب الذي ينتسب إليه. ومن هنا جاءت بعض عبارات محققي فقهاء المذاهب بأن تلك المسألة جارية على قواعد المذهب أو غير جارية (١).

стр. 71

وأما ابن تيميَّة فهو من أوسع العلماء فَهْمًا وتحقيقًا لأصول الخلاف بين المذاهب، وكتبه زاخرة بالعبارات التي تدل على سبقه في هذا، و (القواعد النورانية) (١) مثال جليٌّ على ذلك. ومن جملة ما قرَّره في أصول الخلاف قوله: إن مذهب أهل المدينة في الأطعمة «الغالب عليهم فيها عدم التحريم، فيبيحون الطيور مطلقًا وإن كانت من ذات المخالب، ويكرهون كل ذي ناب من السباع، وفي تحريمها عن مالك روايتان، وكذلك في الحشرات عنه -هل هي محرمة، أو مكروهة - روايتان، وكذلك البغال والحمير، وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع، وروي عنه: أنها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير، والخيل أيضًا يكرهها، لكن دون كراهة السباع» (٢). وذكر أيضًا: أنَّ «أهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس، ليست الخمر عندهم إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرًا من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه، وهم في الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا الخيل والضباب» (٣).

стр. 72

وذكر أيضًا: أنَّ «أوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنَّه نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل، ويجوز في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك، ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص عليه أحمد» (١). وقال أيضًا: «أمَّا الغرر: فأشد الناس فيه قولًا أبو حنيفة والشافعي ﵄ أمَّا الشافعي: فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء»، ثم عدَّد جملة من المسائل الدالَّة على ضيق أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله-، ثم قال: «لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك»، ثم قال: «أما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود … ، وأحمد قريب منه في ذلك» (٢). وهذا التقسيم والترتيب من تقي الدين ابن تيمية ﵀ إنما جاء بعد سبرٍ دقيقٍ لجملةٍ وافرةٍ من مسائل الغرر، فخلص إلى ما قال. وحتى يفهم القارئ عظيم عناية تقي الدين ابن تيمية بالقواعد الكلية في الخلاف؛ ينظر كلامه حول أصول الأئمة في المسائل الخلافيَّة، فمثلًا يقول: «أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره» (٣). ولما ذكر قول من قال: إن (الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته) قال: «هذا قول أهل

стр. 73

الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي» (١). ولما ذكر القول الثاني وهو (أن الأصل في الشروط والعقود الجواز والصحة) قال: «أصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه» (٢). بل بلغت قوة التمكُّن منه في فهم الأصول إلى ردِّ بعض الأقوال معتمدًا في ذلك على عدم موافقتها لأصول إمام المذهب (٣). ويكفي أنَّ الذهبي ﵀ قال في ابن تيمية: «أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف، حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف» (٤).

стр. 74

وأما ابن القيم ﵀ فليس ببعيد عن شيخه في تقرير أمثال هذه القواعد الكليَّة، ومن ذلك قوله في (باب ما تجوز فيه المسابقة): «مذهب أبي حنيفة في هذا الباب أوسع المذاهب، ويليه مذهب الشافعي، ومذهب مالك أضيق المذاهب، ويليه مذهب أحمد» (١). وأختم هذا المبحث بالقول: إنَّ الملاحظ لصنيع ابن تيمية، وكذا ابن القيم في تقريرهما لهذه الأصول الكلية يجد أنهما يُتبِعان الأصل بذكر المسائل الدالَّة على صحته، وكأنَّ المسائل هنا من القاعدة المقرَّرة بمنزلة الدليل من المسألة، أو الفرع من القاعدة. وبالجملة: فهذه التقريرات قضايا نظريَّة تحتاج إلى براهين، وهذه البراهين هي أعيان المسائل؛ ولذا جهدت في هذه الأطروحة على جمع كل مسألة تؤيِّد صحة النتيجة التي خرجت بها في انفراد مذهب بالسَّعة أو الضيق في الباب، والله أعلم. * * *

стр. 75

المبحث السادس: دعوى ضيق الحنابلة وشدَّتهم في المسائل الفقهية ينتشر عند بعض العوامِّ في زماننا أنَّ (المذهب الحنبلي هو أشد المذاهب الأربعة)، وأنّ غيره من المذاهب أكثر توسعة وتيسيرًا على المكلفين، ولم أقف على عالم أو باحث صرَّح أو ألمح إلى هذه القضية حتى الآن (١). ولكن من نظر في كتب المفردات عند الحنابلة رأى عدم صحة هذه الدعوى بل «فيها من التيسير ورفع الحرج الخير الكثير» (٢)، وتبيّن له أنَّ ثمَّة جملًا من المسائل انفرد الحنابلة بالتوسعة فيها دون الجمهور، من ذلك: • أنَّ الحنابلة قالوا: بجواز المسح على الجوربين ولو كانا غير مجلَّدين أو منعَّلين أو لا يمنعان الماء (٣). وقال الجمهور: لا يجوز المسح عليهما في الجملة (٤).
следующие страницы →