وأما ابن تيميَّة فهو من أوسع العلماء فَهْمًا وتحقيقًا لأصول الخلاف بين المذاهب، وكتبه زاخرة بالعبارات التي تدل على سبقه في هذا، و (القواعد النورانية) (١) مثال جليٌّ على ذلك.
ومن جملة ما قرَّره في أصول الخلاف قوله: إن مذهب أهل المدينة في الأطعمة «الغالب عليهم فيها عدم التحريم، فيبيحون الطيور مطلقًا وإن كانت من ذات المخالب، ويكرهون كل ذي ناب من السباع، وفي تحريمها عن مالك روايتان، وكذلك في الحشرات عنه -هل هي محرمة، أو مكروهة - روايتان، وكذلك البغال والحمير، وروي عنه أنها مكروهة أشد من كراهة السباع، وروي عنه: أنها محرمة بالسنة دون تحريم الحمير، والخيل أيضًا يكرهها، لكن دون كراهة السباع» (٢).
وذكر أيضًا: أنَّ «أهل الكوفة في باب الأشربة مخالفون لأهل المدينة ولسائر الناس، ليست الخمر عندهم إلا من العنب، ولا يحرمون القليل من المسكر إلا أن يكون خمرًا من العنب، أو أن يكون من نبيذ التمر أو الزبيب النيء، أو يكون من مطبوخ عصير العنب إذا لم يذهب ثلثاه، وهم في الأطعمة في غاية التحريم حتى حرموا الخيل والضباب» (٣).
стр. 72
وذكر أيضًا: أنَّ «أوسع المذاهب في الجمع بين الصلاتين مذهب الإمام أحمد فإنَّه نص على أنه يجوز الجمع للحرج والشغل، ويجوز في ظاهر مذهب أحمد ومالك الجمع للوحل والريح الشديدة الباردة ونحو ذلك، ويجوز للمرضع أن تجمع إذا كان يشق عليها غسل الثوب في وقت كل صلاة نص عليه أحمد» (١).
وقال أيضًا: «أمَّا الغرر: فأشد الناس فيه قولًا أبو حنيفة والشافعي ﵄ أمَّا الشافعي: فإنه يدخل في هذا الاسم من الأنواع ما لا يدخله غيره من الفقهاء»، ثم عدَّد جملة من المسائل الدالَّة على ضيق أبي حنيفة والشافعي -رحمهما الله-، ثم قال: «لكن أصول الشافعي المحرمة أكثر من أصول أبي حنيفة في ذلك»، ثم قال: «أما مالك: فمذهبه أحسن المذاهب في هذا، فيجوز بيع هذه الأشياء وجميع ما تدعو إليه الحاجة أو يقل غرره بحيث يحتمل في العقود … ، وأحمد قريب منه في ذلك» (٢). وهذا التقسيم والترتيب من تقي الدين ابن تيمية ﵀ إنما جاء بعد سبرٍ دقيقٍ لجملةٍ وافرةٍ من مسائل الغرر، فخلص إلى ما قال.
وحتى يفهم القارئ عظيم عناية تقي الدين ابن تيمية بالقواعد الكلية في الخلاف؛ ينظر كلامه حول أصول الأئمة في المسائل الخلافيَّة، فمثلًا يقول: «أصول مالك في البيوع أجود من أصول غيره» (٣). ولما ذكر قول من قال: إن (الأصل في العقود والشروط فيها ونحو ذلك: الحظر، إلا ما ورد الشرع بإجازته) قال: «هذا قول أهل
стр. 73
الظاهر، وكثير من أصول أبي حنيفة تنبني على هذا، وكثير من أصول الشافعي» (١). ولما ذكر القول الثاني وهو (أن الأصل في الشروط والعقود الجواز والصحة) قال: «أصول أحمد المنصوصة عنه: أكثرها يجري على هذا القول. ومالك قريب منه؛ لكن أحمد أكثر تصحيحًا للشروط، فليس في الفقهاء الأربعة أكثر تصحيحًا للشروط منه» (٢).
بل بلغت قوة التمكُّن منه في فهم الأصول إلى ردِّ بعض الأقوال معتمدًا في ذلك على عدم موافقتها لأصول إمام المذهب (٣).
ويكفي أنَّ الذهبي ﵀ قال في ابن تيمية: «أقبل على الفقه، ودقائقه، وقواعده، وحججه، والإجماع والاختلاف، حتى كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف» (٤).
стр. 74
وأما ابن القيم ﵀ فليس ببعيد عن شيخه في تقرير أمثال هذه القواعد الكليَّة، ومن ذلك قوله في (باب ما تجوز فيه المسابقة): «مذهب أبي حنيفة في هذا الباب أوسع المذاهب، ويليه مذهب الشافعي، ومذهب مالك أضيق المذاهب، ويليه مذهب أحمد» (١).
وأختم هذا المبحث بالقول: إنَّ الملاحظ لصنيع ابن تيمية، وكذا ابن القيم في تقريرهما لهذه الأصول الكلية يجد أنهما يُتبِعان الأصل بذكر المسائل الدالَّة على صحته، وكأنَّ المسائل هنا من القاعدة المقرَّرة بمنزلة الدليل من المسألة، أو الفرع من القاعدة.
وبالجملة: فهذه التقريرات قضايا نظريَّة تحتاج إلى براهين، وهذه البراهين هي أعيان المسائل؛ ولذا جهدت في هذه الأطروحة على جمع كل مسألة تؤيِّد صحة النتيجة التي خرجت بها في انفراد مذهب بالسَّعة أو الضيق في الباب، والله أعلم.
* * *
стр. 75
المبحث السادس:
دعوى ضيق الحنابلة وشدَّتهم
في المسائل الفقهية
ينتشر عند بعض العوامِّ في زماننا أنَّ (المذهب الحنبلي هو أشد المذاهب الأربعة)، وأنّ غيره من المذاهب أكثر توسعة وتيسيرًا على المكلفين، ولم أقف على عالم أو باحث صرَّح أو ألمح إلى هذه القضية حتى الآن (١).
ولكن من نظر في كتب المفردات عند الحنابلة رأى عدم صحة هذه الدعوى بل «فيها من التيسير ورفع الحرج الخير الكثير» (٢)، وتبيّن له أنَّ ثمَّة جملًا من المسائل انفرد الحنابلة بالتوسعة فيها دون الجمهور، من ذلك:
• أنَّ الحنابلة قالوا: بجواز المسح على الجوربين ولو كانا غير مجلَّدين أو منعَّلين أو لا يمنعان الماء (٣). وقال الجمهور: لا يجوز المسح عليهما في الجملة (٤).
стр. 76
• وقال الحنابلة: يجوز للرجل أن يستمتع من الحائض فيما دون الفرج (١)، وقال الجمهور: لا يجوز الاستمتاع فيما بين السرَّة والركبة (٢).
• وهم أوسع المذاهب في وقت الجمعة؛ فوقتها يبدأ من وقت صلاة العيد (٣)، وقال الجمهور: وقتها من زوال الشمس (٤).
• وقال الحنابلة: يجوز الفطر للمقيم إذا سافر في أثناء يومه (٥)، وقال الجمهور: لا يجوز له الفطر (٦).
стр. 77
• وهم أوسع المذاهب في بداية الوقوف بعرفة، فيصحُّ عندهم الوقوف من طلوع فجر يوم عرفة (١)، وقال الجمهور: لا يصح الوقوف بعرفة إلا بعد الزوال (٢).
• وقال الحنابلة: يجوز بيع العربون (٣)، وقال الجمهور: بيع العربون لا يصح (٤).
• والحنابلة أوسع المذاهب في النظر إلى المخطوبة، فيجوز أن ينظر من المرأة
стр. 78
ما يظهر منها حال المهنة (١)، وقال الجمهور: ينظر إلى الوجه والكفين فقط (٢).
• وقال الحنابلة: حكم المرأة الكافرة مع المسلمة كحكم المسلمة مع المسلمة في النظر (٣)، وقال الجمهور: المرأة الكافرة من المسلمة كالرجل الأجنبي من المسلمة (٤).
ثم إذا أضفنا إلى ذلك أنَّ الحنابلة هم أوسع المذاهب في باب الجمع بين الصلاتين، وأنهم أوسع المذاهب في باب الشروط في العقود -كما سيأتي تقريره وبيانه- (٥)؛ علم البصير تهافت دعوى ضيقهم، بل إن «الناس محتاجون إلى مذهب
стр. 79
الإمام أحمد في مسائل متعدِّدة» قاله ابن تيمية ﵀ (١)، وقال ابن المبرد ﵀ في معرض مقارنة المذهب الحنبلي مع المذاهب الثلاثة: «إذا نظرت على مذهب أحمد في مسائل كثيرة وجدته وسطًا» (٢).
ويقول محي الدين عبد الحميد ﵀ في مقدمة تحقيقه (المنهج الأحمد): «قد كنا في عهد الصبا نسمع الرجل يصف رجلا آخر، فإذا أراد أن ينعته بضيق الصدر والتزمت قال: (إنه حنبلي)، ولا يزال الناس إلى يومنا هذا يذكرون هذه العبارة في مثل هذا المعرض، وكنا في عهد الصبا نتوهم في هذه العبارة وما يشبهها أن مذهب الحنابلة في الفروع شديد الحرج صعب التكاليف، فلما أراد الله بنا الخير واتَّصلنا بالفقه الإسلامي وقرأنا فيما قرأنا كتب الحنابلة من أتباع الإمام الورع الزاهد الحجة أحمد بن محمد بن حنبل علمنا علم اليقين أن هذا المعنى الذي مرَّ بأذهاننا من قول الناس ليس له أصل يستند إليه، ولا أساس يرتكز عليه، وما زال هذا المعنى يمَّحي من أذهاننا يومًا بعد يوم حتى استقرَّ عندنا أن مذهب أحمد -رضي الله تعالى عنه- هو أقرب مذاهب الأئمة الأربعة تمثيلا لسماحة هذا الدين، ويسر تكاليفه، ونفي الحرج والمشقة عن المكلَّفين» (٣).
ولأجل جميع ما تقدَّم فهذه القضية -أعني: ضيق الحنابلة- لا تعدو أن تكون
стр. 80
(دعوى) شاعت بين العوام، تلقَّفها غير المشتغلين بالعلم والفقه (١) مستندين في ذلك على مسائل شدَّد فيها الحنابلة أكثر من غيرهم (٢)، وهذا شأن جميع المذاهب، فلا يخلو مذهب من المذاهب الأربعة من ضيق في بعض المسائل، بل وفي بعض الأبواب.
* * *
стр. 81
المبحث السابع:
السعة والضيق في غير علم الفقه
تقدَّم في المباحث السابقة الكلام على السَّعة والضيق في أبواب الفقه، ويمكن تطبيق هذا الأمر في جميع العلوم الشرعيَّة، ولعلي في هذه العجالة أشير إلى بعض الأمثلة:
فأمَّا علم الأصول -وهو أقرب العلوم إلى علم الفقه فهما أبناء عَلَّات- فيمكن أن يطبَّق عليه الاتساع والضيق في المباحث الأصولية، فمثلًا ما أوسع المذاهب في تخصيص العام؟ وما أوسع المذاهب إمضاء لحكم القياس؟ وما أوسع المذاهب في باب دلالات الألفاظ؟ وما أوسع المذاهب في باب النسخ، ونحو ذلك.
وقد وقفتُ على شيء من الاتساع والضيق الأصولي، وهو باب سد الذرائع، فالمالكيَّة هم أوسع المذاهب إعمالًا لهذا الأصل، يقول القرافي ﵀ في الخلاف في سد الذرائع: «حاصل القضية أنا قلنا بسد الذرائع أكثر من غيرنا، لا أنها خاصة بنا» (١). وقال أيضًا في الفروق «ليس سد الذرائع خاصًّا بمالك ﵀ بل قال بها هو أكثر من غيره، وأصلُ سدها مجمع عليه» (٢)، وقال د. محمد هشام البرهاني ﵀: «ليس في المذاهب الأربعة المنتشرة ولا في غيرها من بلغ في أخذه بهذا الأصل مبلغ المذهب المالكي» (٣).
وثمَّة مثال آخر يمكن إعمال السَّعة والضيق فيه، وهو العمل بقول الصحابي في مسائل الاجتهاد إذا لم يشتهر، فالجمهور على العمل به على اختلاف بينهم في
стр. 82
بعض المسائل، وذهب الشافعي ﵀ في الجديد إلى أنه ليس بحجة (١). وبعض أهل العلم ينازع في صحة هذا الإطلاق عن الشافعي (٢). ولا شكَّ أنَّ هذه المسائل مهمة في الصناعة الفقهية والأصولية على حدٍّ سواء.
وأما الفقه الأكبر -وهو علم الاعتقاد- فمما قد قُرِّرَ فيه من القواعد المتضمنة للسَّعة قولهم: إن «باب الأفعال أوسع من باب الأسماء» (٣)، وقولهم: «إنَّ الإسلام أوسع من الإيمان» (٤)، وقولهم: إنَّ «باب الإخبار أوسع من باب الأسماء والصفات» (٥). وقال ابن تيمية ﵀ عن مذهب أبي حنيفة: إنه «من أبلغ المذاهب في تكفير من يأمر بالكفر» (٦)، وتقدَّم قول ابن حجر الهيتمي ﵀: إن الحنفيَّة أوسع المذاهب في المكفِّرات.
стр. 83
وفي هذا المبحث يُختَتَم الكلام على تمهيد هذه الرسالة، وأشرع مستعينًا بالله في الكلام على الأبواب الفقهيَّة التي توصَّلت فيها إلى سعةٍ أو ضيقٍ. واللهَ أسأل الهدايةَ والسدادَ (١).
* * *
стр. 84
الباب الأول:
الاتساع أو الضيق بين المذاهب الأربعة
في كتاب العبادات
وفيه فصول:
• الفصل الأول: الاتساع أو الضيق في كتاب الطهارة.
• الفصل الثاني: الاتساع أو الضيق في كتاب الصلاة.
• الفصل الثالث: الاتساع أو الضيق في كتاب الزكاة والصيام.
• الفصل الرابع: الاتساع أو الضيق في كتاب المناسك والجهاد.
стр. 85
الفصل الأول:
الاتساع أو الضيق في كتاب الطهارة
وفيه مبحثان:
• المبحث الأول: اتساع المذاهب وضيقها في باب الآنية.
• المبحث الثاني: اتساع المذاهب وضيقها في باب فروض الوضوء.
стр. 86
المبحث الأول:
اتساع المذاهب وضيقها في باب الآنية
تمهيد:
يذكُرُ جمهور العلماء ﵏ في صدرِ كلامهم على أبوابِ الطهارة أحكامَ المياه (١)، ويُرْدِف جمهورهم ذلك بذكر أحكام الأواني (٢)؛ وذلك أنَّ الأواني ظروف الماء، فناسب ذكرها في باب الطهارة بعد أحكام المياه (٣)، وإنما ذكرت أحكام الأواني في كتاب الطهارة لهذا المعنى، يقول النووي ﵀: «كتابُ الطهارة يشمل بابَ المياه والآنية وباب الوضوء وغيرها» (٤).
стр. 87
والآنية: جمع إناء، وجمع الجمع: أوانٍ (١) مثل كساء وأكسية (٢)، والآنية: «هي كلُّ ما كان وعاءً لشيء» (٣).
والمسائل التي تذكر في هذا الباب هي المسائل المتعلقة باستعمال أجناس الأواني؛ كالأواني من الجلود، وما يطهر من جلود الميتات بالدبغ، والأواني من العظام، والأواني من الذَّهب والفضَّة، والأواني المضبَّبَة (٤)، والمصبوغة بالذَّهب والفضَّة، وحكم اتخاذ الأواني من الذَّهب والفضَّة، والأواني من المعادن النفيسة وغير النفيسة، وأواني الكفار، ونحو ذلك من المسائل.
стр. 88
المطلب الأول: المسائل المتفق عليها في الباب.
أولًا: المسائل المجمع عليها في الباب.
أجمع العلماء ﵏ على جوازِ استعمال الأواني الطَّاهرة غيرِ المغصوبة في الجملة (١)، وأجمعوا على جواز الانتفاع بأشعار بهيمة الأنعام وأوبارها وأصوافها إذا أُخذت وهي حية (٢)، وأجمعوا على جواز الانتفاع بجلد الحيوان المأكول المذكَّى ذكاة شرعيّة قبل دبغه (٣)، وأجمعوا على تحريمِ استعمال جلد الآدَميِّ؛ لكرامته (٤).
ثانيًا: المسائل المتفق عليها في الباب.
اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم استعمال آنية الذَّهب والفضَّة للرجال والنساء على حدٍّ سواء (٥)، وعلى تحريم استعمال جلد الخنزير
стр. 89
ولو دبغ (١)، واتفقوا على عدم جواز استعمال جلود الميتة قبل دبغها، وأنها نجسة (٢)، واتفقوا على جواز استعمال الأواني الثمينة من غير الذَّهب والفضَّة (٣).
стр. 90
المطلب الثاني: المسائل المختلف فيها في الباب.
اختلف أهلُ العلم في جملة من المسائل في باب الآنية، ومن رؤوس المسائل في الباب: حكم الانتفاع بجلود الميتات بعد دباغها في الأواني وغيرها، وحكم الانتفاع بعظامها، وحكم الأواني المضبَّبة بالذَّهب والفضَّة (١).
الفرع الأول: طهارة جلود الميتات بعد الدبغ، واستعمالها في الأواني وغيرها.
تحرير محل النزاع:
تقدم اتفاق العلماء على نجاسة جلد الميتة قبل دبغه، وإجماعهم على عدم جواز الانتفاع بجلد الآدمي؛ لكرامته، وإجماعهم على جواز الانتفاع بجلد الحيوان المأكول المذكَّى ذكاة شرعيّة، وتقدم أيضًا اتفاق المذاهب الأربعة على عدم جواز الانتفاع بجلد الخنزير مطلقًا.
واختلفوا في الانتفاع بجلود الميتات بعد دباغها على أقوال:
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: طهارة جلود الميتات بعد دبغها سوى جلد الخنزير، وهو مذهب الحنفيَّة (٢).
стр. 91
القول الثاني: طهارة جلود الميتات بعد دبغها سوى جلد الخنزير والكلب، وهو مذهب الشافعيَّة (١).
القول الثالث: عدم طهارة جلود الميتات مطلقًا، ويجوز استعمالها -غير الخنزير- في اليابسات وفي الماء بعد دبغها، وهو مذهب المالكيَّة (٢).
القول الرابع: عدم طهارة جلود الميتات مطلقًا، ويجوز استعمال جلود الحيوانات الطاهرة في الحياة في اليابسات بعد دبغها، وهو مذهب الحنابلة (٣).
وعليه فأوسعُ المذاهب في هذه المسألة مذهب الحنفيَّة؛ وذلك لقولهم بطهارة جميع جلود الميتات إلا الخنزير؛ حتى إنه يطهر عند الحنفيَّة جلد الكلب إذا دبغ، وقد استدلوا على هذه المسألة بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إِذَا دُبِغ الإهَابُ فَقَد طَهَر (٤)» أخرجه مسلم (٥)، وفي لفظ للترمذي والنسائي وابن ماجه: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (٦).
стр. 92
ووجه الدلالة في الحديث: العموم فيه (١)؛ إذ «الحديث عامُّ في المأكول وغيره» (٢)، ووجه العموم فيه أنَّ الإهاب في اللفظ الثاني نكرة، «والنكرةُ إذا اتَّصفت بصفة عامَّة تعمُّ» (٣)، وإنما خرجَ الخنزيرُ منْ هذا العموم؛ لأنَّ «له جلودا مترادفة بعضها فوق بعض كما للآدمي، ولعدم احتماله المطهِّر وهو الدباغ، ولأنَّ عينه نجس، وجلده من عينه» (٤).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: وجد النبي ﷺ شاة ميتة، أُعْطِيَتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ : «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» قالوا: إنها ميتة؟ قال: «إِنَّما حَرُمَ أَكْلُهَا» متفق عليه (٥).
ووجه الدلالة: قوله ﷺ : (هلا انتفعتم بجلدها)؛ إذ فيه دليل على «أنَّ ما عدا المأكول من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به» (٦)، والجلد مما لا يؤكل فجاز الانتفاع به.
الدليل الثالث: أنَّ كلَّ بهيمة -سوى الخنزير- من البهائم يجوز الانتفاع منها بغير بضرورة، وما جاز الانتفاع منه طهُر بدبغ جلده بعد موته، قياسًا على بهيمة الأنعام (٧).
стр. 93
الدليل الرابع: أنَّ العلة في نجاسة الجلد قبل الدبغ هو ما تعلَّق به من دسومة الميتة، وهذه الدُّسومة تزول بالدبغ (١)، فإذا ارتفعت العلَّة الموجبة للنجاسة ارتفع الحكم. يقول الكاساني ﵀: «نجاسة الميتات لما فيها من الرطوبات والدماء السائلة وأنها تزول بالدباغ؛ فتطهر، كالثوب النجس إذا غُسل» (٢).
الفرع الثاني: حكم الانتفاع بعظام الميتات في الأواني وغيرها.
تحرير محل النزاع:
أجمع العلماء على نجاسة لحم ميتة البرِّ وعلى نجاسة شحمها (٣)، وتقدَّم الخلاف في جلود الميتة وهو خارج محل النزاع في هذا الفرع، واختلف العلماء في شعر الميتة وصوفها ووبرها وهو خارج محل النزاع كذلك (٤)، واتفقت المذاهب الأربعة على نجاسة عظم الخنزير (٥).
стр. 94
واختلفوا في حكم عظام الميتات غير الخنزير -مأكولة اللحم كانت أو غير مأكولة- على قولين:
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: طهارة عظام الميتات، وهو مذهب الحنفيَّة (١).
القول الثاني: نجاسة عظام الميتات، وهو مذهب الجمهور (٢).
وعليه فأوسع المذاهب في هذه المسألة من قال بطهارة عظام الميتات، وهم الحنفيَّة، وعلى القول بطهارتها يجوز استعمال عظام الميتات في الأواني وغيرها، وقد استدل الحنفيَّة على هذه المسألة بأدلة منها:
الدليل الأول: عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يَا ثَوْبَانُ اشْتَر لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصَبٍ، وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ» أخرجه أبو داود (٣).
стр. 95
ووجه الدلالة: أنَّ العاج هو عظم الفيل (١)، والفيل من الميتات ولا يجوز أكله؛ لكونه من السباع (٢)، وإذا جاز استعمال عظم الفيل مع كونه ميتة دلَّ ذلك على جواز الانتفاع بعظام الميتات (٣).
الدليل الثاني: عن ابن عباس ﵄ قال: وجدَ النبي ﷺ شاة ميتة، أُعْطِيَتْها مولاة لميمونة من الصدقة، فقال النبي ﷺ : «هلَّا انْتفعتم بجلدها» قالوا: إنها ميتة؟ قال: «إِنَّما حَرُمَ أَكْلُهَا» متفق عليه (٤).
ووجه الدلالة: قوله ﷺ : (هلا انتفعتم بجلدها)؛ إذ فيه دليل على «أنَّ ما عدا المأكول من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به» (٥)، والعظم مما لا يؤكل؛ فجاز الانتفاع به.
الدليل الثالث: أنَّ العظم لا حياة فيه؛ وذلك أنَّ الحيوان «لا يتألم بقطعه، ألا ترى أنَّه إذا قُص ظلفه أو حافره أو نشر قرنه لا يؤثر فيه، وكلُّ ما لا يتألم بقطعه لا حياة
стр. 96
فيه» (١)، «فدلَّ أنه ليس في العظام حياة؛ فلا يتنجس بالموت» (٢).
الدليل الرابع: الاستصحاب؛ إذ الأصل في الأعيان الطهارة حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، يقول ابن الهمام ﵀ في عظام الميتات: «المعهود فيها حالة الحياة الطهارة، وإنما يؤثِّر الموت النجاسة فيما تَحُلُّه، ولا تَحُلُّها الحياة فلا يَحُلُّهَا الموت، وإذا لم يَحُلَّهَا وجب الحكم ببقاء الوصف الشرعي المعهود؛ لعدم المزيل» (٣).
الدليل الخامس: ظهور استعمال الناس للعاج -وهو: عظم ميتة- من غير نكير، ولو كان نجسًا لحرم ذلك، ولحصل فيه النكير (٤).
الفرع الثالث: حكم الآنية المضبَّبَة بالذَّهب والفضَّة.
تحرير محل النزاع:
تقدم بيان اتفاق المذاهب الأربعة على تحريم استعمال آنية الذَّهب والفضَّة للرجال والنساء.
واختلفوا في الإناء المضبَّب بالذَّهب والفضَّة (٥) على أقوال:
стр. 97
الأقوال، وأشهر أدلة الموسع في المسألة:
القول الأول: جواز الإناء المضبَّب مطلقًا، وهو مذهب الحنفيَّة (١).
القول الثاني: تحريم الإناء المضبَّب، إلا ضبَّة الفضَّة في موضعين: عند الحاجة، والضبة اليسيرة للزّينة، وهو مذهب الشافعيَّة (٢).
القول الثالث: تحريم الإناء المضبب، إلا الضبَّة اليسيرة من الفضَّة للحاجة لغير الزينة، وهو مذهب الحنابلة (٣).
القول الرابع: تحريم الإناء المضبب مطلقًا، وهو مذهب المالكيَّة (٤).
ومذهب الحنفيَّة في الإناء المضبب أوسع المذاهب؛ وذلك لتفرُّدهم بالقول بجواز الإناء المضبب مطلقًا، وقد استدلوا على ذلك بأدلة، منها:
الدليل الأول: عن أنس بن مالك ﵁: «أنَّ قدح النبي ﷺ انكسر، فاتخذ مكان
стр. 98
الشَّعْب سِلْسِلة من فضَّة» أخرجه البخاري (١).
ووجه الدلالة: أنَّ في اتخاذ النبي ﷺ الفضَّة مكان الشعب دلالة بالنصِّ على جواز ضبة الفضَّة، وإذا جازت ضبة الفضَّة فإنه يلحق بها ضبة الذَّهب (٢).
الدليل الثاني: أنَّ الضبَّة من الذَّهب والفضَّة في الأواني تابعة للإناء المباح، والتابع له حكم المتبوع (٣).
الدليل الثالث: القياس على عَلَمِ (٤) الحرير في الثوب، وذلك أنَّ لبس الحرير الخالص محرَّم، لكن الشارع أباح العلَمَ من الحرير، وكذلك إناء الذَّهب والفضَّة فالخالص منه محرَّم، لكنْ تُباح الضبَّة من الذَّهب والفضَّة قياسًا على علم الحرير (٥).
الدليل الرابع: الاستصحاب؛ وذلك أنَّ «الأصل في المخلوقات إباحة الانتفاع بها، والحرمة لعارض، والنصُّ ورد في تحريم الشرب والأكل في آنية الذَّهب والفضَّة، فكلُّ ما يشبه المنصوص عليه في الاستعمال يلحق بالمنصوص عليه، وما لا يشبه المنصوص عليه يبقى على أصل الإباحة» (٦).
стр. 99
الفرع الرابع: المسائل الشواهد في الباب.
بعد بيان المسائل المتقدمة ظهر بوضوح سعة الحنفيَّة في جميع ما تقدم دون غيرهم من المذاهب، وعند النظر في المسائل الخلافيَّة في باب الآنية يظهر ما يعضد هذا المعنى أيضًا، وذلك:
• أنَّ الحنفيَّة قالوا: يطهر جلد الحيوان غير المأكول بذكاته ولو لم يدبغ (١)، وقال الجمهور: لا يطهر بمجرد الذكاة (٢).
• وقال الحنفيَّة: يحصل دباغ الجلود بالتَّشميس والتتريب والإلقاء في الرِّيح (٣)، وقال الجمهور: لا يحصل الدباغ بذلك (٤).
• وقال الحنفيَّة: بجواز اتخاذ آنية الذَّهب والفضَّة (٥)، وقال الجمهور: لا يجوز (٦).
стр. 100
• وقال الحنفيَّة: يجوز الإناء المُكفَّت (١) بالذَّهب والفضَّة (٢)، وقال الشافعيَّة: يجوز ذلك بالفضَّة اليسيرة دون الذَّهب (٣)، وقال المالكيَّة والحنابلة: يحرم مطلقًا (٤).
• بل ذهب الحنفيَّة إلى أن الاستعمال المحرم في آنية الذَّهب والفضَّة أن تستعمل ابتداء فيما صنعت له بحسب عرف الناس، وأما إن استعلمت في غير ذلك فلا كراهة، يقول ابن مازة ﵀ في كلامه على إناء الذَّهب والفضَّة: «إذا أدخل يده في الإناء وأخرج منها الدهن ثم استعمله لا بأس به، وكذلك إذا أخذ الطعام من القصعة ووضعه على خبز أو ما أشبه ذلك، ثم أكل لا بأس به» (٥)، ويقول الحصكفي ﵀ «لو نقل الطعام من إناء الذَّهب إلى موضع آخر أو صبَّ الماء أو الدهن في كفّه لا على رأسه ابتداء ثم استعمله لا بأس به» (٦)، غير أن عابدين ﵀ لم يسلم هذا الإطلاق (٧).
стр. 101
ثم إنه عند إمعان النظر إلى المذاهب الثلاثة يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الشافعيَّة يقارب مذهب الحنفيَّة في السعة؛ وذلك أنهم -كما تقدم- قالوا بطهارة الحيوانات بالدبغ سوى الكلب، وإنما زاد عليهم الحنفيَّة بطهارة جلد الكلب، وكذلك في مسألة الضبة، فإن الحنفيَّة قالوا بالإباحة مطلقا، والشافعيَّة أقرب المذاهب إليهم فإنهم قالوا بإباحة ضبة الفضَّة للحاجة مطلقا، وقالوا بإباحة ضبة الفضَّة اليسيرة للزينة.
وأمَّا المالكيَّة والحنابلة فهم متقاربون في الضيق، فانفرد المالكيَّة بمنع الضبة مطلقا حتى لو كانت من يسير الفضَّة كما تقدَّم، وانفرد الحنابلة بقولهم: يحرم الإناء من النحاس ونحوه إذا طُلِي (١) بالذَّهب أو الفضَّة (٢)، وقال الجمهور: بالجواز (٣)، وتقدَّم أنَّ جلود الميتات لا تطهر بالدبغ مطلقا عند المالكيَّة والحنابلة، غير أنَّ الحنابلة ضيَّقوا في جواز استعمالها في اليابسات أكثر من المالكيَّة؛ إذ اشترطوا
стр. 102
-زيادة على مذهب المالكيَّة- أن يكون الجلد من حيوان طاهر في الحياة، ومنعوا كذلك من استعمالها في الماء.
المطلب الثالث: المسائل المستثناة من التوسع في الباب.
من خلال ما تقدَّم ظهر بجلاء سعة الحنفيَّة دون غيرهم من المذاهب في باب الآنية، ومن خلال النظر في كتب الخلاف وفي كتب رؤوس المسائل لم أقف على مسألة خرجت عن هذا الأصل، والله تعالى أعلم.
المطلب الرابع: سبب التوسع والضيق في الباب.
من خلال ما تقدم يظهر واضحًا سعة الحنفيَّة في باب الآنية دون غيرهم من المذاهب، وهنا يقوم سؤال، وهو: هل ثمة سبب أو أسباب يمكن ردُّ الخلاف إليها؟
من خلال النظر في أدلة آحاد المسائل ظهر للباحث -والله أعلم- أنَّ الخلاف في باب الآنية يمكن رده إلى سببين تتفرع منهما عامَّة مسائل الباب:
السبب الأول: أن الحنفيَّة توسعوا من حيث الأصل في حكم الانتفاع بأجزاء الميتات، وسبب هذا التوسع أنهم علَّلوا الأحكام، وجعلوا نهي الشارع عن أعيان النجاسات إنما هو لعلة معقولة المعنى في الأصل، وإذا انتفت العلة انتفى الحكم، فقالوا تطهر جلود جميع الحيوانات بالدبغ؛ لأن العلة معقولة المعنى، وهي «نجاسة الجلد بما اتصل به من الدُّسُومات النجسة، والدبغ إزالة لتلك الدسومة» (١)، وقالوا: تحصُل طهارة الجلود بالتشميس والتتريب ونحوهما؛ لأنَّ العلة معقولة وهي تطهير
стр. 103
الجلد من النجاسات، قال السرخسي ﵀: «أصحُّ ما قيل في حد الدباغ عندنا: ما يعصمه من النتن والفساد، حتى إذا شمَّسه أو ترَّبه كان ذلك دباغًا عندنا» (١)، وكذلك قال الحنفيَّة تَطهُر جلود الحيوانات المحرم أكلها بذكاتها؛ «لأنَّ الذكاة تزيل الرطوبات وتخرج الدماء السائلة» (٢)، بل نصَّ بعض الحنفيَّة على أنَّ ذكاة غير المأكول آكد في تطهير الجلود من دباغها بعد الموت؛ لأن الذكاة «تمنع اتصال الرطوبات النجسة، والدباغةُ تزيلها بعد الاتصال؛ لفساد البنية بالموت، فأما قبله فكل شيء بمحله» (٣).
ومما يقرّرُ توسّع الحنفيَّة في الانتفاع بأجزاء الميتات أنهم قالوا:
• جميعُ الأجزاء التي لا دم فيها من الميتات كالقرن والسن والحافر والخف والظلف والعصب والإِنْفَحَة (٤) ليست بنجسة (٥)؛ وذلك لأن «نجاسة الميتات ليست لأعيانها، بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة، ولم توجد في هذه الأشياء» (٦).
стр. 104
• وقالوا أيضًا: لبن الميتة لا ينجس بموتها (١).
ويظهر بوضوح أنَّ سبب النجاسة في غالب ما تقدم -مع اختلاف المسائل- مردُّه إلى أنَّ أجزاء الميتة التصق بها بعض الدُّسومات النَّجسة، ولكون هذه هي العلة الموجبة للنجاسة فإن زوالها بأي سبب كان كالدبغ أو التَّذكية أو التَّشميس أو التَّتريب، أو عدم وجودها أصلًا كما في العظم ونحوه موجب للقول بالطهارة فيها عند الحنفيَّة.
وأما الجمهور فخالفوا الحنفيَّة في هذا، ورأوا أنَّ الموت بذاته هو السَّبب في نجاسة الميتات:
فمن المالكيَّة يقول ابن القصار ﵀: «علَّة التنجيس هو الموت فلا يجوز أن ترتفع النجاسة مع بقاء العلة؛ لأن الموت لا يمكن دفعه» (٢).
وذكر القاضي عبد الوهاب ﵀ أن سبب نجاسة جلد الميتة: «أنه جزء من الميتة، نجس بالموت، فوجب أن تتأبد نجاسته كاللحم» (٣).
ومن الشافعيَّة يقول السمعاني ﵀ في مناقشته لما أخذ به الحنفيَّة: «قولهم: (إن النجاسة تكون باتصال الرطوبات والأشياء السيالة إليه) فليس بشيء؛ لأن الجلد
стр. 105
نجس بكل حال، وربَّ جلد لا يتلوث بشيء من الرطوبات بعد الموت ويكون في جفافه ونظافته مثل ما كان في حال الحياة، فثبت أن الموت منجس بنفسه» (١)، ونحو من هذا ذكر الغزالي (٢)، وابن السمعاني (٣)، والزنجاني (٤) ﵏.
ومن الحنابلة يقول ابن الزاغوني ﵀ في مسألة دباغ جلود الميتات: «مأخذ المسألة: أن نجاسة الجلد عندنا نجاسة عينية، وعنده نجاسة مجاورة فتزول بالمعالجة، وهذا ينبني على أصل، وهو: أنَّ الموت عندنا منجِّس لعينه وذاته، وعندهم المنجِّس هو الرطوبات المنبعثة والدماء السيَّالة» (٥).
ويقول الموفق ابن قدامة ﵀ في سبب نجاسة الجلد: إنه إنما «حَرُمَ بالموت، فكان نجسًا كما قبل الدبغ، وقولهم: إنه إنما نجس لاتصال الدماء والرطوبات به غير صحيح؛ لأنَّه لو كان نجسًا لذلك لم ينجس ظاهر الجلد … » (٦)، وأشار الموفق أيضًا إلى قريب من هذا المعنى في مسألة طهارة جلد غير المأكول بالذكاة (٧)، ومن قبله ذكر ذلك أبو الخطاب الكلوذاني في المسألتين أيضًا (٨).
السبب الثاني في توسع الحنفيَّة في باب الآنية: أنهم نظروا إلى أصل الآنية، فإن كانت مباحة فالتابع لها من ذهب أو فضة مباح أيضا؛ لأنَّه عند الحنفيَّة «العبرة للمتبوع دون التابع» (٩). وعلى هذا المعنى الأواني المضبَّبَة بالذَّهب والفضَّة، وكذا الأواني المطليَّة والمكفَّتة بهما.
стр. 106
وأنبِّه إلى أنَّ الحنفيَّة طَردُوا هذا المعنى في غير مسائل الآنية، فقالوا:
• يجوز كل مضبَّب من سيف أو سكين أو قبضتهما أو مسنٍّ أو كرسيٍّ أو سريرٍ أو ثَفَر (١) أو سرج أو لجام.
• وتجوز الكتابة اليسيرة بالذَّهب أو الفضَّة على الثوب.
• ويجوز كذلك تزيين المصحف بالذَّهب أو الفضَّة.
• ويجوز تزيين السقف والجدران بالذَّهب والفضَّة (٢)؛ لأنَّ الذَّهب و «الفضَّة في هذه الأشياء تابعة، والعبرة للمتبوع لا للتبع» (٣).
وأما الجمهور: فإنهم نظروا إلى وجود السرف والخيلاء في مسائل الضبة ونحوها، كما هو موجود في الإناء المصمت، والسرف والخيلاء محرم؛ فنتج عن ذلك تحريم جملة من أحوال الانتفاع بالذَّهب والفضَّة.
فمن المالكيَّة: يقول القاضي عبد الوهاب ﵀ في حكم آنية الذَّهب والفضَّة: «المنع من ذلك لأجل الخيلاء والسرف» (٤).
стр. 107
ويقول القرافي ﵀: «أواني الذَّهب والفضَّة وفي الجواهر محرمة الاستعمال للرجال والنساء لقوله ﵇: «الذي يَشْربُ مِن آنية الذَّهبِ والفِضَّةِ إنَّما يُجَرجِرُ فِي بَطْنِه نارَ جهنَّم» (١)، وعلَّته السرف أو الخيلاء على الفقراء» (٢)، ونحو من هذا قال ابن الحاج (٣) وابن جزي (٤) -رحمهما الله-.
ومن الشافعيَّة: يقول الماوردي ﵀: «أما تمويه السقف والأروقة بالذَّهب والفضَّة فحرام؛ لما فيه من الإسراف والخيلاء والتحاسد والبغضاء» (٥).
ويقول النووي ﵀: «المنع من الاستعمال؛ لما فيه من السرف والخيلاء وذلك موجود في الاتخاذ» (٦).
ويقول الشَّربيني ﵀ في سبب تحريم ضبة الذَّهب مطلقا: إنَّ «الخيلاء في الذَّهب أشد من الفضَّة» (٧).
ومن الحنابلة: يقول ابن أبي موسى ﵀ عن آنية الذَّهب والفضَّة: «متخذ ذلك عاص آثم؛ لأنَّه من السرف والخيلاء» (٨).
стр. 108
ويقول الموفق ابن قدامة ﵀: «ما حرم استعماله حرم اتخاذه على هيئة الاستعمال؛ لأنَّ المعنى المقتضي للتحريم يعمها، وهو الإفضاء إلى السرف والخيلاء، وكسر قلوب الفقراء» (١).
وأشار البرهان ابن مفلح ﵀ إلى وجود هذه العلة في مسألة المضبَّب (٢)، وأبيح عند الحنابلة اليسير من ضبة الفضَّة؛ «لأنَّ الخيلاء وكسر قلوب الفقراء مفقود في ذلك» (٣)، وهذا ظاهر في أنَّ العلة هي وجود السرف والخيلاء، فمتى ما وجدت قيل بالتحريم.
والخلاصة:
• أنَّ الحنفيَّة هم أوسع المذاهب في باب الآنية، وسبب ذلك يعود إلى أمرين: الأول: أنهم توسَّعوا في مسائل الانتفاع بأجزاء الميتات؛ لأن نجاستها عندهم معقولة المعنى، ويمكن زوالها، وهي: ما اتصل بها من رطوبة نجسة، فإذا أمكن زوال العلَّة أو منعها طهُرت بذلك. والثاني: أنَّهم توسعوا في المسائل المتعلقة بالذَّهب والفضَّة؛ لأنهم نظروا إلى أصل إباحة الآنية، وجعلوا الذَّهب والفضَّة تابعًا لا حكم له.
• وأما الجمهور فرأوا أن علة التحريم في أجزاء الميتات هو الموت بذاته، وذهبوا إلى أنَّ علة التحريم في المسائل المتعلقة بالذهب والفضة هي وجود السرف والخيلاء، وهذا موجود في التابع أيضًا.
стр. 109
وهذان الأمران هما عماد مسائل الخلاف في باب الآنية، وتوسُّع الحنفيَّة فيهما ينتج عنه بالضرورة التوسع في الباب عمومًا، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 110
المبحث الثاني:
اتساع المذاهب وضيقها
في باب فروض الوضوء
تمهيد:
يذكر العلماء ﵏ في أثناء كتاب الطهارة أحكام الوضوء، ويفردون لفرائضه بابًا أو فصلًا يسمُّونه (باب الوضوء) أو (باب فروض الوضوء) (١).
والوضوء في اللغة: الحسن والنَّظافة (٢)، ووجه اشتقاق المعنى الشرعي من ذلك: أنَّ الغاسل وضَّأ وجهه؛ أيْ: حسَّنه (٣). والوُضوء -بضم الواو-: فعل المتوضئ، والوَضوء -بفتح الواو-: الماء الذي يتوضأ به (٤).