Полный текст (357 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يسر «مشروع أسفار» أنْ يقدّم للقارئ الكريم الإصدار التاسع والثلاثين من إصدارات المشروع: (التَّعليقة في أصول الفقه)، لشيخ الشافعية الإمام إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤).
كتابنا؛ من مهمات كتب الأصول، التي زخرت مدونات الفنّ بالنقل عنه، يعتبر امتداداً مهما لمدرسة شيخه «إمام الحرمين الجويني» ذات المعالم الأصولية المميزة.
كان مؤلفه إلكيا من محققي الشافعية المهرة بالتدريس والتعليم، وقد رُزِق في التعليم حسن البيان والتفهيم، وقصده للتعلم الأكابر من أهل عصره، وأثنوا عليه فقالوا: «تخرَّجَ بِهِ الأَئِمَّةُ»، وكانت تُعلَّق عنه التعاليق في «مجالس الدروس والتعليم» ومنها كتابنا القيّم الذي نقدّمه مطبوعاً لأول مرة، فمن مميزاته: أنه يتجلّى من الكتاب تحقيقه في النظر الأصولي؛ وتحريره للنزاع، والشرح وفق طريقة السؤال والجواب، وعنايته بربط مسائل الأصول وبناء بعضها على بعض؛ كما عُني بذلك تلميذه «الإمام ابن برهان» أيضاً في كتابه الأوسط؛ من منشوراتنا.
ونظراً لتعدد التعاليق عن إلكيا الهراسي، واشتمال المصادر المرجعية على نُقول أصولية عنه ليست موجودة ضمن تعليقنا أو هي من الجزء المفقود منه = اعتنى المحققان الفاضلان بجمع شتات تلك (النصوص المبثوثة) بتتبع دقيق، وجعلوه في ملحق آخر الكتاب، كما قاما بالتقديم للكتاب بمقدمة تميزت بدراسة
стр. 2
موسعة عن المؤلف ﵀ ومصنفاته.
ويؤكد أهمية قطعة الكتاب التي بأيدينا أنَّ الإمام إلكيا لم يطبع من تراثه إلا كتاب واحد هو «أحكام القرآن»؛ ثمَّ إِنَّ الله تعالى ساق لنا بفضله قطعةً صالحةً من كتابه «التعليقة في أصول الفقه» التي علقها عنه بعض تلاميذه، وكانت مخبوءةً ضمن مجموع عتيق منسوخ سنة (٥٠٧) فوفق الله «الشيخ كريموف» للكشف عن حالها وإثبات نسبتها لإلكيا بما تجده مسطوراً في الدراسة.
فإلكيا شخصية علمية نشطة في طبقتها بمجالات الدرس الفقهي والأصولي، والسفارة بين الملوك والساسة، حريةٌ بالاهتمام والإبراز، فجزى الله الشيخين الكريمين خير الجزاء على عملهما وبارك لهما جهدهما.
وفي الختام نسأل الله لهذا المشروع المبارك (أسفار) مزيد توفيق وسداد واقتناص لعيون التراث ونفيس الكتب، وأن يكتب للقائمين عليه والداعمين له بأموالهم أعظم الأجر وأجزله وأوفاه، وأن يصب عليهم بركاته صبا، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
أَسْفَار
لِنَشْرِ نَفِيسِ الكُتُب وَالرَّسَائِلِ العِلْمِيَّةِ
دولة الكويت
стр. 3
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. «الحمد لله الذي أكرمنا بتنزيله، وشرَّفنا بمعرفة تأويله، وشفى صدورنا بواضح بيانه، وهدانا من ظلم الضلالة، وعماية الجهالة به، وجعله ميزان قسط لا يحيف عن الحق غرب لسانه، وضوء هدى لا يجتنى من الشهاب نور برهانه، وعَلَمَ نجاة لا يضلُّ من أم قصد سُنَّتِه، ولا تنال أيدي الهلكات من تعلق بعروة عصمته.
نحمده على فنون بلائه، وضروب آلائه، ونشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من يعتصم بحبله، ويأوي في الشبهات إلى حرز عدله، ونشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله، وصفيه ونبيه، أرسله ببيان أوضحه، ولسان أفصحه، وشرع شرحه، ودين فسحه، فلم يدع صلوات الله عليه فسادًا إلا أصلحه، ولا عناداً إلا زحزحه، صلوات الله عليه ما هلَّل ملك وسبحه، وعلى من نصره وصحبه، وبَعْدُ» (١):
فإن أشرف العلوم ما ارتبط بكتاب الله تعالى وسنة نبيه ﷺ فهمًا واستنباطا، وحفظاً وصونًا، ولما كانت صنعة أصول الفقه لها حظ وافر من هذا الشرف؛ فقد حرصنا على نشر بعض كتبه المخطوطة مما لم ينشر، فوقع اختيارنا على هذا
_________
(١) مقتبس من مقدمة إلكيا في «أحكام القرآن» (١/¬١).
стр. 4
العلق النادر الذي يكشف لنا جانبًا من جوانب الحالة العلمية في القرن الخامس الهجري؛ حيث إنه أول كتاب يصدر مطبوعًا في التقييد الأصولي. فقد انتشرت في ذاك الزمن: «التعاليق» و «التقاييد» في عدد من الفنون، ومنها علم أصول الفقه، ولم يطبع - إلى الآن - حسب علمنا تعليق في الأصول العالم قبل كتابنا هذا. ولذا؛ فإنك ستجد في هذا الكتاب نموذجا من أساليب التعليم - من عالم بارع في البيان ممارس للتدريس - في تكرار بعض المعلومات وتيسيرها وبسطها والإكثار من الأمثلة بما يخالف ما استقر عليه الحال في علم الأصول في العصور المتأخرة من الإيجاز واستعمال بعض العبارات العويصة أو التعمية والإغراب في أسلوب النظم.
كما أنه يُبرز جانبًا من أثر مدرسة أبي المعالي الجويني الأصولية الذي لم يكن معروفا عند الباحثين؛ فإن مصنفات الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) مشهورة بين أهل العلم قديما وحديثا؛ وأما قرينه - علما وسنا - إلكيا الهراسي، فلم يُعرف في عصرنا إلا بواسطة بعض العلماء - كابن السبكي (ت ٧٧١ هـ) والزركشي (ت ٧٩٤ هـ) والسيوطي (ت ٩١١ هـ) - الذين وقفوا على كتبه ونقلوا منها.
فجاء هذا الكتاب حاويا لفرائد ونفائس، من استنباط لأصول العلماء وتخريج للفروع على الأصول، وبيان مآخذ بعض المسائل، وعناية بتحرير مذهب الشافعي، مع تطبيق للجدل الأصولي الرفيع في مسائل متعددة. ولم يخل مع ذلك من نقولات عن بعض أعلام الأصول استفادة أو تعقبًا.
ونظرًا لوجود الاختلاف بين إبرازات التعاليق، حرصنا على مقارنة ما وُجد في هذه التعليقة بما نقله الأصوليون عن إلكيا، وجعلناها في الهامش، سواء جاء
стр. 5
النص متطابقا أو مع زيادة لم تكن في تعليقتنا؛ وذلك إكمالا للفائدة، وتيسيرا على القارئ بجمع ما تفرق من آراء الإمام الكيا في مكان واحد. ولم يعكر صفو كتابنا إلا أمران:
أحدهما: أننا لم نجده تاما، فهذه القطعة تمثل النصف من حيث الموضوعات تقريبا، ولذا اجتهدنا في وضع ملحق نجمع فيه ما نُقل عن إلكيا من مسائل تسد جزءًا من هذا النقص.
والثاني: أنَّ المعلق لم يدوّن كل ما دار في الدرس، بل انتخب، واختصر أحيانا، وفاته أشياء، وليته كان من الموفقين في تقييد الدروس - حسب تعبير الإمام الكيا ـ، حيث يقول: « … المجلس الواحد قد يكون فيه من يُصغي إلى الكلام، ثُمَّ يختلفون في الإصغاء والاستماع، فيكون بعضُهم أحسن استماعا وتلقفا من بعض. وقد يظهر ذلك في الدروس والروايات، فيجوز أن يوفّق بعضهم أو واحد منهم لحسن التلقف، واستياق القصة من أولها إلى آخرها».
ومع كوننا لم نعرف هذا المعلّق إلا أنه وصل إلينا ما كتبه - على ما فيه - وفقد كثيرٌ من تعليقات المبرزين من أقرانه، فنسأل الله تعالى له الرحمة والمغفرة، وأن يجعل ذلك في ميزان أعماله الصالحة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
стр. 6
أوَّلاً: المؤلّف (١)
(٤٥٠ - ٥٠٤ هـ) (١٠٥٨ - ١١١٠ م)
١ - اسمه ونسبه:
هو أبو الحسن شمس الإسلام (٢) علي بن محمد بن علي بن إبراهيم الطبرستاني الشافعي، الملقب بـ: عماد الدين (٣)، والمعروف اختصارا بـ:
_________
(١) جمعنا ترجمة المؤلف من مصادر متنوعة، وهذه أهمها:
«معجم السفر» (ص ١٦١، ٢٦٨، ٤٥٤)، «المنتخب من كتاب السياق» (ص ٤٣٣)، «تبيين كذب المفتري» (ص ٥٣٨)، «المستفاد من ذيل تاريخ بغداد» (ص ٣٤٧ - ٣٤٨)، «مرآة الزمان» (٢٠/¬٤٦)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٨٦)، «سير أعلام النبلاء» (١٩/ ٣٥٠)، «البداية والنهاية» (١٢/¬١٤)، «طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ٢٣١)، «طبقات الشافعية (الصغرى)» (١/ ٥٧٠)، «طبقات الفقهاء الكبرى» (١/ ٥٣٣)، «العقد المذهب في طبقات حملة المذهب (ص ١١٤)، «شذرات الذهب» (٦/¬١٤)، ذيل لب اللباب» (ص ٢٣٨)، «الأعلام» (٤/ ٣٢٩). وقد أفرد الأستاذ برهان الدين محمد الداغستاني ﵀ مقالا في ترجمته في مجلة «الرسالة»، ونُشر في السنة الخامسة عشرة منها، في العددين العدد ٧٢١ (ص ٤٨٠ - ٤٨٢)، وتتمته في العدد ٧٢٢ (ص ٥٠٨ - ٥١٠).
تنبيه: ذكرت بعض المصادر شخصية تشترك مع صاحبنا في الاسم والكنية واسم الأب والجد والبلد، وهو علي بن محمد بن علي الطبري الآملي الشافعي، وكان أسن من إلكيا، فقد ذكروا في ترجمته أنه سمع ببلده من إملاء الحافظ الجِنَاري المتوفى سنة ٤٣٢ هـ. انظر: «طبقات الشافعية» لابن الصلاح (٢/ ٦٤٣).
(٢) جاء في «الفنون» (١/ ١٢٣) في موضع واحد تلقبيه بـ: «شمس الأئمة»، وفي موضعين آخرين (١/ ١١٩ - ١٢٠) بـ: «شمس الإسلام»، وهو المشهور.
(٣) جاء في «التعليقة الكلامية» لإلكيا (ق/ ٩/ ظ): «قال إمامنا كمال الدين ﵀ فنقول: يأتي على إمامنا أبي المعالي أن النظر المهجوم عليه لا يضاد الجهل … ». والذي يظهر لنا أن المقصود=
стр. 7
«إلكيا»، و «إِلْكِيَا الهَرَّاسِي»، و «إِلْكِيَا الطَّبَرِي».
وَإِلْكِيَا (١): بهمزة مكسورة، ولام ساكنة، ثُمَّ كاف مكسورة، بعدها ياء مثناة من تحت، هذا هو الأشهر في ضبطها، فعلى هذا الضبط تكون الهمزة واللام من أصل الكلمة، وهو المشهور، وقد نص عليه غير واحد، منهم الحافظ ابن كثير في «طبقات الشافعية» (٢).
وذهب آخرون إلى أنهما للتعريف فقط. قال شهاب الدين الكوراني (ت ٨٩٣ هـ): «لفظ الكيا … بكسر الكاف، وفتح همزة الوصل؛ إذ اللام فيه للتعريف، ولفظ "كيا" مجردًا عن اللام اسم جنس لطائفة من ملوك العجم - كتبع لملوك حمير، وقيصر لملوك الروم -، وكسر الهمزة … سهو ظاهر» (٣). ويؤيد ذلك ما جاء في القطعة التي بين أيدينا من كتاب «الفنون» (٤) لابن عقيل (ت ٥١٣ هـ) وهو معاصر له - في سبعة مواضع تسميته إياه بـ: «كيا». وهذا يلائم إطلاق الألقاب والأسماء عند العجم، حيث تأتي مجردةً عن (ال).
فالظاهر أن كليهما سائغ إن شاء الله، لكن لما كان المشهور هو القول
_________
بكمال الدين هنا هو إلكيا الهراسي، وأن المقيّد - أو الناسخ - كتب ذلك بعد وفاته، ولم نقف في كتب التراجم على تلقيبه بهذا اللقب، فقد يكون هذا أحد ألقابه غير المنتشرة أو أنه وهم من الكاتب.
(١) قال السخاوي: قال ابن خلكان: هو بفتح الكاف، ولا أعلم لأي معنى قيل له إلكيا. انتهى. وقال غيره من أهل الأدب: إن معناه الأمير، وضبطه بكسر الكاف، وهو المشهور على الألسنة. «الجواهر والدرر» (١/ ١٣١). ومعنى إلكيا: الكبير القدر، العظيم الشأن، المقدم بين الناس.
(تعليق الشاملة): كذا (بفتح الكاف) في حاشية «الجواهر والدرر» بخط السخاوي، كما نقله محقق الجواهر. والذي في مطبوع «وفيات الأعيان» (٣/ ٢٨٩): «وهو بكسر الكاف وفتح الياء المثناة من تحتها وبعدها ألف»، فالله أعلم
(٢) (٢/ ٩٤).
(٣) «الدرر اللوامع في شرح جمع الجوامع» (١/ ٤٧٩).
(٤) (١/ ١١٩، ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤، ١٢٥، ١٣٦). وينظر أيضا: «سلم الوصول» (٥/ ٢٥٩).
стр. 8
الأول، جرينا عليه في كتابنا هذا، والله أعلم.
والهراسي (١): براء مشدَّدةٍ، وسين مهملتين؛ ذكر عامة من ترجمه أنه لا يُعلم نسبته لأي شيء، وانفرد ابن الملقن، فذكر أن هراس إحدى مدن طبرستان. وأما معناها: فقيل: إنها فارسية بمعنى: الذعر.
ولعل معنى: «إلكيا الهراسي» يعني: كبير القدر، مهيب الجانب، فهو لقب يدل على التعظيم والمهابة، والله أعلم.
٢ - نشأته ومناصبه:
ولد في خامس ذي القعدة سنة ٤٥٠ هـ في طبرستان، وتفقه ببلده، ثم رحل إلى نيسابور؛ قاصدًا إمام الحرمين وعمره ثماني عشرة سنة (٢)، وقيل: كان عمره حين رحلته عشرون سنةً. وأيا كان الأمر؛ فإنَّ رحلته إلى أحد مشاهير عصره وهو في سن العشرين أو قبيله - وقد تفقه قبل ذلك - يدل على نيله حظا وافرا من العلم في سن مبكرٍ.
المرحلة الأولى من حياته من ولادته إلى سن (١٨) نشأته في مسقط رأسه:
لم نقف على معلومات تسلط الضوء على حياته في هذه المرحلة المبكرة، لكن الظاهر من خلال النظر في مصادر ترجمته أنه قد تعلّم وتفقه مبكرا، ولم يخرج من بلده إلى نيسابور إلا وقد استكمل مبادئ العلوم، ورغب في الفقه والأصول.
_________
(١) وفي بعض المصادر: «الهراس». انظر: «الفنون» (١/ ١٢٢، ١٢٣، ١٢٤)، «معجم السفر» (ص ١٦١)، «الرياض المونقة» (ص ١٨٣)، «رفع الحاجب» (١/ ٢٣٥).
(٢) أي في حدود سنة ٤٦٨ هـ؛ وعلى القول الثاني في حدود سنة ٤٧٠ هـ.
стр. 9
المرحلة الثانية (من سن ١٨ إلى ٢٨) ملازمته لإمام الحرمين:
وأما ما بعد نشأته في طبرستان - مسقط رأسه ـ، فقد رحل إلى نيسابور قاصدا إمام الحرمين، وتعتبر هذه هي المرحلة الثانية من نشأته العلمية، وهي الأهم في تكوينه؛ فقد صحب إمام الحرمين وتخرج به ولازمه حتى وفاته، فكان مدة ملازمته إياه قرابة عشر سنوات. وأصبح أثناء صحبته لأبي المعالي من رؤوس معيديه، وصار من أكبر أصحابه وأعظم طلابه مع قرينه أبي حامد الغزالي وغيره.
ومن الدلائل على جده واجتهاده في طلب العلم وحرصه على الحفظ والإتقان ما قاله عن نفسه: «كنتُ في مدرسة سرهنك بنيسابور، وفيها قناةٌ لها سبعون درجة، وكنتُ إذا حفظت الدرس أنزِلُ القناة وأُعيد الدرس في كل درجة؛ مرَّةً في النزول، ومرَّةً في الصُّعود. قال: وكذا كنتُ أفعل في كل درس حفظته».
المرحلة الثالثة (من سن ٢٨ إلى ٤٢) الاستقلال وتولي المناصب:
بعد وفاة شيخه خرج إلى بيهق، فأقام بها مُدَّةً يدرّس ويُفيد الناس.
واتصل بخدمة الملك مجد الملك بركياروق بن ملك شاه السلجوقي (ت ٤٩٨ هـ)، وحظي عنده بالمال والجاه وارتفع شأنه، وتولى القضاء بتلك الدولة.
وأما طبيعة خدمته للملك بركياروق، فقد وقفنا على إشارات في بعض المصادر:
فمنها ما ذكره ابن عقيل الحنبلي ﵀ في «الفنون» (١) في سياقه لمسألة
_________
(١) (١/ ١١٩، ١٢٤ - ١٢٥)
стр. 10
علمية، فقال في الموضع الأول: «استدل الشيخ الإمام شمس الإسلام عماد الدين كيا رسول الملك بكيارق إلى الإمام المستظهر بالله أدام الله سلطانهما». وقال في موضع آخر: «جرى بالمدرسة النظامية يوم حضر رسول الملك إلى الإمام المستظهر بالله - حفظ الله مجده، وأعز نصره، وخذل أعداءه ـــ المعروف بـ: كيا الهراس حفظه الله … ».
ومنها ما ذكره ابن كثير الشافعي (ت ٧٧٤ هـ) في «تاريخه» (١): «حكى إلكيا الهراسي - حين بعثه السلطان بركياروق إلى السلطان إبراهيم بن محمود بن مسعود بن سبكتكين (ت ٤٩٢ هـ) صاحب غزنة وأطراف الهند - في رسالة عما شاهده عنده من أمور السلطنة في ملبسه ومجلسه، وما عنده من السعادة الدنيوية، قال: "رأيتُ شيئًا عجيبًا"، وقد وعظه بحديث: «لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا» (٢)، فبكى. قال: "وكان لا يبني لنفسه منزلًا إلا بنى قبله مسجدًا أو مدرسة أو رباطا"».
فمن خلال هذه النصوص يظهر لنا قرب الإمام إلكيا الهراسي من الملك بركياروق، حيث جعله رسولا إلى الخليفة والسلاطين (٣)، وهذا يؤكد مكانته عند الملك وثقته فيه، إضافةً إلى ما نُقل أنه تولى القضاء في دولة هذا السُّلطان، فربما يكون قد تولى القضاء ابتداءً، ثم علا منصبه ليكون رسولا له، والله أعلم.
وهاهنا أمر؛ لا تجيب عنه المصادر التي بين أيدينا بدقة، وهو: متى كان
_________
(١) «البداية والنهاية» (١٦/ ١٦٨).
(٢) أخرجه البخاري (٢٦١٥)، ومسلم (٢٤٦٩) من حديث أنس.
(٣) وقارن مع: «تارخ ابن خلدون» (٣/ ٦٠٣).
стр. 11
اتصاله بالملك بركياروق؟
فنقول: من المحتمل أن يكون ذلك بعد وفاة شيخه وهو في نيسابور، ويحتمل أن يكون في بيهق بعد خروجه من نيسابور، وهذا أقرب، ويشهد له سياق كلام ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، حيث قال: «ثُمَّ اتصل بعد موت إمام الحرمين بمجد الملك في زمان بركياروق وحظي عنده، ثُمَّ خرج إلى العراق … .».
المرحلة الرابعة: (من سن ٤٢ إلى ٥٤) العطاء العلمي:
خرج إلكيا من بيهق، وقدم بغداد سنة ٤٩٢ هـ، وتولَّى التدريس بالمدرسة النظامية في سنة ٤٩٣ هـ، واجتمع عليه الفقهاء، وقصده الطلبة من البلاد، وارتفع قدره وعلا شأنه وعظم جاهه؛ حتى أنَّ الوزير سعد الملك (ت ٥٠٠ هـ) لما زار المدرسة النظامية، حضر درسه ليرغب الناس في العلم.
ولم يزل على التدريس إلى حين وفاته (١)، ثُمَّ خلفه بعد وفاته في تدريس النظامية أبو بكر الشاشي المعروف بالمستظهري (ت ٥٠٧ هـ).
وكان في خدمة إلكيا بالمدرسة النظامية أبو إسحاق إبراهيم بن عثمان الغزي الأشهبي (ت ٥٢٤ هـ) - الشاعر المشهور (٢)، وقد رثاه ارتجالاً على ما حكاه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣).
وبهذا ينتهي الحديث عن نشأته العلمية باختصار، وهي حافلة بالتعليم
_________
(١) مع الإشارة إلى أن تدريسه في النظامية كانت عشر سنوات تقريبا، وفي سنة ٤٩٥ هـ انتزع من التدريس فترة، ثم عاد إليها. وسيأتي سبب ذلك في ذكر محنته.
(٢) ترجمته في «وفيات الأعيان» (١/ ٥٧).
(٣) (٧/ ٥٢). وانظر: (ص ٢٦) من هذا الكتاب
стр. 12
والتدريس وتخريج الطلاب، ومع أنه توفي في سن النضج ولم يبلغ الشيخوخة إلا أنه خرج علماء فقهاء وألف في فنون متنوعة، فرحمه الله تعالى.
٣ - أسرته:
لم نقف في مصادر ترجمته على شيء في الحديث عن والديه وعائلته، فهل عاش في أكنافهما أم نشأ يتيما؟ إلا أن نشأته في التعليم وتميزه فيه منذ الصغر يدل على وجود رعاية وعناية به.
أما أسرته الخاصة؛ فقد تزوج إلكيا وأنجب، لكن لم نجد في كتب التراجم رصدًا لتفاصيله حياته سوى ما نُقل من أخبار يسيرة عن ابنه وحفيده.
أما ابنه، فهو: عبد الملك، وكنيته أبو المعالي، ويظهر لنا من كنيته واسمه إعجاب أبيه بشيخه أبي المعالي الجويني ووفاؤه له، حتى أنه سمى ولده باسمه.
ولد عبد الملك بن إلكيا في بغداد ونشأ بها؛ سمع الحديث عن بعض العلماء وحدث باليسير، ولم يكن له كبير اشتغال بالعلم، فلم يسلك طريقة والده في العلم والسياسة الشرعية.
عمل مع أصحاب الديوان، وخدم في أشغالهم وعلت مرتبته، فرتّب حاجبا بالباب النوبي، وناظرًا في المظالم في سنة ٥٥٠ هـ، فأقام نحوا من أربعين يومًا، ثُمَّ عُزل (١)، وحبس لمدة ١٠ سنين أيَّامَ الخليفة العباسي المستنجد بالله (ت ٥٦٦ هـ)، وأطلق بعد وفاته، فلم يلبث طويلا، فتوفي في يوم الأربعاء ثامن ربيع الآخر سنة ٥٦٧ هـ، ودفن في مقبرة الشونيزية.
_________
(١) انظر مزيد تفصيل للقصة في: «المنتظم» (١٨/ ١٠١)، و «تاريخ الإسلام» (١٢/ ٣٥٧).
стр. 13
أما حفيده، فهو: أبو الفتوح يحيى بن عبد الملك، ولد سنة ٥٤٢ هـ، سمع من أبيه، ومن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، حدث ببغداد ودمشق. ذكر المنذري (ت ٦٥٦ هـ) في «التكملة» (١) «أنه لقيه في دمشق وسمع منه». تولّى يحيى ديوان الأوقاف بدمشق، وكان ناهضاً أميناً، وله شعر. توفي سنة ٦١٤ هـ.
هذا ما وقفنا عليه من أخبار أسرته، ويبقى هنا أمر، وهو أن كنية إلكيا: أبو الحسن، ولا نعلم: هل له ابن اسمه الحسن، أو أن التكنية كانت لأجل أن اسمه علي، فكني به كما اشتهر من تكنية الصغار بأسماء الأئمة والقدوات من المسلمين.
٤ - شيوخه وأساتذته:
لم نقف فيما بين أيدينا من المصادر إلا على شيوخ ثلاثة ممن أخذ عنهم إلكيا، فقد تتلمذ لأبي المعالي الجويني، وصحبه وبه تخرّج ــ كما سبق ــ. وهو أعظم شيوخه وأكثرهم تأثيرًا عليه، سواء في علم الكلام أو الأصول أو الخلاف، وهو يُكثر من ذكره والنقل عنه، ومع ذلك فلم يكن تابعا له مقلدا إياه، بل كان يصرّح بمخالفته في أكثر من مسألة (٢).
وسمع من الفقيه أبي علي النيسابوري الحسن بن محمد الصفار (ت ٤٧٥ هـ) (٣)، وأبي الفضل زيد بن صالح الطبري الأملي الحنفي (٤).
_________
(١) (٢/ ٤١٤).
(٢) انظر مثلا: التعليقة الكلامية (ق/ ٤/ ظ).
(٣) ترجمته في «تاريخ الإسلام» (١٠/ ٣٧٧).
(٤) لم نجد له ترجمة. قال الذهبي في ترجمة إلكيا: «حدث عن زيد بن صالح الآملي، وجماعة». «السير» (١٩/ ٣٥١). وجاء ذكره عابرا أثناء رواية إلكيا عنه في: «المنتظم» (١٤/ ٣٧٦).
стр. 14
تَتِمَّةٌ:
إلكيا الهراسي من فقهاء الشافعية على طريقة الخراسانيين (المراوزة) (١)، وشيخه في هذه الطريقة: أبو المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، الذي تفقه على والده أبي محمد الجويني (ت ٤٣٨ هـ)، وأبو محمد تفقه على أبي بكر القفال المروزي (ت ٤١٧ هـ)، والقفال تفقه على أبي زيد المروزي (ت ٣٧١ هـ)، وأبو زيد تفقه على أبي إسحاق المروزي (ت ٣٤٠ هـ)، وأبو إسحاق تفقه على أبي العباس ابن سريج (ت ٣٠٦ هـ)، وهو تفقه على أبي القاسم الأنماطي (ت ٢٨٨ هـ)، والأنماطي تفقه على أبي إبراهيم المزني (ت ٢٦٤ هـ)، الذي تفقه على الإمام الشافعي. وقد ذكر هذه السلسلة ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) أثناء سرده لإسناد طريقته في التفقه، فذكر أنه أخذ الفقه عن والده صلاح الدين (ت ٦١٨ هـ)، الذي تفقه على شيخ المذهب في زمانه أبي القاسم ابن البزري (ت ٥٦٠ هـ)، وهو تلميذ الإمام الكيا (ت ٥٠٤ هـ)، ثم سرد باقي الإسناد إلى الإمام الشافعي.
٥ - تلاميذه:
كان ابتداء تدريس الكيا لما كان معيدًا عند إمام الحرمين في نيسابور، واستقل بالتدريس أولاً في بيهق، ثُمَّ في المدرسة النظامية، وتتلمذ له هناك كثير من الأعلام، ولئن قل شيوخه - فيما بين أيدينا من كتب التراجم ـ، فإنه قد رُزِق من التلاميذ بعدد يصعب حصرهم، ولذا؛ فقد اقتصرنا على أهم هؤلاء الأعلام، وهم حسب تواريخ وفياتهم:
_________
(١) للاستزادة راجع: «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي في ترجمة القفال الصغير المروزي (ت ٤١٧ هـ) (٥/ ٥٤).
стр. 15
* أبو الفتح أحمد بن علي بن محمد، المعروف بـ: ابن برهان (ت ٥١٨ هـ)، الفقيه الحنبلي ثُمَّ الشَّافعي، تفقه على ابن عقيل والشاشي والغزالي، وصحب إلكيا ولازمه.
* وأبو القاسم الرازي الفقيه (٥٢٢ هـ)، وهو: عبد الكريم بن علي بن أبي طالب، أخذ عن الكيا وصحب الغزالي.
* وأبو الحجاج اللخمي الميورقي (ت ٥٢٣ هـ)، وهو: يوسف بن عبد العزيز بن علي، تفقه ببغداد على إلكيا.
* ومحمد بن عبد الله بن تومرت (ت ٥٢٤ هـ)، الملقب نفسه بـ: «المهدي».
* وأبو القاسم الجيلي، وهو: عبد السلام بن الفضل (ت ٥٣٤ هـ)، تفقه على الكيا في النظامية.
* وأبو منصور الرزاز (ت ٥٣٩ هـ)، وهو: سعيد بن محمد بن عمر، كان من كبار الشافعية ببغداد، ومدرساً في النظامية، تفقه على الغزالي وإلكيا وأبي بكر الشاشي وغيرهم.
* ومحمد بن عشير، أبو بكر الدربندي الشَّرواني (ت ٥٣٩ هـ)، تفقه على إلكيا.
* وسعد الخير الأنصاري ابن محمد بن سهل الأندلسي (ت ٥٤١ هـ)، أخذ عنه الحديث والفقه.
* وأبو عبد الله الجيلي (ت ٥٤١ هـ)، وهو: شافع بن عبد الرشيد بن القاسم، تفقه على إلكيا والغزالي.
стр. 16
* ومحمد بن علي بن عبد الله البغدادي (ت ٥٤١ هـ)، تفقه على الكيا والغزالي والشاشي وابن عقيل وغيرهم.
* وعبد الله بن علي بن سعيد البغدادي (ت ٥٤٢ هـ)، الفقيه، أخذ عن إلكيا وأبي بكر الشاشي.
* ومحمد بن محمد بن أحمد بن القاسم البغدادي (ت ٥٤٤ هـ)، تفقه على إلكيا.
* وعلي بن محمد بن عيسى بن المؤمل المعروف بـ: ابن كراز الواسطي (ت ٥٤٥ هـ)، تفقه على الإمام إلكيا.
* ومحمد بن منصور النيسابوري الحرضي (ت ٥٤٧ هـ)، سمع القشيري ويعقوب الصيرفي وإلكيا.
* ومحمد بن عبد الله بن محمد، أبو علي البسطامي (ت ٥٤٨ هـ)، الفقيه، المعروف بـ: إمام بغداد، تفقه على إلكيا.
* وأبو الفتح الباقرحي (ت ٥٥٣ هـ)، وهو: عبد الواحد بن الحسن بن محمد البغدادي، تفقه على إلكيا ببغداد، وعلى الغزالي بخراسان.
* وعمر بن محمد بن أحمد أبو القاسم ابن البزري (ت ٥٦٠ هـ)، الفقيه الشافعي، اشتغل على إلكيا وأبي حامد الغزالي وجماعة.
* وأبو العباس الإربلي (ت ٥٦٧ هـ)، وهو: الخضر بن نصر بن عقيل، الفقيه الشافعي، تفقه على إلكيا وأبي بكر الشاشي.
* والحافظ أبو طاهر السَّلَفيُّ (ت ٥٧٦ هـ)، وهو: أحمد بن محمد بن
стр. 17
أحمد، تفقه على الكيا وروى عنه.
* وأبو الفضل الطوسي ثُمَّ البغدادي (ت ٥٧٨ هـ)، وهو: عبد الله بن أحمد بن محمد، قرأ على الكيا في الفقه والأصول، وتوفّي وله اثنتين وتسعين سنة.
* وأبو زكريا الزناتي، وهو: يحيى بن أبي ملول بن عشيرة، الفقيه المالكي، دخل بغداد، وتفقه بها على إلكيا.
هذا؛ وقد أطلنا في ذكر التلاميذ نسبيًّا - وإن لم نستقص ـ؛ لاحتمال أن يكون أحدهم هو من كتب التعليقة التي بين أيدينا، نسأل الله أن يرحم الجميع.
ويلحظ مما سبق أن أكثر التلاميذ - إن لم يكن كلهم - كانوا في بغداد من طلاب المدرسة النظامية، ونعزو ذلك إلى أمرين:
الأول: أن بغداد كانت من أشهر مواطن العلم والعلماء، وكانت عاصمةً للخلافة الإسلامية، إضافةً إلى وجود المدرسة النظامية فيها، التي كانت محل اهتمام ورغبة من العلماء وطلاب العلم.
والثاني: أن التدوين في رصد الحركة العلمية وأهلها في مثل هذه البلدان أكثر شيوعا من غيرها. وذلك أن غالب المصادر التاريخية تعتني في العادة بتراجم علماء المدن الشهيرة.
٦ - من أقوال العلماء فيه، وشيء من صفاته:
إلكيا الهراسي علم مشهور، وفقيه من فقهاء الشافعية، وشهرته بين العلماء تغني عن الاستقصاء في جمع أقوال العلماء عنه، ومن باب التأكيد على مكانته العلمية نذكر بعض النماذج على ذلك:
стр. 18
قال الحافظ السلفي: «سمعتُ الفقهاء يقولون: كان الجويني يقول في تلاميذه إذا ناظروا: التحقيق للخَوَافي (ت ٥٠٠ هـ)، والجريان للغزاليّ، والبيان لإلكيا».
وقال ابن عساكر: «الإمام البالغ في النَّظر مبلغ الفحول».
وقال ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ): «أحدُ الفقهاء الكبار من رؤوس الشافعية … ، وكان من أكابر العلماء، وسادات الفقهاء».
وقال الخيضريّ (ت ٨٩٤ هـ): «الإمام الكبير، الجليل القدر، المعظم بين الأئمة، إمام الأصحاب».
ومن صفاته التي نقلها من ترجم له أنه كان فاضلاً، فصيح العبارة، جهوريّ الصوت حسنه، وحسن المنظر.
وقد اشتهر عنه البيان؛ وهذا الوصف تكاد تتفق عليه المراجع، والبيان صفة يتحقق منها من يسمع منه مباشرة؛ ويوصف كذلك البيان في الكتابة، وقد وجدناه كذلك في هذه «التعليقة» وكتاب «أحكام القرآن»؛ ويعزز ذلك أنه كان من العلماء المتفّننين؛ فقد برع في الأصلين والفقه والتفسير والخلاف وغيرها من العلوم، فمن حاز هذه العلوم وتمكّن منها، فهو حقيق أن يكون من أهل البيان.
٧ - من علاقته بأهل العلم في زمانه:
ممّا تميّز به الكيا الهراسيُّ أنه كان طيّب المعشر، حسن الأخلاق كما جاء في وصفه عند مترجميه، وقد وقفنا على عدد من النماذج التي تشهد لذلك، وقبل أن نسردها يحسن بيان أن ما حصل من منافسة ومنازعة وجدل في المسائل العلمية
стр. 19
وغيرها، لم تكن مؤثرةً في علاقته الاجتماعية بأهل العلم والفضل.
- فمما نُقل عن علاقته مع بعض أعلام الحنابلة: ثناؤه على الإمام الفقيه أبي الخطاب الكلوذاني (ت ٥١٠ هـ). ففي «سير أعلام النبلاء» (١): «كان إلكيا إذا رأى الكلوذاني مُقبلا قال: قد جاء الجبل»، وفي نقل آخر: «كان إلكيا إذا رأى أبا الخطّاب قال: قد جاء الفقه».
- وكذلك ما جاء عن علاقته العلمية بالعالم الفقيه ابن عقيل الحنبلي أنهما كانا يتناظران كثيرًا (٢)، فكان يُنشد إلكيا - تلطفا مع ابن عقيل - في المناظرة:
«أرفق بعبدك إن فيه فهاهةً … جبلية ولك العراق وماؤها» (٣)
- وقال السلفي: «ولقد تكلم - يعني ابن عقيل - يومًا مع شيخنا أبي الحسن إلكيا الهراسي في مسألة، فقال شيخُنا: هذا ليس مذهبك، فقال: أنا لي اجتهادٌ، متى ما طالبني خصمي بحُجَّةٍ: كان عندي ما أدفع به عن نفسي، وأقوم له بحجتي، فقال له شيخنا: كذلك الظن بك» (٤).
- سياق إيراد ابن خلكان فتوى إلكيا الهراسي في حكم لعن يزيد بن معاوية، ثُمَّ تعقيبه بفتوى مخالفة لأبي حامد الغزالي في نفس المسألة قد يُشعر بوجود منافسة بينهما، وهو أمر طبيعي بين الأقران، لا سيما وقد جمعهم بلدٌ واحد والتتلمذ لشيخ واحد.
_________
(١) (١٩/ ٣٤٨).
(٢) وقد سجل ابن عقيل شيئا من تلك المناظرات في «فنونه».
(٣) «ذيل طبقات الحنابلة» (١/ ٣٢٦).
(٤) المصدر السابق.
стр. 20
٨ - من الأقوال المشهورة عنه:
- حدَّث الحافظ أبو طاهر السِّلَفيُّ قال: «استفتيتُ شيخنا إِلكْيا الهراسيَّ ببغداد سنة ٤٩٥ هـ - أو قبلها أو بعدها بقليل - لكلامٍ جرى بيني وبين الفقهاء بالمدرسة النظامية التي هو مدرسها: ما يقول الإمام وفَّقه الله تعالى في رجلٍ أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل يدخل كتَبَةُ الحديث تحت هذه الوصية أم لا؟
كتب بخطِّه تحت السؤال: نعم، وكيف لا، وقد قال النبيُّ ﷺ : من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً» (١).
- ومنها قوله: «إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهاب الرِّياح».
٩ - محنته:
من ابتلاء الله تعالى لإلكيا الهراسيِّ أنه اتُّهم ورُمي عند السلطان بمذهب الباطنية، فعزم السلطان السلجوقيُّ على قتله، فحماه الخليفة المستظهر، وشهد له جماعة من العلماء بالبراءة.
_________
(١) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٢٩٢) عن أنس وأبي هريرة ومعاذ بن جبل، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٥٩٦) من حديث أبي هريرة، ومن حديث أبي الدرداء (١٥٩٧). قال النووي: «طرقه كلها ضعيفة»، وقال ابن حجر: «جمعت طرقه في جزء ليس فيها طريق تسلم من علة قادحة»، لكن يُفهم من كلام الحافظ السلفي في «الأربعين البلدانية» (ص ٢٨) أن بعض العلماء يراه ثابتاً، وسياق إيراد إلكيا للحديث يؤيد ذلك؛ ولعله بناء على كثرة طرقها وانضمام بعضها إلى بعض. انظر: «البدر المنير» (٧/ ٢٧٨)، «كشف الخفاء» (٢/ ٢٤٦).
стр. 21
وممن ذكر تفاصيل هذه القضية: ابن الجوزي في «المنتظم» (١)، فقال في حوادث سنة ٤٩٥ هـ: «في يوم الخميس سادس محرم قبض على إلكيا أبي الحسن عل بن محمد - المدرس بالنظامية ـ، فحمل إلى موضع أفرد له، ووكل به جماعة؛ وذلك أنه رفع عنه إلى السلطان محمد بأنه باطني، فتقدم بالقبض عليه فتجرَّد في حقه أبو الفرج بن السيبي القاضي (ت ٥٠٤ هـ)، وأخذ المحاضر، وكتب أبو الوفاء بن عقيل خطه له بصحة الدين، وشهد له بالفضل، وخوطب من دار الخلافة في تخليصه فاستنقذ».
وقد بين ابن السبكي سبب هذه الفتنة قائلا: «ومن غريب ما اتفق له أنه أُشيع أنَّ إلكيا باطني يرى رأي الإسماعيلية، فنمت له فتنة هائلةٌ، وهو بريء من ذلك، ولكن وقع الاشتباه على الناقل؛ فإنَّ صاحب الألموت ابن الصباح الباطني الإسماعيلي كان يُلقب بـ: إلكيا أيضًا، ثم ظهر الأمر وفرجت كربة شمس الإسلام ﷺ ، وعلم أنَّه أُتي من توافق اللقبين» (٢)، وكان من آثار هذه المحنة أنه نزع من التدريس في النظامية وقت الفتنة، ثم بعد ما شهد له العلماء بالبراءة، أعيد له التدريس.
تنويه: جاء في كتاب «يوميات فقيه حنبلي» (٣) لابن البناء (ت ٤٧١ هـ) ما نصه: «وفي يوم الجمعة الثالث عشر منه (٤)، وكانت نوبتي في جامع المنصور، عُرفتُ أَنَّ الهراسي الواعظ حُطَّ من الكرسي، وأنكر عليه أسباب يوردها فظيعة.
_________
(١) (١٧/ ٧٤).
(٢) «طبقات الشافعية الكبرى» (٧/ ٢٣٣).
(٣) (ص ١٥٤ - ١٥٥).
(٤) أي: من عام ٤٦١ هـ.
стр. 22
ومناكير يذكرها، وتعريضات بأهل السُّنَّة، وتلويحات بفضل الأشعري ومن وافقهم، وتوهيمات على العوام بأنّ أصحاب الحديث مشبهة، وفعل ثانيةً كذاك، وكسر كرسيه الذي بجامع المنصور، وتولَّى ذلك ابن سُكَرة الهاشمي حفظه الله».
ولنا مع هذا النص وقفةٌ، وهي أن يقال: إنَّ هذا المذكور في القصة ليس هو إلكيا الهراسي، الفقيه المشهور - صاحب هذه التعليقة - كما توهم المعلق على الكتاب المذكور؛ لأنَّ الهراسي كان وقتها عمره قرابة إحدى عشرة سنة، ولم يكن قد دخل بغداد كما سبق بيانه في رحلاته، فضلا عن كونه يتصدر مجالس الوعظ في هذا السن المبكر من عمره. ولعل المذكور في تلك القصة شخص آخر يشابهه في هذه النسبة إن صحت قراءة المحقق؛ وإلا فإنها تحتمل - حسب الرسم الذي اطلعنا عليه في النسخة الخطية من الكتاب المذكور - أوجها أخرى، والله أعلم.
١٠ - وفاته:
توفي الإمام إلكيا في بغداد، عصر يوم الخميس، مستهل شهر محرم عام ٥٠٤ للهجرة، - وله ثلاث وخمسون (٥٣) سنة ـ، ودفن من الغد في مقبرة باب أبرز بتربة الشيخ أبي إسحاق الشيرازي -رحمهما الله-. ورثاه تلميذه وخادمه في النظامية أبو القاسم إبراهيم بن عثمان الغزي ارتجالاً من قصيدة، وهي:
هي الحوادث لا تبقي ولا تذر … ما للبرية من محتومها وَزَرُ
لَو كَانَ يُنجِي عُلُوٌّ مِنْ بَوَائِقِهَا … لَمْ تُكْسَفِ الشَّمْسُ، بَلْ لَم يُكْسَفِ (١) الْقَمَرُ
قُلْ للجبان الَّذِي أَمْسَى عَلَى حَذَرٍ … مِنَ الْحِمَامِ مَتَى رَدَّ الرَّدَى الْحَذَرُ
_________
(١) في بعض المصادر: (لم يخسف).
стр. 23
بكى على شمسه الإسلام إذ أفلت … بأدمع قل في تشبيهها المطر
حبر عهدناه طلق الوجه مبتسما … والبشر أحسن ما يلقى به البشر
لئن طوته المنايا تحت أخمصها … فعلمه الجم في الآفاق منتشر
سقى ثراك - عماد الدين - كل ضحى … صافي الغمام ملئ الودق منهمر
عند الورى من أسى ألفيته خبر … فهل أتاك من استيحاشهم خبر
أحيا ابن إدريس درس كنت تورده … تحار في نظمه الأذهان والفكر
من فاز منه بتعليق فقد علقت … يمينه بشهاب (١) ليس ينكسر
كأنما مشكلات الفقه يوضحها … جباه دهم لها من لفظه غرر
ولو عرفت له مثلا دعوت له … وقلت دهري إلى شرواه مفتقر (٢)
١١ - مؤلفاته:
ذكر في ترجمة إلكيا أن له مصنفات كثيرة، إلا أنه لم يصل إلينا منها - مما استطعنا الاطلاع عليه - إلا ثلاثة كتب، ولم ينشر منها حتى كتابة هذه المقدمة إلا «أحكام القرآن».
وكتب التراجم لم تسرد لنا عناوينها بشكل واضح، ولقد اجتهدنا في جمع هذه الكتب ووصف محتواها قدر الوسع، وحاولنا تحرير عناوينها بما تيسر لنا من معلومات.
١ - «أحكام القرآن» (٣)، مطبوع بهذا العنوان. أغلب المصادر لم تذكره في
_________
(١) في بعض المصادر: (بحسام).
(٢) «تاريخ دمشق» (٧/ ٥٢). وقارن مع: «معجم السفر» (ص ٤٥٤).
(٣) «اللمع الألمعية» (١/ ٤١١)، «العقد المذهب» (ص ١١٥)، «كشف الظنون» (١/¬٢٠).
стр. 24
ترجمته؛ وأول من وجدنا ينسبه إليه بهذا العنوان هو قطب الدين الخيضري (٨٩٤ هـ)؛ وعند ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) جاء تسميته بـ: «الأحكام»، ولعله من باب الاختصار في التسمية. والكتاب اشتهر بهذه التسمية عند المتأخرين، وطبع بهذا العنوان، ويؤيد هذه التسمية ما ذكره إلكيا في مقدمة كتابه قائلا: «أردت أن أصنف في أحكام القرآن كتابا … ».
إلا أن عنوان الكتاب في نسخة خطية: «شفاء الغليل في غوامض التنزيل» (١). وجاء في المقدمة: «أردت أن أصنّف في أحكام القرآن كتابا أشرح فيه ما انتزعه الشافعي ﵁ من أخذ الدلائل في غوامض المسائل … حرَّرتُ في شرحها: هذه الفصول المتضمنة من اللفظ والمعنى، شفاء كل عليل مع انتخابي فيها قصد السبيل» (٢). ومن خلال هذا النص نجد إلكيا أشار إلى هذا العنوان، وهذه التسمية أقرب لبيان محتواه، ويناسب طريقة إلكيا في تسمية كتبه.
ثم إننا بالنظر في محتوى الكتاب وجدنا أن إلكيا اعتنى باستنباط مسائل أصولية وفقهية وعقدية ولغوية، ولم يقتصر على الأحكام الفقهية، ومع ذلك لا يمكن الجزم بعنوان الكتاب الذي وضعه مصنفه، وإن كان كلاهما صادقا في الدلالة على مضمونه.
وأول من نقل عنه - فيما وقفنا عليه - هو ابن السبكي (٣)، ثم الزركشي (٤)،
_________
(١) وقد ذكر إسماعيل باشا في «إيضاح المكنون» (٢/ ٥١) هذا الكتاب ونسبه للطبري، والمقصود إلكيا الطبري الهراسي.
(٢) (١/¬٢، ٣).
(٣) انظر: الأشباه والنظائر (٢/ ١٢٦). والنقل في «أحكام القرآن» (٢/ ٤٢٤)
(٤) «المنثور في القواعد» (٢/ ١٦٤)، «تشنيف المسامع» (١/ ٦٤٣)، «البحر المحيط» (٣/ ٤٥٧)، =
стр. 25
وهذه النقول موجودة في المطبوع من «أحكام القرآن».
كما قد أشار إلكيا في هذا الكتاب إلى تصانيفه في الأصول والخلاف دون تسميتها، مما يدل على تأخر «أحكام القرآن» في التأليف عنها.
ومن مقاصد الكيا في هذا الكتاب: الرد على أبي بكر الجصاص (ت ٣٧٠ هـ) في كتابه: «أحكام القرآن» انتصاراً للإمام الشافعي، كما ألمح إليه في مقدمته، وصرح به في ثنايا كتابه؛ كما أنه يرد على القاضي إسماعيل المالكي (ت ٢٨٢ هـ) في عدد من المواضع فيما يتعلق بالنقل عن الإمام الشافعي.
٢ - «تعليق في الكلام»، ويسمى أيضاً: «التعليقة الكلامية» أو «كتاب في أصول الدين» (١). ذكر الرازي في «الرِّياض المونقة» (٢) في باب «شرح أقوال أهل السنة والجماعة» ضمن مصنفات وأعلام الأشاعرة ما نصه: « … والإمام شمس الإسلام أبو الحسن الهراس، وله تعليقة في الكلام، لو قلت إنها أحسن ما صنف في مذهبنا لصدقت». وقد نقل عنها أبو العباس ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) في «درء التعارض» (٣)، في موضعين وصفه بأنه في الكلام، وبالمقارنة بين نقوله والمخطوطة التي بين أيدينا من التعليقة وقفنا على وجودها فيها بألفاظها (٤).
ومن الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن ابن تيمية قال في موضعين: «وممن ذكر ذلك: أبو الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا في كتابه في الكلام أو بعض
_________
= والنقل بمعناه: في «أحكام القرآن» (١/¬٤٢)، (٤/ ٢٥٩).
(١) مخطوط في دار الكتب المصرية كلام/ ٢٩٠، ناقص.
(٢) (ص ١٨٣).
(٣) (٣/ ١٠٨ - ١٠٩)، (٧/ ٣٥٧)، (٨/ ٩٤).
(٤) انظر: التعليقة الكلامية (ق/ ١٢/ ظ - ١٣/ ظ)
стр. 26
نظرائه … »، و «ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي، أظنه أبا الحسن الطبري المعروف بـ: إلكيا، أو بعض نظرائه … »، إشارة إلى عدم جزمه بالنسبة إليه، وفي المخطوط الذي بين أيدينا هو منسوب إلى إلكيا، والله أعلم.
٣ - «التعليقة - أو: التعليق - في الأصول» (١). وسيأتي الكلام عليه مفصلا.
٤ - «تلويح مدارك الأحكام» (٢)، وقد أحال عليه الزركشي في كتبه في أكثر من موضع (٣)، فتارة يذكره بعنوانه كاملا، وتارة يختصره بالتلويح، وتارة بالمدارك، وتارة بمدارك الأحكام.
٥ - «الجدل». ذكره ابن تيمية في «المسودة» (٤).
_________
(١) انظر: «سلاسل الذهب» (ص ٩٩)، «البحر المحيط» (٢/ ٢٥٩)، «البحر الذي زخر في شرح ألفية الأثر» (٢/ ٧٩٤)، مسالك الحنفا (ضمن الحاوي للفتاوى) (٢/ ٣٥٩)، «كشف الظنون» (١/ ٤٢٣).
ذكر ابن السبكي في «الطبقات الكبرى» من تصانيفه: «كتاب في أصول الفقه». لكن جاء في «الوسطى» له و «اللمع الألمعية»: «كتابان»، وفي الطبقات الصغرى لابن السبكي و «شذرات الذهب»: «كتب». ومما يؤيد أنها ثلاثة فأكثر ما ذكره إلكيا نفسه في كتابه «أحكام القرآن» بعد تقرير صحة الإجماع، قال ما نصه (٢/ ٤٩٩): «فدل على صحة إجماع الأمة؛ على ما قررناه في تصانيفنا في الأصول، وبينا ما يرد عليه من الاعتراض ومنع الاحتجاج»، والذي يمكن أن نقوله هنا أن لإلكيا أكثر من كتاب في أصول الفقه.
(٢) انظر: «النكت على ابن الصلاح» للزركشي (٢/ ٢٨٨)، «البحر الذي ذخر في شرح ألفية الأثر» (١/ ٣٥٥).
(٣) انظر مثلا: «البحر المحيط» (١/ ٤٧٥)، (٣/¬٢٧، ٣٧، ٥٢، ١١٦، ١٣٠ - ١٣١، ١٧٧، ٣١٥، ٣٧٨)، (٤/¬٢٥، ٢٩٤)، «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، «سلاسل الذهب» (ص ٤٣٢).
(٤) (٢/ ٩٧١).
стр. 27
٦ - «شفاء المسترشدين في مباحث المجتهدين» (١). قال عنه ابن السبكي: «وهو من أجود كتب الخلافيات»، ونقل عنه فوائد في «طبقاته الكبرى». ونقل ابن إمام الكاملية (ت ٨٦٤ هـ) قولاً لإلكيا الهراسي وعزاه لكتابه «تعليق في الخلاف» (٢)، والنَّص موجود في «البحر المحيط» منسوبًا إليه دون ذكر الكتاب (٣)؛ فهل كتاب «شفاء المسترشدين» هو نفس «تعليقة في الخلافيات»؟ نحن وإن كنا نميل إلى ذلك إلا أننا لا نستطيع أن نجزم بشيء (٤)، والله أعلم.
٧ - «الكتاب المصنف في الروايات»، أحال عليه في «أحكام القرآن» أثناء كلامه على مسألة الإيتاء (٥). والكتاب لم يتبين لنا موضوعه بدقة؛ فقد يكون في الروايات الحديثية، وقد يكون في الروايات عن الإمام الشافعي أو المذهب (٦)، حيث إن سياق كلامه أثناء إحالته على الكتاب كانت في مسألة فقهية، حرّر فيها قول الشافعي (٧).
٨ - «لوامع الدلائل في زوايا المسائل». أحال عليه مختصرًا عنوانه بـ:
_________
(١) «كشف الظنون» (٢/ ١٠٥٦).
(٢) «مختصر تيسير الوصول» (٢/ ٩٩٣). وانظر أيضا: «أحكام القرآن» (٢/ ٤٧٩)، «البحر المحيط» (٢/ ٢٠٥).
(٣) «البحر المحيط» (٤/ ١٠٥)، «المنثور في القواعد» (١/ ١٦٠).
(٤) وقد أطلق بعضهم - كصاحب: «اللمع الألمعية» - أنَّ له تعليقاً، وهو وإن كان يحتمل أن يكون تعليقته في الأصول أو الكلام أو الخلاف؛ إلا أنَّ المشهور هو إطلاقها في الخلافيات. انظر: «الإبرازات المتعددة للكتاب» (ص ٣٣٠).
(٥) (٤/ ٣١٨).
(٦) قارن بـ: «أحكام القرآن» (٣/ ٥٣).
(٧) وعلى الاحتمال الثاني؛ فهل له علاقة بكتاب: «نصرة القولين» (انظر: ص ٣٣) أو هو غيره؟ يحتمل الأمرين.
стр. 28
«الزوايا» في كتابه «أحكام القرآن» (١)، ونسبه إليه كذلك ابن الصلاح (ت ٦٤٣) في موضعين من كتابين له؛ أما الموضع الأول، فهو في «شرح مشكل الوسيط» (٢)، وأما الموضع الثاني، فهو ما نقله كمال الدين الدميري (ت ٨٠٨ هـ) في كتابه «حياة الحيوان الكبرى» (٣) عن ابن الصلاح (ت ٦٤٣ هـ) في «رحلته». ونسبه إليه كذلك النووي (ت ٦٧٦ هـ) (٤)؛ وكلها في مسائل فقهية؛ وعلى هذا؛ فنستطيع أن نقول إن محتوى الكتاب في المسائل الفقهية، وعنوانه يوحي بأنه في المسائل غير المشهورة التي ليست في مظنتها. ولكن يعكر على ذلك أن إلكيا لما نقل عنه مسألة في كتاب «أحكام القرآن» تتعلق بالفرق بين حجب النقصان وحجب الحرمان، قال بعد ذلك ما نصه: «وذكرنا فرقة بين الحجبين في مسائل الزوايا» (٥)، وهو فرق حسن … وذكرنا فرقة بينهما، فيفهم من خلال هذا النص أن محتواه في ذكر الفروق الفقهية، فالكتاب في الفقه، لكن تفاصيل محتواه غير معلومة لدينا، والله أعلم.
٩ - «مسائل الدور»، وقد صنف في ذلك عدد من العلماء، كالغزالي وابن السبكي (٦). وقد ذكر جمال الدين الإسنوي (٧٧٢ هـ) تصنيفا في ذلك لإلكيا، فقال أثناء الحديث على مسألة من مسائل الطلاق في شرح كلام النووي: «إذا قال لامرأته: إذا طلقتك - أو مهما أو متى ـ، فأنت طالق قبله ثلاثا، ثم طلقها،
_________
(١) (٢/ ٣٥٢).
(٢) «شرح مشكل الوسيط» (١/ ١٢٤).
(٣) (٢/ ١٥٦٩).
(٤) «المجموع شرح المذهب» (١/ ٢٥٩).
(٥) وقع في المطبوع من «أحكام القرآن»: الروايا، وهو تصحيف.
(٦) انظر: «كشف الظنون» (٢/ ١٣٥٣، ١١٩٢، ١٩٨٨).
стр. 29
ففيه ثلاثة أوجه … »، نقلا عن إمام الحرمين: «ذهب معظم الأصحاب إلى أنه لا يقع شيء بالكلية، وكذلك إلكيا الهراسي، وصنَّف في ذلك تصنيفا إلا أنه صحَّح فيه وقوع المنجَّز وطلقتين من المعلَّق» (١). ولا نعلم إن كان المؤلِّف قد وضع له عنوانا خاصا.
١٠ - «مطالع الأحكام»، ذكره البدر الزركشي ونقل منه في موضع واحد قائلا: «قال إلكيا الهراسي في مطالع الأحكام … » (٢)، لكن ورد نفس النقل في «شرح مختصر الروضة» للطوفي (٧١٦ هـ) منسوباً إلى الكناني في «مطالع الأحكام» (٣)، وفي موضع آخر نقل منه الطوفي وسماه: «مطالع الشريعة» منسوبا إلى الكناني كذلك (٤)، فالذي يظهر أن الاسم في كلا الموضعين تحرف من «إلكيا» (٥) إلى «الكناني»؛ لأن رسمهما متقارب؛ ولأن الزركشي قد نقل منه الموضع الأول منسوبا إلى إلكيا الهراسي صريحاً، ثم إنه لا يُدرى من هذا الكناني (٦)، والله أعلم.
١١ - نصرة القولين. والمقصود أن يكون العالم له قولان مختلفان في مسألة واحدة، وهو مشهور عن الإمام الشافعي، ولذلك أفرد فيه عدد من علماء
_________
(١) انظر: «المهمات في شرح الروضة والرافعي» (٧/ ٤٠٣).
(٢) انظر: «البحر المحيط» (١/ ٤١٤).
(٣) (٢/ ٢٠٥) تحقيق آل إبراهيم، (١/ ٢٠٨) تحقيق التركي.
(٤) (٢/ ٢٢٧) تحقيق آل إبراهيم، (١/ ٢٢٧) تحقيق التركي.
(٥) وقد نبه الدكتور إبراهيم آل إبراهيم محقق «شرح مختصر الروضة» أن في إحدى النسخ وردت «الكتاني» بدل الكناني.
(٦) ثم رأينا بعد ذلك أن الدكتور محمد بن طارق الفوزان قد أشار إلى ذلك في كتابه: «الإخلال بالنقل» (١/ ١٤٩)، ونبه على هذا الخطأ، فحمدنا الله تعالى على هذا التوارد والاتفاق في الوصول إلى نفس النتيجة البحثية.
стр. 30
الشافعية، طبع منها: «نصرة القولين» لابن القاص (ت ٣٣٥ هـ)، و «حقيقة القولين» للغزالي. وقد ذكره الزركشي أثناء الحديث عن المسألة ذاتها، فقال ما نصه: «وقد صنف أصحابنا في نصرة القولين، منهم ابن القاص والغزالي والكيا والروياني» (١). فنحن لا نعرف اسم الكتاب إن كان المؤلف وضع له عنوانا خاصا (٢).
١٢ - «نقض - أو: نقد - مفردات الإمام أحمد» (٣)، ويسمى أيضا: «الرد على مفردات الحنابلة»، وفي بعض المصادر (٤): «الرد على الإمام أحمد». ذكر ابن كثير أنه في مجلد، وهو في الرد على ما انفرد به الإمام أحمد عن الإمامين أبي حنيفة والشافعي، - وإن كان قول الإمام مالك موافقا لقول الإمام أحمد أو قريبا منه (٥). نقل الزركشي منه نصين يبينان بعض محتواه وطريقته، فقال في الموضع الأول: «قال إلكيا الهراسي في كتاب «نقد مفردات أحمد»: «منع أحمد الفرض في الكعبة، وجوز النفل، ولا شك أن عموم قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ يتناول المصلي إليها وفيها، وصح أنه دخل البيت وصلى فيه. وهم يحملونه على النافلة، والحكاية حكاية حال. ونذرت عائشة ﵂ أَنَّ تصلي في البيت، فقال ﷺ : "صلي في الحجر؛ فإنه من البيت" ومعلوم أن النذر مفروض. ولعل أحمد يجوز ذلك. وإنما منع الفرض المطلق. انتهى» (٦).
_________
(١) «البحر المحيط» (٦/ ١٢٤).
(٢) وللاستزادة حول نسبة الكتاب ينظر: «الإخلال بالنقل» (٢/ ٧٦٤ - ٧٦٥).
(٣) «اللمع الالمعية» (١/ ٤١١)، «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٤٥٠)، «إعلام الساجد» (ص ١٠١)
(٤) «العقد المذهب» (ص ١١٥).
(٥) انظر: «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٢٢٩ - ٢٣٠).
(٦) «إعلام الساجد» (ص ١٠١). وقد يستفاد من هذا النقل أيضًا أن الزركشي وقف على الكتاب=
стр. 31
وقال الزركشي في مسألة الشيخ إذا لم يتذكر ما رواه: هل له أن يتبع روايته ويرويه: «قال إلكيا الطبري في كتاب "نقض مفردات أحمد": هذا موضع نظر، يحتمل أن يقال: تتبع روايته تشوفًا إلى العمل بالحديث، ويحتمل خلافه» (١). وسبب الحديث عن مثل هذا الموضوع - وهو موضوع مفردات الحنابلة عن المذهب الشافعي خصوصا - والتأليف فيه: هو ما أثاره بعض علماء الشافعية من القول بأنَّ ما بين الإمامين - الشافعي وأحمد - -رحمهما الله- من الاختلاف يسير في الفروع، وأنه ينبني على ذلك الاستغناء عن مذهب الإمام أحمد اكتفاء بمذهب الإمام الشافعي. ولم يتبين لنا من أول من أثار هذه القضية؛ إلا أننا نجزم بأن إلكيا الهراسي كان ممن انتصر لمذهبه، وألف كتابه المذكور، فجاءت كتب الحنابلة للرد عليه بعينه (٢)، ولذا قال ناظم «المفردات» محمد بن علي العمري (ت ٨٢٠ هـ) (٣):
واعلم بأن أصحابنا قد صنفوا … في «المفردات» جُملا وألفوا
لكنهم لم يقصدوا هذا النمط … بل قصدوا الرد على الكيا فقط
ولم نقف على الكتاب لنحكم عليه أو نتبين تفاصيل محتواه بدقة، لكن قال عنه الذهبي الشافعي: «وصنف كتابا في الرد على مفردات الإمام أحمد، فلم يُنصف فيه، ولعل هذا ما دفع عددا من علماء الحنابلة إلى تصنيفهم ردا على
_________
= وهو مصري عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري، فالكتاب انتقل من بغداد، ولم يكن ضمن ما فقد أو نهب أيام المغول.
(١) «البحر المحيط» (٤/ ٤٢٥).
(٢) ويؤكد ذلك تصريح عناوين بعض الكتب المؤلفة في ذلك، ككتابي ابن قاضي الجبل (ت ٧٧١ هـ)، وابن عبد الهادي (ت ٧٤٤ هـ): «الرد على إلكيا الهراسي».
(٣) انظر: «المنح الشافيات» (١/ ١٢٣). وللأبيات تتمة، يمكن مراجعتها في المصدر.
стр. 32
إلكيا وبيان أصل القضية (١).
تنبيه: نقل الزركشي في مسألة تفاوت العلوم قول الكيا الهراسي بعدم تفاوتها، ثم قال: «واختاره الكيا الطبري في «كتاب الترجيح»، فلا نعلم هل قصد به كتاب الترجيح ضمن أحد كتبه الأصولية - وهذا الذي نميل إليه ــ أم أنه كتاب مستقل بهذا الاسم؟
_________
(١) ينظر: «كتاب فيما انفرد به الإمام أحمد عن الشافعي» (ص ٢٣)، «الفواكه العديدة» (١/ ٥٢)، «المدخل المفصل» (٢/ ٩٠٨). وهنا إشارة: وهي أنه في القرنين الرابع والخامس الهجريين ظهرت كتب في الانتصار للمذاهب وتفضيلها، وبالغ بعض العلماء إثارة المسألة ضمن كتبهم الأصولية، وذلك ببيان فضل إمامهم ومذهبهم، وزاد في ذلك إلى أن استنقص من قدر الأئمة والمذاهب الأخرى أحيانا. ونظرًا لأنَّ إلكيا الهراسي هو ابن بيئته؛ فقد شارك في هذا الأمر، ومثله قرينه الغزالي - خصوصاً في خاتمة المنخول -؛ فقد زاد الكيل في استنقاص أحد المذاهب. ولعلهما في ذلك تأثرا أيضا بشيخهما إمام الحرمين، حيث إنّه قد تناول هذه القضية في البرهان وغيره من مصنفاته.
стр. 33
ثانيا: كتاب التعليقة في أصول الفقه
١ - مفهوم التعليقة:
مصطلح «التعليق» أو «التعليقة» منتشر في التأليف في العلوم الشرعية والعربية، وخصوصا في القرنين الرابع والخامس. والمقصود به: «ما يقيده الطالب في مجلس الدرس لعلم من العلوم مما يسمعه فيه من شيخه» (١)، وقد يسمى «تقييدا» كذلك، فلا فرق بينهما في المعنى؛ إلا أن الاستعمال الشائع عند الشرق الإسلامي مصطلح «التعاليق»، وفي الغرب الإسلامي: «(التقاييد)» (٢).
وكتابنا هذا هو مما عُلِّق عن الإمام الكيا. ومن التعاليق الأصولية قبله ما ذُكر في ترجمة أبي حامد الإسفراييني (ت ٤٠٦ هـ): «وعلق عنه تعاليق في شرح المزني، وعُلِّق عنه أصول الفقه وطبق الأرض بالأصحاب … » (٣).
ومن الأمثلة على ما ألف من التعاليق الأصولية في زمن الإمام إلكيا ما جاء في ترجمة محمد بن الفضل أبي عبد الله الفراوي (ت ٥٣٠ هـ) أنه كان يختلف إلى مجلس إمام الحرمين أبي المعالي الجويني، فلازم درسه وتفقه، وعلق عنه الأصول … (٤). هذه النماذج في علم الأصول والفقه.
_________
(١) «الإبرازات المتعددة للكتاب» (ص ٣١٠).
(٢) انظر: المرجع السابق.
(٣) «طبقات الفقهاء» للشيرازي نشرة: إحسان عباس (ص ١٢٤)، ونشرة: خليل الميس (ص ١٣١).
(٤) «وفيات الأعيان» (٤/ ٢٩٠).
стр. 34
ومن النماذج على التعاليق في العربية: التعليقة على كتاب سيبويه لأبي علي الفارسي (ت ٣٧٧ هـ)، وهي مطبوعة.
وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو داخل ضمن هذا النوع من التأليف حيث قيد فيه أحد تلاميذ إلكيا ما سمعه من الدرس عنه، ولذا؛ فطبيعة هذا الكتاب تختلف عن الكتب التي حررها مؤلفوها بأنفسهم، سواء من حيث العبارة أو الترتيب؛ لأن هذا النوع من التآليف يعتبر من التأليف المشتركة بين التلميذ والأستاذ، فقد تجد بين التعاليق لشيخ واحد اختلافا وتباينا في الطول والقصر وتنوعا في بعض العبارات.
٢ - تحقيق اسم الكتاب، وإثبات نسبته:
وأما ما يتعلق بتعليقة إلكيا، فقد جاء في ترجمته أنه عُلّق عنه في أصول الفقه، وقد نقل عنها: ابن الصلاح وابن السبكي والزركشي، والسيوطي وغيرهم، وهي منثورة في كتبهم في مواضع متفرقة، فتارة يسمونها: بـ «التعليقة في أصول الفقه»، وتارة بـ: «التعليق في الأصول»، وتارة بـ: «تعليق». وله كذلك «تعليق في الكلام»، لكن عند الإطلاق في كتب الأصول يكون المقصود هو التعليقة الأصولية.
وأما النسخة التي بين أيدينا؛ فالذي يظهر بعد تحقيقها ودراستها أنها تعليقة مختصرة في الجملة، متباينة في المباحث والفصول بالطول والقصر، يوجد فيها بعض الخروم والسقط، وبالمقارنة مع ما نقله الزركشي والسيوطي وغيرهما - كما أثبتناه في الهوامش والملحق - تبين أن هناك مباحث نقلوها غير موجودة في تعليقتنا مع وجود المسألة عندنا، أو توسعهم فيها مع اختصارها عندنا. وذلك
стр. 35
لأن نسخ التعاليق تتباين لعدة اعتبارات، فمنها: نشاط المعلق وضعفه، ومنها: وجود أكثر من تعليقة للشيخ على مدى سنين من التدريس.
ولا ندري متى وأين عُلِّقَ عنه هذا الكتاب، فمن المحتمل أن يكون زمن تدريسه في بيهق، ويحتمل أن يكون بعد ذلك في المدرسة النظامية، إلا أنها ليست نسخة مشهورة، كالتي ينقل عنها الزركشي.
ولم نعرف كذلك من هو المعلّق لعدم وجود نسخة كاملة لدينا، إلا أننا نستطيع الوصف بإجمال: أنه من متوسط المعلقين، وليس من المتميزين.
القطعة التي بين أيدينا وجدت ضمن مجموع - على ما سيأتي في وصف النسخة الخطية ـ، ولم يصلنا غلاف المجموع، وسقطت الورقة الأولى (١) من الكتاب الذي هو محل التحقيق، وآخره مبتور، لكن أمكننا تعيين الكتاب ومؤلفه ولله الحمد ـ، ويدل على ذلك أمور:
١ - أنَّ الكتاب في أصول الفقه، ومؤلفه شافعي المذهب في الفروع، وهذا الأمر ظاهر جدًّا في عرضه للمسائل، وكلامه فيها.
٢ - أنَّ الكتاب من كتب التعاليق؛ ويدل على ذلك قول المعلّق في عدة مواطن: «قال الشيخ» (٢) أو (قال) (٣). ويظهر للناظر في هذه التعليقة تصرُّف المعلق بالاختصار؛ وذلك أنَّ بعض المواطن مشعرة بأنَّ الكلام والبحث ممتد له تكملة؛
_________
(١) انظر: (ص ٦٥) من هذا الكتاب.
(٢) انظر: (ص ٧٠، ١٦٦).
(٣) انظر: (ص ١٠٢).
стр. 36
إلَّا أنَّ التعليقة قصرت وعريت عنه، كما نبهنا عليها في مواضعها. كذلك أحال المؤلف على كلام متقدّم لم نجد له أثرًا (١)؛ وأيضا نجد أن مبحث العموم والخصوص مبحث طويل جدا بالنسبة لبقية المباحث، وكأن المعلق استوفاه أو قارب من استيفاءه بخلاف بقية الأبواب.
٣ - تميز الكتاب في كثير من المواطن بفوائد خلت عنها المصنفات الأصولية، مع طريقة عرض مغايرة لأسلوب التصنيف الأصولي، مما يُشعر المطالع لبعض المواطن بأن الكتاب تدوين لدرس، وليس تصنيفا.
٤ - كثرة التصحيف الواقع في المخطوط، فربما كان التصحيف من الأصل المنقول عنه، وهو تصحيف سماع، أو تصحيف بسبب سرعة الكتابة.
٥ - أنَّ الناسخ فرغ من نسخ المجموع سنة ٥٠٧ هـ، وذلك بعد وفاة الإمام إلكيا بثلاث سنوات فقط، ثم إن جميع من ذكر في هذه القطعة من الأعلام، لا يتعدون القرن الخامس، كالقاضي الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، والقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥ هـ)، وأبي زيد الدبوسي (٤٣٠ هـ)، وأبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وأبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وهو آخر من مات منهم.
فانحصر البحث عن المؤلف في نطاق ضيق جدا؛ فالمؤلف شافعي أصولي له «تعليقة» في أصول الفقه، وهو من أهل الربع الأخير من القرن الخامس وأول السادس، وهذا الوصف منطبق على: إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، فإنَّ له تعليقةً في أصول الفقه، كما سبق بيانه في مؤلفاته.
_________
(١) انظر: (ص ١٥٧).
стр. 37
ثُمَّ إنَّ مما يؤكد نسبة هذه التعليقة إلى إلكيا الهراسي: النُّصوص والآراء المنقولة من هذه التعليقة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: النصوص المنقولة باللفظ أو بالمعنى، وهي كما يلي:
١ - قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «قال إلكيا الهراسي في تعليقه في الأصول: اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبةً أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول، ولا يتلقى حكم من قضيات العقول. فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الأحكام منقسمة، فمنها: ما يتلقى من الشرع المنقول، ومنها: ما يتلقى من قضيات العقول» (١)، وهذا النص بعينه موجود في التعليقة التي بين أيدينا (٢).
٢ - وقال السيوطي أيضًا: «قال إلكيا الهراسي في تعليقه الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: أن اللغة لا تثبت قياسا، ولا يجري القياس فيها. وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة وعزي هذا إلى الشافعي ﵁ ولم يدل عليه نصه، إنما دلت عليه مسائله … » (٣). وهذا النص كذلك موجود في كتابنا (٤).
٣ - قال الزركشي في مسألة: «تردُّد الشيخ في رواية الحديث» (٥): «واعلم أن الخلاف هكذا ليس منصوصاً عن الشافعي وأبي حنيفة؛ هكذا قال إلكيا
_________
(١) انظر: «مسلك الحنفا ضمن الحاوي للفتاوى» (٢/ ٢٤٨).
(٢) انظر: (ص ٧٣).
(٣) «المزهر في علوم اللغة» (١/¬٤٩).
(٤) انظر: (ص ١٠٣).
(٥) «سلاسل الذهب» (٣٢٣ - ٣٢٤).
стр. 38
الهراسي في تعليقه، قال: وإنما نشأ هذا الخلاف من مسألة، وهو: حديث النكاح بلا وليّ، الذي روته عائشة؛ فرده الحنفية، وقالوا: تردد الشيخ يوجب ريبة، وأصحابنا قالوا: هذا الحديث قد روي من طريق آخر غير طريق الزهري؛ فاعتقد معتقد أن عندهم لا يؤثر تردد الشيخ … . فقد جاء هذا النص عندنا على النحو التالي: «قال أصحابُ الشَّافعيّ: إِنَّ تردُّد الشيخ في الحديث الذي يروى عنه عند الرجوع إليه لا يقدح فيه؛ وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تردُّده قادح فيه. وليس عن أبي حنيفة والشافعي في هذه المسألة نص على ما نقله أتباعهما، وإنَّما أُخذ ذلك من مسألة النكاح بغير ولي … ».
٤ - وقال الزركشي في مسألة: «المكره هل يصح تكليفه؟» ما نصه: «وما نقلوه عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة منهم إلكيا الطبري، فقال: نُقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف. قال: وليس هذا مذهبا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذي ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس» (١)، وهو في التعليقة التي بين أيدينا بلفظ: «ونقل عن المعتزلة أنَّ المكره غير مكلَّفٍ. وهذا النقل غلط، وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ المسطور عنهم أنَّ الملجأ ليس بمكلَّف - وهو المضطر المضطهد الذي لا قدرة له ولا اختيار ـ؛ فاعتقد الفقهاء بأنَّ المكره أيضا غير مكلَّف وهو في معنى الملجأ، وليس الملجأ والمكره سِيَّانِ. الوجه الثاني: أنَّ القدرة إذا لم تكن صالحة للضّدَّين، بطلت المحنة واستحقاق الثواب والعقاب … ».
والملاحظ على هذا القسم أن هناك تطابقا بين ما في أيدينا من القطعة
_________
(١) «البحر المحيط» (١/ ٣٥٩).
стр. 39
والمصدر الناقل؛ إلا نقص في آخرها يظهر أنه من المعلق أو الناسخ.
القسم الثاني: الآراء المنسوبة إلى الكيا، وهي موجودة في القطعة التي بين أيدينا، فمن ذلك:
١ - قال الزركشي في «النكت على ابن الصلاح» في تعريف الحديث المنقطع (١): «وفات المصنّف من الأقوال: أنَّ المرسل: قول الراوي: حدثني فلان عن رجل فيرسل صفته، والمنقطع: أن يقول: قال رسول الله ﷺ من غير ذكر راو أصلا، حكاه الكيا الطبري في تعليقه وقال: "فالمرسل إذا ذكر راويا ولم يذكر اسمه وصفته، والمنقطع إذا لم يذكر راويا أصلا، وإن كان على الحقيقة لا بد من إسناد، هذا مصطلح المحدثين". انتهى، وكتبته من خط المصنف (٢) في فوائد رحلته، وأنكره عليه وقال: "هذا لا نعرفه وإنما هو من كيسه "»، وتجد معنى هذا الكلام في تعليقتنا بلفظ: «اعلم أنَّ المرسل عند الأصوليين هو أن يقول الراوي: «حدثني فلان عن رسول الله صلى الله عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته. وأما المنقطع: فهو أن يقول الراوي: "قال رسول الله صلى الله عليه" من غير أن يذكر راوي أصلا ولا هو فقيه؛ هذا ما اصطلحوا عليه» (٣).
٢ - وقال الزركشي في مسألة «عصمة الأنبياء من الكبائر»: «وقال القاضي عياض: إنها ممتنعة سمعا، والإجماع دل عليه. ولو رددنا إلى العقل فليس فيه ما يحيلها، واختاره إمام الحرمين، والغزالي والكيا». وفي التعليقة التي بين أيدينا: «فقال أهل الجماعة: الإجماع بأنَّهم معصومون، وأنَّ ذلك مُدرَك بالسمع، ولا
_________
(١) في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٥٧٣).
(٢) يعني ابن الصلاح.
(٣) انظر: (ص ٢٥٠).
стр. 40
مجال للعقل في إثبات عصمتهم» (١).
فبان بذلك ولله الحمد أن التعليقة التي بين أيدينا هي للإمام الكيا الهراسي. إشكال في نسبة الكتاب لإلكيا الهراسي
يبقى إشكال قد يقدح في التقرير السابق لولا ما يأتي من رده والجواب عليه؛ وذلك أن القطعة التي بين أيدينا ليست كبيرة الحجم، والنقل عن الكيا في كتب الأصول كثير جدا، بل أضف إلى ذلك أن من النقول عن تعليقة إلكيا ما ليس في القطعة التي بين أيدينا (٢)، وقد يوجد نص طويل، نصفه الأول موجود في كتابنا دون نصفه الثاني (٣)، وهذا إشكال، فيقال في الجواب:
أما النقل المجرد عن الكيا من غير نسبة لكتاب معين: فلا يلزم أن يكون من كتاب التعليقة؛ فللإمام الكيا عدة مصنفات أصولية كما سبق.
وكذلك النقل عن «التعليقة» في المباحث التي لا تكون ضمن القطعة التي وصلت إلينا لا يقدح فيما نحن فيه، كالنقل عن مباحث القياس والاجتهاد وغيرهما.
بقي البحث في النصوص المنسوبة إلى تعليقة إلكيا الأصولية، وهي ضمن المباحث التي تشملها قطعتنا لكن عريت عن تلك النقول؛ فالجواب عن هذا:
أنَّ «التعاليق»: هي ما يقيده التلاميذ في مجلس الدرس عن شيخهم (٤)،
_________
(١) انظر: (ص ١٩٨).
(٢) راجع الملحق؛ ففيه أمثلة كثيرة.
(٣) انظر:
(٤) انظر: «الإبرازات» (ص ٣١٠).
следующие страницы →