إلَّا أنَّ التعليقة قصرت وعريت عنه، كما نبهنا عليها في مواضعها. كذلك أحال المؤلف على كلام متقدّم لم نجد له أثرًا (١)؛ وأيضا نجد أن مبحث العموم والخصوص مبحث طويل جدا بالنسبة لبقية المباحث، وكأن المعلق استوفاه أو قارب من استيفاءه بخلاف بقية الأبواب.
٣ - تميز الكتاب في كثير من المواطن بفوائد خلت عنها المصنفات الأصولية، مع طريقة عرض مغايرة لأسلوب التصنيف الأصولي، مما يُشعر المطالع لبعض المواطن بأن الكتاب تدوين لدرس، وليس تصنيفا.
٤ - كثرة التصحيف الواقع في المخطوط، فربما كان التصحيف من الأصل المنقول عنه، وهو تصحيف سماع، أو تصحيف بسبب سرعة الكتابة.
٥ - أنَّ الناسخ فرغ من نسخ المجموع سنة ٥٠٧ هـ، وذلك بعد وفاة الإمام إلكيا بثلاث سنوات فقط، ثم إن جميع من ذكر في هذه القطعة من الأعلام، لا يتعدون القرن الخامس، كالقاضي الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، والقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥ هـ)، وأبي زيد الدبوسي (٤٣٠ هـ)، وأبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وأبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وهو آخر من مات منهم.
فانحصر البحث عن المؤلف في نطاق ضيق جدا؛ فالمؤلف شافعي أصولي له «تعليقة» في أصول الفقه، وهو من أهل الربع الأخير من القرن الخامس وأول السادس، وهذا الوصف منطبق على: إلكيا الهراسي (ت ٥٠٤)، فإنَّ له تعليقةً في أصول الفقه، كما سبق بيانه في مؤلفاته.
_________
(١) انظر: (ص ١٥٧).
стр. 37
ثُمَّ إنَّ مما يؤكد نسبة هذه التعليقة إلى إلكيا الهراسي: النُّصوص والآراء المنقولة من هذه التعليقة، ويمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول: النصوص المنقولة باللفظ أو بالمعنى، وهي كما يلي:
١ - قال السيوطي (ت ٩١١ هـ): «قال إلكيا الهراسي في تعليقه في الأصول: اعلم أن الذي استقر عليه آراء أهل السنة قاطبةً أنه لا مدرك للأحكام سوى الشرع المنقول، ولا يتلقى حكم من قضيات العقول. فأما من عدا أهل الحق من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ؛ فإنهم ذهبوا إلى أن الأحكام منقسمة، فمنها: ما يتلقى من الشرع المنقول، ومنها: ما يتلقى من قضيات العقول» (١)، وهذا النص بعينه موجود في التعليقة التي بين أيدينا (٢).
٢ - وقال السيوطي أيضًا: «قال إلكيا الهراسي في تعليقه الذي استقر عليه آراء المحققين من الأصوليين: أن اللغة لا تثبت قياسا، ولا يجري القياس فيها. وقال كثير من الفقهاء: القياس يجري في اللغة وعزي هذا إلى الشافعي ﵁ ولم يدل عليه نصه، إنما دلت عليه مسائله … » (٣). وهذا النص كذلك موجود في كتابنا (٤).
٣ - قال الزركشي في مسألة: «تردُّد الشيخ في رواية الحديث» (٥): «واعلم أن الخلاف هكذا ليس منصوصاً عن الشافعي وأبي حنيفة؛ هكذا قال إلكيا
_________
(١) انظر: «مسلك الحنفا ضمن الحاوي للفتاوى» (٢/ ٢٤٨).
(٢) انظر: (ص ٧٣).
(٣) «المزهر في علوم اللغة» (١/¬٤٩).
(٤) انظر: (ص ١٠٣).
(٥) «سلاسل الذهب» (٣٢٣ - ٣٢٤).
стр. 38
الهراسي في تعليقه، قال: وإنما نشأ هذا الخلاف من مسألة، وهو: حديث النكاح بلا وليّ، الذي روته عائشة؛ فرده الحنفية، وقالوا: تردد الشيخ يوجب ريبة، وأصحابنا قالوا: هذا الحديث قد روي من طريق آخر غير طريق الزهري؛ فاعتقد معتقد أن عندهم لا يؤثر تردد الشيخ … . فقد جاء هذا النص عندنا على النحو التالي: «قال أصحابُ الشَّافعيّ: إِنَّ تردُّد الشيخ في الحديث الذي يروى عنه عند الرجوع إليه لا يقدح فيه؛ وقال أصحاب أبي حنيفة: إن تردُّده قادح فيه. وليس عن أبي حنيفة والشافعي في هذه المسألة نص على ما نقله أتباعهما، وإنَّما أُخذ ذلك من مسألة النكاح بغير ولي … ».
٤ - وقال الزركشي في مسألة: «المكره هل يصح تكليفه؟» ما نصه: «وما نقلوه عن المعتزلة قد نازع فيه جماعة منهم إلكيا الطبري، فقال: نُقل عن بعض المعتزلة أن الإكراه ينافي التكليف. قال: وليس هذا مذهبا لأحد، وإنما مذهبهم أن الإلجاء الذي ينافي اختيار العبد ينافي التكليف كالإيمان حالة اليأس» (١)، وهو في التعليقة التي بين أيدينا بلفظ: «ونقل عن المعتزلة أنَّ المكره غير مكلَّفٍ. وهذا النقل غلط، وذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ المسطور عنهم أنَّ الملجأ ليس بمكلَّف - وهو المضطر المضطهد الذي لا قدرة له ولا اختيار ـ؛ فاعتقد الفقهاء بأنَّ المكره أيضا غير مكلَّف وهو في معنى الملجأ، وليس الملجأ والمكره سِيَّانِ. الوجه الثاني: أنَّ القدرة إذا لم تكن صالحة للضّدَّين، بطلت المحنة واستحقاق الثواب والعقاب … ».
والملاحظ على هذا القسم أن هناك تطابقا بين ما في أيدينا من القطعة
_________
(١) «البحر المحيط» (١/ ٣٥٩).
стр. 39
والمصدر الناقل؛ إلا نقص في آخرها يظهر أنه من المعلق أو الناسخ.
القسم الثاني: الآراء المنسوبة إلى الكيا، وهي موجودة في القطعة التي بين أيدينا، فمن ذلك:
١ - قال الزركشي في «النكت على ابن الصلاح» في تعريف الحديث المنقطع (١): «وفات المصنّف من الأقوال: أنَّ المرسل: قول الراوي: حدثني فلان عن رجل فيرسل صفته، والمنقطع: أن يقول: قال رسول الله ﷺ من غير ذكر راو أصلا، حكاه الكيا الطبري في تعليقه وقال: "فالمرسل إذا ذكر راويا ولم يذكر اسمه وصفته، والمنقطع إذا لم يذكر راويا أصلا، وإن كان على الحقيقة لا بد من إسناد، هذا مصطلح المحدثين". انتهى، وكتبته من خط المصنف (٢) في فوائد رحلته، وأنكره عليه وقال: "هذا لا نعرفه وإنما هو من كيسه "»، وتجد معنى هذا الكلام في تعليقتنا بلفظ: «اعلم أنَّ المرسل عند الأصوليين هو أن يقول الراوي: «حدثني فلان عن رسول الله صلى الله عليه» من غير أن يذكر اسمه وصفته. وأما المنقطع: فهو أن يقول الراوي: "قال رسول الله صلى الله عليه" من غير أن يذكر راوي أصلا ولا هو فقيه؛ هذا ما اصطلحوا عليه» (٣).
٢ - وقال الزركشي في مسألة «عصمة الأنبياء من الكبائر»: «وقال القاضي عياض: إنها ممتنعة سمعا، والإجماع دل عليه. ولو رددنا إلى العقل فليس فيه ما يحيلها، واختاره إمام الحرمين، والغزالي والكيا». وفي التعليقة التي بين أيدينا: «فقال أهل الجماعة: الإجماع بأنَّهم معصومون، وأنَّ ذلك مُدرَك بالسمع، ولا
_________
(١) في «النكت على ابن الصلاح» (٢/ ٥٧٣).
(٢) يعني ابن الصلاح.
(٣) انظر: (ص ٢٥٠).
стр. 40
مجال للعقل في إثبات عصمتهم» (١).
فبان بذلك ولله الحمد أن التعليقة التي بين أيدينا هي للإمام الكيا الهراسي. إشكال في نسبة الكتاب لإلكيا الهراسي
يبقى إشكال قد يقدح في التقرير السابق لولا ما يأتي من رده والجواب عليه؛ وذلك أن القطعة التي بين أيدينا ليست كبيرة الحجم، والنقل عن الكيا في كتب الأصول كثير جدا، بل أضف إلى ذلك أن من النقول عن تعليقة إلكيا ما ليس في القطعة التي بين أيدينا (٢)، وقد يوجد نص طويل، نصفه الأول موجود في كتابنا دون نصفه الثاني (٣)، وهذا إشكال، فيقال في الجواب:
أما النقل المجرد عن الكيا من غير نسبة لكتاب معين: فلا يلزم أن يكون من كتاب التعليقة؛ فللإمام الكيا عدة مصنفات أصولية كما سبق.
وكذلك النقل عن «التعليقة» في المباحث التي لا تكون ضمن القطعة التي وصلت إلينا لا يقدح فيما نحن فيه، كالنقل عن مباحث القياس والاجتهاد وغيرهما.
بقي البحث في النصوص المنسوبة إلى تعليقة إلكيا الأصولية، وهي ضمن المباحث التي تشملها قطعتنا لكن عريت عن تلك النقول؛ فالجواب عن هذا:
أنَّ «التعاليق»: هي ما يقيده التلاميذ في مجلس الدرس عن شيخهم (٤)،
_________
(١) انظر: (ص ١٩٨).
(٢) راجع الملحق؛ ففيه أمثلة كثيرة.
(٣) انظر:
(٤) انظر: «الإبرازات» (ص ٣١٠).
стр. 41
ولذلك يختلف المعلِّق من طالب إلى طالب في الحجم والعبارة (١)؛ لأن كل معلِّق يقيِّد ما بدا له، من غير التزام بلفظ الشيخ - بخلاف الأمالي -، فتختلف تعاليق المعلِّقين مع اشتراك المجالس أشد الاختلاف (٢)؛ فمنهم حريص يدوِّن كل شيء، ومنهم من ينتخب من كلام الشيخ، إلى غير ذلك من تصرفاتهم. وقد يكون الشيخ له أكثر من تعليقة، ثم قد يزيد الشيخ في إحداها عن الأخرى. وقد حرر د. حاتم باي ظاهرة اختلاف التعاليق بما لا مزيد عليه، فليراجع (٣). وبهذا ينحل إشكال تجرُّد التعليقة التي وصلت إلينا عن النقول المنسوبة لتعليقة إلكيا.
فالتعليقة التي بين أيدينا هي إحدى النسخ لـ: «تعليقة» إلكيا، وهذا يفسر عدم وجود بعض المسائل في نسختنا مع كون العلماء ينقلونها عن «تعليقة إلكيا». لكننا لم نتمكن من الكشف عن المعلِّق؛ من هو؟ ولم تخدمنا كتب التراجم فيما وقفنا عليه في وصف المعلِّقين عن إلكيا الهراسي، ولعل هذه الدراسة تكون نواة لكشف مزيد من الحقائق عن إلكيا الهراسي وتعليقته. والله أعلم، والحمد لله رب العالمين.
٣ - محتوى الكتاب ومباحثه:
تبدأ التعليقة أثناء حديثة عن تعريف أصول الفقه باعتباره مركبا ومفردا، وهو أول المقدمات الأصولية، فالظاهر أنه لم يفقد من بدايتها إلا ورقة واحدة،
_________
(١) انظر: «الإبرازات» (ص ٣١٥).
(٢) انظر: «الإبرازات» (ص ٣٢١).
(٣) انظر: «الإبرازات» (ص ٣٢٢ - ٣٢٧). وتعرض د. حاتم أيضا للأمالي والتقاييد، وما يقع فيهما من اختلاف، وعلاقتهما بالتعاليق. انظر: «الإبرازات» (ص ٢٨٤) وما بعدها. وانظر: «التعاليق وأثرها في تطوير الدرس الفقهي» (ص ٣٥).
стр. 42
ومما يدل على ذلك أن التعليقة في الجملة لا تخرج عن ترتيب البرهان، والجويني قد صدر مقدماته الأصولية بتعريف أصول الفقه. شملت هذه القطعة من التعليقة:
المقدمات الأصولية التي تضمنت المسائل التالية:
تعريف أصول الفقه مفردا ومركبا، ومسائل التحسين والتقبيح، وبعد ذلك ذكر الكتب والأبواب الآتية:
١ - كتاب التكاليف
٢ - كتاب اللغات
٣ - كتاب البيان
٤ - كتاب الأوامر
٥ - كتاب النواهي
٦ - كتاب العموم والخصوص
٧ - كتاب المفهوم
٨ - كتاب الأفعال
٩ - باب التأويلات
١٠ - آخر كتاب النسخ
١١ - كتاب الإجماع
١٢ - كتاب الأخبار
стр. 43
وينقطع المخطوط أثناء كتاب الأخبار، فيبقى كتاب القياس وكتاب الاستدلال وكتاب الترجيحات وكتاب الاجتهاد.
وقد أحال المؤلف في الجزء الذي حققناه إلى كتاب الترجيحات وكتاب النسخ، وهذا يدل على أن التعليقة قد كملت في أصلها.
٤ - مصادر التعليقة ومواردها:
الأصل أن ما في التعليقة من كلام إلكيا، وقد يذكر نقولات دون عزوها إلى مصادرها، وصرح بالعزو إلى مصدرين، وهما كتاب «الرسالة» للإمام الشافعي، و «جوابات الأسئلة» لأبي الحسن الأشعري.
والكتاب فيه عزو لآراء بعض الأصوليين، ومن أكثر من ورد نسبة أقواله:
- القاضي الباقلاني، ويذكره تارة بالقاضي - اختصارا ــ، وتارة بأبي بكر، وقد يجمع الأمرين؛ وهو أكثر من نقل عنه.
- ومن الأعلام كذلك: القاضي عبد الجبار، ونقل عنه في موضع واحد ضمن مسائل الأمر، ولم نجزم بمصدره في هذا النقل، هل هو من كتب عبد الجبار أو بالواسطة من البرهان؟.
- ومنهم: أبو الحسين البصري، وبتتبع هذه الآراء وجدنا بعضها في كتاب المعتمد التي بين أيدينا، مما يدل على أنه كان أحد مصادره.
- ومنهم: أبو المعالي الجويني، وقد نص على كنيته في موضع واحد في
стр. 44
مسألة أقل الجمع، ونسب إليه اختياره أنه ثلاثة، ولم ينص الجويني عليه في البرهان، فلعل إلكيا نقله إما من كتب الجويني الأخرى، أو كان يصرح به في دروسه، أو هو مما استنبطه إلكيا عنه.
*وقد ظهر لنا بالتتبع أن إلكيا استفاد من كتاب البرهان؛ ولا غرابة في ذلك؛ فإنَّ الجويني شيخه.
*ورد ذكر بعض الأسماء في التعليقة في مسائل مشهورة بين الأصوليين - كالكعبي، والنظام، والجاحظ، وعيسى بن أبان، وزفر، وأبي علي وابنه الجبائيين، وهؤلاء لا نجزم بأن إلكيا وقف على كتبهم، والظاهر أنه نقلها بالواسطة؛ لشهرة آرائهم في كتب الأصوليين، وخصوصا المعتزلة.
*أكثر إلكيا من نقل آراء الحنفية، ولم يصرح بذكر مصادره في ذلك.
*لم نجد إلكيا أحال في هذه التعليقة إلى شيء من كتبه الأخرى.
٥ - بعض المزايا والمعالم في «التعليقة»:
*العناية في مواضع بالأمثلة الفقهية في عدد من المسائل، وذلك يجعلها شبيهةً بكتب تخريج الفروع على الأصول.
*إشاراته إلى استخراج أصول الأئمة في بعض المسائل، كمسألة: هل الكفار مخاطبون بالفروع؟ ومسألة القياس هل يجري في اللغات أم لا؟ ومسألة الاستثناء عقب الجمل المعطوفة بعضها على بعض. ومسألة تردد الشيخ المروي عنه الحديث هل يكون قدحا؟
стр. 45
* التنبيه في بعض المواضع على الإخلال بالنقل عن المذاهب، من أمثلة ذلك: بيان مذهب المعتزلة في تكليف المكره.
* عنايته بتحرير مذهب إمام مذهبه الشافعي في مسائل عديدة، كـ: «مسألة الأقارير ضمن مسألة: ورود الأمر بعد الأمر»، و «مسألة هل للعموم صيغة؟»، و «مسألة صيغ التذكير في جموع السلامة إذا ورد مطلقا»، ومسألة: «هل يجوز تخصيص العموم بالقياس؟» وغيرها.
* كثيرا ما يذكر أصحابه بأهل الجماعة أو بالجماعة أو بأهل السنة والجماعة، وبأهل الحق.
* ورود بعض الأمثلة الفقهية والاستطرادات الإثرائية التي قل أن توجد في غيره من كتب الأصول.
* إطالته النفس في مسألة التحسين والتقبيح، حيث أخذت حيزا كبيرا من القطعة التي بين أيدينا.
* الكتاب أول تراث أصولي يخرج لإلكيا، وتكمن أهمية ذلك أنه من العلماء المحققين في أصول الفقه، ولا تنقل آراؤه إلا بالواسطة.
* أن التعليقة لها أثر فيمن بعده من أهل العلم، ويظهر ذلك جليا عند ابن برهان - لا سيما في كتابه: «الوصول» - والزركشي وغيرهما.
* أن الكتاب سهل الأسلوب، واضح في عرض المسائل.
* تطبيقه لبعض أساليب الجدل والمناظرة في مسائل؛ ومن أبرزها إيراد الأسئلة والاعتراضات والإجابة عنها.
стр. 46
* تحريره لمحل النزاع في بعض المسائل، منها: «مسألة تخصيص أفعال رسول الله ﷺ للعموم». و «مسألة جواز نسخ العموم بعادات المخاطبين»، و «مسألة أقل الجمع»، و «مسألة حكم إحداث دليل ثالث».
٦ - ملحوظات على الكتاب:
* التباين الظاهر في عرض المسائل، بين التطويل والاختصار والاختزال، حتى إنه في بعض المسائل الخلافية المشهورة يقتصر على قولين في المسألة دون ذكر أدلة أو تحرير لمحل النزاع أو نسبة الأقوال.
* الكتاب لما كان إلقاء - ويختلف حال النساخ والكتاب في التدوين -، فقد وجد بعض الإشكالات الأسلوبية.
* عدم وضوح التقسيمات، خصوصا بين الفصل والمسألة.
* الاختلاف في ترجمة الفصول والمسائل طولا وقصرا، ذكرا وعدما.
* ترتيب الكتاب وإن كان في الجملة متوافقا مع الكتب الأصولية قبله إلا أن موضع بعض المسائل داخل الكتب لم تتبين مناسبته، خصوصا مع وجود التكرار في بعض مباحث الفصول.
* السقط والخروم الموجودة في بعض المسائل، بالإضافة لعدم اكتمال الكتاب، حيث لم نجد في نسختنا الخطية إلا قرابة النصف من محتوى الكتاب.
стр. 47
ثالثا: وصف المخطوط (١)
النسخة الخطية: نسخة وحيدة، وتقع ضمن مجموع، محفوظ في مكتبة فيينا تحت رقم (٢٠٥. GP)، في ٢٦٥ ورقة، ويحوي على الكتب التالية:
١ - «مختصر في أصول الفقه» غير منسوب لأحد (٢)، ويبدأ من (ق/ ٢/ ظ) إلى (ق/ ٦٣/ ظ)، وهو ناقص من آخره، ويقدر النقص بلوح واحد.
٢ - رسالة لأبي حامد الغزالي، وعنوانها كما في المخطوط: «مسألة قتل المسلم بالذمي»، تأليف أبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، وهي في بضعة أوراق، تبدأ مع (ق/ ٦٤/ و) وتنقطع مع نهاية (ق/ ٧٢/ ظ). وهي ناقصة أيضا.
٣ - كتابنا هذا، وهو «التعليقة في أصول الفقه» لإلكيا الهراسي (ت ٥٠٤ هـ)
_________
(١) لما صدر كتاب «مسائل الخلاف» للصيمري (ت ٤٣٦ هـ) بتحقيقي على نسخة وحيدة عام ١٤٤٠ هـ ولله الحمد، تواصل معي أحد الإخوة الفضلاء بهذا الشأن، وأفادني أنه وقف على مجموع، في أوله كتاب: «مختصر في أصول الفقه»، شبيه بكتاب «مسائل الخلاف» للصيمري في محتواه، فذكر لي مصدره لأطلع عليه، عله يكون نسخة أخرى للكتاب، وبعد أن تصفّحته، وجدته مختلفًا عن «مسائل الخلاف» للصيمري، لذلك أهملته. ثم بمضي بضعة أشهر قدر الله أن أعيد النظر في المجموع نفسه، وبعد تفحصه تبين أن الكتاب الثالث في المجموع ما هو إلا قطعة من «تعليقة» إلكيا الهراسي، فعرضت على الشيخ الفاضل د. المثنى بن عبد العزيز الجرباء أن تعنى به بالشراكة، فوافق على ذلك مشكورا مأجورا، فعند ذلك عزمنا على تحقيقه وإخراجه. كتبه: مقصد كريموف.
(٢) وقد تبيّنا بحمد الله من عنوانه ومؤلفه، يسّر الله إخراجه.
стр. 48
كما أثبتناه، وهو ناقص من أوله بمقدار صفحة واحدة، بالإضافة إلى غاشيته، وينتهي كتابنا مع نهاية (ق/ ٩٩/ ظ)، وهي ضمن باب التأويلات مع وجود قلب في الأوراق، حيث إن كتابنا ينتهي حقيقة بعد إعادة الترتيب ضمن كتاب الأخبار، وهو بعد باب التأويلات في الترتيب. وقد تخلل كتابنا ورقتان ليست منه، وهي من (ق/ ٩٦/ و) حتى نهاية (ق/ ٩٧/ ظ)، وهما جزء من الكتاب الآتي. وننبه إلى أن صفحة (ق/ ٩٩/ ظ) شبه تالفة، وتكاد تنعدم قراءتها.
٤ - «المجازات النبوية» للشريف المرتضى الإمامي (ت ٤٣٦ هـ)، وهي ناقصة من أولها.
المجموع فيما يظهر لنا قد تفكّك وأُعيدت خياطته، وترقيمه بعد ذلك، ولذلك في أواخر كتابنا دخلت ورقتان من الكتاب الذي يليه في المجموع، وهو: «المجازات النبوية»، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، ويلحظ أن أغلب الكتب في هذا المجموع ناقصة من أولها، ولا ندري سبب ذلك.
المجموع مكتوب بخط ناسخ واحد، ويعود تاريخ نسخه إلى بداية القرن السادس الهجري، فقد قيد الناسخ في آخره ما يلي: «وكان فراغي من نسخه في العشر الأواخر من ذي القعدة سنة سبع وخمسمئة (٥٠٧ هـ)».
وكتب تحته بخط أكبر: «والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على خير خلقه وصفوته من بريته سيدنا ونبينا محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين، وسلم تسليما كثيرا، وحسبنا الله ونعم الوكيل».
وفي الطرة قيد تملك، ونصه: «انتقل هذا الكتاب بما اشتمل عليه من الكتب إلى ملك الفقير إلى الله سبحانه الراجي عفوه: عيسى يحيى محمد … ،
стр. 49
وقفه الله تعالى وقفا صحيحا … كوقف سائر كتبه».
وأما الحديث عما يتعلق بوصف المخطوط لكتابنا، فهو على النحو الآتي:
- مخطوطنا في المجموع يبدأ مع (ق/ ٧٣/ و) إلى نهاية (ق/ ٩٥/ ظ)، ومن (ق/ ٩٨/ و) إلى نهاية (ق/ ٩٩/ ظ)، فيصبح المجموع لكتابنا ٢٥ لوحا، والخط مقروء، وهو على نسق واحد في الجملة. عدد الأسطر ما بين ٢٤ - ٢٨، والغالب أنها ٢٦ سطرا، عدد الكلمات في السطر ما بين ١٣ - ١٥.
- النسخة تأثرت بالرطوبة في مواضع متعددة، بل بعض الألواح يصعب قراءتها ولا يكاد يبين منها شيء، انظر مثلا: (ق/ ٩٥/ و)، (ق/ ٩٥/ ظ)، (ق/ ٩٦/ و).
- على النسخة لَحْقٌ في مواضع قليلة، غالبا بنفس اللون الأسود، وأحيانا بخط أحمر، لم يتبين لنا هل هو نفس الناسخ أو لا.
- كتب الناسخ في خاتمة «المجازات النبوية» - وهو آخر المجموع -: «بلغ مقابلة بحمد الله ومنه على الأصل، فلم يتبين لنا: هل المقابلة للمجموع كاملا أو لآخر كتاب فقط؟ ومخطوطنا فيه دارات منقوطة، وهي عرفا تدل على المقابلة، لكن يظهر أنه غير مقابل على أصل صحيح؛ وذلك لكثرة الأخطاء وبتر الكلام دون إشارة أو تصحيح.
- يرمز الناسخ للمهملة بوضع علامة تشبه الشدة أو المد، فيضعها - مثلا - فوق السين والراء. وفي مواضع قليلة يختصر نسبة الأقوال بوضع حرف: «ح» أو «ش»، ويعني بالحاء الحنفية أو أبا حنيفة، وبالشين الشافعي أو الشافعية.
стр. 50
- لم يعتن الناسخ بالنقط بشكل سليم، فقد ينقط للمذكر والسياق للمؤنث أو العكس.
- النسخة فيها كثير من التصحيف والتحريف، ومن الأمثلة على ذلك قوله: (مسألة وهو جواز القيافة)، والصواب: وهي؛ وقوله: (يتمكن به من ضرب المهثال)، والصواب: المثال، وقوله: ( … وأن يبنى على علم ضروري في حسنه)، والصواب: (في جنسه)، وقوله: (لأنَّ التخصيص: «هو أن يُخرج من اللفظ بعض ما دخل تحته اللفظ»، والصواب: (تحت اللفظ)، وغير ذلك. كما أنه حصل للناسخ قلب في الحروف لبعض الكلمات، يظهر أنه من سرعة الكتابة.
стр. 51
منهج العمل في إخراج النص والتعليق عليه
* نسخنا المخطوط حسب قواعد الإملاء الحديث، ثم قابلنا المنسوخ بالنسخة الخطية، ولما كان المخطوط سقيما، اجتهدنا في إثبات ما نراه صوابا وموافقا للسياق:
* فإذا وجدنا بعض الأحرف مقحمة - مثل الواو والفاء ــ، حذفناها دون الإشارة إلى ذلك؛ ومن أمثلة ذلك: قوله: (وأما وحد التكليف … )، صوابها: (وأما حد التكليف … ) بحذف حرف الواو، ومنها قوله: (فنشأ من هذا الاختلاف في مسائل لفظية ومعنوية)، صوابها حذف حرف: (في)؛ ومنها قوله: (حتى ننبني عليه المقصود)، صوابها: (حتى نبني عليه المقصود).
* إذا جزمنا بأن هناك خطأ، صوبناه دون الإشارة إلى ذلك؛ وما غلب على ظننا خطؤه، أثبتنا في النص ما نراه صوابا، وأشرنا في الهامش إلى ما في المخطوط.
أضفنا بعض الأحرف كـ: الواو، والفاء، و «ال» التعريف عندما يستدعي المقام ذلك دون الإشارة إليها؛ وإن كان السقط كلمة فأكثر، فأثبتناه في النص بين معقوفين [].
* وأما الكلمات المقحمة، فنشير في الهامش أنها زائدة؛ وإن كانت ساقطة فنثبتها بين المعقوفتين [] في النص.
* والناسخ لما كان غير ضابط للنقط في مواطن كثيرة، أثبتنا ما نراه صوابا
стр. 52
وموافقا للسياق دون إثقال الحواشي بالفروق، فمن أمثلة ذلك قوله: إلا أن تعفون، وهي: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ بالياء، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك.
* اعتنينا بتشكيل الكلمات المشتبهة توضيحا للقارئ، وإذا رأينا الكلمة تحتمل قراءتين مناسبتين في السياق، أهملناها لكي لا نحصر كلام المؤلف في أحد وجهيه.
* عزونا الآيات القرآنية بأرقامها إلى سورها في الهامش.
* خرجنا الأحاديث من مصادرها الأصلية؛ فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما، اكتفينا بتخريجه منه؛ وإلا فخرجناه من دواوين السنة المشهورة دون توسع في ذلك مع الإحالة عند اختلاف درجته إلى بعض مصادر التخريج، كـ: نصب الراية، وتلخيص الحبير.
* في توثيق المسائل التزمنا في الغالب الرجوع إلى ثلاثة مصادر، وهي: كتاب شيخه الجويني البرهان، وكتاب قرينه الغزالي: المنخول، وكتاب تلميذه ابن برهان الوصول إلى الأصول؛ وإذا لم نجد المسائل في هذه الكتب الثلاثة، اجتهدنا في التوثيق من غيرها، وقد نزيد على المراجع المذكورة عند الحاجة، ك: المعتمد لأبي الحسين البصري والتلخيص للجويني وغيرهما. ولم نوثق جزئيات الأقوال؛ اكتفاء بالإحالة العامة لهذه المصادر في صدر المسألة.
* قصدنا بـ: «انظر» توثيق المسألة بشكل عام، واصطلحنا بـ: «قارن» على الإشارة بوجود اختلاف في الرأي أو زيادة المسألة أو نقص فيها.
* علقنا على بعض المواضع المشكلة أو المختزلة بما يناسب المقام.
стр. 53
* قارنا النصوص المنقولة عن الكيا في كتب الأصوليين - وخصوصا البحر المحيط ــ، مع ما ورد في تعليقتنا، وبيَّنا في الحاشية موافقته لمعنى النص الموجود أو مخالفته، إن كانت المسألة موجودة بعينها، وأما المسائل غير الموجودة في نسختنا، فقد جعلناها في الملحق، كما سيأتي بيانه.
وختاما نحمد الله تعالى أن يسَّر لنا هذا العمل، ونسأله تعالى التوفيق والسداد، وأن يكتب أجر المؤلف والمعلق والمعتنيين.
ونشكر الدكتور محمد بن طارق الفوزان على مراجعة المقدمة الدراسية والنص المحقق وإفادته بملحوظات وفوائد أثبتناها في مواضعها.
كما أننا نشكر أم لطيفة الجرباء وأم يونس كريموف على تهيئتهما الجو المناسب، وصبرهما على الانقطاع والانشغال الذهني، فبارك الله فيهما وشكر سعيهما.
والشُّكر موصول لكلّ من أفاد وأعان في إخراج هذا العمل على أمثل وجه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
للتواصل مع المحققين:
مقصد كريموف
abumaryam ٠٠٠٠@gmail.com
المثنى بن عبد العزيز الجرباء
almuthana.aj@gmail.com
стр. 54
نماذج من المخطوط المعتمد
стр. 55
[تعريف أصول الفقه واستمداده] (١)
. . . . . . (٢) والفقه مدلول، وللدليل ارتباط بمدلوله (٣).
وأيضا؛ فإنَّه يحتاج إلى ضرب الأمثلة والاستشهادات، فيُعتبر أن يعرف من الفقه القدر الذي يتمكن به من ضرب المثال في بيان غرضه، وكشف مقصوده؛ ولا نعتبر أن يتبحر فيه.
فهذا بيان مادة هذا العلم.
وأما بيان حقيقته: فهو أنَّ «أصول الفقه» أدلة الفقه.
* فإن قال قائل: فما «الدليل»؟ وما حده على أصلكم؟
• قيل: الدَّليل: هو ما يتضمن النظر فيه علما بالمنظور فيه.
وعبارة القاضي فيه هو: «أنَّ الدليل ما يُتوصل بصحيح النظر فيه إلى علم ما لا يعلم في مستقر العادة اضطرارا» (٤).
стр. 56
* فإن قال قائل: فما هذه الأدلة؟
• قلنا: الكتاب، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّة.
* فإن قالوا: نراكم قد أعرضتم عن كثير من الأصول وأغفلتموها؛ وهي: القياس، وخبر الواحد، وصفة المجتهد، والترجيحات، وغير ذلك!
• قلنا: اعلم أنَّ هذه الأشياء ليست من أصول الفقه في شيء، وذلك أنَّ أصول الفقه هي الأدلة المقطوع بها؛ فأما هذه الأمور التي ذكرتم: كُلُّها ظَنِّيَّةٌ، فكيف تجعل أصولاً للأحكام؟ فلو تركنا وآراؤنا (١)، ولم يرد دليل قطعي على وجوب العمل بها، لما كُنَّا نَحكم بالظنون المرجمة، والآراء المجردة؛ من إراقة الدماء المحقونة، وإباحة الأبضاع المصونة، واقتطاع الأملاك المعصومة.
غير أن الصحابة أجمعوا على وجوب العمل بالقياس وبخبر الواحد، وقد تواتر عن رسول الله صلى الله عليه أنَّه كان يبعث كتبه إلى الأقطار والأمصار - مضمنة أوامره ونواهيه -، ويكلف العمل بها، فصار العمل بهذه الأشياء الظنية يستند إلى الأمور (٢) القطعية.
وتسمى هذه الظَّنِيَّةُ: أمارة، والقطعية: أدلة، وهذا اصطلاح منا، ولو اصطلح على عكسه فسمّي الظَّنِّي دليلا، والقطعي أمارة: لصح، وجاز.
واعلم أنَّ الدليل هو: «الخطاب»، أو: «ما دلّ عليه الخطاب».
والأصل في الخطاب: خطاب الله تعالى. وخطاب الرسول إِنَّما عُلِمَ كونُه
стр. 57
دليلا بخطاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿مَا آتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ (٢)، وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٣).
واعلم أنَّ الخطاب إنَّما يُعلم وجاهَا شِفاها؛ هذا حقيقته، غير أنَّه في غرضنا منقسم:
* إلى ما يكون شفاها،
* وإلى ما لا يكون وجاها شفاها.
- فأما خطاب الله تعالى؛ فلا يتصوّر أن يكون شفاها ولا وجاها، وإنَّما الطَّريق إلى معرفته: تبليغ النَّبي صلى الله عليه.
- وأما خطاب النَّبي صلى الله عليه؛ فمنقسم:
* إلى ما يكون وجاها،
* وإلى ما لا يكون وجاها؛ ولا يُعلم إلا بالنقل والإخبار، كما في حقنا معه؛ فما لا يُعلم إلا بالنقل والإخبار، فطريق معرفته الأخبار.
وهو ينقسم:
* إلى صدق حق يقينا،
* وإلى كذب محض يقينًا،
стр. 58
* وإلى متردد بينهما.
- وأما [الصدق] الحقُّ الصَّحيحُ: فهو ما تواتر نقله؛ وذلك: يجب العمل به، ويحصل به العلم قطعاً.
- وأما ما هو كذب محضا يقينا: فما لا أصل له، ولم يُنقل عنه أنه قاله أو فعله؛ وهذا ما لا يجوز [ط/ ٧٣] ولا يسوغ العمل به.
- وأما المتردد: فهو أخبار الآحاد.
والكلام على جميع ذلك يأتي مفصلا في كتاب الأخبار (١).
* فأما ما دلّ عليه الخطاب - كالإجماع ـ؛ فإنَّه مدلول الخطاب وليس بخطاب، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ … الآية (٢).
* وكذلك أفعال رسول الله صلى الله عليه دلّ عليها الخطاب؛ فإنَّه قال صلى الله عليه: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (٣)، وقال: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُم» (٤)، إلى غير ذلك.
* وكذلك العمل بخبر الواحد والقياس؛ دلَّ عليه مدلول الخطاب - وهو الإجماع -.
стр. 59
فإذا ثبت ذلك؛ فاعلم أن الخطاب ينقسم إلى «أمرٍ»، و «نهي»، و «خاص»، و «عامٌ»، و «مجمل»، و «مبين»، و «محكم»، و «متشابه»، و «ناسخ»، و «منسوخ».
والأمر والنهي حقيقتهما واحدة، وهو: الاقتضاء والطلب؛ إلَّا أنَّ المقتضى مختلف؛ فإنَّ مقتضى الأمر: الفعل، ومقتضى النهي: ترك الفعل.
وكذلك الخصوص والعموم حقيقتهما واحدةٌ، وإنَّما يختلفان بالإضافات؛ فالعام بالإضافة إلى ما دونه عام، والخاص بالإضافة إلى ما فوقه خاص؛ وسنبين سائر أنواع الخطاب إن شاء الله.
* فإن قال قائل: فقد بينتم حقيقة «أصول الفقه»، فما مقصودها؟
• قلنا: المقصود هو معرفة الفروع؛ لأنَّ من رام أحكام الفروع دون الاطلاع على المعالم والأصول، كان طامعا في غير مطمع.
* فإن قال قائل: فقد ذكرتم أن المقصود من الأصول: الفقه، فما «الفقه»؟
• قلنا: الفقه في اللُّغة هو: العلم (١)، يقال: فقهت الشي ء: إذا علمته؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَكِن لَا تَفْقَهُونَ﴾ (٢)، معناه: لا تعلمون، والفقه إذن هو العلم؛ غير أنَّه في غرضنا واصطلاحنا: علم خاص، وهو علم الشريعة.
وحده: «العلم بالأحكام السمعية المبنية على الخطاب».
стр. 60
قال الشيخ (١): لا تَقُلْ: هو العلم بالأحكام السمعية فقط؛ فإنَّ معرفة الله تعالى واجبةٌ بالسمع، وليس هي من الفقه؛ لأنَّ العلم بالله سابق على الخطاب، فليس طريق المعرفة هو الخطاب.
* فإن قال قائل: فلِمَ قلتم: إنَّ الفقه هو العلم بالأحكام السمعية ونحن نرى كثيراً من الأحكام أنَّها ظنية؟
• قلنا: اعلم أنَّ الظَّنَّ ليس هو الفقه، وإِنَّما الظَّنُّ طريق وأمارة علم الفقه، والفقه علمك بوجوب الحكم عليك بما انتهى ظَنُّك.
بيانُه: أَنَّ الشَّاهدين إذا شهدا عند الحاكم فغلب على ظنه صدقهما في قولهما، فوجوب العمل عليه بما غلب على ظنه: أمر مقطوع به من أنَّ (٢) الحاكم لو ارتاب فيه: كَفَرَ؛ ولو ترك الحكم: عصى الله تعالى.
* فإن قال قائل: فقد بينتم الفقه، فما «الحكم»؟ وإلى أي شيء يرجع؟
• قلنا (٣): اعلم أنَّ الحُكم لا يرجع إلى صفةٍ نفسيَّةٍ في المحكوم فيه، ولا
стр. 61
صفة معنوية، ولا يرجع أيضا إلى صفةٍ في الفعل؛ فإنَّ الخمر حرام والميتة حرام، وليس الحكم بكونها حرامًا لصفةٍ في ذاتها لكونه عليها اقتضى التحريم؛ فإنَّها كانت موجودةً قبل الحكم بتحريمها بهذه الصفة في الجاهلية وصدر الإسلام؛ وأنَّها لما حرمت، لم تحدث لها صفةٌ، [٧٤/ و] ولم يستجد لها نعت في ذاتها.
وكذلك تناول الميتة في حال الاضطرار مباح، وفي حال الاختيار حرام، والتَّناولُ على صفةٍ واحدةٍ في الحالتين جميعًا، فدل أن التحريم ليس هو لأمر يرجع إلى الفعل.
* فإن قال: فإذا ثبت أن الحكم بالتحريم لا يرجع إلى العين، ولا إلى الفعل، ولا إلى صفات نفسيَّةٍ فيها، ولا معنوية؛ فما «الحكم»؟
• قلنا: الحكم: «عبارةٌ عن تعلّق خطاب الله تعالى بالمخاطبين في المطالب السمعية إقدامًا وإحجاما».
* فإن قيل: فالتَّعَلُّق يقتضي تجدد صفة للمُتعَلَّقِ به.
• قلنا: التَّعَلُّق لا يجدّد صفةً للمتعلق به؛ فإنَّ تعلق العلم بالمعلوم لا يغيّر المعلوم عما كان عليه؛ وكذلك الرؤية؛ فإنَّ الله تعالى لم يكن معلوما لنا، ثُمَّ صار معلوما لنا؛ ولم يكن تجدد عِلْمِنا يقتضي تجدُّدَ صفة للباري تعالى الله عن ذلك.
* فإن قيل: فما معنى قول الفقهاء: «الخمر حرام لعينها»، و «هذه العين حرام»، و «هذه نجاسة عينيَّة» (١)؟
стр. 62
* قلنا: هذه الدُّعوى [لها محمل] (١) صحيح تَحَمَّل عليه، ونحن نبين ذلك لنجمع بين الحقيقة والعبارات التي تداولها الفقهاء.
فمعنى قولهم: «الخمر حرامٌ»: أنَّ التَّحريمَ عُلِّقَ على معنى نشأ من عينها - وهي الشِّدَّةُ المطربة والقوة المسكرة ـ، فلما كان الحكم بالتحريم لمعنى قائم بها، أُضيفَ الحكم إليها، لا أنَّ الحكم كان مقتضى عينها أو وجوداً ذَاتِيًّا (٢) فيها.
وكذلك الميتة؛ لما كان الموتُ قائماً بها قيل: «الميتة حرام»، فصار الحكم يضاف إلى المحل، وصار في ضرب المثال كقول النُّحاة: «الفاعل مرفوع بفعله» كقولك: «قام زيدٌ»، ثُمَّ قالوا: «مات زيدٌ»، و «طلعت الشَّمسُ»، وإن كان زيد لم يفعل الموت، والشَّمسُ لم تفعل الطُّلوع، لكن لما كان الفعل مضافًا إليه لفظاً وأنه محل للفعل، رفع الفاعل حقيقةً.
* فإن قال قائل: فقد بينتم «الحكم» ما هو، فمن أين يتلقى أمر الشرع المنقول؟ أَمِنْ قَضِيَّاتِ العقول؟
• قلنا: هذا افتتاح الكلام في المسألة العظيمة الملقبة بـ: «التحسين والتَّقبيح».
* * *
стр. 63
مسألة (١)
اعلم أنَّ الذي استوت (٢) عليه آراء أهل السُّنَّة والجماعة قاطبةً أَنَّه لا مَدْرَكَ للأحكام سوى الشرع المنقول؛ ولا يُتلقَّى حكم ما من قضيات العقول.
فأما من عدا أهلِ السُّنَّة الحقِّ من طبقات الخلق - كالرافضة، والكرامية، والمعتزلة، وغيرهم ـ، فصاروا إلى أن الأحكام تنقسم:
* منها: ما يُتلقّى من الشرع المنقول،
* ومنها ما يُتلقَّى من قضيَّات العقول.
- وما يتلقّى من قضيَّات العقول ينقسم:
* إلى ما يُعلم بضرورة العقل وبديهة الرأي،
* وإلى ما يُعلم بنظرٍ ورَوِيَّةِ:
- فأما ما يُعلم بضرورة العقل وأوائل الذهن:
* فكقبح الكذب الذي لا منفعة فيه
* وحسن الصدق الذي فيه المنفعة.
* وكذلك إيلامُ البَرِيء عن الجُرم، العري عن الظلم: قبيح بضرورة العقل.
стр. 64
* وحُسنُ الإنعام والتَّعطُّف والإكرام وإذلال المعروف والإحسان إلى مَنْ نَأَى ودَنَا معلوم بضرورة العقل.
- وأمَّا ما يُعلم حُسنه وقُبحه بنظر العقل:
* كالكذب الذي فيه منفعة،
* والإيلام الذي فيه مصلحة.
- وأمَّا ما يُعلم من السَّمع المنقول:
* فالعبادات وتفاصيلها - كالصَّلاة والصيام والحج والزكاة إلى غير ذلك ممَّا يُتَلَقَّى سمعا -.
وزعموا أنَّ هذه الشَّرعيَّاتِ والأحكام [د/ ٧٤] التعبديات غير منقطعة عن نظر العقل، بل نقول: إنَّ الله تعالى إنَّما أمر بما أمر من الطاعات لعلمه بما تفضي إليه من المستحسنات عقلاً، ونهى عمَّا نهى عنه؛ لعلمه بما تؤدي إليه من المستقبحات عقلا، فالتكاليف اللطاف تدعو إلى مستحسنات، وتنهى عن مستقبحاتٍ:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ (١)، أشار بذلك إلى أنَّ التمرين على الصلوات والطاعات يصد عن الفحشاء.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء﴾ … الآية (٢)، يُبيّن أنَّ ارتكاب الفواحش والمناهي يوقع العداوة، ويُفضي إلى ترك المستحسنات والطاعات.
стр. 65
* قالوا: غير أنا لما لم نعلم مقادير الطَّاعات التي تفضي إلى ما هو حسن، وتنهى عما هو قبيح: جاء الشرع بمقادير ذلك وتفاصيله، فرجعنا إليه.
ولو كنا نعلم ذلك بعقولنا، ونستقل بمعرفتها بأنفسنا، لكنَّا نعقل وجوبها، ونُدرك بمجرد العقل، ولم نحتج إلى شرع (١).
ثُمَّ إِنَّ هؤلاء اختلفوا فيما يُعلم حسنه وقبحه:
* فمنهم من قال: الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح؛ فالقبيح قبيح بجنسه، وصفة نفسيَّة؛ والحسن حسن لجنسه، وصفة هو في نفسه عليها.
* ومنهم من قال: الحسن حسن لنفسه وذاته؛ فأما القبيح ليس قبيحاً بصفة نفسه.
* ومنهم من عكس، وقال: القبيح قبيح لنفسه، والحسن ليس حسنًا لصفة نفسه.
стр. 66
وقال أبو الحسين البصري: «أنا لا أقول: إنَّ الحسن والقبيح صِفَتا نفس للحسن والقبيح، وإنَّما أقول: نحن ندرك بمجرد العقل الفرق بين الحسن والقبيح؛ لا لأنَّ لهذا صفة نفس تُعلَم عليها، وللآخر تمييزٌ عنه بصفة نفس هو عليها»، وهذا جزء يأتي الشرح عليه (١).
واعلم أنَّ جميع (٢) ما ذكره أصحابنا من طريق الرد عليهم تحصره ثلاث طرق:
* الطَّريقة الأولى: طريقة جدلية.
* والثانية: إلزامية.
* والثالثة: برهانية (٣).
стр. 67
فأما الطريقة الجدلية
فاعلم أن كل دليل أو علم نظري؛ لا بُدَّ وأن يُبنى على علم ضروري في جنسه، ولا بد من إسناد النظري إلى الضروري فيه؛ وإلا فلو كان النَّظري يُبنى على النظري، لتسلسل؛ إذ الخلاف يقع في الجميع، والنزاع فيها واحدٌ؛ فلا بُدَّ من أصل يقف الخصمان عنده؛ وإلا لم يستقم نظر، ولم يتم دليل.
فلو لم يسلم لنا الملحد الدهري أنَّه يدرك تفرقة ضرورية بين تحرك الجسم وسكونه، لم يُمْكِنَّا أن نبني عليه إثبات الأعراض؛ لكن لما حصل الفرق بين التَّحَرُّكِ والسُّكون ضرورةً، قلنا بعد ذلك: لا تخلو؛ إما أن يكون تحرك الجسم لنفسه، أو لأمر زائد عليه؛ فنسوقُ دليل إثباتِ العَرَض؛ فإثبات معنى زائد على الجسم والجوهر إنَّما يُعلم عن نظر وروية، ويستند إلى ضروري، وهو تحرك الجوهر وسكونه. فإذا؛ ثبت أنه لا بُدَّ من أمر ضروري يستند إليه النظري.
فإذا لم يُسلَّم لهم (١) الضروري - الذي هو المستند: لم يستقم لهم النَّظَرُ، ولا يمكنهم الجدل، فينقطع جدالهم، وتكون هذه الطريقة إفحاما (٢) لهم عن الكلام.
فنقول لهم: نراكم تقولون: «إنَّ قبح الكذب الذي فيه منفعة يُدرك بنظر
стр. 68
العقل (١)»، فما (٢) الأصل الضَّروريُّ المجمع عليه لهذا؟
* فإن قلتم: قبح الكذب الذي لا منفعة [٧٥/ و] فيه.
• قلنا: من شرط هذا الفصل أن يكون متفقاً عليه، ونحن لا نسلم أنَّ هذا النوع قبيح ضرورة.
* فإن قلتم: ندلُّ عليه.
• قلنا: ما كان ضرورةً فإقامة الدليل عليه محال؛ لأنَّ الدَّليل إنَّما يُراد لإيضاح مشكل وإبانة ملتبس، وذلك مستحيل في الضروريات؛ فإنَّه لو قال قائل: ما الدليل على أنَّ الشَّمس طالعةٌ؟ قلنا: طلوعها، فإذا وضح بنفسه، لا يستوضح بأكثر مما وضح.
ونقرر هذا الطريق، فنقول: لو كان معلوماً ضرورةً، لما اختلف فيه العقلاء، كما أنهم لم يختلفوا في سائر الضروريات، وإنَّما يقع الخلاف في النَّظريات؛ لأنَّها مبنية على أسباب يقع الخلاف فيها.
وكان الأصل في الاختلاف أنَّ النَّاس على قسمين:
* ناظر.
* وغير ناظر.
فالناظر هو المدرك.
стр. 69
- فأَمَّا مَنْ ردَّ النَّظَر، وركن إلى الدَّعَة والرفاهة والتقليد، وتكاسل عن النظر والجد والتشمير في الأمر، ولم يُكلّف نفسه تعب النظر قط: لا يصل إلى شيء من العلم، ولا يدرك الحق.
والناظرون ينقسمون:
* إلى مستد (١) في صوب نظره.
* وإلى حائد منحرف عن الصوب والسمت.
- فالمنحرف لا يدركه.
- والمستد في صوب واحد غير منحرف عنه على قسمين:
* قسم وَفَّى النَّظر حقه، وأنهاه إلى غايته القصوى وذروته العليا.
* وقسم وقف دون الحد والغاية.
فمن لم ينته إلى الغاية، لا يدرك؛ ومن ترقى إلى الدرجة العليا، يدرك.
فإذا؛ صار المدرك للحقِّ من أقسام الناظرين هو الفرد الواحد النَّادر من الجم الغفير، وهم الأقلُّون عددًا، الأعظمون عند الله قدرًا، وهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٤)، وقول النبي ﷺ في وصفهم
стр. 70
أنَّهم «كالشامة البيضاء في مسك الثور الأسود» (١).
* فإن قالوا: أنتم تعلمون قبحه ضرورةً؛ غير أنكم كابرتم وعاندتم، وحملكم على ذلك التلد، والميل إلى الهوى، وحب المذهب؛ فتتعصبون لأجل هذا، فتظهرون غير ما تُضمرون.
• قلنا: تقلب هذه الدعوى عليكم، ونعكس؛ فنقول: بل أنتم قد عرفتم أنَّه غير معلوم ضرورةً، وإنَّما عاندتم ميلا إلى الهوى، وتعصبا للمذهب، فكل ما أمكن عكسه على الخصم، وتساوى الخصمان في دعواه لم يكن دليلا.
جواب آخر: وهو أنا نمزج هذا بضرب من البرهان، فنقول: إنكار الضروريات مما لا يمكن التواطؤ عليه، والتواصي بكتمانه؛ فإنْ تُصُوِّرَ ذلك من فئة قليلة، وزمرة يسيرة، وشرذمة من النَّاس في مدة قريبة؛ فإنَّه يتبيَّن بطلانه، وينكشف كتمانه على قُربِ وكَثَبٍ.
فأما الفئة الكثيرة العظيمة التي لا يُحصيهم عدد، ولا يحويهم بلد؛ فلا يجوز عليهم التواطؤ في ذلك على تعاقب العصور واختلاف الدهور، وأنتم تعلمون أن مخالفيكم قد طبقوا طباق الأرض ذات الطُّول والعرض؛ فلو [٧٥/ ظ] كانوا مبطلين، لانكشف الغطاء وتبين الخطأ في أقرب مُدَّةٍ.
فلو جاز أن يقال مثل هذا، لجاز أن يقال بأنَّ مَنْ أخبر أنَّ في الدُّنيا بلدًا يقال له مكة أو الصين، فهو كذب باطل؛ لأنَّه يحتمل أن يكون قد تواطأ
стр. 71
المخبرون على ذلك، ولا يقال ذلك.
لكن يقال: هذا باطل؛ لأنَّ التَّواطؤ من مثل هذا العدد لا يتصور، وفيه إبطال الشرائع والنبوات، وسدّ باب التواتر مع الاتفاق من الأعصار في ثبوتها؛ فبان بهذا فساد قولهم.
* فإن قالوا (١): فنحن نرى الحشوية والمجسمة وهم خلق كثير يتواطؤون على المحال، ويُنكرون الضروريات، ويقولون بقدم الحروف، ولا ينكشف لهم، ولا يرجعون عنه.
• قلنا: هؤلاء إذا حقق عليهم القولُ: لا يقولون بالقدم حقيقةً؛ فإنَّا إذا قلنا لهم: هذا المصحف متى ابتدئ؟ ومتى كُتب؟ ومتى خُتم؟ ذكروا زمانًا؛ وجريان الزمان وتجدد المدَّة على القديم محال، وإنَّما أتوا بلفظ «القدم»؛ لأنهم اعتقدوا أنَّ فيه نوع تعظيم، ولفظ «الخلق» و «الحدث» فيه إهانة وابتذال؛ فصاروا إلى العبارة، لا إلى الحقيقة.
* فإن قيل: أنتم قد علمتم قُبْحَ ما قبَّحناه، وحُسْنَ ما حسَّنَّاه، فجميع ما قلنا إنه حسن قلتم إنَّه حسن، وجميع ما قلناه إنَّه قبيح قلتم إنَّه قبيح؛ فقد توافقنا على الحكم، وإنَّما اختلفنا في الطريق والمدرك فيه والمسلك؛ ولا يضرُّ الاختلاف في الطَّريق بعد التوافق على الحكم؛ هذا كما أنَّ الكعبي قال: «إِنَّ العلم الحاصل عقيب خبر التواتر نظري، وسائر العلماء قالوا: ضروري (٢)».
стр. 72
وإنَّما وقع الخلاف في طريقه بعد الوفاق على حصول أصل العلم، فلم يضر ذلك؛ كذلك فيما نحن فيه.
• قلنا: نحن نبني الخلاف بيننا وبينكم في الحكم من وجهين:
أحدهما: أن عندكم إِنَّما حَسُنَ من الله تعالى إيلام البهائم والأطفال؛ لأنَّه يعوّضهم عليه في العقبى، فيحشرهم وينشرهم، ويجعل لهم مراتع يرتعون فيها، ويجب عليه ذلك؛ ولو لم يفعله، لقبح ذلك منه عقلا، وعندنا لا يجب على الله تعالى التعويض، ولا هو قبيح منه ذلك، فهذا خلاف في الحكم، لا في الطَّريق.
الثاني: أنَّ عندنا يجوز أن يَرِدَ الشَّرع، فيحسن ما نقبّحه، ويقبح ما نعده حسنًا، وعندكم لا يجوز أن يرد الشرع بذلك؛ فبان أن الخلاف بيننا حاصل في الحكم أيضا.
стр. 73
وأما الطريقة الإلزامية
فهو أنا نقول: إذا قلتم «إنَّ الحَسَن إنَّما كان حسنًا بصفة نفسه، ولما هو عليه من ذاته»، فلا يجوز أن يتغيَّر ويتبدل عن صفة نفسه، ويصير القبيح حسنًا والحسن قبيحا.
* قالوا: كذا نقول، لا يجوز أن ينقلب ويتبدل صفة نفسه ما دامت النفس باقيةً.
• قلنا: فإذا كان الأمر بهذه الصفة، فيلزم من مساق هذا الكلام ألا يجوز أن يوجد صدق إلا وهو حسن، ولا كذب إلا وهو قبيح.
* قالوا: كذلك نقول؛ لا يجوز أن يكون صدق قبيح، ولا كذب حسن.
• قلنا: فنحن نريكم [فساد] ذلك:
بيانه (١): وهو أنَّ بعض الظَّلمة لو أنه طلب قتل نبيٍّ، فهرب النَّبيُّ من بين يديه، وهو يقتص أثره، ويطلب حتفه شاهرًا سيفه ليقتله، فانتهى [٧٦/ و] النَّبيُّ إلى طريق ضيّق - هو مفرق طرق كثيرة - فدخل في بعض تلك المنافذ والعواطف فابتنى فيه، فصادف الظَّالم رجلًا على مفرق الطريق فسأله: أين النَّبيُّ؟ وأين استقر؟ (٢) أتقولون: إنَّه يصدق هذا الرجل أو يكذب؟
стр. 74
* إن قلتم يصدق، فمعاذ الله من هذا الكلام؛ لأن فيه فسادين: قتل لنبي معصوم، وإبطال شريعة (١)، فكيف يقال: إنَّه يصدق مع ما فيه من الانطواء على هذه المفاسد.
* وإن قلتم يكذب، فقد صار الكذب حسنًا في بعض الأحوال (٢)؟!
* فإن قالوا: نقول: إنَّه يصدق، والصدق على حالته هذه حسن، والكذب قبيح.
* قلنا: أجمع الناس على أنَّ الصدق في هذه الحال قبيح، وأنَّ الكذب حسن، وكذلك لا قبيح في عالم (٣) الله تعالى أعظم من القول بأنَّ الله ثالث ثلاثة، وأن محمدًا ساحر، ثُمَّ قد أباح الشَّرع هذا القول والتلفظ به في حال الضرورة حتَّى إِنَّ مِنْ العلماء من قال: يجب ذلك؛ فدلَّ أنَّه ليس قبيحاً لنفسه؛ إذ لو كان قبيحاً لعينه، لما تغيرت صفة نفسه.
* فإن قالوا: إِنَّما حَسُن في هذه المواضع؛ لأنَّه اقترنت به أمور حسنةٌ غطت على قبحه، فصار مغموراً بما اقترن به من الحسن، كالصغائر في جنب الطاعات.
• قلنا: هذا غير صحيح؛ لأنه لو كان مُبقى على ما كان من صفة النفس إلَّا أنه تغطى بأمورٍ، لَبَقِيَ على ما كان عليه من قبل اقتران الأمور به، ونحن نعلم أنه لم يبق على ما كان، بل قد زال حكم صفة النفس حتى لا يحسن الدم واللوم عليه.
стр. 75
أما الطريقة البرهانية
اعلم أنَّ غموض المسألة إنَّما كان وتَنَشَّأَ من تلبس في عبارتها؛ فإذا كشف عن ذلك، اتضح مقصودها، وذلك أن يقال:
هذه الأمور مما يعرفها العقلاء بعقولهم، ويدركون قُبح المقبَّحات، وحُسن المستحسنات بأوائل أذهانهم، وإنما كان ذلك لسر؛ وهو ميل الطباع ونفرتها. وذلك لأن الطباع تميل إلى ما فيه مسرتها، وتنفر عما فيه مضرتها، وهذا لا يختص بالعقلاء؛ فإنَّ البهائم تميل طباعها إلى نفعها، وتنفر عن مضارها.
غيرَ أَنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يسمَّى «حكيمًا» لأنَّه ينظر ويتفكر في عاقبة الأمر، ويفرّق بين الخير والشَّرِّ، ومنهم مَنْ لا ينظر في ذلك، فلا يقال له «حكيم». فنقول: هذا الذي تميل إليه الطباع وتنفر عنها، إنَّما هو لأغراض ومقاصد، فمالت الطباع ونفرت لأغراضها.
فالكل متفقون على مراعاة المصلحة والفائدة، وليس كلامنا في هذا الفن، إنَّما كلامنا فيما هو حَسَنٌ وقبيح، وذلك إنَّما هو من تكاليف الشرع وأمره ونهيه.
* فإن قيل: نرى الخلق مطبقين مجمعين من لدن آدم إلى زماننا هذا على حسن الثناء والمدح لمن فعل الحسن، وعلى استحسان مكارم الأخلاق والإنعام والإكرام وإذلال المعروف وابتداء الجميل، ويطبقون على ضدّ ذلك من ذم من أساء وظلم وتعدى وأتى بالقبائح!