← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30164

الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول

ابن المُنَيِّر

Полный текст (347 стр.). Показаны 316–347 · переход к 321.

стр. 316

مَرَاتِبُ الشَّبَهِ (١) الأولى: «الإلحاق القطعي بنفي الفارق»، وفي تسميته قياساً خلافٌ. والمختار: إن أشعرَ اللَّفْظُ بهما: فَنَصُّ (٢) - كالعبد للذكر وللأنثى ـ؛ وإلا فقياس - كإلحاق عَرَقِ الكلب بلعابه في العدد والتعفير -. الثانية: «الإلحاق بوصف لا يُناسب»؛ فإن أفاد ظَنَّا: فَشَبَهُ، وَإِلَّا: فَطَرْدُ، فالشَّبَه واسطةٌ بين نفي الفارقِ والطَّرْدِ، وأقربُ الرُّتَبِ إلى المعلوم إلحاق الزبيب بالتمر في الربا، ويليه: إلحاق الأرز بالبر، ويليه: إلحاق الوضوء بالتَّيَمُّمِ. ثُمَّ قد يعتضِدُ الشَّبَهُ بمعنى كُلِّي (٣): * وهو المرتبة الأولى، كاشتراك الطهارتين في التَّعَبدِ - أي عرضهما الثَّوابَ ـ، فافتقر إلى النية؛ واختلافهما في بعض الأحكام فوت القطع (٤). وقد يعتضد الشَّبَه بالمقصود:

стр. 317

* وهو المرتبةُ الثَّانية، كإلحاق المطعومات بالأربعة جمعًا بالمقصود - وهو الطعم -. والتعليل بالقُوت باطل [بالملح] (١)، وبالتقدير باطل بالجنسين (٢)؛ فتَعيَّنَ الطَّعْمُ، ولم يَعْتَضِدْ بمعنى كُلِّيَّ، ولولا ضرورة الإجماع على تعليله: لا طرحناه. وأَمَّا الشَّبَهُ الخَلْقِيُّ؛ فشرطه إشارةُ الشَّرع إلى اعتباره كالجزاء، ويقربُ منه الحيوانات المشكلة في الحل والحرمة. • وقد يتعارض الشَّبَهُ والمعنى: * كضرب قيمة العبد على العاقلة: فمقتضى المعنى: عدم الضرب؛ كالسلع (٣)، وهو الأظهرُ؛ لاقتطاع العاقلة عن القياس، وتعليلها بالحاجة إلى حمل السلاح - والعبد والحر يحملانه - باطل بالحاجة إلى التَّجَاوُلِ على الخَيلِ، فيلزمُ أنْ تُعقَل (٤). ومقتضى الشَّبَهِ: الضَّربُ كالحُرِّ، وليس خَلْقِيًّا؛ لتخيل (٥) المعنى المشارِ

стр. 318

إليه، ويُفرَض في عبد جاولَ فقُتِلَ. * ومن تعارضهما (١): تقدير أروش أطراف العبيد: فالمعنى يقتضي عدم التقدير (٢) كالسلع، لا سيما على قول الموجب لقيمة نفسه ما بلغت، (والشَّبَهُ يقتضي) (٣) التَّقدير كالحر، وهو الأظهرُ؛ فإنَّ الشَّارِعَ ضَمِنَ الحُرَّ ببدل؛ كي لا يُهدَرَ في الخطأ، ثُمَّ قَدَّرَ (٤) أطرافه منسوبةً إلى نفسه بتجزئة توقيفية، مع إمكان الحكومة فيها كبعض جراحه، وطرفُ العبد منه كطرف الحرّ منه. فإن قيل: فقدَرُوا أطراف البهائم! • قلنا: نسبة أطرافها إليها لم يتحقق أنَّها كنسبة أطراف الإنسان إليه، والمضمون من الحُرّ والعبدِ الدَّمِّيَّة (٥). * ومن ذلك: ضرب يسير العقل (٦) على العاقلة كالكثير (٧): وهو شَبَه يكاد يكون عِلْمِيًّا، إذ يُحمل عن الشركاء وإِن كَثُرُوا وأَيْسَرُوا، فَتَحَقَّقَ استرسال الشرع على تحميلها، مُضرِبًا (٨) عن القِلَّةِ والكثرة.

стр. 319

مُقَدِّمَةٌ لِنَحْصُرَ (١) المَرَاتِبَ الشَّبَهِيَّةَ فإن قيل: «مَنْ ادَّعى شَبَها، فقيل له: لعله طرد، فقال: أفاد الظَّنَّ. فقيل له: إن كان ظن: فلسبب، فما هو؟ فإن سَبَّبَ بمعنى خفي: أحال المسألة (٢)، فكيف يميزه؟!» قلنا: يتميز الشبه بثلاثة أمور: أحدها: الاعتضاد (٣) بالأمثلة (٤)، كيسير العقل الممثل بحصص الشركاء. الثاني - وهو معظمه -: الإشارة إلى معنى كُلِّيَّ يَعْسُرُ تحصله بالعبارة، كتقدير يد العبد بنصف قيمته شَبيهًا بالحُرِّ؛ إِذْ غَنَاءُ كُلِّ يَدٍ مِنْ صاحبها سواء، إلَّا أنَّ هذا الشَّبَهَ إِذا اتَّجَهَ: مقدَّمُ على المعنى الذي يُشير إليه. الثالث: المتعلّق بالمقصودِ، وشرطه: أنْ (٥) تنساق الضرورة؛ كالطعم في الربويات، فليس بمناسب، ولا معتضد (٦)، ولا مُسْبورٍ. تقريره: أَنَّ الرِّبا مُعَلَّل إجماعًا، وتعليله بالأعيان متعذّر، فتعيَّن مقصودها، ويتأيد بأمرين:

стр. 320

- أحدهما: اختلاف الحكم في الأجناس اتحاداً واختلافاً. - الثاني: قوله: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ» (١). ونعود إلى الترتيب، فنقول: * المرتبة الأولى: نفي الفارق قطعاً، كإلحاق الأمة بالعبد. فإن قيل: إن كان «الأمة» كـ: «العبد»، فتخصيصه لماذا؟ * قلنا: ذكره مثالاً، كقول الفقيه: «من باع ثوباً: انتقل ملكه عنه»؛ على أنه يجوز احتكام (٢) الشَّرع بتخصيص العبد؛ لكنه لو كان، لَبَيَّنَ (٣). وإفراد الموصوف بمناسب بالذكر يُشعر بنفي الحكم عما عداه بطريق المفهوم، مثل: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» (٤)، وإفراد الموصوف بما لا يناسب لا يصدر من الشارع مثل: «في عُفر الغنم الزَّكاةُ». * المرتبة الثانية: المعتضد بالأمثلة. * الثالثة: المشير إلى معنى كُلِّي (٥)، كتقدير الأروش. ودونه في المرتبة: المشير إلى معنّى كُلِّيّ، كإلحاق الوضوء بالتَّيَمُّمِ.

стр. 321

* الرابعة: التَّعَلُّق بالمقاصد. وقد مر تعارض شَبَهَيْنِ: في ملك العبدِ، شبيها بالحر لفطانتِه، وهو خَلْقِيٌّ؛ وسقوطه (١) تشبيها بالبهيمة لعدم استبداده، وهو حُكْمِيٌّ؛ فهو أقرب؛ لأن مالكه يسدُّ حاجته، فيستغني (٢) بالمالك عن الملك، ولذلك لما تعذّر سد حاجة النكاح في الملكِ، أثبته له الشَّرع بإذنه. فإن قيل: فَلْيَملكِ السَّلَعَ بتمليكِ السَّيِّدِ؛ إذ الحقُّ منحصر فيهما! • قلنا: منافاة كونه مملوكًا لكونه مملكًا، كمنافاته لكونه مالكًا (٣). فإذا زال الملك عنه (٤)، مَلَكَ استقلالاً واسْتَبَدَّ؛ فإن كاتبه، مَلَكَ بِحَسَبِهِ، والله أعلم. فصل (٥) قد تَتَرَتَّبُ المعاني والأشباه - كُلٌّ في بابه ـ، فإن اجتمعا: فالمعنى، إلَّا أن يسترسل ويَخُصَّ الشَّبَهُ (٦): فالشَّبَهُ راجِحٌ، كاجتماعهما في تقديرِ أُروش العبيد، وضرب العقلِ اليَسير. والمعنى في العقل اليسير أصعب منه في الأروش؛ لأنَّه مستمد من

стр. 322

اختصاص الغرامة لصاحبِ (١) الجناية، وهو منقوض بأصل العاقلة، ومعنى الأروش سالم من النَّقض؛ غيرَ أَنَّ الشَّبَهَ أَخَصُّ منه. فصل (٢) حاصل قياس الدلالة: «الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر؛ لاتحادِ مُؤَثَّرِهِمَا». ثُمَّ مؤثرهما: إمَّا معنى أو شَبَهُ، فال قياسُ الدَّلالة إليهما، فإذا وَرَدَ: تَوَجَّهَتِ المطالبة بتلازم الأمرين. مِثَالُهُ: «مَنْ صَحَّ طلاقه: صَحَّ ظِهاره». فيُطالب بالملازمة، فيقول: «المؤثر فيهما واحدٌ، وهو اقتضاءُ كُلِّ منهما للتحريم، والزوج أهل، والزوجة مَحَلَّ، فوُجِدَ المقتضي للنفوذ، والكفر غير مانع؛ إذ لا ممانعة بين الكفر وبين المنكَرِ والزُّورِ»: * فقد آل إلى المناسب. * وقد يؤول للمطَّرِدِ والمنعكس، وهو مِنْ الشَّبَهِ، فيقول: «تلازم (٣) الأثرانِ وجودًا - في المسلم العاقل ـ، ونفيًا - في الصبي -؛ وأيضا (تلازما كذلك) (٤) في الزوجة والبائن».

стр. 323

* وقد يؤول إلى الشَّبَهِ المعتضد بالأمثلة. ثُمَّ يتصدَّى لصاحب قياس الدلالة أمران: أحدهما: أنه قَصَّرَ؛ إذ لم يُشِرْ ابتداءً إلى المعنى أو الشَّبَه (١)، فهو آت ببعض دليل. الآخرُ: أنَّه (جاء بغير نظم) (٢) الدليل. فلذلك يختار الحاذق تقريره بالطَّرد والعكس، ولا يلتجئ إلى المعنى، ولا ينفك الضّدُّ؛ إذ الشَّرط يدلُّ طردًا وعكسا، وقد صدر كلامه به. فإن قيل: فما فائدة العدلِ به عن مآلِه (٣)؟ * قلنا: عَدَلَ لِتَقِلَّ المطالبات عليه. [ولا يرد] (٤) الفرقُ، فلو فرق الخصم فيه بين الطَّلاقِ والظهار، أحال؛ إذ أحدهما عِلَّةُ الآخر. نعم، نقدح في المناسبة، فنقول: تحريم الظهارِ يُنافي الكفر؛ إذ أثره الكفَّارة - وهي عبادة -، والكافر ليس من أهلها، بخلاف الطَّلاقِ؛ إذ أثره حَلُّ العِصمةِ، والكافر أهل لحلها وعقدها. ثُمَّ إذا استتب المعنى فيه، فهو أولى من الدلالة فتوى وجدلا؛ غيرَ أَنَّ

стр. 324

المختار جواز التمسُّكِ بأضعفِ الظَّنَّينِ مطلقا، ومَنَعَه بعض الجدليين إذا تفاوتت الرتبتانِ الظَّنِّيَتَانِ قطعا (١). ونعود إلى الترجيح، فنقول: إنَّه ينشأ في أقيسة المعاني من تفاوتِ المراتب - كما تقدَّم -، وقد ينشأ (٢) من طرق العِليَّةِ: فالموماً إليها مرجحة على المستنبطة، وذاتُ الأصل مرجحة على الاستدلال، وفي ترجيح الاستدلال على الشَّبَهِ - أو العكس - قولان، والمسألة ظَنِّيَّةٌ. • مَسْأَلَةٌ (٣): الأكثر على الترجيح بالانعكاس، وخُصوصاً على القول باعتباره دليلًا. والمختار: التفصيل، فنقول: هو مرجح في الشَّبَهِ جَزمًا؛ لإلحاقه إياه بالمعتضد بالأمثلة. أما المعنى: * فقد يشعر مطردًا منعكسا مثل: «مستقل فلا يُولَّى عليه، وغير مستقل فيولى عليه».

стр. 325

* وقد يُشعر مطَّرِدًا خاصَّةً مثل: «مُسْكِرُ»، فالإشعار بالعكس مزيَّةٌ معنوية، والانعكاس (١) مزيَّةٌ شَبَهِيَّةٌ: - فإن تساوى المعنيان فيهما، أو في عدمهما، أو في عدم أحدهما: فالتعارض، - أو أشار أحدهما بالأمرين، أو بأحدهما: فالترجيح، - فإن امتاز كُلُّ واحدٍ منهما بواحدٍ؛ ففي ترجيح الإخالة - لأنها معنوية - على (٢) الانعكاس - لأنَّه شبهي - أو عكس ذلك: خلاف. هذا إن تعذَّر (٣) لِعِلَّة خَالَفَتْها (٤) هى أقوى (٥)؛ فإن تعذر لتوقيف: فقيل: يبطل كالمنقوضة، وقيل: لا؛ لوروده على ضمنها (٦)، ولولا التوقيف: لجرث. • مَسْأَلَةٌ (٧): إذا تقابلت قاصرة ومتعدية، فالثالث: التعارض.

стр. 326

والمسألة مبنية على امتناع اجتماعِ العِللِ؛ أما على الوقوع: فالترجيح لغو؛ إذ يقال بهما (١). احتج مُرَجِّحُ المتعديَّةِ بإفادتها، ومُرَجِّحُ القاصرة بمطابقة النص لها، (فَالظَّنُّ قوي) (٢) في مواردها. رُدَّ الترجيح بالفائدة بأنه أجنبي، وبأنَّ الفائدة بعد التصحيح. والمختار على التَّنَزُّلِ: ترجيح المتعديَّة؛ لاستجماعها في الفرع شرائط الصِّحَّةِ، فلا تترك لحكمة سنحت (٣) في الأصل موافقة لا مناقضة، والإجماع الاستقرائي يسترسل على قبولها. وإنما لم نعتبر الوزن المتعدِّي - واعتبرنا النقدية القاصرة - شَبَهًا ضروريا؛ لبطلان الوزن. وكذلك اعتبار القاصرة في خيار المعتقة دون المتعدية لبطلانها: والمختار: أنَّ خيار المعتقة تعبد. ومن أثبته تحتَ [الحُرِّ] (٤)، زعم أَنَّ زوج بريرة حر.

стр. 327

* فرع مُرَتَّبٌ (١): (ترجيح المتعدية يقتضي ترجيح الأكثر) (٢) فروعاً؛ بطريقتنا في ترجيح المتعدية على القاصرة (٣). أما العِلتان المتناقضتان في فرع، الراجعتان إلى أصلين؛ فزيادة (٤) فروع إحداهما لغو. * فرع مُرَتَّبٌ (٥): إذا امتازت القليلة الفروع بكثرة النظائر، كالوقاع (٦)؛ فإنَّ فروعه الإيلاج في كُلِّ فرج، وهي أقل من فروع الإفطار الذي هو علة أبي حنيفة، لكنه عند الشافعي أكثر نظائر في الإيجاب، كإيجابهِ الغُسْلَ، وتَقَرُّر (٧) المهر والإحصان والإحلال. فقيل: يتقابلان، وهو مُزيَّفٌ؛ فإِنَّ النَّظائر توقيفية أجنبية، والأمثلة العاضدةُ للشَّبَهِ في مثل العقل اليسيرِ مَاسَّةٌ (٨).

стр. 328

والمختار - لو سلمت عِلَّةُ أبي حنيفة من مناقضة: تقديمها على الوقاع (١)، (لتَعُمَّ الفِطْرَ) (٢). ومذهب مالك في إيجاب الكفَّارة بفطر [مُطَّرِد] (٣)، فَعِلَّتُه مُقَدَّمَةٌ؛ فلو تكلفنا شَبَها ضعيفًا [وادَّعينا أنَّ] (٤) (للوقاعِ مَزيَّةً يشهد له النُّسُكُ) (٥): لم يقتض الإنصاف مصادمة عِلَّةٍ مالك - على قُوَّةِ تَعْمِيمِها (٦) - بذلك (٧)، والله أعلم. • فرع مرتب (٨): رجح بعضُهم تعليل العِتْقِ [والنفقة بالقرابة البعضيَّة] (٩) - وإن قلت

стр. 329

فروعها - على التعليل (بالرحم والمحرميَّة) (١) - وإن كَثُرَتْ فُرُوعُها -؛ إذ البعضيَّةُ تنتظم بلا تأويل، والرَّحم (٢) والمحرمية (٣) لا تنتظم. وهذا ركيك؛ بل هي منتظمة بلا تأويل، ولكن لم يظهر أثر التحريم لفوات المحل. • مَسْأَلَةٌ (٤): الفرع المشبه الأصلين قد يقوَى شَبَهُهُ (٥) بأحدهما فيغلب؛ كيمين اللجاج. فالمختار: إلحاقها بالأيمان. وقيل: إلحاقها باليمين والنَّدْرِ (٦) أرجح؛ فيُخيَّر صاحبها بين الكفارة والوفاء؛ ليُوَفِّر (٧) شَبَهَي الأصلين، وهو مردودٌ بأنه ترجيح مذهب، لا عِلَّةٍ؛

стр. 330

ثُمَّ هو اقتطاع عنهما، إذ مقتضى كُلِّ منهما اللزوم (١). • مَسْأَلَةٌ (٢): (قيل: تُرجح الأكثر أصولاً؛ لأنها) (٣) شواهد؛ فهي كالرواة. والمختار: أن لا؛ لأنَّ العمدة المناسبة، والأصل: ليؤمن الانحلال، فيكفي (٤) واحدٌ، بخلافِ الرّواية، فالمعتبر فيها الثَّقَةُ (٥) والكثرة. وإنَّما الذي يُناظِر (٦) كثرة الرواة أن تكثر معاني أحد الخصمين، ولِكُلِّ معنى أصل: فالترجيح له؛ لأنَّها شواهد، فالظَّنُّ بها أقوى. والامتناع من تسميته ترجيحا - لأنها مستقلة - لفظي. أما كثرة أصولِ الشَّبَهِ فَمُرَبِّحَةٌ؛ لأنَّها العمدة؛ إذ لا مناسبة، كإلحاق الرَّأسِ بالوجه واليدين لئلا يُمسح على العمامة، فهذا الشَّبَه لكثرة أصوله أقوى من إلحاق أحمد (٧) الرَّأْسَ بالرّجل ليُمسح على العمامة كالخُفّ. فإن رجحوا بتطرق التخفيف إلى الرَّأْس كالرِّجْلِ، فأجنبي:

стр. 331

* إذ معنى التخفيف في الرأس الاكتفاء بما لم يوجب الشرع سواه (١). * وأيضًا؛ فيعارض بتيسير مسح الرأس والعمامة باقية (٢)، بخلاف الخُفّ. * ثُمَّ شَبَهُنَا يقرّر العزيمة، وشَبَهُهُمْ يُرَخّصُ؛ وجولانُ الشَّبَهِ فِي الرُّخَصِ البعيدة عن المعاني الكلية والجزئية بعيد. • مسألة (٣): إذا تعارض قياسان مع أحدهما ظاهر: فقيل: الظاهرُ حُجَّةٌ، والقياسانِ متساقطانِ. وقيل: الظاهر ترجيح. وقيل: إن كان القياس المخالف للظاهر ينهض لتأويله: فالظاهر ساقط. وهذا مردود؛ فإنَّ القياس لو نَهَضَ، فمعارضته بالقياس الآخرِ تُوهِيهِ. والمذهبانِ الآخَرانِ متقاربان، والأسد (٤) جعل الظاهر ترجيحاً، لا دليلا؛ لضعفه بالمعارضة.

стр. 332

• مَسْأَلَةٌ (١): إذا اعتضد أحد القياسين بمذهب (٢) صحابي: * فمَن رآه (٣) حُجَّةً: قدَّمَ المعتضد؛ لتظافُرِ الحُجَّتِينِ. * ومن لم يره حُجَّةً: فليس بترجيح، ما لم يكن ذا مزيَّة، كزيد في الفرائض، ومُعَاذٍ في الحلال والحرام، وعَلِيٌّ في القضاء، فمذهبُ كُلِّ فِي فَنَّهِ مُرجح. ثُمَّ مَذْهَبُ مُعَادٍ في الفرائض أرجح من مذهب علي؛ لأنَّ الفرائض أقرب للحلال والحرام من القضاء؛ إذ خصوصيَّة (٤): التَّفَطَّنِ لتمييز المحقِّ من المبطل، وأحوال الخصوم، وُجوديَّةٌ: لا شرعيَّةٌ. ثُمَّ مذهبُ عليّ فيها أرجحُ مِنْ مذهب أبي بكر وعُمَرَ؛ لأنَّ الأمر بالاقتداء بهما أعم من الأحكام؛ لانتظامِ طاعةِ الخلافة بجهته (٥). وعلى هذا الترتيب يقع الترجيح، والله أعلم.

стр. 333

• مَسْأَلَةٌ (١): إذا كان أصل [إحدى] (٢) العلتين مجمعًا عليه: ترجَّحتْ، كأصل أبي حنيفة في الأكل؛ فإنَّه (٣) الوقاع - وهو إجماع ـ، وأَصْلُنا فيه (٤) ابتلاع الحصاة - وهو خلافي -؛ غير أنَّ عِلَّةَ أبي حنيفة باطلة، إِنَّما الصحيحة التي لا تُصَادَمُ: علَّةُ مالك. وكذلك أصل التخيير في المعتقة منصوص؛ فإن وجدنا منصوصًا: تساويا (٥). الصَّحِيحُ: أَنَّ عِلَّتَهُما (٦) باطلةٌ، وعِلَّتَنا قاصرة. • مَسْأَلَةٌ (٧): قدموا المفردة (٨) - بكثرة فروعها وقِلَّةِ الاجتهاد - على المركَّبَةِ. وهو باطل؛ فقد تكون المفردة أقلَّ فُرُوعًا، بل [رُبَّما قاصرة] (٩).

стр. 334

نعم، إن كانتا في أصل - والمفردة عند أحدهما أحد وصفي المركبة عند خصمه (١)، لزم أن تكون المفردة أكثر فروعاً (٢)، ويُخرجُ على التعليل بعلتين. وهذا كقول الشافعي في عِلَّةِ الرِّبَا (٣)، فالجديد (٤): «الطَّعْمُ»، والقديم: «الطَّعْمُ والتَّقدير»: - فإن صحح استقلال الطَّعم: فالتقدير لغو، فيبطل التركيب. - وإن بطل استقلالُ الطَّعم: فالإبطال غيرُ الترجيح؛ فلا ترجيح البتة. فإن فُرض في المقدَّرات لكونها أوضح، فقد تقدمت مسائل الفرض (٥). ودعوى [قِلَّة] (٦) الاجتهاد [مردودة] (٧)؛ إذ لا بد لصاحب المفردة من

стр. 335

النظر في إبطال المركبة؛ فاستويا. • مَسْأَلَةٌ (١): قدموا المثبتة على النافية، والمقرّرَةَ على النافلة (٢)، والحاضرة على المحللة؛ اعتبارًا بالأخبار (٣)، وهو في العلل أجنبي؛ لأنَّ عُمدتها الثقة، وهي في غيرِ مَظَانَّ الذُّهولِ أَكَدُ. نعم، تترجَّح المقرّرة لشهادة الأصل ما لم تَقْوَ (٤) الأخرى بما يصادِمُ قرار الأصل. • مَسْأَلَةٌ (٥): قَدَّمُوا العِلَّةَ التي هي وصف على التي هي حكم؛ لأنَّ الوصف معلوم حِسًّا، والظَّاهرُ أنَّهم أرادوا الحكم المظنون؛ أما المعلوم إجماعاً فكالوصف المعلومِ حِسًّا، ولا ترجيح في العلوم (٦).

стр. 336

• مَسْأَلَةٌ (١): إذا عَمَّتْ إحدى العِلَّتين الدعوى، ولم تَعُمَّها الأخرى: فقد قَدَّمُوا العامَّةَ، كتعليلنا منع بيع الكلب بالنجاسة، وتعليل أبي حنيفة جوازه بالانتفاع به، فيخرجُ الجَرْوُ (٢). وهذا الترجيح باطل؛ فإنَّ الجرو مُتهيّئ، والمراد بالانتفاع: التَّهَيُّو، فيعم؛ غير أنَّ الانتفاع مناسب منقوض، والنَّجاسة شَبَه سالم، فهي أولى.

стр. 337

كِتَابُ النَّسْخِ (١) النَّسْخُ لغةً: «الإزالةُ والرَّفعُ»، وأكملُ حَدٍّ فيه اصطلاحا: «اللَّفْظُ الدَّالُّ على انتهاء أمد الحكم الشرعي مع التأخير». ومنهم من عوض «الحكم» بـ: «العبادة»، فلم يجمع (٢). ومنهم من أسقط «التَّأخير»، فلم يمنع التأقيتَ، مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ﴾ (٣). وحاصله عند الفقهاء: تخصيصٌ [متأخر لظاهر] (٤) في الأزمان. وقال القاضي: «رفعُ الحكم بعد ثبوته»، ولم يقيد بالتأخير؛ لأنَّ التَّأقِيت لم يرفع ثابتا. ورد القاضي على الفقهاء بأنَّ جَعْلَه تخصيصا موافقة لمنكريه، وأيضا يلزمهم النَّسخُ بما يسوغ به التخصيص حتَّى القياس. وأُجيب:

стр. 338

* بأنَّ مُنكِرَه لا يُثبت تخصيصاً في الزَّمانِ. * وبأنَّ (١) العُمدة في تخصيص الأعيان: الإجماع (٢)، وهو قاصر عن تخصيص الأزمان (٣). فإن [قيل] (٤): النسخ لغةً: «الرَّفعُ»، فليكن شرعاً كذلك. أُجيبَ (٥): بأنَّ الأصول لا تُتَلَقَّى (٦) من الإطلاقات. واعترض (٧): إن كان منتهياً (٨) في العلم، فلم يُرفع ثابت؛ وإن كان مؤبداً في العلم، اجتمعَ النَّقيضانِ. ولا جواب عنه. والمختارُ: أَنَّه اللفظ الدال على انتفاء شرط دوام الحكم، وهو كاختار (٩) الفقهاء؛ غير أنَّا نُجريه (١٠) ولو نص اللفظ على عموم الأزمان؛

стр. 339

لأن شرطَ التَّقدير (١) في حُكم المُضْمَرِ، والشَّرط يجامع (٢) النَّصَّ (٣). ومقتضى كونه عندهم تخصيصاً ألَّا يَجري (٤) إلَّا إذا كان عموم الأزمان ظاهراً (٥). أما لو قال الصَّادقُ: «هذا الحكم مؤبد لا يُنسخ»، فقد تحققنا شرط العدم، فاستحال نسخه؛ للخُلْفِ والبَدَاءِ (٦). ولذلك أحلنا نسخ شريعتنا. وكُلُّ ما نُسِخَ، فقد كُنَّا نعتقد دوامه حتى انكشف فواتُ الشَّرط المُضمَر (٧)، كاعتقاد المكلَّف أنه مكلَّف، فلو اخترم قبل الإمكان: انكشف فوات شرط التكليف؛ إذ الإمكان شرط عقلي. • مَسْأَلَةٌ (٨): أنكرت اليهود، وغلاةُ الرَّوافض النسخ: فمنهم من أحاله عقلا:

стр. 340

* فإن قال: محال (١): فمباهِتٌ. * وإن قال: لاستلزام أمرٍ، ثُمَّ النَّهي: اجتماع الحُسنِ والقُبح؛ فالقاعدة باطلة. ثُمَّ (٢) يُفْرَضُ فيما لا يُحسَّنُ لِعَيْنِهِ تَنَزُلًا. * قالوا: بَدَاء. * قلنا: الحد (٣) يَدْرَؤُه. * قالوا: خلافُ الأصلح. * قلنا: ممنوع، والقاعدة باطلة. ادعت اليهودُ التَّواتر عن موسى أنَّ شريعته مؤبَّدَةٌ (٤). * قلنا: قيام معجزةِ عِيسَى ومحمَّدٍ صلوات الله عليهما يُكَذِّبُ دَعْوَاهُم. * وأيضا عدم ذكرهم لذلك في زَمَنِهِ ﵇ (٥) يدلُّ على أنَّه كَذِبُ حادث؛ لأن جهة الاحتجاج تُوجب ذكره عادةً. * قالوا: لعله ذُكِرَ. * قلنا: لو كان لنقل.

стр. 341

(والجواب على الروافض: الإجماع) (١): • على تحريم الخمر بعد تحليلها (٢). • وعلى ما أُبيح مِنْ الشَّرائع المتقدّمة بشريعتنا (٣). • مَسْأَلَةٌ مُترجمة بالنسخ قبل الفعل (٤): أي: قبل التمكن منه؛ وإلَّا فَكُلُّ نَسخ كذلك، ولا ينعطف على ماضي. والحق: جوازه. ومنعه المعتزلة، وبعض الفقهاء. لنا: ما تقدم في أصل النَّسْخِ. • قالوا: النَّسخُ بيانٌ، وهذا تعطيل ورفع. • قلنا: قد اخترنا أنَّ النَّسْخَ بيان انتفاء شرط دوام الحكم، وهذا بيانُ انتفاء شرط أصل الحكم، فيتبين به أن لا حكم؛ فكما لو مات قبل التَّمَكُّنِ: تَبَيَّنَّا أن لا تكليف.

стр. 342

فإن قالوا: «خلافُ الأصلح»: فالقاعدة باطلة. ولعله الأصلح؛ ليَعزِمُوا فيُوجَرُوا. واستُدِلَّ: بقصَّةِ الذَّبيح؛ فإنَّه أُمر بالذَّبحِ ونُسِخَ قبل أن يفعله. • قالوا: كان المأمور به شَدَّه وتله للجبين خاصةً، وقد فعل. • قلنا: باطل؛ لاعتقاد الخليل أنَّ المأمور به الذَّبح (١) - وهو معصوم ـ، ولذلك كان بلاء عظيمًا. ويحققه: الفداء بذبح. • قالوا: معارض بقوله: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ (٢). • قلنا: معناه: صدقت وجوبَ الذَّبحِ. • قالوا: وقعَ الذَّبْحُ، وَالْتَأَمَ (٣). • قلنا: بُهْت. ولو كان لنُقِلَ عادةً؛ ولكان ذكره في القرآن أهم من ذكرِ التَّل؛ وَلَلَغَا الفداء. • مَسْأَلَةٌ (٤): قَطَعَ الشَّافعي بأنَّ السُّنَّةَ لا تنسخُ القرآن، وتَرَدَّدَ (٥) في العكس. والحق: الجواز.

стр. 343

لنا: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١)، ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٢)، والنَّبِيُّ ﷺ . مُبَلِّغٌ. فإن قيل: القرآنُ مُعْجِز، فلا ينسخه غير معجز. • قلنا: المنسوخ: الحكم، وليس بمعجز. أوردوا قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا﴾ (٣). • قلنا: هذا إخبار عن الواقع، والكلام في الجائز. ثُمَّ هي ظاهرة، والمسألة قطعية. [ … ] (٤)، ثُمَّ إن منع هؤلاء مخالفة الكتاب للسُّنَّة: فعِناد؛ وإن اعترفوا وزعموا أنه إذا نزل القرآن مخالفًا توقف العمل به على سُنَّةٍ ناسخة: فهذا هُزْوٌ من القول. • مَسْأَلَةٌ فِي الزيادة على النَّص (٥): (وَتَصَوُّرُها يرفع) (٦) الخلاف الأصولي:

стр. 344

- فإن دل النَّص نُطْقًا (١) أو فحوى على الإجزاء بفعل، ثُمَّ زِيدَ شرط، فرفع الإجزاء: فهذا نسخ (٢). - وإنْ دلَّ الظَّاهرُ على الإجزاء، فزيد الشرط: فهذا بيان، ولا نسخ. والخلاف في بعض الألفاظ ينبني على النصوصية أو الظهور: • فمن ذلك الأمر بالوضوء: ظَنَّهُ الحنفيَّةُ نَصَّا في الإجزاء، فعدُّوا اشتراط النية بعد ذلك نسخا للآية، والحقُّ: أنها ظاهرة، ولعلها بيان (٣) للأفعال الظاهرة. • ومنها: اشتراط الإيمان في رقبة الظهار، وقد مضى (٤). • ومنها: القضاء بالشاهد واليمين زيادةً على آية الشهادة. واعتقاد أنَّها نص: باطل، فلعلها إرشاد إلى الأحوط. • ومنها: آيةُ الجَلد، وليست نَصَّا في نفي التغريبِ، فلعلها لبيان بعض العقوبة، وبدليل إسقاط الرَّجمِ.

стр. 345

• مَسْأَلَةٌ (١): أجمعوا على أنَّ القاطع لا يُنسَخُ بالمظنون. (والتحقيق: كان) (٢) يجوز ورود القاطع باعتبار المظنون ناسخًا للمعلومِ، ولكن لم يَرِدْ. • مَسْأَلَةٌ (٣): يجوز نسخ التلاوة دون الحكم، والعكس. ومنعها بعض المعتزلة، وفصل بعضُهم. لنا: دليل أصل (٤) النسخ، ومعنى نسخ التلاوة نسخ الأمر بها، لا المعين (٥). • مَسْأَلَةٌ (٦): اختلفوا متى يثبت النسخ: هل عند النزول أو عند البلوغ؟

стр. 346

والتحقيق يرفع الخلاف الأصولي: - فإنَّ التكليف بما لم يبلغ: تكليف ما لا يُطاقُ. - وأما كونه إذا بلغ، هل يلزم تدارك ما مضى: فنظر فقهي. • مَسْأَلَةٌ (١): يجوز النسخ بلا بدل، خلافًا لبعض المعتزلة. لنا: دليل أصل (٢) النسخ. • مَسْأَلَةٌ (٣): إذا ورد نص، فاستنبط منه قياس، فَنُسِخَ النَّص: تبعه القياس. وقال أبو حنيفة: يستمر القياس. ولهذا تَلَقَّى (٤) عدم اشتراط التبييت في الواجب من صوم عاشوراء، وقد نُسِخَ وجوبه. والحق: أنَّ الحكم بعد النسخ كأن لم يكن؛ فالمعنى حينئذ استدلال، وقد تَقَدَّمَ.

стр. 347

* مَسْأَلَةٌ في الفرق بين النسخ والتخصيص (١): كلاهما عند الفقهاء والمعتزلة بيان، لكنَّ النَّسخَ في الأزمان، والتخصيص [في الأعيان] (٢). والنسخ عند القاضي رفع، والتخصيص بيان. والمختار: أنَّ التخصيص بيان يتعلق بمتناول اللفظ الأَوَّلِ، والنَّسْخُ بيانُ انتفاء الشَّرط المقدَّر مقارنا للفظ؛ لا بالوضع، ولكن بالقواعد (٣).