← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 30164

الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول

ابن المُنَيِّر

Полный текст (347 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فَصْلٌ (١) الاستدلال المقبول عندنا: هو المناسب الذي لا يقويه (٢) من ذي الأصل إلا شهادة الأصل له. والمردود: هو الذي يصادمُ الأصولَ؛ كالمنقول عن مالك أنه يقتل ثلث الأُمَّةِ لاستبقاء ثلثيها؛ دفعاً لأعظم الضررين، فيلزمه شرع العقوبات النادرة على الفواحش النادرة، كقطع الشَّفَة ونحوه؛ استرسالاً في المصلحة. والمعلوم أنَّ الصَّحابة وقع لهم مثل ذلك، فلم يجاوزوا (٣) الحدود المنصوصة، ولما حدث الإكثار من الخمر، لم يهجموا على زيادة في عقوبته، حتى تيقنوا (٤) أنه لم يكن محدوداً في زمنه ﵇، ومع ذلك قال علي (﵇) (٥): «لا أقيم حَدًّا في نفسي منه شيء إلَّا حدَّ الشَّارب؛ لأنه شيء رأيناه بعد النبي ﷺ » (٦). ***

стр. 282

فصل يُعترض الاستدلال باعتراضات القياس، خلا المختصَّةِ بالأصلِ، فَيَرِدُ النَّقض والمعارضة وطلب الإخالة، وتقديم ذي الأصل عليه (١). ويفسد من الاعتراضات عليه ما يفسد على القياس. ولا يُستعمل الشَّبَهُ استدلالاً؛ إذْ مِنْ ضرورتِه مُشَبَّةٌ، ومُشَبَّةٌ به. فصل في الاستصحاب (٢) نُصوّره (٣) بالسَّبرِ، فنقول: إذا ثبت حكم في صورة بدليل، فاستمرت بحالها، فالحكم فيها بالدليل الأصلي، لا الاستصحاب، وإطلاق الاستصحابِ هنا لاحتمالِ النَّاسخ غير مقصودِ الفصل. ويُقابله: أن يثبت في صورة، (فيستصحب في صورة) (٤) مقاطعة لها (٥)، فهذا ليس استصحابًا، وحاصله احتكام. فإن ثبت في صورة، فتغيَّرت: فاستصحاب الحكم فيها بعد تغيرها هو

стр. 283

المختلف فيه: فقيل: بقبوله دليلا. وقيل: ترجيحا. الرَّادُّ: تغيرُ الصُّورةِ يُصيّرها كالصورتين، فالاستصحاب احتكام. مثاله: قول أبي حنيفة: تُستأنف فريضةُ الشَّياه بعد مائة وعشرين من الإبل؛ استصحابًا للفريضة المبتدأة، ومعارضة الشافعية له باستصحاب فريضة الإبل - وهي الثابتة (١) -. وكلاهما باطل، واستصحابُ الشَّافعيَّةِ أقرب؛ لأنَّ الشَّياه وجبتْ أَوَّلاً حَذَرَ التشقيص، وتخفيفًا على المقل، ولا كذلك المكثر. فإن قيل: مَنْ تيقن الطهارة، وشك في الحدث، استصحبتم له يقين (٢). الطهارة! * قلنا: هذا لُبابُ (٣) الفصل، وليس المراد مجامعة اليقين للشك وجودًا، ولكن حكم اليقين. ثُمَّ لانخرام اليقين أحوال: * قد يخرمه ظن بعلامة بيِّنَةٍ؛ فالظَّنُّ المتَّبَعُ.

стр. 284

* وبعلامة خفية - كعلامة التحري في الأواني: - فإن تقدَّم يقين طهارة أحدهما ونجاسة الآخر، والعلامة للتعيين: اعتُبرت؛ (لتساقط الأصلين) (١)، فتخلو عن المعارض؛ - فإن تقدم يقين (٢) طهارتهما (٣): فقيل: تلغو العلامة بالاستصحاب لضعفها. وقيل: تُعتبر (٤). * وإن لم تكن علامةٌ البَتَّةَ (٥): فالاستصحاب. ومستنده الإجماع، ويُقبل دينًا وجَدَلًا، كما لو قال: «الأضحية لا تجب؛ لأنَّ الأصل براءةُ الذِّمَّةِ، ولم تثبت أمارة تَشغَلُها»، فهذا كافٍ؛ فإنْ تَتَبَّعَ الأمارات المتخيلة بالإبطال، فأجدر. ***

стр. 285

كِتَابُ التَّرْجِيْحِ (١) هو (٢): «تغليب أمارة على معارضها؛ لقوتها» (٣). واستعمله الظاهرية في الألفاظ، وأنكره جُعَلُ، وهو محجوج بالإجماع المتواتر. واحتج القاضي لمنكره بسقوطه في البينات. ورد: بالمنع؛ فقد رجح فيها مالك ﵁، ولو سلم: فالفرق غلبةُ التَّعَبدِ في البيِّنات، ولو سلم: فلا (٤) يُعارَضُ القاطع بقياس ظَنِّي. ولما كانت العلوم متساوية: امتنع الترجيح في القواطع. *** * مَسْأَلَةٌ (٥): قالت الأئمة: لا ترجيح في المعقولات، أي: المعلومات، أما العوام:

стр. 286

فيكفيهم الاعتقادات الصحيحة، ولا بُدَّ لها من أسباب (١)؛ فقد يدخلها الترجيح كالظَّنِّيَّاتِ. *** * مَسْأَلَةٌ (٢): قالوا: الترجيح لا يستقل دليلا، فلا يُستعمل في المذاهب؛ لأنَّها دعاو. ويُستدرك بأنَّ (٣) العامي لا يتخيَّرُ مُقَلَّدَهُ إِلَّا عن ترجيح، فهو مستنده، ويمكن أن يقال: ترجيحه دليل مثله. *** * مَسْأَلَةٌ (٤): أجمع المحققون على أنَّ الحكم على مَنْ بَعد مالك وأقرانه: تقليدهم؛ إذْ هُمْ آخِرُ المجتهدين، (وأُعينوا على) (٥) ﴿(٦) تصفح أدلة الأَوَّلِينَ ومذاهبهم، وعلى تدوين المسائل الواقعة والمتعددة، فبتلك المعونة كَفَوا مَنْ بعدهم المؤنة.

стр. 287

ثُمَّ لا يختار المقلّد مُقَلَّدًا بالتشهي، بل بالترجيح، ومختار الإمام: ترجيح الشافعي، واستدل بطرق: * منها: أنَّه متأخر، فاتَّبَعَ الأَوَّلِينَ في التأصيل، وانفرد بالتكميل، فترجَّحَ. لا يُقال: فمن بعده إذا أكمل! لأنَّا نَقُولُ: ما سَاوَاهُ بعده أحدٌ. * ومنها: أنه أعرفُ بالأدلة متونا و [معاني] (١)، لا يزيدون عليه بالطَّوق (٢) بعربيَّته، ومعرفته بالرّجالِ، ومواقع الإجماع، ثُمَّ بترتيب الأدلَّةِ: إذْ قَدَّمَ الكتابَ، ثُمَّ السُّنَّةَ، ثُمَّ انضبطَ في الرَّأْي؛ فاعتبر المناسب الملائم لمنصوب الصحابة: فإن عَدِمَه: تَلمَّحَ الأشباه؛ فإن عَدمِهَا: وَقَفَ مع التَّعَبدِ. وقد يسنح له مناسب منقوض فَيُغَلِّبُهُ (٣)، فلذلك مَنَعَ القيمة في الزكاة مُتَأَيَّدًا بأنها عبادة،

стр. 288

فغلب عليها التعبد. * ومنها: أنَّ الشَّريعة مأمورات ومنهيَّاتٌ، فرجحان نظره في العبادات واضح، وكذلك في المنهيَّاتِ؛ فإنه سَبَرَ القواعد التي نصبها الشارع زواجر عن الفواحش، وحمى منها الذريعة، وهدمها غيره: - كالقصاص؛ فإنَّه زجر عن القتل، وسقوطه [في] المثقَّلِ يَهْدِم القاعدة؛ - وكحد الزنا؛ وإسقاط البينة (١) بالإقرار، ثُمَّ إسقاط الإقرار بالرجوع يهدمه، فكذلك أبواب الغصب والسرقة، فليُتَّبَعْ (٢) فيها نظر الشافعي من غيره. * ثُمَّ أقرب (٣) ترجيح إلى الأفهام: - قوله ﵇: «الأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيشِ» (٤)، والشافعي من بينهم قرشي صريح. * والإشارة إلى مالك، وأبي حنيفة، فَلْنَذْكُرْ خصائص الثلاثة: أما أبو حنيفة؛ فذو الفِطْنَةِ الوقادةِ، في عُرف المعاملات وترتيب الحكومات وتفريع المسائل المقدرات؛ غير أنه مُضرب عن النقليات، وربَّما

стр. 289

وقعت له وفاقًا فاعتمدها، لا أنه طلبها فوجدها. وأما مالك: فذو الأمانةِ الشَّديدة في النقليات، والإحاطة بعلل الروايات والرواة، حتى قال: «أدركتُ بعدد أساطين هذا المسجد من يقول: حدثني أبي عن رسول الله ﷺ ، لم أرو عن أحدٍ منهم شيئًا». قيل له: «أكنتَ لم تَثِقْ بهم؟» فقال: «لم أتَهُمْ صِدقهم، ولو نُشِرُوا بالمناشير ما كَذَبُوا على رسول الله ﷺ ، ولكن لم يكونوا من أهل هذا الشَّأْنِ» (١)؛ غير أنه ﵀ استرسل في المصالح، فرتّب عليها زواجر حادثةً، كالتأديب بالمال المصلح وإبانة الأعضاء؛ - لظاهر (٢) مشاطرة (٣) عُمَرَ لعَمْرِو وخالدٍ، - ولظاهر قوله﴾ (٤) للمغيرة: - وقد أبان قَذَاةً عن لِحْيَتِهِ - «أَبِنْ ما أبنْتَ، وإلّا أبنتُ يدك (٥)» (٦). ولهذه الوقائع تأويلاتُ تَرُدُّهَا إلى الأصول. وأما الشافعي: فانفرد بأصول الفقه، وهو أوَّلُ مصنّف فيها، وشاركهم في الفروع؛ غير أنه اخترم قبل إكثاره منها، ولا مَعَابَ في الموتِ، فقيَّض الله

стр. 290

له أصحابًا حُذَّاقًا، فرَّعوا على أصوله، فكمُل مذهبه أصولًا وفروعاً. ثُمَّ المختار: أنَّ العاميَّ لا يجب عليه النَّظَرُ، لا في العقليات (١)، ولا في العمليَّاتِ، ووظيفته التَّقليد. وألزمه (٢) الأستاذ النَّظَرَ في العقليَّاتِ؛ وأسرف فقال: وفي العمليَّاتِ القطعيَّاتِ، وهذا مردودٌ؛ فإنَّ المقطوع به مِنْ العَمَلِيَّاتِ يَزِيدُ على مائةِ أَلْفِ مسألة، وأنَّى للعامي هذا الاتساع، فهذا اقتحام على خَرْقِ الإجماع. * * * • مسألة (٣): الرُّجْحانُ مزيَّةٌ في الدليل، ولا (٤) يُعقل بدونه. وتخيل بعضهم جواز اعتماده مستقلا، واحتج بأنَّ الصحابة كانوا يقنعون (٥) في المحاورات بالترجيح. • قلنا: بعد تمهيد الأدلَّةِ. نعم، قد يجوز اعتماد الأمارة (٦) الضعيفة؛ لضرورة عدم ما هو أقوى كاستصحاب الحال.

стр. 291

القَوْلُ فِي تَرْجِيحَاتِ الأَدِلَّةِ (١) التَّرْجِيحُ حيث (٢) التَّعارُضُ، أي: تعارض صُوَرِ الأَدِلَّةِ. وهي: • نقلية: نصوص وظواهر؛ متواترة، وآحاد. • ومعنوية. فلا ترجيح بين النَّصَّينِ المتواترين؛ ولكن إن تَأَرَّخَا، فالمتأخّرُ ناسخ. • مَسْأَلَةٌ (٣): قال الشافعي: إذا تعارض نصَّانِ، وظُنَّ تأخُرُ أحدهما، فناسخُ؛ إذ العمل بأحدهما أولى من السقوط. وقيل: متعارضان؛ إذ إمكانُ النَّسْخِ وظَنُّهُ مُلغى؛ بدليل إلغائه في النَّص الذي لم يُعارض (٤) اتفاقا.

стр. 292

الأمثلة (١): * حديث قيس في المس (٢)، وإسلامه قديم، وحديث أبي هريرة فيه (٣)، وإسلامه مُتأَخِّرُ، فالظَّاهِرُ أَنَّ حديثه مُتَأَخِّرُ. * وقوله ﵇: «وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا، فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ» (٤)، وصلاته في مرض موته ﵇ جالسا، والناس قيام؛ فالظاهرُ أنَّ فِعله هذا بعد قوله. * وكذلك رواية ابن عُكيمٍ: وَرَدَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ «لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبِ» (٥). فالظَّاهِرُ تَأخُرُه عن أحاديث الدباغ؛ غير أن حديث ابن عكيم مُرْسَلٌ. والمختار: العَمَلُ بالمظنون تأخُرُه إِنْ فُقدت الأدلة؛ فإن وُجد - ولو قياس - تساقطا واتَّبَعَ (٦)، ولذلك (٧) يُستعمل - المتأخّرُ ظَنَّا - ترجيحاً لأحد القياسين المتعارضين.

стр. 293

• مَسْأَلَةٌ (١): اختلف في ترجيح الآحاد بالكثرة: المرجح: الأكثر أقوى ظنا. المخالف احتج بإلغائها في الشَّهادةِ، ومنع؛ فقد رجح فيها مالك بالكثرة. والمختار: الترجيح بها في الرّواية قطعاً إن فُقدت الأدلة، وهو أولى من تعطيل الواقعة؛ للإجماع الاستقرائي في مثله، وحاصله: أنَّ الخبر الأكثري إذا عارضه خبر واحدٍ، وَهَى كُلُّ منهما بالآخَرِ. لكنَّ الواحِدَ يَسقط، والأكثري يعود ترجيحاً: - فإن لم يُظفر بغيرهما: اعتبر الأكثريُّ؛ لأنَّ الترجيح معتبر عند فَقْدِ الأدلة؛ -وإن وجد قياس؛ فإن وافق الأكثري: اعتبر القياس (٢)؛ فإن عارضه قياس آخَرُ: رُبِّحَ مُوافق الأكثري؛ وإن كان القياس موافقا للواحد: احتمل اعتبار القياس؛ لتساقط الخبرين، واحتمل اعتبار الأكثري؛ لظننا

стр. 294

أنَّ الصَّحابة كانت إذا وجدتْ خَبَرًا كثرت رواته: اطَّرَحت (١) القياس. فهذه المسألة اجتهادية إذ (٢) لم يُظفر (٣) فيها بقاطع، بخلاف القطع بتقديم القياس على الخبر المظنون نسخه؛ فإنَّا ظفرنا بالقاطع ثَمَّ على اطراحِ المنسوخ ظَنَّا، وظَنَنَّا ههنا اعتبارهم العدد لإثارته الثقة. ومن فروعها (٤): تعارض خبرين من عدلين: أحدهما أحفظُ، كرواية عبد الله وعبيد الله في المقاسم (٥)، فرجح المحدثون خبر (٦) عُبيد الله لحفظه. قال البخاري: «بينهما ما بين الدينار والدرهم، والفضل لعبيد الله». والمختار فيها: كالأُولى؛ غير أنَّ المقاسم لا يجري فيها إلا قياس جملي يقتضي تفضيل الفارس على الراجل، فتتعيَّن رواية عبيد الله. فإن تعارضت الثقة والكثرة، فخلافيَّةٌ بين المحدّثين. والمختار: أنَّها اجتهاديَّةٌ أيضا، والثّقة مقدَّمة؛ إذ لو روى الصَّدِّيقُ خَبَرًا،

стр. 295

وعارضه خبر جماعة، قدّمت روايةُ الصِّدِّيق. *** • مَسْأَلَةٌ (١): إذا تعارض إجماع وخبر - (ولو نص) (٢) متواتر -: قدم الإجماع، وحمل الخبر على النسخ؛ جمعاً بين الأدلَّةِ؛ وإلا لزم تخطئه الإجماع، ثُمَّ تقتضي العادةُ (٣) بَوْحَهم بالناسخ. فإن تعارض خبر واحد وأقضية صحابته: فرجح مالك الأقضية، بل رجّح عَمَلَ المدينة مطلقا على الخبر؛ فإن استند لفضل المدينة: فأجنبي؛ وإن استند لكثرة العلماء بها حينئذ: فمَاس (٤). وعَمِلَ الشَّافعي بالخبر؛ لأَنَّ عَمَلَ البعض ليس بإجماع، فليس بِحُجَّةٍ، بل الخبرُ حُجَّةٌ عليهم، ولو عاصرهم لجادلهم، والموتُ طرد، بل لو ظفر بقياس يناقض عملهم، لعَمِلَ به، ولم (٥) يلزمه تقليدهم؛ ثُمَّ إن اتبعوا

стр. 296

لتحسين (١) الظَّنِّ، فاتباعُ المعصوم يقيناً أولى. والمختارُ: إنْ عَلِمْنَا اطلاعهم على الخبرِ النَّصّ: اتَّبعناهم في مخالفته؛ لأنَّها إمَّا لفسق - وهو باطل بالإجماع - أو لنسخ - فيتعين -. وإن عَلِمْنَا أو ظننا عدم اطلاعهم عليه: اتَّبعناه. والظَّنُّ بالشافعي يقتضي تنزيل إطلاقه على هذا التفصيل. فإن ظَنَنَّا اطلاعهم عليه ووجدنا مُتَعَلَّقًا غيره وغير الأقضية: اتَّبعناه؛ وإلا فالخبر. ومن بديع النَّظَرِ أَنَّ الأقضية حيث قدمناها على الخبرِ النَّصّ: فسبب ذلك إيذانها بالمستند، لا أنَّها المستند، ولذلك (٢) اعتبرناها معارضةً وأهدرناها خليَّةً عن المعارضة، وطردنا الطريقة في غير الصحابة ما لم نعلم (٣) أنَّ مستند المخالف أمر لا نعتقده؛ كمخالفة مالك لحديث خيار المجلس تقديمًا لعمل أهل المدينة مطلقًا. فإن اختلف رواة الخبر، فعَمِلَ به بعضُهم، وخالفه بعضهم حيث لا محمل للمخالفةِ إِلَّا النَّسخُ: فالمخالِفُ مقدَّم؛ على أنَّ العادة تقتضي البَوْحَ بمستند المخالفة للآخرينَ إِلَّا في صقعين متباعدين.

стр. 297

وإن تعارض خبرانِ، عَمِلَ بأحدهما الصَّحابةُ: فقد (١) رجَّحه الشافعي؛ كترجيحه حديث أنس (٢) في نُصب الغَنَمِ - لعمل الشيخين - على حديث عليّ (٣). والمختار تعارضهما؛ إذ لم نعلم (٤) عِلمَ الشيخين بخبر عليّ؛ ولو عَلِمْنا، لاقتضت الطريقة العمل بمخالفتهما له؛ لإيذانها بالمستند. ثُمَّ حيث حكمنا بالمعارضة: وافقنا الشافعي في العمل بحديث أنس؛ إذ نَظُنُّ عِلْمَهما (٥) بحديث عليّ، والنُّصُب لا تَنْقاسُ، فَيُتَمَسَّكُ بالظَّنِّ التَّرجيحي لفقد الأدلَّةِ. • مَسْأَلَةٌ (٦): إذا تعارض خبران، ووافق أحدهما قياسٌ: رجَّح به الشافعي، كالمزيَّةِ وأَوْلى. وأسقطهما القاضي، وتمسك بالقياس؛ إذ الخبرُ يُسقط القياس، فكيف يسقطه (٧) القياسُ مُرجحا.

стр. 298

نعم، إذا تساقطا: انفرد القياس فاعتبر. وللشافعي المنع، وإنَّما يُسقط القياس خبر لم يعارض. التفريع: تَعَارَضَ (١) حديثًا ابنِ عُمَرَ (٢) وصالح بن خوات في صلاة الخوف (٣)، ووافقت القواعد حديث ابن خُوَّاتٍ؛ فإنَّه أقلُّ مُنافِيَاتٍ (٤) للصَّلَاةِ، فَعَمِلَ الشَّافعي بحديث ابن خوات لترجحه بالقياس. وفي المثالِ نَظَرُ آخَرُ: وهو أنه يحتمل تجويز الصفتين على أنهما وقعتا، فلا تَعَارُضَ، ويُحمَل ترجيح الشافعي لإحداهما على الأفضلية (٥)، وهو المختار. ويحتمل إفراد الصّفةِ المختارة بالإجزاء، فلا تعارض أيضًا؛ إذ لم تتعرّض إحداهما لإبطال الأخرى، إلا أن يُبنى (٦) على اتحاد المجلس (٧)،

стр. 299

وتوهيم أحد الراويين غير مُعيَّن - وهو بعيد عن تحسين الظَّنَّ (١) -؛ وحينئذ يتساقطان (٢)، ويُتَمَسَّكُ بالقياس. ورجح القاضي رواية ابن عمر لوجه آخر، وهو مباينتها للمألوف (٣). وتوهيم (٤) راوي المألوف لاستحكام العادة عليه أقرب من توهيم المُخرج عنه. وهو (٥) بعيد من تحسين الظَّنَّ (٦)، ثُمَّ كلتاهما ناقلة عن المألوف. ومن فروعها: إذا وافق أحد الخبرين نظم القرآن، مثل: «الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ نُسُكَانِ فَرْضَانِ لَا يَضُرُّكَ بِأَيْهِمَا بَدَأْتَ» (٧)، فهو موافق لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٨)، بخلافِ قوله: «الْحَجُّ جِهَادٌ، وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّع» (٩)، وفيه نظر؛

стр. 300

فإنَّ الآية للإتمام (١)، والخبر للابتداء، ووجوب الإتمام وفاق. • مَسْأَلَةٌ (٢): إذا تعارض خبران، وانحسم الترجيحُ والنَّسْخُ - عِلمًا وظنَّا ـ، وفُقِدَت الأدلة: وَقَفَ (٣) الأصوليُّونَ، وألحقوا الواقعة بما قبل الشّرعِ. والمختار: أنَّ هذا لا يقعُ؛ لأنَّ مثله لم يقع، والعادة في الماضي المتطاول والمستقبل واحدة. أما لو ظفرنا بالرَّأي (٤) - وآخِرُه: الاستصحاب (٥) - تمسكنا به. وهل هو الحُجَّةُ - وتساقطا ـ، أو ترجيح (٦) لأحدهما؟ قد تقدم (٧).

стр. 301

فَصْلٌ (١) (كلُّ ما) (٢) تقدم في تعارض النَّصَّينِ. * فإن تعارض ظاهران: فالترجيح بالثَّقَةِ والعدد أوضح: - لأنا ظفرنا بالإجماع - تحقيقا - على الترجيح في الظواهر بذلك، ولم نظفر به في النصوص إلَّا تقديرًا. - وأيضًا فإِنَّ كُلَّ واحدٍ مِنْ النَّصَّينِ يُضْعِفُ الآخر إضعافًا يزيد على المزية المقوية. * فإن تعارض ظاهرانِ، واستويا مطلقا: فكالنَّصَّينِ. • مَسْأَلَةٌ (٣): إذا تعارض ظاهرا كتاب وسُنَّةِ: فالثَّالِثُ: التعارض، وهو المختار. مُرَبِّحُ الكتاب احتج بحديثِ مُعادٍ (٤)، وأيضا كانوا يبتدرون الكتاب.

стр. 302

مُرَبِّحُ السُّنَّةِ احتج بأنَّها بيان. لنا: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (١). وحديث معاذ على غالب موافقة السُّنَّةِ للكتاب، فقدمه تأدبا. قولهم: السُّنَّةُ تفسير. • قلنا: إن رواها تفسيرًا: فمقبولةٌ وفاقًا، ومعظم التفاسير آحاد، وفي تقديم نص الآحاد على ظاهر الكتاب خلافٌ، والمختارُ التَّقديمُ. وفي تعارض ظاهري كتاب وخَبَرِ واحدٍ، أو تقديم الكتاب - وهو المختارُ - خلاف؛ (ولا نعلم خلافًا) (٢) في تقديم ظاهر الخبر المتواتر على ظاهر الآحاد. • مَسْأَلَةٌ (٣): آية: ﴿لَا أَجِدُ﴾ (٤) متأخرة غير منسوخة: فاتَّبع مالك مقتضاها، فحصر التحريم في أصنافها. وطَرَدَ الشَّافعي التحريم في ذوات المخالب، والفواسق، والخُمُرِ

стр. 303

الأهلية؛ لأخبارِ آحاد ضعيفة الظهور، خالف بها دلالة الحصر القوية الظهور (١) - بما اشتملت عليه من النفي والإثبات، وأخص منه: الاستثناء والإبقاء ـ، ويعضده (٢) تنزيلها على السَّبَبِ الخاص - وقد تقدَّمَ ـ، ويعضده أيضًا (٣) الإجماع على تركِ حصرها بتحريم الحشرات والخَمْرِ. *** • مَسْأَلَةٌ (٤): يُقضى بالخاصّ النَّاص (٥) على العام الظاهر اتفاقًا. كالقضاء على عُموم: «فِي الرِّقَةِ رُبْعُ الْعُشْرِ» (٦) بخصوص: «لَيْسَ فِيْمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقِي مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ» (٧). ومثله عند الشافعي: عموم: «فِيْمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ» (٨) مع خصوص: لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ (٩)، متأيّدًا بضعفِ العُمومِ

стр. 304

الأَوَّلِ؛ لأنَّه سِيقَ لبيانِ المُخرَج، لا المخرج منه. وأقر أبو حنيفة عموم: «فِيْمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرُ». ومنه عند الشافعي: خصوص: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمَ الزَّكَاةُ» (١) مع عموم: «فِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» (٢)، وهو أضعف مما قبله؛ لأنَّ الخصوص المتقدم بالنَّفي الصُّرَاحِ، وهذا بالمفهوم. • مَسْأَلَةٌ (٣): إذا تعارض عمومان، كقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ﴾ (٤) - فظاهره عدم قبولِ الجِزْية مِنْ الكُلِّ -، مع قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ (٥) - فظاهره قبولها مِنْ الكُلِّ - (٦)، وكذلك: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا الله» (٧) مع قوله: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِهِ دِينَارًا» (٨):

стр. 305

فقيل: يُحمل القبول (١) على الكتابيِّينَ، وعدم القبول على غيرهم؛ جَمْعًا بينهما. والمختار: تعارضهما؛ فإما أن يقوم (٢) تخصيص لأحدهما (٣) بأجنبي؛ فيعتبر - كتخصيص الجزية بالكتابيِّينَ بأخبار وآثار (٤)؛ أو نعدم المخصص (٥): - فالترجيح، أو نَعْدَمَه: فيتساقطان. قولهم: الجمع يوجب التخصيص. * قلنا: التخصيص بلا دليل تحكم. • مَسْأَلَةٌ (٦): العام الوارد على سبب وإن لم نَقُلْ بتخصيصه، فهو مرجوح بالعام بلا سبب. • مَسْأَلَةٌ (٧): العام المخصوص حُجَّةٌ (٨)، لكنه عند المحققين مرجوح بعام لم يُخص.

стр. 306

• مَسْأَلَةٌ (١): ترجيح أحد النَّصَّينِ أو الظاهرين بالقُربِ مِنْ الاحتياط مذهب الفقهاء؛ لأنَّ قواعد الشريعة الاحتياط واتّباعُ السَّلامة، فصدق راويه (٢) أثبتُ. وقيل: بالتعارض؛ ولعلَّ المُخرج عن الاحتياط أثبتُ؛ لأنَّه خالف القواعد، فَيَبْعُدُ توهمه باحتكام العوائد. • مَسْأَلَةٌ (٣): إذا تعارض نفي وإثبات: فقد أطلقوا القول بتقديم الإثبات، ونستدركه بتفصيل: فإن كان النَّافِي نَقَلَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَكَلَّمَ بالنَّفي: فمتعارضان. وإن (٤) نَقَلَ أَنَّه لم يتكلم: فالإثبات مقدم. وإغفال (٥) الواقع أقرب من الاختلاق (٦)

стр. 307

• مسألةٌ (١): إذا تعارض لفظانِ: موافقٌ للمعتاد، ومخالفٌ؛ فكالموافق (٢) للاحتياط والمخالف، وقد تقدمت (٣).

стр. 308

بَابُ تَرْجِيحِ الأَقْيِسَةِ (١) أعلاها: «الإلحاق القطعي بنفي الفارقِ»، ثُمَّ «المناسب»، ثُمَّ «المطَّرِدُ المنعكس»، ثُمَّ «الدَّلالة»، ثُمَّ «الشَّبَهُ». فالمعلوم: لا يترتَّبُ؛ لاستواء العلوم. والمناسب: لا ينضبط إلَّا بالملاءمة، وأقلُّها ألا يناقض الأصول. والتحقيق: أنَّ أحدًا من العلماء لم يسترسل في المصلحة غير ملتفت إلى الأصول، والذي قَوَّلَ مَالِكًا (٢) ذلك: غَلِطَ، بل التفت في معانيه إلى أصول الشريعة كغيره، وزاد فالتفت إلى أصول استنبطها مِنْ أقضيةِ الصَّحابةِ. فلنرتب المناسب باعتبار الملاءمة: • فالمرتبة العليا ممثلة بقياس المثقل على المحدد، لفائدة تحفَظُ المقصود (٣) مِنْ الصَّونِ، وهو مقطوع بصحته. ومن أهدر المثقل، خالف القطع، وأضاعَ الدّماء؛ فَإِنْ أَنْكَرَ عَمْدِيَّتَهُ،

стр. 309

فمباهت؛ وإن شَبَّبَ بالتَّعَبُّدِ في الآلة، فقد أبعد؛ بإجراء التَّعَبدِ في أقعد الأبواب بالمناسبة، ثُمَّ التَّعَبُّد هو الخفي الحكمة، لا المناقض للحكمة (١). وإن تمسك بعكس، فقال: «الجُرحُ السَّالِمُ - غالبا - إذا أهلك، كالجُرح المهلك - غالباً - اعتباراً، فينبغي أن يكون المثقل الكبير كالصَّغير إهدارًا» (٢). • قلنا: الجُرحُ أسرى إلى النفس من المثقل، فتساوت أصنافه (٣)، ثُمَّ تَسْوِيَتُنا للصَّونِ تشييد (٤) للقاعدة، وتسويتهم للإهدار هدم لها. مثال آخر: مقصودُ البَيِّنَةِ ظهور صدق الدعوى، وأعلاها بينةُ الزنا، فلو أقر المشهود عليه: تأكَّدتِ البيّنةُ. وقال أبو حنيفة: «تَسْقُطُ هي والحَدُّ، ويُنتظر إقراره أربعًا»، وهذا مناقضة المقصود البينة، وذريعة لإسقاط الحدود، ولسنا نُحَلَّفُ المُقِرَّ فيرعوي فيكمل الإقرار فتحدَّه. • المرتبة الثانية: قياس المشتركين في الطَّرَفِ على المشتركين في النَّفس، وهو أعلى المظنون. وَحَطَّهُ عن العلم المعارضة؛ بأن يُقال: قتل الجماعة بالواحد خلاف

стр. 310

الأصل؛ إذْ جنايةٌ كُلِّ قتل غير مستقل، وعقوبته قتل مستقل، والأصل عصمته، والاشتراك أعسر من المثقل. فنقول: عدم الاستقلال لغو؛ لأداء اعتباره إلى الهرج، وعصمةُ الجاني ساقطة بسعيه في السَّفْكِ عبئًا، وعُسْرُ الاشتراك ساقط بعُسْرِ المثقل أيضًا (١)، وبالفرض في أَيَّد وضعيف، فاشتراكهما أسهل في حصول الجناية من الانفراد. فإن قيل: فقد أبطلت المعارضة، فاجعل القياس معلومًا! قلتُ: المعلوم بطلانُ أَلَّا قصاص، ويقرب منه بطلان تخيير الولي في واحد، ويليه قياسنا المذكور، وعليه معارضاتٌ أُخَرُ: إحداها: أنَّ قطعَ الطَّرَفِ يحتمل أن يَسْرِيَ: فيُقتص إجماعاً، فيكفي (٢) الاحتمال زاجرا. وجوابها: أنَّ الصَّونَ مقصود أيضا، بدليل القصاص في الأطراف مع الاندمال والانفراد. الثانية: أنَّ القصاص لو وجب تقية للهرج، لوجب عليهم إذا تميَّزت الأفعال، وبان الطَّرَفُ؛ وهي متوجّهةٌ. الثالثة: إمكان تميز الطَّرَفِ، والتَّمَيَّزُ (يُسقط قصاص الإبانة) (٣) بخلاف

стр. 311

النَّفْسَ؛ إذْ لا يتميَّزُ. وجوابها: أنَّ المسقِطَ: التَّمَيَّزُ، لا إمكانه (١). فإن عارضوا فقالوا: «الاشتراك مُسقِط (٢)، كالاشتراك في سرقة النِّصاب»، فقياس (٣) فاسدُ الوضع؛ لاختلاف القواعد. وأيضا؛ فالغرضُ من القطع صونُ المالِ النَّفيس، وحظٌّ (كُلٌّ مِنْ) (٤) المشتركين في النُّصابِ خسيسٌ. وعن اختلاف القاعدتين: لا يُقطع سارقُ نصاب في دُفعات، ويُقطع مُبِينُ اليَدِ في دُفُعاتٍ. ثُمَّ القياسُ مع تباين القواعد إنَّما هو إلحاقٌ في الحكم (٥)، وهو باطلٌ يُفضي إلى الاسترسال. نعم، نقيسُ جزئياتِ القاعدة بعَينِ حِكمتها. ولهذا لا نقطع بالتَّعرُّض للحُرَمِ، وهو أفحشُ من التَّعرُّض للمال (٦). وكذلك لو نَقَبَ أحدهما وسَرَقَ الآخرُ، لم نقطع وإن انخرمَ الصَّونُ باستعانة يسيرة؛ إذ لم يوجد من واحدٍ منهما سببٌ؛ إذِ النَّاقبُ لم يسرق، والسَّارِقُ لم يأخذ من حرز، وليس إلينا وضعُ الأسباب؛ فلو نَقَبَ وأَخَذَ،

стр. 312

قُطِعَ؛ لأنَّه الذي هَتَكَ الحِرزَ؛ وللنَّظَرِ فيه مجال. تحقيق: لما منعنا اعتبار حكمةٍ بحكمة لأدائه إلى الانحلال، أجزنا أن يُقيَّد معنى القاعدة بها (١)، فنقول: القطع شرع لصيانة الأموال. فلو قيل: الأموال طرد؛ إذ صيانة الحُرَمِ مصلحي أيضاً. • قلنا: ذكرنا الأموال لنقيس جزئياتها بعضاً على بعض، فلا ينتقل، وإن كنا لا نقبل تقييد المعاني بالطُّرودِ لغيرِ هذه الفائدة (٢). فإن قيل: فهل قياسُ الطَّرَفِ (٣) على النَّفْسِ استرسال؟ • قلنا: بل هما جزئيان للقصاص الثابت لحكمةِ الصَّونِ. (فليعلم الناظر سداد نظر) (٤) الشافعي قائسًا ومتوقفا؛ غير فرع واحدٍ أشكل سر مذهبه فيه، وهو (٥) قتل تاركِ الصَّلاةِ بغيرِ نَصِّ (٦)؛ فإن قَنِعَ مقصر فيه (٧) بقياس المأمورات بالمنهيات - (فالقتل ثاني المنهيَّاتِ، وفعله موجب للقتل، والصَّلاةُ ثانية

стр. 313

المأمورات) (١)، فليكن تركها موجبا للقتل؛ فقد اعْتَبَرَ (٢) حكمةً لا نظير لها، والله أعلم. • المرتبة الثالثة: الإكراه على القتل. اقتص أبو حنيفة من الحامل، وزُفَرُ مِنْ المحمول، والشافعي منهما؛ فأبو حنيفة قرر بأنَّ المحمول آلةٌ، فتعيَّن الحامل؛ وزُفَرُ قَرَّرَ بأَنَّ المحمول مباشر ومنهي إجماعاً، فتعيَّنَ؛ والشَّافعيُّ جَمَعَهُما، ويزيده تقريرًا: أنَّ الإهدار باطل إجماعاً، والتخصيص تحكم؛ فقُتِلا كالمشتركين (٣)، وينحط عنهما (٤) لاختلاف المباشرة والتسبب؛ فمذهب الشافعي أعلاها، ثُمَّ زُفَرُ. والاقتصاص من شهود الزنا إذا رجعوا أظهرُ؛ إذ القاضي مُكْرَهُ مأمور (٥)؛ فلذلك اختلف قول الشافعي في المكره، لا (٦) فيهم (٧). أمَّا شهود القتل إذا رجعوا: فإن رَجَعَ الوليُّ، تَعَيَّنَ (٨) تغليبًا للمباشرة

стр. 314

والخيرة؛ وإلَّا: فَهُمْ، مع انحطاطهم عن شهود الزنا لخيرة (١) الولي (٢). وأشكل العقوبات على مذهب الشافعي حد المرأة النَّاكلة عن اللعان: * فإِنَّه سَفَكَ (٣) بيمينِ المُدَّعي، كالقَوَدِ بقسامة المدعين، والقَوَدُ بها (٤) مقتطع (٥) عن القياس، وأحد قولي الشافعي نفيه، ويُوَجَّهُ فيقال: مَنْ ماتَ فات، والقصاص لصونِ (مَنْ بقي) (٦)، والجاني باقي، فحقن دمه أولى من سفكه. * ثُمَّ قَتَلَ النَّاكِلَةَ قولًا واحدًا - وهو أضعف من القسامة، لاعتضادها باللوثِ .. * ثُمَّ الحد يسقط بما لا يسقط به (٧) القصاص، فكيف يثبت ويسقط القصاص؟! فالحُجَّةُ له (٨): أنَّ آية اللعان أثبتت عذابًا بالنكول، وهو اتفاق، فخرج

стр. 315

عن القانون (١)، ثُمَّ تفسيرنا العذاب بالقتل أرجح عُرْفًا مِنْ تفسيرهم بالحبس (٢)، فتعين، وحديث القسامة ورد في الغُرم (٣). فالملخّصُ: أنَّ المرتبة الأولى عِلميَّةٌ (٤)، تكاد تكون جزءاً من المنصوص، ودرجة القسامة واللعان في المعاني وهميَّةٌ؛ فلذلك لم نعدها مرتبة، والله أعلم.

стр. 316

مَرَاتِبُ الشَّبَهِ (١) الأولى: «الإلحاق القطعي بنفي الفارق»، وفي تسميته قياساً خلافٌ. والمختار: إن أشعرَ اللَّفْظُ بهما: فَنَصُّ (٢) - كالعبد للذكر وللأنثى ـ؛ وإلا فقياس - كإلحاق عَرَقِ الكلب بلعابه في العدد والتعفير -. الثانية: «الإلحاق بوصف لا يُناسب»؛ فإن أفاد ظَنَّا: فَشَبَهُ، وَإِلَّا: فَطَرْدُ، فالشَّبَه واسطةٌ بين نفي الفارقِ والطَّرْدِ، وأقربُ الرُّتَبِ إلى المعلوم إلحاق الزبيب بالتمر في الربا، ويليه: إلحاق الأرز بالبر، ويليه: إلحاق الوضوء بالتَّيَمُّمِ. ثُمَّ قد يعتضِدُ الشَّبَهُ بمعنى كُلِّي (٣): * وهو المرتبة الأولى، كاشتراك الطهارتين في التَّعَبدِ - أي عرضهما الثَّوابَ ـ، فافتقر إلى النية؛ واختلافهما في بعض الأحكام فوت القطع (٤). وقد يعتضد الشَّبَه بالمقصود:

стр. 317

* وهو المرتبةُ الثَّانية، كإلحاق المطعومات بالأربعة جمعًا بالمقصود - وهو الطعم -. والتعليل بالقُوت باطل [بالملح] (١)، وبالتقدير باطل بالجنسين (٢)؛ فتَعيَّنَ الطَّعْمُ، ولم يَعْتَضِدْ بمعنى كُلِّيَّ، ولولا ضرورة الإجماع على تعليله: لا طرحناه. وأَمَّا الشَّبَهُ الخَلْقِيُّ؛ فشرطه إشارةُ الشَّرع إلى اعتباره كالجزاء، ويقربُ منه الحيوانات المشكلة في الحل والحرمة. • وقد يتعارض الشَّبَهُ والمعنى: * كضرب قيمة العبد على العاقلة: فمقتضى المعنى: عدم الضرب؛ كالسلع (٣)، وهو الأظهرُ؛ لاقتطاع العاقلة عن القياس، وتعليلها بالحاجة إلى حمل السلاح - والعبد والحر يحملانه - باطل بالحاجة إلى التَّجَاوُلِ على الخَيلِ، فيلزمُ أنْ تُعقَل (٤). ومقتضى الشَّبَهِ: الضَّربُ كالحُرِّ، وليس خَلْقِيًّا؛ لتخيل (٥) المعنى المشارِ

стр. 318

إليه، ويُفرَض في عبد جاولَ فقُتِلَ. * ومن تعارضهما (١): تقدير أروش أطراف العبيد: فالمعنى يقتضي عدم التقدير (٢) كالسلع، لا سيما على قول الموجب لقيمة نفسه ما بلغت، (والشَّبَهُ يقتضي) (٣) التَّقدير كالحر، وهو الأظهرُ؛ فإنَّ الشَّارِعَ ضَمِنَ الحُرَّ ببدل؛ كي لا يُهدَرَ في الخطأ، ثُمَّ قَدَّرَ (٤) أطرافه منسوبةً إلى نفسه بتجزئة توقيفية، مع إمكان الحكومة فيها كبعض جراحه، وطرفُ العبد منه كطرف الحرّ منه. فإن قيل: فقدَرُوا أطراف البهائم! • قلنا: نسبة أطرافها إليها لم يتحقق أنَّها كنسبة أطراف الإنسان إليه، والمضمون من الحُرّ والعبدِ الدَّمِّيَّة (٥). * ومن ذلك: ضرب يسير العقل (٦) على العاقلة كالكثير (٧): وهو شَبَه يكاد يكون عِلْمِيًّا، إذ يُحمل عن الشركاء وإِن كَثُرُوا وأَيْسَرُوا، فَتَحَقَّقَ استرسال الشرع على تحميلها، مُضرِبًا (٨) عن القِلَّةِ والكثرة.

стр. 319

مُقَدِّمَةٌ لِنَحْصُرَ (١) المَرَاتِبَ الشَّبَهِيَّةَ فإن قيل: «مَنْ ادَّعى شَبَها، فقيل له: لعله طرد، فقال: أفاد الظَّنَّ. فقيل له: إن كان ظن: فلسبب، فما هو؟ فإن سَبَّبَ بمعنى خفي: أحال المسألة (٢)، فكيف يميزه؟!» قلنا: يتميز الشبه بثلاثة أمور: أحدها: الاعتضاد (٣) بالأمثلة (٤)، كيسير العقل الممثل بحصص الشركاء. الثاني - وهو معظمه -: الإشارة إلى معنى كُلِّيَّ يَعْسُرُ تحصله بالعبارة، كتقدير يد العبد بنصف قيمته شَبيهًا بالحُرِّ؛ إِذْ غَنَاءُ كُلِّ يَدٍ مِنْ صاحبها سواء، إلَّا أنَّ هذا الشَّبَهَ إِذا اتَّجَهَ: مقدَّمُ على المعنى الذي يُشير إليه. الثالث: المتعلّق بالمقصودِ، وشرطه: أنْ (٥) تنساق الضرورة؛ كالطعم في الربويات، فليس بمناسب، ولا معتضد (٦)، ولا مُسْبورٍ. تقريره: أَنَّ الرِّبا مُعَلَّل إجماعًا، وتعليله بالأعيان متعذّر، فتعيَّن مقصودها، ويتأيد بأمرين:

стр. 320

- أحدهما: اختلاف الحكم في الأجناس اتحاداً واختلافاً. - الثاني: قوله: «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ» (١). ونعود إلى الترتيب، فنقول: * المرتبة الأولى: نفي الفارق قطعاً، كإلحاق الأمة بالعبد. فإن قيل: إن كان «الأمة» كـ: «العبد»، فتخصيصه لماذا؟ * قلنا: ذكره مثالاً، كقول الفقيه: «من باع ثوباً: انتقل ملكه عنه»؛ على أنه يجوز احتكام (٢) الشَّرع بتخصيص العبد؛ لكنه لو كان، لَبَيَّنَ (٣). وإفراد الموصوف بمناسب بالذكر يُشعر بنفي الحكم عما عداه بطريق المفهوم، مثل: «فِي سَائِمَةِ الغَنَمِ الزَّكَاةُ» (٤)، وإفراد الموصوف بما لا يناسب لا يصدر من الشارع مثل: «في عُفر الغنم الزَّكاةُ». * المرتبة الثانية: المعتضد بالأمثلة. * الثالثة: المشير إلى معنى كُلِّي (٥)، كتقدير الأروش. ودونه في المرتبة: المشير إلى معنّى كُلِّيّ، كإلحاق الوضوء بالتَّيَمُّمِ.
следующие страницы →