Полный текст (347 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يَسُرُّ «مشروع أسفار» أنْ يُقدِّم للقارئ الكريم الإصدار الرابع والثلاثين من إصدارات المشروع: (الكفيل بالوصول إلى ثَمَرات الأصول) وهو مختصر لـ «برهان» أبي المعالي الجويني، للعلامة ناصر الدين ابن المنير الإسكندراني (ت ٦٨٣)، مطبوعاً في أول خروج له.
وكتابنا فردٌ فذٌّ، جليلُ القدر عظيم الأهمية، حقيق بأن يكون محل عناية المشتغلين بعلم الأصول، فمؤلّفه ذو منزلةٍ عالية في اللغة والأصلين وسائر علوم الشريعة، قُرنت منزلته بعصرييه الإمامين: القرافي وابن دقيق العيد، ذو براعة في الاختصار جيّد التصنيف، يحسن اختيار ما يسطّره من مواضيع؛ ومنها كتابنا: الذي أصاب من أهميته اللباب، وازدانت فكرته كونه مختصراً لكتاب: «البرهان لأبي المعالي الجويني» أحدِ العُمَد الأصولية الكبار، معروف بـ (لغز الأمة)؛ لعلو في عبارته، ودقة وغموض في معانيه، فإلغازه من جهة التفنن في البيان والتصرُّف في أساليب الكلام، مما أخر انتفاع الناس به.
فجاء ابن المنير ببراعته في اللغة والأصول، ووثوق اتصاله بالبرهان كونه أحد شراحه: فاختصره بما بين يديك اختصاراً بديعاً قل نظيره، غاص في كتابه: «الكفيل» على معاني البرهان؛ فحقق مراد عبارته، وضم لأوائل مسائله أواخِرَها، واستنطق من كلماته سواحِرَها، فتفصَّلت عنده مجملاته، وانحلت له مشكلاته؛ إذ أداها بعبارة دقيقة وجيزة، سَفَرتْ عن معانيه الغموض، ورَفَعَت الوَعارَةَ عن العبارة، فكان من هذا الوجه مختصرا شارحاً للبرهان، لا يستغني
стр. 2
عنه المشتغل بالأصل ليفهم معانيه، ولا يكاد حينئذ يشكل عليه. وهو مقصود ابن المنير من اختصاره، حتى قال في مقدمته: "هذا الكتاب والبرهان؛ فرَسَا رهان، كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب، فهذا أوجز، وذاك أطنب".
هذا؛ وقد استفاد ابن المنير في تعبيره عن (مراد البرهان) من (شرح الأبياري) في مواضع كثيرة، نبه محقق الكتاب على عددٍ منها بلا استقصاء لذلك، وقد بذل في تحقيقه جهدًا مشكوراً، وحشى عليه في مواضع الإشكال بعبارات من البرهان وشرحه، وقارن عبارته بعبارته ولا سيما في مواضع إشكال المخطوط، حتى خرج بأجود ما يمكن وأقربه إلى الصواب.
وننوه إلى الجهد الكبير الذي بذله الشيخ إبراهيم بن صالح الخزي في مراجعة الكتاب ومقابلته على أصوله، فكان له نصيب وافر من حل مشكلاته والنظر في مغلقاته، فالله يشكر سعيه، ويجزيه على صنيعه خير الجزاء.
وأخيرا نحمد الله على أن وفقنا لإمداد مُعاني البرهان بعون على معانيه، وإثراء المكتبة الأصولية بهذا الكتاب النفيس، ونحمده تعالى على تيسير طباعته سائلين المولى أن يجزي من تكفل بتكاليف نشره عظيم الجزاء، وينزل عليه عفوه ورضوانه وبركته، وأن يشمل بهذا الدعاء العاملين في مشروع أسفار، ومختصر الكتاب ومصنف أصله ومحققه. والحمد لله رب العالمين.
أسفار لنشر نفيس الكتب والرسائل العلمية
دولة الكويت
стр. 3
المقدمة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدا عبده ورسوله؛ أما بعد:
فإن علم أصول الفقه من أجل العلوم الشرعية قدراً، وأرفعها مكانةً، وأشرفها نفعاً؛ لأنها مما توصل صاحبها إلى إدراك الأحكام الشرعية وفهمها، ومعرفة أسرارها، والاستنباط منها، واستحكام مسائلها. ولذا؛ فقد عُني العلماء بهذا العلم الشريف عناية فائقة، وصنف فيها مختلف الطوائف والمذاهب، فكان من أجل تلك المصنفات وأوعبها وأقعدها كتاب «البرهان في أصول الفقه» لأبي المعالي الجويني (ت ٤٧٨ هـ)، وقد نال هذا الكتاب حظوةً عند الأصوليين والفقهاء، فأقبل عليه عدد منهم، يعتنون بفك رموزه، وكشف أسراره. وكان أحد هذه الأعمال التي دارت حول رحاه مختصر البرهان المسمى بـ: «الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول» للقاضي ناصر الدين ابن المنير المالكي ﵀ (ت ٦٨٣ هـ)، الذي أجاد في تقريبه وتهذيبه - بشهادة بعض العلماء. ولما يسر الله تعالى الوقوف على هذا السفر، توجهنا ـدون تردد وتباطؤـ نحو تحقيقه والاعتناء به بما يليق بمكانته لينهل منه أهل العلم وطلابه.
стр. 4
من المعلوم لدى القاصي والداني أن كتاب البرهان مفخرة من مفاخر الأمة الإسلامية، حيث ضم بين دفتيه من الخصائص ما قل أن تجتمع في غيره من كتب الأصول، فلا غرو أنه أحد المصادر التي عليها مدار مصنفات المتأخرين في أصول الفقه (١)؛ فقد تميز بأسلوبه الفريد في الاستنباط والتحليل ومناقشة الأقوال والآراء؛ كما أنه اتصف بالابتكار في الأسلوب، وتحقيق المسائل بعيدًا عن تقليد السابقين؛ وتميز بشموله للمسائل الأصولية، مع كثرة الاستشهاد بالأمثلة الفقهية، إضافةً إلى المكانة المرموقة للجويني وشخصيته الفريدة. فحُقَّ لكتاب اجتمعت فيه تلك الخصائص والمميزات أن يكون من عُمَد أهل الأصول.
إلا أنه كتاب عويص، بعيد المنال؛ لما فيه من تعمية العبارات وغرابة الأسلوب في النظم، وكأنه كان مقصود مصنّفه في تقرير المسائل. وقد اعترف بصعوبته التاج السُّبكي مع كونه مُعجَبًا به أشدَّ الإعجاب؛ فذكر بأن البرهان لغز الأمة، لما فيه من مصاعب الأمور (٢)، وأنَّه «لا يحوم نحو حماه، ولا يدندن حول مغزاه إلَّا غواص على المعاني، ثاقب الذهن مبرز في العلم» (٣). فكونه بهذا الأسلوب والتعقيد ربما حال بينه وبين طالب درره وفوائده.
_________
(١) قال ابن خلدون: «وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلمون: كتاب البرهان الإمام الحرمين، والمستصفى للغزالي - وهما من الأشعرية -، وكتاب العمد لعبد الجبار، وشرحه: المعتمد لأبي الحسين البصري - وهما من المعتزلة -. وكانت الأربعة قواعد هذا الفن وأركانه».
انظر: تاريخ ابن خلدون (١/ ٥٧٦).
(٢) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٩٢).
(٣) انظر: المصدر السابق (٦/ ٢٤٤).
стр. 5
فإذا استحضرنا كل ما سبق، وعلمنا أنَّ القاضي ناصر الدين ابن المنير المالكي (ت ٦٨٣ هـ) كان شديد الصلة بالبرهان، مع ما تمتع به من إمامة في المنقول والمعقول، لا سيما في اللغة والأصول: أدركنا قيمة نتاج فكره في هذا المجال؛ فإنَّه عني به بالشرح والاختصار والتدريس، فوضع فيه كتابين؛ وهما: «شرح البرهان»، ومختصره المسمى بـ: «الكفيل». فهو خبير بالجويني الأصولي ومعاني كلامه. وهذا مما زاد من قيمة هذا الكتاب. وتظهر أهميته أيضًا في كونه ضمن قائمة الأعمال التي تصب في خدمة كتابٍ يَحتل مكانةً عاليةً في هذا الفنّ، ومما يعين على فتح مغلقات عباراته.
ومن مميزات هذا الكتاب: إمامة ابن المنيّر وتقدمه في علم اللُّغة والأصول، وبراعته في فن الاختصار. فهذا العلق وإن كان في أصله تلخيصاً واختصارًا؛ إلَّا أنه قد نمّ عن عالم متضلّع من العلوم الشرعية، لا سيما في الأصلين واللغة، وتمكنه التام منها؛ فقد أظهر في هذا الكتاب إحكامه لصنعة الاختصار مع دقة فهم لمسائل البرهان؛ فلم يكن كتابه مجرد تلخيص كما قد يتوهم، بل هو إعادة سبك كلام الجويني بتعبيره المحرر والرصين مع الحفاظ على مسائل الكتاب ومراد مصنفه، مما يجعله تهذيبا وشرحا له في نفس الوقت. وقد تم كلُّ ذلك بأوجز نظم، وأقصر عبارة وأدقها.
فمن رام ضبط البرهان وفهم مسائله، فلن يستغني عن هذا الكتاب، وسيأتي إن شاء الله تعالى شيء من التفصيل حول مزايا هذا الكتاب.
стр. 6
أولا ترجمة ابن المُنَيِّر
* اسمه ونسبه ونشأته العلمية (١):
هو أبو العباس أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم (٢) بن مختار (٣) بن أبي بكر بن علي، الجُذَامي (٤) الجَرَوِيُّ (٥) الإسكندري المالكي، ناصر الدين، المعروف بابن المُنَيّرِ (٦)، عالم الديار المصرية، وقاضي القضاة في الإسكندرية وخطيبها، مولده في الثالث من ذي القعدة سنة ٦٢٠ هـ.
نشأ في أسرة علمية، فقد كان والده أبو المعالي وجيه الدين منصور بن محمد عالما جليلا، قاضيًا في الإسكندرية (ت ٦٥٦ هـ) (٧)، ونجيب الدين
_________
(١) ترجمته في ذيل مرآة الزمان (٤/ ٢٠٦)، تاريخ الإسلام (٥١/ ١٣٦)، فوات الوفيات (١/ ١٤٩)، برنامج الوادي آشي (ص ٥٠)، الوافي بالوفيات (٨/ ٨٤)، الديباج المذهب (١/ ٢٤٣)، درة الأسلاك (ق/ ٤٠ و/ آيا صوفيا -٢٨٧)، المقفى الكبير (١/ ٣٩٩)، رقم الترجمة (٦٢٨)، طبقات المفسرين (١/ ٨٩)، سلم الوصول (٤/ ١١٠).
(٢) في بعض المصادر - كالوافي بالوفيات والديباج المذهب: أبو القاسم.
(٣) في سلم الوصول: بختيار.
(٤) بضم الجيم وفتح الذال المعجمة، نسبة إلى جذام، قبيلة يمنية. انظر: الأنساب (٣/ ٢٢٤).
(٥) ويقال أيضا: الجرواني. والجَرَوِيُّ: بفتح الجيم والراء، نسبةً إلى جري بن عوف بن مالك، بطن من جذام. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب (١/ ٢٧٤).
(٦) بضم الميم، وفتح النون، وكسر الباء المثناة المثقلة. انظر: توضيح المشتبه (٨/ ٢٨٩). والمنير أحد أجداده.
(٧) ترجمته في تاريخ الإسلام (٤٨/ ٢٩٥)، والوافي بالوفيات (٥/ ٥١).
стр. 7
أحمد ابن فارس (١) هُوَ جَدُّهُ لأُمِّهِ، كما أن كمال الدين ابن فارس (ت ٦٧٦ هـ) (٢) - شيخ القراء والتجويد - خَالُه.
وزين الدين أبو الحسن علي بن محمد (ت ٦٩٥ هـ)، الإمام المحدث القاضي، شارح البخاري، هو أخوه الشقيق (٣)، وقد تولى القضاء بعد أخيه ناصر الدين.
درس ابن المُنَيّر بعدة مدارس، وخدم في أول أمره في عدة جهات، وتولى الأحباس والمساجد وديوان النُّظر. ونال في الإسكندرية مناصب عالية، من خطابة وتدريس وقضاء وغير ذلك، وربما كان لوالده الفضل - بعد الله تعالى - في نيله شيئًا من تلك المناصب.
ولي قضاء الإسكندرية وخطابتها مرتين؛ وقد ناب قبل ذلك عن القاضي ابن التنيسي (٤) سنة ٦٥١ هـ، وولي الخطابة في جامع الإسكندرية لمدة يسيرة في السنة نفسها، وذلك بعد عزل أبي الفرج محمد بن علي بن أبي الفرج (٥)، ثُمَّ ولي القضاء والخطابة استقلالا (٦) للمرة الأولى سنة ٦٥٢ هـ، ثم عُزل في
_________
(١) انظر: معرفة القراء الكبار (ص ٣٥٧).
(٢) انظر: المصدر السابق (ص ٣٥٧).
(٣) ترجمته في: تاريخ الإسلام (٥٢/ ٢٦٦)، نيل الابتهاج (ص ٣٢٤).
(٤) أو التنسي. لم أقف على ترجمته سوى ما أشار إليه تلميذه ابن راشد القفصي إشارة عابرة
فيما نقله عنه التنبكتي. انظر: نيل الابتهاج (ص ٣٩٢).
(٥) انظر تفاصيل الخبر في المقفى الكبير (١/ ١٩١).
(٦) تفيد عدد من المصادر أنه كان قاضي القضاة، ولعل المقصود به قضاء قضاة المالكية. وسماه صاحب درّة الأسلاك بالحاكم فيها، وهو من ألقاب القضاة.
стр. 8
أواخر حياته (١)، ثم أعيدت إليه مناصبه.
اشتهر في علوم اللغة والأصلين وغيرهما وهو دون الثلاثين، وتولى التدريس في حياة والده. وذكر هو عن نفسه أنه لم يجتمع بأبي عمرو بن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) حتى حفظ مختصريه في الفقه والأصول، وأن ابن الحاجب أجازه بالإفتاء. بل صنف بعض تصانيفه في عنفوان شبابه، كتعقباته على كشاف الزمخشري، مما يدل على نبوغه في وقت مبكر.
وكان شاعراً مجيداً، وخطيبًا مصقعا، واشتهر بخُطبه ووعظه، وله خطبة خطب بها لما دخل هولاكو الشام سنة ٦٥٨ هـ (٢)، وكانت هذه الخطبة الشهيرة يوم الجمعة الخامس عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٥٨ هـ (٣).
حظي ابن المنير بمكانة عالية وشهرة واسعة بين علماء عصره، وذاع صيته في الإسكندرية وخارجها، وأثنى عليه عدد من الأئمة والعلماء، فمن ذلك ما ذكره ابن راشد القفصي (ت ٧٣٦ هـ)، قال: «رحلتُ إلى الاسكندرية في زمن الملك السعيد (٤) فلقيت بها صدورًا أكابر، وبحورا زواخر، كقاضي القضاة ناصر الدين بن المُنير، وكان ذا علوم فائقة … » (٥).
_________
(١) انظر سبب عزله في عيون التواريخ (٢١/ ٣٤٨،٣٤٩)، نهاية الأرب (٣١/ ١٢٣).
(٢) انظر اجتياح هولاكو للشام في البداية والنهاية (١٧/ ٣٩٥).
(٣) وقد أورد الحافظ الذهبي وغيره طرفًا منها في ترجمته.
(٤) يعني الملك ناصر الدين محمد بركة خان بن الملك الظاهر بيبرس (ت ٦٧٨ هـ).
(٥) نيل الابتهاج (ص ٣٩٢) رجح د. عبد الباسط قوادر أن رحلة ابن راشد إلى المشرق كانت في بداية السبعينات بعد المئة السادسة الهجرية، وأنه كان موجودًا في مصر سنة ٦٧٧ هـ، وأنها لم تكن رحلة عابرة، بل رحلة للتكوين والتعمق في العلوم النقلية والعقلية. انظر: ابن راشد القفصي وآثاره العلمية (ص ٧٨).
стр. 9
ويقول فيه شيخه العلامة أبو عمرو ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) (١):
لقد سَئِمْتُ حَياتِي البَحثَ لَولا … مباحث ساكن الإسكندريه
كأحمد سبط أحمد (٢) حين يأتي … بكُلِّ غريبةٍ كالعبقريه
تذكرني مباحثه زمانًا … وإخوانا لقيتهم سريه
زماناً كان الأبياري فيه … مدرسنا وتغبطنا البريه
مضوا فكأنهم إما منام … وإما صبحة أضحت عشيه
وقال قاضي القضاة تقي الدين ابن شكر: «أجمع الشافعية والمالكية على أن أفضل أهل عصرنا بالديار المصرية ثلاثة: القرافي بمصر القديمة، والشيخ ناصر الدين بن مُنَيّر بالإسكندرية، والشيخ تقي الدين بن دقيق العيد بالقاهرة المعزية، وكلهم مالكية خلا الشيخ تقي الدين؛ فإنه جمع بين المذهبين» (٣).
ويكفي فيه ما قاله شيخه الإمامُ عِزُّ الدين بن عبد السلام ﵀: «ديار مصر تفخر برجلين في طرفيها، ابن المُنَيّر بالإسكندرية، وابن دقيق العيد بقوص».
وكان لا يُجارَى في المناظرة والمباحثة، لكن عيب عليه شيء من التعالي في ذلك، وإساءة للخصم، وقد حصل بينه وبين ابن دقيق العيد ما يدل على ذلك، فقد ذكر ابن دقيق العيد أنه سأله يوما عن الحجة في كون
_________
(١) بغية الوعاة (١/ ٣٨٤).
(٢) قوله: سبط أحمد، أشار به إلى جده لأمه، وهو الإمام كمال الدين أحمد بن فارس.
(٣) الديباج المذهب (١/ ٢٣٨).
стр. 10
عمل أهل المدينة حُجَّةً، فقال ابن المنير: هل يتجه غير هذا وذكر كلامًا طويلا، فلم يتكلم ابن دقيق العيد معه، فلما خرج، سئل عن ترك الكلام معه، فقال: «رأيتُ رجلًا لا يُنتصف منه إلا بالإساءة إليه» (١).
* شيوخه وتلاميذه:
لم يكن ابن المنير من الرحالين في طلب العلم، بل الظاهر من سيرته أنه تنقل داخل مدن مصر، كالإسكندرية التي هي مسقط رأسه، والقاهرة، وما جاورهما، فأخذ عن أبرز العلماء فيها، وإليك ذكر أشهر شيوخه الذين أخذ عنهم العلم، ثم تلاميذه الذين استفادوا منه:
* أما شيوخه، فمن أبرزهم:
- الفقيه المحدث يوسف بن المخيلي المالكي الإسكندراني (ت ٦٤٢ هـ) (٢).
- العلامة أبو عمرو ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) (٣).
أبوه القاضي وجيه الدين أبو المعالي محمد بن منصور بن القاسم (ت ٦٥٦ هـ).
- الفقيه المجتهد عز الدين بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) (٤).
_________
(١) انظر: بغية الوعاة (١/ ٣٨٤)، وطبقات المفسرين للداوودي (١/ ٩١). وقال عنه أيضا: «مَا يقف في البحث على حد».
(٢) ترجمته في تاريخ الإسلام (٤٧/ ١٤٦). ومَخِيل: بالفتح، ثم الكسر. نسبة إلى وادي مخيل: وهو حصن قرب برقة بالمغرب. معجم البلدان (٥/ ٧٣).
(٣) ترجمته في: وفيات الأعيان (٣/ ٢٤٨)، السير (٢٣/ ٢٦٤)، الديباج المذهب (٢/ ٨٦).
(٤) ترجمته في: العبر (٣/ ٢٩٩)، طبقات الشافعية الكبرى (٨/ ٢٠٩)، العقد المذهب (ص ١٥٩).
стр. 11
- الإمام اللغوي محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عمر الزناتي المازني (ت ٦٩١ أو ٦٩٣ هـ) (١)، المعروف بـ: حافي رأسه.
- أبو بحر عبد الوهاب بن رواج بن أسلم الطوسي (٢).
* وممن تتلمذ له وأخذ عنه:
- تاج الدين إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن المخزومي المصري (ت ٦٩٤ هـ) (٣)، المعروف بابن قريش.
- أخوه المحدث الفقيه القاضي زين الدين ابن المنير، علي بن محمد بن منصور (ت ٦٩٥ هـ). - عبد الله بن يُوسُف بن مُوسَى الخَلاسي البلنسي (ت ٦٩٧ هـ) (٤).
- الإمام اللغوي صفي الدين محمود بن أبي بكر بن محمود الأرموي القرافي الصوفي الدمشقي (ت ٧٢٣ هـ) (٥).
_________
(١) ترجمته في: تاريخ الإسلام (٥٢/ ١٣٣)، مسالك الأبصار (٧/ ٢٣٦)، درة الحجال (٢/¬٢٣). قرأ عليه ابن المُنَيّر في النحو. لكن صرّح أبو حيان الأندلسي - كما نقله عنه ابن فضل الله - أنه رآه في أحد دروس ابن المُنَيّر سنة ٦٧٩ هـ، فإن صح ما ذكروه من قراءة ابن المنير عليه في النحو، فيكون قد أخذ كل منهما عن الآخر، وأن حافي رأسه يكون تلميذا وشيخًا لابن المنير في نفس الوقت.
(٢) لم أجد له ترجمة.
(٣) طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٩٠). وقد تحرفت «ابن قريش» في الديباج المذهب إلى «ابن قرمس».
(٤) برنامج الوادي آشي (ص ٥٠).
(٥) المصدر السابق (ص ٨٨).
стр. 12
- تاج الدين عبد الغفار بن محمد بن عبد الكافي السعدي المصري (ت ٧٣٢ هـ) (١).
- العلامة النحوي عمر بن علي بن سالم بن صدقة اللخمي الإسكندري (ت ٧٣٤) (٢).
- الفقيه اللغوي محمد بن عبد الله بن راشد البكري القفصي (ت ٧٣٦ هـ) (٣).
- ابن أخيه، المحدث الفقيه عبد الواحد بن شرف الدين منصور بن
محمد بن منصور (ت ٧٣٣ هـ) (٤)، المعروف بـ: عِزّ القضاة.
- الإمام اللغوي المفسّر أبو حيان الأندلسي، محمد بن يوسف بن علي الغرناطي (ت ٧٤٥ هـ) (٥).
• مؤلفاته
تقدّم في صدر الكلام على ترجمة ناصر الدين أن زين الدين شقيقه، وهو علي بن محمد بن منصور، ولد سنة ٦٢٩ هـ، وتوفي ٦٩٥ هـ؛ فهو أصغر من أخيه ناصر الدين بست سنوات، ويجمعهما أمور كثيرة مما جعل بعض
_________
(١) المصدر السابق (ص ٤٦).
(٢) ترجمته في البداية والنهاية (١٨/ ٣٧٠)، الدرر الكامنة (٤/ ٢٠٩).
(٣) ترجمته في الديباج المذهب (٢/ ٣٢٨)، الوفيات لابن قنفذ (ص ٣٤٦)، درة الحجال (٢/ ١١٢)، نيل الابتهاج (ص ٣٩٢).
(٤) ترجمته في أعيان العصر (٣/ ١٨٧)، الدرر الكامنة (٣/ ٢٢٩)، شجرة النور الزكية (١/ ٢٩٤).
(٥) ترجمته في مسالك الأبصار (٧/ ٢٣٦)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٩٠).
стр. 13
القدامى والمحدثين قد يخلطون بينهما، وفي نسبة مصنفاتهما؛ فقد اشتهر كلُّ منهما بـ: «ابن المُنَيِّر» (١)، وبينهما تشابه في الاسم والاختصاص في أكثر الفنون؛ فكلاهما فقيه محدّث متكلم، ثُمَّ إِنَّ كليهما قد توليا القضاء، ويتفقان في كثير من الشيوخ، فلا غرابة أن ينتج عن ذلك اضطراب في التفريق بين مصنفاتهما، وسوف ننبه إلى شيء من ذلك في حواشي قائمة مصنفاته.
* مؤلفات ناصر الدين ابن المنير، مرتبة على حروف المعجم:
١ - «أسرار الإسراء (٢) في تفسير حديث الإسراء» (٣) في مجلد، قال الذهبي: «على طريقة المتكلمين، لا على طريقة السلف»، وصفه ابن فرحون والسيوطي بأنه كتاب نفيس، فيه فوائد جليلةٌ، واستنباطات حسنة. والكتاب مفقود، لكن بقيت منه شذرات يسيرة في بعض المصادر (٤).
٢ - «الاقتفاء في فضائل المصطفى» (٥). عارض به «الشفا» للقاضي
_________
(١) وقد ظهر لي من خلال تتبع سريع لكلام البدر الزركشي وابن حجر في عدد من المواضع أنه إذا أُطلق: «ابن المنير»، فالمقصود به غالباً هو ناصر الدين.
(٢) في بعض المصادر: «أسرار الإسرار». والصواب ما في سلم الوصول إلى طبقات الفحول (١/ ٢٣٧) وغيره، والله أعلم.
(٣) كما في تاريخ الإسلام (٥١/ ١٣٧)، وجاء عند ابن فرحون (١/ ٢٤٥)، وشجرة النور (١/ ٢٦٩): «المقتفى في آيات الإسراء»، وعند الداوودي في طبقاته (١/ ٩٠): «المقتفى في آية الإسراء».
(٤) انظر: الخصائص الكبرى للسيوطي (١/ ٢٩٨)، والمواهب اللدنية للقسطلاني (٢/¬٥)، وفيض القدير (٥/ ٧١).
(٥) انظر: المقفى الكبير (١/ ٣٩٩)، فوات الوفيات (١/ ١٤٩)، الجواهر والدرر (٣/ ١٢٥٣)، كشف الظنون (١/ ٨١). وهو عند المقريزي: «المقتفى»، وفي اللآلئ المصنوعة (١/ ٢٤٦) =
стр. 14
عياض، ورتبه على قسمين: الأول: في فضائله ﷺ ، والثاني: في سيره، وبسط قصة المعراج بسطا في أربعة أبواب، وفيه فوائد كثيرة.
٣ - «الانتصاف من صاحب الكشاف». مطبوع (١). وقد اشتهر ابن المنير بهذا الكتاب. ألفه في عنفوان شبابه، وكتب له عليه شمس الدين الخسروشاهي (ت ٦٥٢ هـ) والعز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) بالثناء عليه. اختصره ابن بنت العراقي (ت ٧٠٤ هـ) في «الإنصاف مختصر الانتصاف» (٢)، وفيه محاكمات بين الزمخشري وابن المنير، واختصرهما ابن هشام الأنصاري مع زيادة قليلة (٣).
٤ - «البحر الكبير في بحث (٤) التفسير (٥)»، في تفسير القرآن. واعترض عليه في هذه التسمية بأنّ البحر الكبير مالح، وأجيب عن ذلك بأنه محل العجائب والدرر. وصفه الذهبي بأنه نفيس.
_________
= والحاوي للفتاوى (٢/ ٣٨٨) للسيوطي: «شرف المصطفى». له نسخة خطية في مكتبة أوقاف حلب برقم ١٩٩٦.
(١) مطبوع عدة نشرات قديمة وحديثة، من طبعاته القديمة ما صدر في مصر بهامش الكشاف سنة ١٣١٨ هـ.
(٢) وقد صدر في جائزة دبي الدولية في مجلدين.
(٣) طبقات المفسرين للأدنه وي (ص ٢٩٠).
(٤) في بعض المصادر المطبوعة: «نخب».
(٥) وله نسخ خطية ناقصة، منها الجزء الثالث منه في دار الكتب المصرية، تفسير - ٦٠، تحت رقم ١١٢٤٦، تبدأ ببداية الجزء الثالث، وتنتهي مع نهاية سورة آل عمران، ونسخة أخرى في نفس المكتبة، رقم الحفظ ١/¬٣٤ (٦٠)، وفي مكتبة الخديوية برقم ١/ ١٣٠ (ن ع ٦٠)، في ألمانيا في مكتبة جوتة، رقم الحفظ ٥٣٤، تبدأ مع تفسير آية ٣٨ من سورة المائدة، وتنتهي أثناء تفسير آية ١٠٠ من نفس السورة.
стр. 15
٥ - «تحرير التنزيه وتحذير التشبيه». ذكره بروكلمان في تاريخ الأدب العربي (١). ولعله الكتاب الآتي.
٦ - «تفسيرُ مشكلاتِ أحاديثَ يُشكل ظاهرُها». ومضمون الكتاب كما هو ظاهر من العنوان: إيراد الأحاديث العقدية وبيان وجه الإشكال فيها، ثم تأويلها بما يتوافق مع معتقد المصنف (٢).
٧ - «التيسير العجيب في تفسير الغريب» (٣). وهو نظم في ١٤٨٢ بيت
_________
(١) ١/ ٧٣٨.
(٢) صدر الكتاب عن دار الفتح عام ١٤٣٤ هـ بتحقيق الأستاذ رياض منسي العيسى، وقد حققه على نسختين خطيتين متأخرتين، ونسب الكتاب إلى زين الدين علي ابن المنير؛ اعتمادًا على ما جاء في غاشية إحدى النسختين - وهي نسخة المكتبة السليمانية -.
والظاهر أن الكتاب لصاحبنا ناصر الدين، وليس لزين الدين. وذلك لأن العنوان في تلك النسخة الخطية مضطرب، فقد جاء فيها: «تصنيف القاضي الأجل ناصر السنة وسيف النقمة علي ابن المنير، ناصر الدين المالكي» فجمع ناسخها بين لقب أحمد، واسم أخيه علي، فدل على اضطرابه وعدم ضبطه، وعلى ذلك: فلا يصح الاعتماد عليه؛ علما بأن النسخة متأخرة، حيث فرغ الناسخ منها عام ١١١٣ هـ.
ثم إن النسبة في النسخة الأخرى - وهي النسخة الأزهرية - جاءت سليمة من هذا الاضطراب، فنسب الكتاب فيها إلى ناصر الدين ابن المنير، وهو صاحبنا؛ فمن المعلوم بأن ناصر الدين هو أحمد بن محمد، أما علي بن محمد فهو زين الدين. فلا أدري لم لم يعتمد في تصحيح نسبة الكتاب على هذه النسخة الثانية السليمة من الاضطراب؟! مع العلم بأن الحافظ السيوطي قد نقل من هذه الرسالة مع تصريحه بأنها لناصر الدين ابن المنير، فقال: «قال القاضي ناصر الدين ابن المنير … »، ثم نقل كلاما، هو بحروفه موجود في هذه الرسالة، أعني «تفسير مشكلات أحاديث يشكل ظاهرها». والله أعلم.
انظر: تفسير مشكلات أحاديث يشكل ظاهرها (ص ٨١)، مصباح الزجاجة «ضمن شروح سنن ابن ماجه» (ص ١٣٣)، تحفة الأحوذي (٨/ ٤٢٠ - ٤٢١).
(٣) انظر: نيل الابتهاج (ص ٤٠٤).
стр. 16
من أبيات الرجز، شَرَحَ فيه غريب القرآن كاملا. حققه سليمان ملا إبراهيم أوغلو، وصدر عن دار الغرب الإسلامي عام ١٩٩٤ م.
٨ - «جزء في أحكام السَّماع وشروطه» (١). مفقود.
٩ - «حواش على شرح ابن بطال» (٢). مفقود. لكن ينقل منه شراح الحديث - كثيرًا - بقولهم: «قال ابن المُنيّر في الحاشية» (٣)، وصرّح الحافظ ابن حجر في مواضع من «الفتح» أنّها تعقبات وحواش على شرح صحيح البخاري لابن بطال (ت ٤٤٩ هـ) (٤).
١٠ - ديوان خطب، ويسمى: «عقود الجواهر على أجياد المنابر» (٥).
مفقود. ذكره غير واحد من المترجمين له، ووصفوه بأنه مشهور بديع. وقالوا عنه: «أحسن فيه كُلَّ الإحسان».
_________
(١) انظر: المصدر السابق (ص ٤٠٤).
(٢) انظر: الجواهر والدرر للسخاوي (٢/ ٧١١)، إرشاد الساري للقسطلاني (١/¬٤٣)، كشف الظنون (١/ ٥٤١). وقد وهم الأخير، فنسب شرح البخاري إلى صاحبنا ناصر الدين، والصواب أنه لأخيه زين الدين، وبه اشتهر، وهو أحد مصادر الحافظ ابن حجر في «الفتح».
والحاصل أن لناصر الدين وأخيه زين الدين ثلاثة كتب حول صحيح البخاري، فأما ناصر الدين فعمل حاشية على شرح ابن بطال، وشرح تراجم صحيح البخاري في «المتواري»، وأما زين الدين فله شرح حافل على صحيح البخاري، وهو مفقود، وهذه الكتب الثلاثة من مصادر الحافظين ابن حجر والعيني وغيرهما في شرح البخاري.
(٣) انظر على سبيل المثال: شرح سنن أبي داود لابن رسلان (١٠/ ٢٨٥، ٣٤٠، ٣٨٢)، الفتح (٢/ ٢٩٤، ٣٠٢، ٣١٠)، (٣/ ٢٣٠)، انتقاض الاعتراض (٢/¬٥)، البدر التمام (٥/¬٣٩)، التحبير للصنعاني (٥/ ٣٣٤).
(٤) انظر مثلا: الفتح (٣/ ٤٩٩)، (٦/ ١٣٧)، (٩/ ١٠٧)، (١١/ ٥٦٩)، (١٢/¬٢٩).
(٥) انظر: طبقات المفسرين للداودي (١/ ٩٠).
стр. 17
«الرَّدُّ على المنطق». مفقود. ذكره كمال الدين الأدفوي (ت ٧٤٨ هـ) (١)، فقد نقل عنه السيوطي قوله: «وقد صنَّف أبو العباس ابن المُنَيّر السكندراني كتاباً في الرد على المنطق … ».
١٢ - شرح البرهان (٢). أي: البرهان في أصول الفقه لإمام الحرمين، وهو مفقود، وقد بقيت في عدد من المصادر الأصولية نُقُولٌ من هذا الشرح.
١٣ - «الضياء المتلألئ في تعقب الإحياء للغزالي» (٣)، مفقود. وهو رد على مقولة مشهورة منسوبة للغزالي في «الإحياء» وغيره من كتبه: «ليس في
_________
(١) انظر: الفلك المشحون للسيوطي، (ق/ ٢٣٣/ و). وانظر: القول المشرق في تحريم المنطق (ضمن الحاوي) (١/ ٣٩٤).
(٢) انظر: البحر المحيط (١/¬٥، ٢١٧)، (٢/ ٤٦٧)، (٣/ ١٤٤، ٢٠٠)، (٤/¬٤٥، ١٤٤، ١٥٩، ١٦٢، ١٦٣، ١٦٩، ١٨٣، ٢٠٣، ٢٩٢، ٣٠٠، ٤٥٩)، التقرير والتحبير (٣/¬٤٠)، الفوائد السنية للبرماوي (٤/ ١٠٩، ٣١٦)، التحبير للمرداوي (٦/ ٢٩٧٣)، إرشاد الفحول (٢/¬٤٩، ١١٦).
فإن قيل: لم لا يكون هذا الشرح لأخيه زين الدين؟ فالجواب أنه لناصر الدين، وليس لأخيه لأمور ثلاثة: الأول: أنه قد جاء التصريح في بعض المواضع بأن شارح «البرهان» هو أبو العباس. والثاني: أن المعروف عند إطلاق «ابن المنير» انصرافه إلى أبي العباس ناصر الدين، فإن كان المراد أخوه فيُقيَّد في الغالب بـ: زين الدين. الثالث: أن ناصر الدين هو الذي عُني ببرهان الجويني دون أخيه - بدليل هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه ـ، وأنه هو الذي عُرف بالعالم الأصولي.
(٣) انظر: إتحاف السادة المتقين (١/¬٤٥). كان ابن المُنَيّر - على ما اشتهر من علماء المالكية - شديداً على أبي حامد الغزالي في بعض المسائل في الفلسفة والتصوف، فنجده قد تعرّض له دون التصريح باسمه في: «الانتصاف فيما تضمنه الكشاف»، (المطبوع بحاشية الكشاف ٣/ ١٠٧)، وذلك للرد على مقولته المشهورة: «ليس في الإمكان أبدع مما كان»، وشدّد عليه النكير، كما أنه قد أفرد فيها رسالةً يرد عليه، وهي هذه الرسالة، وقد حط عليه فيها، وتنقص من مقامه وغض من رتبته - على حدّ تعبير الزبيدي (١٢٠٥ هـ) -.
стр. 18
الإمكان أبدع مما كان» (١)، وقد تصدى لابن المُنَيّر ورد عليه نور الدين السمهودي (ت ٩١١ هـ) في رسالة سماها: «إيضاح البيان لما أراده الحجة من: ليس في الإمكان أبدع مما كان، وما عناه مما أقامه على ذلك من البرهان» (٢).
وأما ما ورد في ترجمة ابن المُنَيّر مِنْ أنه لما أراد أن يصنف في الرد على «الإحياء» فخاصمته أمه، وقالت له: فرغت من مضاربة الأحياء وشرعت في مضاربة الأموات فتركه (٣)، فمعناه عندي أن ابن المنير لم يُفرد كتابًا لبيان جميع المؤاخذات في «الإحياء»، وإن كان قد هَمَّ باستيعاب ذلك، فتركه.
١٤ - الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول، أو «مختصر البرهان»، أي: برهان الجويني، وهو كتابنا هذا، وسيأتي الحديث عنه مفصلا.
١٥ - «مختصر التهذيب في الفقه». ذكره حاجي خليفة (٤) ضمن مختصرات «التهذيب في الفروع» لمحيي السنة البغوي الشافعي (ت ٥١٦ هـ)، وتبعه البغدادي في هدية العارفين (٥)، ولا أراه إلا وهما، فإن ابن المنير فقيه مالكي، وقاضي قضاتهم، فالأصل أنه إن كتب شيئًا في الفقه، فهو على مذهبه المالكي، وخدمة العالم لمذهب آخر خلافُ الأصل، ولعل المقصود به:
_________
(١) عبارة الغزالي في «الإحياء» (٤/ ٢٥٨): (ليس في الإمكان أصلا أحسن منه ولا أتم ولا أكمل)، وفي «الأربعين» (ص ١٦١): (ليس في الإمكان أحسن منها وأكمل). وقد أفرد عدد من العلماء تأليفًا حولها، بين مؤيد ومعترض، فمن المعترضين ابن المنير والبقاعي، ومن المؤيدين للغزالي والذابين عنه السمهودي والسيوطي والأشموني وغيرهم.
(٢) مخطوط، لها نسخ كثيرة موزعة في مكتبات تركيا والمغرب وألمانيا ومصر وغيرها.
(٣) بغية الوعاة (١/ ٣٨٤).
(٤) كشف الظنون (١/ ٥١٧).
(٥) (١/ ٩٩).
стр. 19
«تهذيب المدونة» لأبي سعيد البراذعي (ت ٤٣٨ هـ)، لا سيما وأن نسبته في طبقات المالكية وردت مطلقا، فتنصرف إلى المعروف والمعهود عند القوم. هذا؛ وقد وصفه ابن فرحون المالكي بأنه من أحسن مختصرات الكتاب.
١٦ - «مناسبات تراجم أبواب البخاري». وهو المطبوع بعنوان: «المتواري على أبواب البخاري» (١)، نُشر مرات. ولبدر الدين ابن جماعة (ت ٧٣٣ هـ) (٢) «مناسبات على تراجم أبواب البخاري»، لخصه من كتاب ابن المُنَيّر، وزاد عليه أشياء، وهو أيضا مطبوع متداول.
١٧ - «مناقب الشيخ أبي القاسم القباري» (٣). وهو في نحو من خمسة كراريس، انتقاها الذهبي ونقل خلاصتها في تاريخ الإسلام (٤). والقَبَارِيُّ: هو الشيخ الصالح محمد بن منصور بن يحيى الإسكندراني (ت ٦٦٢ هـ) (٥).
وخرَّج له تلميذه ابن قريش (ت ٧٣٦ هـ) «مشيخة» قرأها عليه وحدث
_________
(١) وقد وهم في نسبته إلى زين الدين ابن المنير: إسماعيل البغدادي في هدية العارفين (١/ ٧١٤)، وعمر رضا كحالة في معجم المؤلفين (٧/ ٢٣٤) وغيرهما، وشكك في ذلك آخرون من المعاصرين. وانظر مناقشة صلاح الدين مقبول أحمد لذلك في مقدمة تحقيقه لـ: «المتواري».
(٢) قال الحافظ ابن حجر عنه: « … وكذا صنع في مناسبات أبواب البخاري، أخذ كتاب ناصر الدين ابن المنير فاختصره اختصارًا بالغا ولم ينسبه إليه، لكنه هو بعينه لم يزد فيه سوى شيء يسير». رفع الإصر (ص ٣٤٥).
(٣) انظر: فتح الباري (١/ ١٢٧)، حسن المحاضرة (١/ ٥٢٠)، هدية العارفين (١/ ٩٩). ويقال: القباري والكباري. انظر: تبصير المنتبه (٣/ ١٢٠٤).
(٤) (٤٩/ ١٢٥ - ١٤٠).
(٥) انظر ترجمته في: «ذيل مرآة الزمان» (٢/ ٣١٥)، و «تاريخ الإسلام» (٤٩/ ١٢٢)، البداية والنهاية (١٧/ ٤٥٦)، الديباج المذهب (١/ ٢٤٥)، وتصحفت «القباري» في الديباج إلى: «الغباري».
стр. 20
بها. ذكرها ابن ناصر الدين الدمشقي والداوودي (١)، وقد تقدم.
* مذهبه الفقهي والعقدي
الإمام ناصر الدين ابن المُنيّر أحد أئمة المذهب المالكي بالإسكندرية وقاضي قضاتها، وقد أطبقت على ذلك المصادر التاريخية، وترجمته في طبقات المالكية، كالديباج المذهب (٢)، وشجرة النور الزكية (٣).
أما في الاعتقاد فهو على مذهب أبي الحسن الأشعري بلا نزاع أيضا، أولا لأنه الأصل الغالب في تلك الأزمنة على أهل المذهبين: المالكي والشافعي (٤)، ثُمَّ إِنَّ كلامه المتفرّق في ثنايا «الانتصاف»، وكذا «المتواري»، ولا سيما في تعليقاته على «كتاب التوحيد» منه، وكلامه في مواضع كثيرة من «مختصر البرهان» يدلُّ على ما قلناه، فلن أطيل في هذه الجزئية لكونها من المسائل التي لا يتنازع فيها اثنان، فهو مالكي المذهب في الفروع، وأشعري المعتقد في الأصول.
* شَيءٌ من شعره
كان ابن المُنَيّر من المبرزين في اللغة والأدب ومتبحرًا فيها، فله اليد الطولى في علومها. وكان مع ذلك خطيباً بليغاً، وكان يقول الشعر، ويجيد ذلك، وقد تقدم أنه نظم غريب القرآن كاملاً في قرابة ١٥٠٠ بيت، ووجدنا
_________
(١) توضيح المشتبه (٨/ ٢٩٠)، طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٩٠).
(٢) (١/ ٢٤٣).
(٣) (١/ ٢٦٩).
(٤) انظر للاستزادة: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٤٩٨ - ٥٠٤)، المصادر الأصلية المطبوعة للعقيدة الأشعرية (ص ٣٩ - ٤٥).
стр. 21
في كتب التراجم والتواريخ طرفًا من شعره، فمن ذلك:
* ما قاله لما وردت إليه المراسيم بالإسكندرية، وعفي متوليها أثر المحرمات:
لَيْسَ لإبليس عندنا أربٌ … غر بِلَادِ الْأَمِير مَأْوَاه
حَرَمْتَه الْخمر والحشيش معًا … حَرَمْتَه مَاءَهُ ومرعاه
* ومن ذلك رثاؤه لابن عصفور علي بن مؤمن (ت ٦٦٩ هـ)، حامل لواء العربية بالأندلس:
أسند النحو إلينا الدولي … عن أمير المؤمنين البطل
بدأ النَّحو عليٌ وكذا … قُلْ بحقِّ خَتَمَ النَّحْوَ عَلِي
* ومن رثائه لشيخه ابن الحاجب:
ألا أيها المختال في مطرف العُمر … هلم إلى قبر الفقيه أبي عمرو
ترى العلم والآداب والفضل والتُّقى … ونيل المنى والعِزَّ غُيَّبْنَ في قبر
وتوقن أن لا بد ترجع مَرَّةً … إلى صَدَفِ الأجداث مكنونة الدرّ
فتدعو له الرحمن دعوة رحمة … يُكافأ بها في مثل منزله القَفْرِ
* ومنه ما كتبه لقاضي القضاة شمس الدين ابن خلكان (ت ٦٨١ هـ) في صدر كتاب:
ليس شمس الضحى كأوصاف شمس الد … ين قاضي القضاة حاشا وكلا
تلك مهما علت محلا ثنت ظ … ــلا، وهذا مهما علا مدَّ ظلَّا
стр. 22
* ومنه هجاؤه لأحد القضاة لما نازعه في الحكم:
قل لمن يدعي المناصب بالجهـ … ل تنح عنها لمن هو أعلم
إن تكن في ربيع وليت يوما … فعليك القضاء أمسى محرّم
* ومنه ما كتبه إلى الوزير هبة الله بن صاعد الفائزي (ت ٦٥٥ هـ) أبياتا مدحه بها، منها:
ويا سيّدا تأتي الوفود لبابه … فيلقاهم بالبشر والنائل الغمر
ويا من له في الجود ضرب بلاغة … يقابل منظوم المدائح بالنثر
متى ما أقمت العبد في الخمس نائبا … غدا مستقلا بالدعاء وبالشكر
وغير ذلك كثير.
* وفاته
توفي ﵀ قيل مسموما (١) - في يوم الخميس مستهل ربيع الأول سنة ٦٨٣ هـ بثغر الإسكندرية، وكان عمره إذ ذاك ٦٢ سنة وبضعة أشهر، ودفن بتربة والده عند الجامع الغربي (٢).
_________
(١) انظر: البدر السافر عن أنس المسافر (٢/ ٧٥٢)، والله أعلم بحقيقة الحال.
(٢) ولا يزال هذا الجامع موجوداً، يعرف اليوم بجامع المنير، وبه قبره، وهذا الجامع يقع على رأس تقاطع شارع المنير بشارع الباب الأخضر بالإسكندرية. انظر: النجوم الزاهرة (٧/ ٣٦١)، (الهامش).
стр. 23
ثانيا مختصر ابن المنير وعلاقته بالبرهان
تناول البرهان عدداً من العلماء بالشرح والبيان والاختصار والتهذيب والتنكيت، وكان عامة هؤلاء من أتباع المذهب المالكي؛ فلماذا المالكية دون غيرهم؟ وقبل أن نتحدث عن شيء من أسبابها، نشير إلى المصنفات التي ارتبطت ببرهان الجويني، وذلك على وجه الاختصار حسب ترتيبها الزمني.
والغرض من ذلك رصد تلك المصنفات لعموم فائدتها، وإظهار عناية العلماء به على مر العصور، ومعرفة موقف كتاب ابن المُنَيّر من هذه السلسة.
فأول كتاب في هذه القائمة، هو «المنخول من تعاليق الأصول» لأبي حامد الغزالي الشافعي (ت ٥٠٥ هـ)، تلميذ إمام الحرمين، وهذا الكتاب عداده ضمن مختصرات البرهان، والمقصود بذلك أنه جعل البرهان أصلا لمنخوله، واستخلص منه مادته مع مخالفته إياه في أسلوبه وآرائه وشيء من ترتيبه. يظهر ذلك بالاستقراء وتتبع مسائل الكتابين، والتوافق في ترتيب أكثر المسائل وتبويبها وطريقة العرض فيهما. ويمكن أن نقول إن الترابط بين الكتابين يشبه العلاقة بين «روضة الناظر» مع «المستصفى».
والدليل على أنه تلخيص للبرهان، ومستمدٌّ منه؛ ما أشار إليه الغزالي في خاتمته أنه قد لخصه من تعاليق الأصول لإمام الحرمين (١). ويعني بـ: «التعاليق»
_________
(١) انظر: المنخول (ص ٥٠٤).
стр. 24
هنا: برهان الجويني. وفي ذلك يقول العلامة حسن العطار (ت ١٢٥٠ هـ) في حاشيته على شرح المحلي (١): « … فإنَّ المنخول في الحقيقة تلخيص البرهان للإمام، كما يدل عليه تسميته بـ: المنخول من تعليق الأصول، وتصريح حُجَّةِ الإسلام في آخره بأنه لم يزد فيه على ما في تعليق الإمام، يعني البرهان» (٢).
*ومنها: «البيان لشرح البرهان» لأبي عبد الله محمد بن المسلم بن محمد بن أبي بكر القرشي المخزومي الصقلي المازري، ساكن الإسكندرية (٥٣٠ هـ)، وهو من تلاميذ أبي بكر الطرطوشي (٣).
ومنها: شرح الإمام المازري (ت ٥٣٦ هـ)، وهو «إيضاح المحصول من برهان الأصول»، ولم يتمه. وهذا الكتاب يعتبر من أوائل شروحه، وأصله كان إملاء على البرهان أثناء تدريسه للطلبة (٤)، وقد نُشر ما عُثر عليه منه في مجلد، ولم يظهر لي استفادة ابن المنير منه في مختصره.
*ومنها: (النكت) لتقي الدين المقترح الشافعي (ت ٦١٢ هـ)، وهي
_________
(١) (١/ ٢٦٨).
(٢) ولم يشر إلى هذه الجزئية محقق «المنخول» فضلا عن مناقشتها، وَجَعَلَ «المنخول» كتابًا مستقلا من كتب الغزالي المتقدمة. وفي ذلك تهوين من قيمة الكتاب الحقيقية، كما أنه هضم لِحَقِّ البرهان، لأن المنخول دائر في فلكه.
(٣) انظر: الغنية للقاضي عياض (ص ٨٨). وقد استفدت هذه المعلومة من حساب الأستاذ أبي بكر سعداوي في الفيسبوك.
(٤) انظر: إيضاح المحصول (ص ١٩١، ٢٥١). ذكر ابن السبكي في طبقاته الكبرى (٥/ ١٩٢) أن المازري عمل على البرهان «مشكلات»، وأنه كتاب آخر، غير الشرح السابق، لكن حقق د. عمار الطالبي أن الإملاء على البرهان، والمشكلات، وإيضاح المحصول من برهان الأصول، وشرح البرهان كلها أسماء لمسمى واحد. انظر مقدمته على إيضاح المحصول (ص ١٨).
стр. 25
تعليقات وحواش على مواضع من البرهان (١).
* ومنها: «مختصر البرهان» (٢) لابن عطاء الله الإسكندراني (٣).
* ومنها: «شرح مختصر البرهان» لابن عطاء الله (٤).
* ومنها: «التحقيق والبيان في شرح البرهان» (٥). للإمام أبي الحسن الأبياري (ت ٦١٨ هـ)، وهو يعتبر من الشروح المكتملة للبرهان مما وصل إلينا.
*ومنها: شرح أبي يحيى زكريا بن يحيى بن يوسف الشريف المغربي
_________
(١) تسمى: النكت - أو التعليق - على البرهان، مخطوط. وذكر الدكتور علي الجزائري في مقدمته لشرح الأبياري أنه قد حققها، ولم ينشرها إلى الآن، وإن كان قد بث شيئا منها في حواشي تحقيقه.
(٢) نقل عنه الزركشي في موضعين من البحر المحيط (٤/ ٢٣٤)، (١/ ٢٩٩) وسماه بـ: «مختصر البرهان».
(٣) من المرجح عندي أن يكون المقصود به ابنُ عطاء الله الإسكندري الجَدُّ، وليس الحفيد، فالجد هو الفقيه الأصولي اللغوي أبو محمد رشيد الدين عبد الكريم بن عطاء الله السكندري المالكي (ت ٦١٢ هـ)، كان رفيقا لابن الحاجب، وتفقه على أبي الحسن الأبياري الأصولي الفقيه شارح «البرهان». انظر ترجم الجد في الديباج المذهب (٢/¬٤٣). أما حفيده أحمد بن محمد، المتوفى سنة ٧٠٩ هـ (الديباج المذهب ١/ ٢٤٢)، فلم يشتهر بالتأليف في العلوم الشرعية، بل غالب تصانيفه في الزهد والتصوف والمواعظ، فغَوْصُه في بحر «البرهان» بعيد عندي لما ذكرتُ، والله أعلم.
(٤) انظر: المعيار المعرب (٥/ ٣٩٦). هل هو الجد (ت ٦١٢ هـ) أم الحفيد (ت ٧٠٩ هـ): لا أستطيع أن أجزم بشيء، ولعله الأول. فعلى هذا يكون قد شرح البرهان، واختصره كابن المنير، والله أعلم.
(٥) صدر عن دار الضياء عام ١٤٣٢ هـ في أربعة أجلاد، بتحقيق د. علي بن عبد الرحمن الجزائري.
стр. 26
(كان حيًّا سنة ٦٢٩ هـ)، وسماه «كفاية طالب علم البيان في شرح البرهان» (١)، جمع فيه بين شرحي المازري والأبياري (٢).
*ومنها: «شرح البرهان» لابن علاف (٣)، وهو كذلك - حسب الزركشي - من المغاربة.
*ومنها: «شرح البرهان» لناصر الدين ابن المُنَيِّر الإسكندراني (ت ٦٨٣ هـ) (٤).
ومنها: مختصر البرهان المسمّى بـ: «الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول»، له أيضاً، وهو كتابنا هذا (٥).
*ومنها: مختصر البرهان، المسمّى بـ: «ناظر العين في مختصر البرهان لإمام الحرمين»، لعتيق بن أحمد بن محمد الفراء الوادي آشي (ت ٦٩٦ هـ) (٦).
فمن خلال هذه القائمة يتضح جلياً أن تصنيف ابن المنير مسبوق بعدد من الشروح والتعليقات، بل هو يعتبر من أواخر الكتب في منظومة الأعمال على البرهان، مما جعله يستفيد من بعضها، كشرح الأبياري على أقل تقدير؛
_________
(١) مخطوط، توجد منه نسخة ناقصة بمكتبة القيروان بفاس برقم (١٣٩٧)، وأخرى بالخزانة الحمزاوية في المغرب برقم (٣٥)، كما توجد منه نسخة ثالثة بمكتبة بريل بهولندا برقم (٨٠٧). وقد حققه محمد عبد الإله الشعيري في جامعة عبد المالك السعدي بتطوان.
(٢) أفاده التاج السبكي في طبقاته (٥/ ١٩٢).
(٣) وهو من مصادر الزركشي في البحر المحيط، ولم أقف على ترجمة لابن علاف.
(٤) انظر ما تقدم في (ص ٢١).
(٥) انظر: (ص ٣٣ - ٣٥).
(٦) انظر: الذيل والتكملة (٣/ ٩٦)، درة الحجال (٣/ ١٨١).
стр. 27
فقد استفاد ابن المنير منه في عدد من المواضع، وأشرنا إلى ذلك في الحواشي دون تتبع لجميعها.
ومن اللافت للنظر في القائمة السابقة أن أكثرهم مالكيون، ويرجع تاج الدين ابن السبكي ذلك إلى أمرين (١):
أحدهما: عدم تقيد الجويني باختيارات أبي الحسن الأشعري، والمالكية يستصعبون مخالفة أبي الحسن، فكأنهم أقبلوا على كتاب الجويني دفاعا عن معتقد أبي الحسن الأشعري وآرائه.
والثاني: نيل الجويني من الإمام مالك في مواضع من «البرهان»، فأتباعه لم يتحملوا منه ذلك، وربما تحاملوا عليه.
وكلا الأمرين عند التأمل يرجع إلى طبيعة شخصية الجويني الفذّة أصوليا ومتكلّما، وطول باعه في العلوم العقلية والنقلية؛ وقد سلك في البرهان مسلك من بلغ الغاية في الاجتهاد والمرتبة العليا في العلوم، فهو يقرر ويرجح ويزيف حسب اجتهاده، وإن أدى ذلك في أحيان كثيرة إلى مخالفة الأئمة الكبار، كمالك والشافعي والأشعري والباقلاني وغيرهم. لكن من الأهمية بمكان أن نذكر هنا أن حضور الجويني في المغرب معروف ومشهور، لا سيما في علم الكلام، فليس محصوراً على البرهان؛ فإنَّ أكثر من عُني بـ: «إرشاد» الجويني، كانوا من المغاربة، كأبي الحجاج الضرير (ت ٥٢٠ هـ)، والمازري (ت ٥٣٦ هـ)، والسلالجي (٥٧٤ هـ)، وابن دِهاق (ت ٦١١ هـ)، وأبي يحيى الإدريسي (كان حيا عام ٦٢٩ هـ)، وابن دوناس الفاسي (ت ٦٣٩ هـ)،
_________
(١) انظر: طبقات الشافعية الكبرى (٥/ ١٩٢ - ١٩٣).
стр. 28
وابن بزيزة التونسي (ت ٦٦٢ هـ)، وغيرهم (١). وقد ذكر القاضي عياض (٢) أنه قرأ على شيخه أبي الحجاج الضرير (ت ٥٢٠ هـ) السالف ذكره نظم الإرشاد له، كما أن مختصر الإرشاد (٣) للسلالجي (ت ٥٧٤ هـ)، المسمى بـ: «العقيدة البرهانية» كانت هي العقيدة المعتمدة في المدارس، والجوامع، والمؤسسات التعليمية في بلاد المغرب، وأنَّ السلطة المعرفية فيها قد كانت لتلك العقيدة (٤)، على الأقل قبل انتشار عقائد محمد بن يوسف السنوسي (ت ٨٩٥ هـ) (٥).
_________
(١) انظر: جامع الشروح والحواشي (١/ ١٤٩ - ١٥٤)، المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية (٢، ٢٠٢، ٢١٦٠١، ١٩٩، ١٩٧، ١٩٤، ١٨٨، ١٦٦، ١٦٥، ١/ ١١٨).
(٢) انظر: الغنية (ص ٢٢٦).
(٣) أفاد ابن رشيد السبتي (ت ٧٢١ هـ) وابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) أنّ العقيدة البرهانية للسلالجي ما هي إلا اختصار الإرشاد الجويني. انظر: ملء العبية (٢/ ٢٢٦)، شرح الأصبهانية (ص ٤٧٥).
(٤) انظر: مدخل إلى تاريخ العلوم بالمغرب المسلم (٢/ ٣٨١)، المصادر المغربية للعقيدة الأشعرية (١/ ١٦٥).
(٥) علما بأن السنوسي لم يخالف في عقائده إرشاد الجويني.
стр. 29
ثالثاً عنوان الكتاب وإثبات نسبته إلى مؤلفه
نصٌّ غير واحدٍ من العلماء على أنَّ لابن المُنَيِّرِ مُختصراً لبرهان الجوينيّ؛ فقد صرَّح بذلك البدر الزركشيُّ (ت ٧٩٤ هـ) في مقدمة «البحر المحيط» (١)، وذلك أثناء تعداد المصادر التي عوَّل عليها في جمع كتابه. وأما محمد بن أحمد التُّونسيُّ الوَانُّوغِيُّ (٨١٩ هـ) (٢) فقد أثنى عليه قائلاً: «وقد اختصره ابن المنير فأبدع» (٣).
ولما كان الكتاب اختصاراً للبرهان، غلب عليه هذا الوصف؛ وهو ما نجده مدوَّناً على الصفحة الأولى والأخيرة من النُّسخة الإسبانية. أمَّا النُّسخة التُّونسية، فالعنوان في غاشيتها: «الكفيل بالوصول إلى ثمرة الأصول»، وقد صرَّح المُصنِّفُ بذلك في قوله: «وباسمه نستفتحُ هذا الكتاب، وهو الكفيل بالوصول إلى ثمرات الأصول، فليقتطفها الطالبُ من هذه الفصول»، لكن نلاحظ أن هناك فارقاً يسيراً بين ما نص عليه ابن المنير وما جاء في غاشية إحدى النسختين، وقد رجَّحتُ أن أُثبتَ ما ذكره المُصنِّفُ، والأمر في ذلك قريبٌ. وقد يسمى الكتاب اختصاراً بـ: الكفيل.
_________
(١) (١/¬٥).
(٢) ترجمته في: العقد الثمين (٢/¬٢٥)، الضوء اللامع (٣/¬٧)، بغية الوعاة (١/¬٣١).
(٣) العقد الثمين (٢/¬٢٨).
стр. 30
والكتاب ثابت النسبة إلى ناصر الدين أبي العباس ابن المنير، ويمكن تلخيص ذلك فيما يلي:
*أولا: جاء الكتاب منسوبًا إلى مؤلّفه في النسخة التونسية - التي اتخذناها أصلا لأسباب سوف نذكرها لاحقا ـ، ففي غاشيتها بخط كبير: «الكفيل بالوصول إلى ثمرة الأصول، تأليف الشيخ المحقق العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد المالكي الشهير بابن المنير … ». وهذه النسخة مصححة مقابلة مقروءة على مصنّفه، وعليها سماع ومطالعة لبعض العلماء. وهذا وحده كاف في إثبات نسبة الكتاب إليه. وأما النسخة الأخرى فقد جاء في غاشيتها وخاتمتها: «مختصر البرهان». ولم نجد في هذه النسخة تصريحا بنسبته إلى ابن المُنَيّر؛ إلَّا أنَّه متوافق مع النسخة الأصل تمام الموافقة.
*ثانيا: قد نقل الحافظ السخاوي (ت ٩٠٢ هـ) من هذا الكتاب في «فتح المغيث» (١)، فقال: «قال ابن المنير في الكفيل»: للتعديل قسمان: صريحي وغير صريحي، فالصريحي واضح، وغير الصريحي، وهو الضّمني، كرواية العدل وعمل العالم». وهذا النص موجود في كتابنا باختلاف يسير (٢).
*ثالثا: أنَّ بدر الدين الزركشي الشافعي وأبي عبد الله الوانوغي المالكي قد نسبا له مختصرا لبرهان الجويني (٣)، ويصدق عليه كتابنا هذا. فصح بما قدمنا نسبة الكتاب إليه، والحمد لله.
_________
(١) (٢/¬٤٣). ونقل في (٣/ ١٧٠) كلامًا آخر بالمعنى، وهو موجود في كتابنا (ص ١٩٤).
(٢) انظر: (ص ١٨٨).
(٣) انظر ما سبق في الصفحة السابقة.
стр. 31
وقد صنف ابن المُنَيّر مختصره هذا قبل وفاته بما يقارب الثلاثين سنة، ونحن وإنا كنا لا نستطيع أن نحدد عمره على وجه الـ الدقة حين كتابته له؛ إلا أنَّ النسخة التونسية (الأصل) أفادتنا بأنَّها مقروءة على مصنفه سنة ٦٥٦ هـ، وكان عمره إذ ذاك ٣٦ سنة، فيكون تصنيفه لمختصر البرهان قبل هذا التاريخ.
стр. 32
رابعًا قيمته العلمية، ومنهج ابن المنير في اختصاره
قد ذكرنا فيما مضى أنَّ ابنَ المُنَيّرِ قد شرح البرهان في تصنيف، واختصره في هذا الكتاب الذي نحن بصدد تحقيقه؛ فأما شرحه على البرهان، فهو لم يصل إلينا، ولا نملك عنه إلا معلومات ضئيلة؛ لكن من خلال نقول الزركشي عنه في عشرات المواضع يظهر أنه شرح مبسوط، يذكر فيه المذاهب والأقوال، ويناقش فيه إمام الحرمين، ويعتني بإيراد الاعتراضات، وله فيه ترجيحات واختيارات، خلافًا لصنيعه في هذا المختصر؛ فإنه قد سلك فيه - في الجملة - مسلكا آخر يلائم طبيعة المختصرات؛ وإن كان قد يعترض على الجويني، وربما يخالفه - من غير تصريح - في عدد من المسائل الجزئية، وقد أشرنا إلى شيء منها في مواضعها؛ وأما تتبع ذلك فهو مما يعسر؛ لكونه يعتمد على المقارنة الدقيقة بين الكتابين، ولعل الله ييسر من يقوم بذلك.
كان الهدف الأساسي لابن المنير في هذا الكتاب هو بيان معاني البرهان بعبارات موجزة. وقد أشار إلى ذلك في طليعة مقدمته قائلا: «فهذا الكتاب، والبرهان فرسا رهان، كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب، فهذا أوجز، وذاك أطنب … ». إذا؛ فالهدف - في الأصل - تقريب البرهان وتسهيل معانيه.
إلَّا أنَّ المختصر نفسه في مواضع بحاجة إلى شرح وتوضيح؛ لوجازة عبارته. ففي مواضع ليست قليلة، لا يظهر مقصوده إلا بعد التأمل وإدامة
стр. 33
النظر في كلامه أو الرجوع إلى أصله، وقد عانينا من هذا الأمر أثناء تحقيق الكتاب وضبطه كثيرًا، وهو ما جعلنا نلجأ إلى أن نُحلّيه بتعليقات موجزة لتكميل الفائدة. وفي المقابل في مواضع كثيرة من البرهان لا يتضح مقصود الجويني فيها إلا بعد الرجوع إلى مختصر ابن المنير؛ لكن الفرق بين الأمرين أنَّ التعقيد أو الاضطراب أو القلق في البرهان راجع: إما إلى طبيعة تعبير الجويني من جهة علو عبارته ومصطلحاته الخاصة به؛ أو إلى الأخطاء المطبعية؛ أو غير ذلك، بينما عدم الوضوح في عبارة ابن المنير سببه الإيجاز والاختصار (١)، وهذا ليس عيبًا في الكتاب؛ لأنه طبيعة المختصرات.
فالحاصل أنه من الكتب العالية مبنى - لكون ابن المنير من أئمة اللغة والأدب -، ومعنى - تبعًا لأصله البرهان -، فهو لا يناسب المبتدئين في فنّ الأصول، لكن لا غنى عنه للباحثين وأهل العلم المشتغلين بهذا العلم الشريف، لا سيما المعتنين ببرهان الجويني.
أما سبب تصنيفه للكتاب، فقد أشار في المقدمة بعد الكلام السابق أنه كان بطلب أحدهم منه؛ وهل كان الطالب أحد شيوخه أو من تلاميذه؟ والله أعلم بذلك.
كان ابن المُنيّر ماهرًا في فنّ الاختصار، وقد تقدم في سرد مؤلفاته أنَّ له في ذلك كتابين؛ هما: مختصر التهذيب في الفقه، ومختصر البرهان، وهو
_________
(١) في الجملة؛ لكن قول المصنف: «كلاهما خيَّم في بحبوحة الفصاحة وطنب» يشير إلى غرض من أغراض هذا التصنيف، وهو تحريه الفصاحة والبلاغة مع الاختصار، فيظهر أن عدم الوضوح في مواضع سببه تكلّف تعابير وتراكيب على حساب التقريب والتسهيل، والله أعلم.
стр. 34
كتابنا هذا. فأما الأول؛ فلم نطلع عليه لكونه لم يصل إلينا، فهو في حكم المفقود، لكن علمنا بشهادة الفقيه ابن فرحون أنه قد أجاد في تهذيبه واختصاره؛ وأما تلخيصه للبرهان - وهو كتابنا هذا ـ؛ فقد حوى في طياته عدة مميزات مما يجعله من المصنفات الأصولية الهامة.
فمنها: صغر حجمه بالمقارنة مع البرهان، مع الحفاظ على عامة مسائل الكتاب، دون إغفال الأقوال، والمذاهب الأصولية، واختيارات الجويني؛ فجاء حجمه قدر السُّدس من أصله أو نحوًا من ذلك. ثُمَّ إنه ليس من المختصرات التي تحفظ لك المسائل الكبرى وتحذف الفضول فحسب، بل تكمن أهميته أيضًا في كونه قد أعاد صياغة البرهان من أوله إلى آخره، وعبر عن كلام الجويني بعبارات دقيقة تفتح إغلاق كلامه أو تجمع شتاته، فبهذا يكون قد هذبه وشرحه شرحا موجزا في نفس الوقت.
وأما تميز الجانب اللغوي فيه؛ فهذا ظاهر جدا؛ فإنَّ عباراته فيه دقيقة ومحررة، ولغته عالية، وقد ساعده على ذلك كله طول باعه وإمامته في اللغة والأدب.
ومن خصائص هذا الكتاب ومميزاته أنَّ المصنف لم يخرج فيه عن مسائل البرهان، - أعني المسائل الكبرى، ولا اختيارات الجويني، حتّى في المسائل التي نحن نجزم بأنه يخالف الجويني فيها ديانةً، كحجية عمل أهل المدينة، وتفضيل الإمام مالك على الإمام الشافعي، مما يدل على أنَّ غايته من ورائه هو خدمة البرهان، وإبراز الكتاب طبقا للأصل، وليس التَّعقب أو إبداء رأيه المخالف. وهذا في الجملة؛ وإلا فقد سبق التنبيه إلى أنه قد
стр. 35
يخالفه في تفاصيل وقيود بعض المسائل.
ومن خلال مصاحبتي لهذا الكتاب تبين لي دقة ابن المنير وأمانته في اختصاره، وخير مثال على ذلك ما جاء في مسألة علم الله التي تُعرف بمسألة الاسترسال، وهي مسألة عقدية، وموقف المالكية من الجويني فيها معلوم، ومع ذلك فقد لخص كلام الجويني ثُمَّ أعقبه بقوله: «قلتُ: حاكي الضلالة ليس بضال، نعوذ بالله من ذلك». وهذا الموضع الوحيد الذي يعقب عليه بعبارة فيها شيء من القسوة.
ولعل من المناسب أن نذكر في هذا المقام بعض الفروق بين الأول وكتابنا هذا، وذلك لأنه لم يصل إلينا من مختصرات البرهان إلا هذين؛ فمن أهم تلك الفروق:
* أولا: أنَّ «المنخول» أسهل وأوضح من «الكفيل»، فقد تميز الأول بأسلوبه الميسر ولغته السَّلِسَة؛ وأَمَّا مختصر ابن المنير، فهو أكثر تعقيدا وعباراته أكثر دقةً، وذلك لأنَّ عملية الاختصار أصبحت صنعةً في عهده، وربما قد تأثر في ذلك بشيخه العلامة ابن الحاجب.
* ثانيًا: أن الكتابين يختلفان من حيث الحجم؛ وذلك أنَّ حجم كتابنا هذا قدر النصف من المنخول أو أقل من ذلك.
* ثالثا: أنَّ مختصر ابن المنيّر تميز بكونه مختصراً دقيقاً للبرهان، بخلاف المنخول.
стр. 36
هذا، وقد استفتح ابن المُنَيّر كتابه بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى سبب التأليف، وأثنى على المختصر والأصل، كما أنه أثنى على الإمام الجويني، ثم شرع بعد ذلك مباشرةً في عرض المسائل. وانتهى الكتاب بانتهاء مسائل النسخ، وهو تمام كتاب البرهان بنص الجويني في الخاتمة، أما كتاب الاجتهاد والفتوى في مطبوعة البرهان، فهو كتاب مستقل، وليس جزءًا منه، ولذلك نجد أن الأبياري لم يتناوله أيضاً.
قدم ابن المنير بمقدمة، فتحدث أولاً عن حقيقة أصول الفقه ومواده، ثم عقد فصلا لبيان معنى «الحكم»، وتناول بعدها مسألة التحسين والتقبيح وبعض فروعها، ثم تحدث عن التكليف في عدة مسائل، ثم عن العلم وحده، ومدارك العلوم ومراتبها، ومراتب العلوم الدينية، وتناول «البيان» وبعض مسائله، وذكر القول في اللغات، وفروعاً لغوية كثيرة، وقد شغلت هذه المقدمات قدر العُشر من حجم الكتاب.
ثُمَّ بعد ذلك شرع في الكتاب الأول، وهو «كتاب الأوامر»، وذكر تحته فصولاً ومسائل، وانتقل بعد ذلك إلى الكتاب الثاني، وهلم جرا إلى آخر الكتاب.
وقد قسم المختصر إلى تسعة كتب:
١ - كتاب الأوامر
٢ - كتاب النواهي
٣ - كتاب العموم
٤ - كتاب التأويل
стр. 37
٥ - كتاب الأخبار
٦ - كتاب الإجماع
٧ - كتاب القياس
٨ - كتاب الترجيح
٩ - كتاب النسخ
- لم يعتن بوضع عناوين للمسائل إلا قليلا، كما في: «القول في اللغات»، و «مسألة في صيغة الأمر»، و «القول في الصيغة المقيدة»، و «مسألة في حمل المطلق على المقيد»، و «مسألة في الفرق بين النسخ والتخصيص»، و «مسألة في الزيادة على النص». والأصل أنه يصدر كلامه بقوله: «فصل»، أو: «مسألة»، أو «مسألة على التنزل»، ثم يشرع في الموضوع.
- جعل تحت الأبواب فصولاً، وتحت الفصول مسائل، وتحت بعض المسائل فروعًا، يعنون لها بقوله: «فرع مرتب» ويعني بذلك كونه مبنيًا على مسألة سابقة.
- يختلف حجم المسائل باختلاف حجمها في البرهان؛ فبعض المسائل لا تعدو سطرًا أو سطرين، وبعضها قد تتجاوز الصفحة والصفحتين.
- يعتني بذكر تعريفات للمصطلحات؛ والأصل في ذلك أن التعريف المختار هو المذكور أولاً، وما عداها يُعرف ضعفها بتصديره إياها بصيغة التمريض.
стр. 38
- القول المختار والمرجح؛ إما أن يذكره في صدر المسألة، وإما بعد حكاية الأقوال والرد عليها.
- أما الأقوال والخلافات في المسألة، فتارة يسردها كُلَّها، ثُمَّ يعقب عليها واحدًا واحدا، وتارة يحكي القول ويناقشه، ثُمَّ ينتقل إلى قول آخر، وهلم جرا.
- اعتنى بترتيب كلام الجويني، وجمع شتاته في موضع واحد.
- الكتاب تابع للبرهان في ترتيب المسائل؛ إلَّا أنَّ ابن المنير قد يجمع المسألتين أو الثلاث تحت عنوان واحد.
- يكتفي بمحل الشاهد من الآية أو الحديث.
- المراد في كلامه بـ: «الشيخ»: أبو الحسن الأشعري (ت ٣٣٦ هـ)، وبـ: «القاضي»: أبو بكر ابن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، وبـ: «الأستاذ»: أبو إسحاق الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ)، وبـ: «الإمام»: الجويني.
- يشير إلى ترجيحات الجويني واختياراته بقوله: «والمختار»، «والحق» ونحو ذلك من العبارات. وإذا عبّر عنها بقوله: واختار الإمام كذا أو «مختار الإمام كذا»، أشعر بأنه مخالف له في تلك المسألة.
- يفرق بين «التحقيق» - معرَّفًا -، و «تحقيق» - منكرا ـ؛ فالأول مرادف للقول المختار، والثاني شد انتباه إلى أهمية المسألة.
- أما مصدره في هذا الكتاب فهو البرهان بطبيعة الحال، وقد اعتمد
стр. 39
عليه كلياً، لكن يظهر أنه كان يستعين ببعض المصادر المساعدة؛ فقد ثبت لدينا استفادته من شرح الأبياري، ونخمّن أنَّ من موارده كذلك غير شرح الأبياري، وذلك لأنه في مواضع قليلة لم نجد في البرهان، ولا في شرح الأبياري ما يوازي كلامه في المختصر؛ فإما أن يكون ذلك منه أو من مصدر آخر، والله أعلم.
стр. 40
خامسًا وصف النسخ الخطية
* اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على نسختين خطيتين:
الأولى: النسخة الأصل، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية التونسية، المحفوظة فيها تحت رقم (٢٤١٥٢)، عدد أوراقها ١٥٠، في كل صفحة ١٥ سطرا، وهي ناقصةٌ مِنْ آخرها (١)، ولعل النقص يكون قدر عشرة أوراق، يزيد أو ينقص قليلا، لأنها تنتهي مع نهاية باب ترجيح الأقيسة، وتبقى بعدها مراتب قياس الشبه، والترجيح في الأقيسة وما تفرع عنه من المسائل، ومسائل النسخ، ومع نهاية كتاب النسخ ينتهي كتاب «البرهان» و «الكفيل» كما تقدم بيان ذلك.
وهذه النسخة مكتوبة بخط مشرقي، - عدا السماع - والخط واضح، صحيح الرسم، قليل الأخطاء، والناسخ يعتني بضبط الكلمات وتشكيلها، لا سيما في المواضع المشكلة. كثيرًا ما يرمز إلى الإهمال بوضع ما يشبه رأس حرف العين تحت الحرف المقصود، وذلك للتفريق بين العين والغين، والحاء والخاء والجيم والراء والزاي ونحو ذلك.
_________
(١) وكذا في أثنائها ورقتان، ولا شك بأنها مما ضاعت مع الأيام، وإلا فالنسخة في أصلها كانت كاملةً؛ فقد جاء التنصيص على ذلك على غاشيتها.
следующие страницы →