هذا، وقد استفتح ابن المُنَيّر كتابه بمقدمة قصيرة، أشار فيها إلى سبب التأليف، وأثنى على المختصر والأصل، كما أنه أثنى على الإمام الجويني، ثم شرع بعد ذلك مباشرةً في عرض المسائل. وانتهى الكتاب بانتهاء مسائل النسخ، وهو تمام كتاب البرهان بنص الجويني في الخاتمة، أما كتاب الاجتهاد والفتوى في مطبوعة البرهان، فهو كتاب مستقل، وليس جزءًا منه، ولذلك نجد أن الأبياري لم يتناوله أيضاً.
قدم ابن المنير بمقدمة، فتحدث أولاً عن حقيقة أصول الفقه ومواده، ثم عقد فصلا لبيان معنى «الحكم»، وتناول بعدها مسألة التحسين والتقبيح وبعض فروعها، ثم تحدث عن التكليف في عدة مسائل، ثم عن العلم وحده، ومدارك العلوم ومراتبها، ومراتب العلوم الدينية، وتناول «البيان» وبعض مسائله، وذكر القول في اللغات، وفروعاً لغوية كثيرة، وقد شغلت هذه المقدمات قدر العُشر من حجم الكتاب.
ثُمَّ بعد ذلك شرع في الكتاب الأول، وهو «كتاب الأوامر»، وذكر تحته فصولاً ومسائل، وانتقل بعد ذلك إلى الكتاب الثاني، وهلم جرا إلى آخر الكتاب.
وقد قسم المختصر إلى تسعة كتب:
١ - كتاب الأوامر
٢ - كتاب النواهي
٣ - كتاب العموم
٤ - كتاب التأويل
стр. 37
٥ - كتاب الأخبار
٦ - كتاب الإجماع
٧ - كتاب القياس
٨ - كتاب الترجيح
٩ - كتاب النسخ
- لم يعتن بوضع عناوين للمسائل إلا قليلا، كما في: «القول في اللغات»، و «مسألة في صيغة الأمر»، و «القول في الصيغة المقيدة»، و «مسألة في حمل المطلق على المقيد»، و «مسألة في الفرق بين النسخ والتخصيص»، و «مسألة في الزيادة على النص». والأصل أنه يصدر كلامه بقوله: «فصل»، أو: «مسألة»، أو «مسألة على التنزل»، ثم يشرع في الموضوع.
- جعل تحت الأبواب فصولاً، وتحت الفصول مسائل، وتحت بعض المسائل فروعًا، يعنون لها بقوله: «فرع مرتب» ويعني بذلك كونه مبنيًا على مسألة سابقة.
- يختلف حجم المسائل باختلاف حجمها في البرهان؛ فبعض المسائل لا تعدو سطرًا أو سطرين، وبعضها قد تتجاوز الصفحة والصفحتين.
- يعتني بذكر تعريفات للمصطلحات؛ والأصل في ذلك أن التعريف المختار هو المذكور أولاً، وما عداها يُعرف ضعفها بتصديره إياها بصيغة التمريض.
стр. 38
- القول المختار والمرجح؛ إما أن يذكره في صدر المسألة، وإما بعد حكاية الأقوال والرد عليها.
- أما الأقوال والخلافات في المسألة، فتارة يسردها كُلَّها، ثُمَّ يعقب عليها واحدًا واحدا، وتارة يحكي القول ويناقشه، ثُمَّ ينتقل إلى قول آخر، وهلم جرا.
- اعتنى بترتيب كلام الجويني، وجمع شتاته في موضع واحد.
- الكتاب تابع للبرهان في ترتيب المسائل؛ إلَّا أنَّ ابن المنير قد يجمع المسألتين أو الثلاث تحت عنوان واحد.
- يكتفي بمحل الشاهد من الآية أو الحديث.
- المراد في كلامه بـ: «الشيخ»: أبو الحسن الأشعري (ت ٣٣٦ هـ)، وبـ: «القاضي»: أبو بكر ابن الطيب الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، وبـ: «الأستاذ»: أبو إسحاق الإسفراييني (ت ٤١٨ هـ)، وبـ: «الإمام»: الجويني.
- يشير إلى ترجيحات الجويني واختياراته بقوله: «والمختار»، «والحق» ونحو ذلك من العبارات. وإذا عبّر عنها بقوله: واختار الإمام كذا أو «مختار الإمام كذا»، أشعر بأنه مخالف له في تلك المسألة.
- يفرق بين «التحقيق» - معرَّفًا -، و «تحقيق» - منكرا ـ؛ فالأول مرادف للقول المختار، والثاني شد انتباه إلى أهمية المسألة.
- أما مصدره في هذا الكتاب فهو البرهان بطبيعة الحال، وقد اعتمد
стр. 39
عليه كلياً، لكن يظهر أنه كان يستعين ببعض المصادر المساعدة؛ فقد ثبت لدينا استفادته من شرح الأبياري، ونخمّن أنَّ من موارده كذلك غير شرح الأبياري، وذلك لأنه في مواضع قليلة لم نجد في البرهان، ولا في شرح الأبياري ما يوازي كلامه في المختصر؛ فإما أن يكون ذلك منه أو من مصدر آخر، والله أعلم.
стр. 40
خامسًا وصف النسخ الخطية
* اعتمدنا في إخراج هذا الكتاب على نسختين خطيتين:
الأولى: النسخة الأصل، وهي من مقتنيات المكتبة الوطنية التونسية، المحفوظة فيها تحت رقم (٢٤١٥٢)، عدد أوراقها ١٥٠، في كل صفحة ١٥ سطرا، وهي ناقصةٌ مِنْ آخرها (١)، ولعل النقص يكون قدر عشرة أوراق، يزيد أو ينقص قليلا، لأنها تنتهي مع نهاية باب ترجيح الأقيسة، وتبقى بعدها مراتب قياس الشبه، والترجيح في الأقيسة وما تفرع عنه من المسائل، ومسائل النسخ، ومع نهاية كتاب النسخ ينتهي كتاب «البرهان» و «الكفيل» كما تقدم بيان ذلك.
وهذه النسخة مكتوبة بخط مشرقي، - عدا السماع - والخط واضح، صحيح الرسم، قليل الأخطاء، والناسخ يعتني بضبط الكلمات وتشكيلها، لا سيما في المواضع المشكلة. كثيرًا ما يرمز إلى الإهمال بوضع ما يشبه رأس حرف العين تحت الحرف المقصود، وذلك للتفريق بين العين والغين، والحاء والخاء والجيم والراء والزاي ونحو ذلك.
_________
(١) وكذا في أثنائها ورقتان، ولا شك بأنها مما ضاعت مع الأيام، وإلا فالنسخة في أصلها كانت كاملةً؛ فقد جاء التنصيص على ذلك على غاشيتها.
стр. 41
وفيها لَحَقٌّ وزيادات بقلم مغاير أضيفت أثناء المقابلة، ولعلها بخط غير الناسخ. وعامة التعديلات والتصحيحات والكشط والضرب حصلت أثناء المقابلة. ومن الأشياء التي لم أجد لها تفسيرا واضحا في هذه النسخة أن الناسخ كتب إحدى المسائل بصيغتين دون أن ينبه على شيء، ثم ضُرب على إحداهما بقلم مغاير مع التنبيه على أن المسألة مكررة (١)، والغريب في هذا الأمر أن أصل المسألة وإن كان واحدًا إلا أنها كُتبت بصيغتين مختلفتين تماما، فمن المحتمل أن هذه النسخة قبل المقابلة إما أنها كانت مسودة للمصنف أو منقولة من مسودته، والله أعلم. وقد أثبتنا الصيغة المضروب عليها في الحاشية لعموم الفائدة.
وحالة النسخة جيدة بشكل عام، وقد أصابت أطرافها أرضة في مواضع، وخُرْمٌ في أخرى، لكنها في عامتها لم تؤثر في الكتابة، لكونها إما في الطرف أو بين الأسطر.
وقد اتخذنا هذه النسخة أصلا - على نقص في آخرها - لعدة اعتبارات:
١ - لأنها نسخة جليلة، فقد جاء في السماع الذي على غاشيتها - بخط مغربي - أنها قُرئت على مصنفها في خمسة مجالس، آخرها يوم الثُّلاثاء، الثاني والعشرين من شهر مُحَرَّم سنة ست وخمسين وستمائة (٦٥٦ هـ)، وذلك بمحضر جماعةٍ من الفقهاء والقضاة، وأسماؤهم مدونة في السماع. وقد استُدركت في الطرة تصحيحات وإضافات في عدد من المواضع.
٢ - أنها نسخة متقنة، فأخطاؤها قليلة، واعتنى الناسخ بتشكيل.
_________
(١) انظر: (ص ١٢٩).
стр. 42
الكلمات في المواضع الموهمة، مما يدل على أنه كان فاهما وضابطا لمسائل الكتاب، ولذلك أستظهر أن النسخة مكتوبة بخط أحد العلماء، فإما أن يكون هو المصنف نفسه أو غيره.
٣ - ومن مميزاتها أن على غاشيتها خطوطًا ومطالعات لبعض العلماء:
فقد جاء في أعلى الصفحة: «آخره خط الشيخ عز الدين بن عبد السلام … »، وهو من شيوخ ابن المُنَيّر، كما سبق. ولم نطلع على خطه في آخر النسخة لكونها ناقصة كما سبق التنبيه إلى ذلك.
وفيها أيضا: «طالع في هذا الكتاب إسماعيل بن علي بن حسن بن مُعَلَّى في سنة أربع وستين [وثمان مئة]، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وصلى الله على [نبينا] محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله [ونعم الوكيل]».
قلت: وهو فقيه شافعي (ت ٨٨٠ هـ)، كان صديقًا للسخاوي (ت ٩٠٢ هـ)، وقد ترجم له في «الضوء اللامع (١)». من تصانيفه الأصولية: «الليث العابس في صدمات المجالس» (٢) في الحدود والتعريفات الأصولية.
* نص السماع وهو بخط مغربي خلافًا للخطوط الأخرى على الغاشية:
«سمع جميع هذا الكتاب المُبارك على مُصنّفه سيدنا وشيخنا وقدوتنا وبركتنا العالم الفقيه الإمام الحافظ الأكمل التقي الأورع الأعدل الزكي
_________
(١) (٢/ ٣٠٢).
(٢) صدر عن دار المقتبس عام ١٤٣٥ هـ بتحقيق فاروق حاتم.
стр. 43
الخطيب المصقع الأفض [ … ]، العالم العامل الحبر العلامة الأوحد فخرِ الخُطباء، زين الحُكماء، فريد البلغاء، بقيَّةِ [السلف]، عمدة الخلف، نَاصِر الدين مفتي المسلمين، لسان المتكلمين، كهف الفقراء والمساكين، أبي العَبَّاس أحمد بن الشيخ الجليل المُكرَّمِ القَاضِي السَّيِّد المُحدِّثِ وجيه الدين ولي أمر [ … ]، أَبِي المَعَالِي مُحمَّدٍ - وفقه الله توفيق أوليائه وأمتع المسلمين ببقائه - بمدرسته المعمورة بثغر الإسكندرية - حماه الله - في مجالس خمسة، آخرها يوم الثلاثاء، الثاني والعشرون من شهر محرم، سنة ست وخمسين وستمائة، جماعةٌ مِنْ الفقهاء - نفعهم الله بسماعهم وبأفهامهم.
ومنهم: الفقيه العَالِم المُبارك نَاصِر الدِّين أَبُو مُحمد عبد الله بن الفقيه [الأصولي] العلامة شمس الدين أَبِي الحَسَن علي الأبياري (١)، والشيخ الفقيه الصَالِحُ أَبُو مُحَمَّدٍ عبد [ … ] بن الشيخ الصالح المرحوم أبي عبد الله محمد الألشي (٢) الأنصاري، والشَّيخُ الفاضل الوا [ … ] أبو حفص عمر الشريشي، والفقيه العَالم القَاسِم الغماري، والفقيه أبو إسحاق المديوني، والفقيه الشريف رفيقه، والفقيه موسى الصنهاجي، والفقيه إبراهيم الوا [ … ] المراكشي، والفقيه الصَّالِحُ سُليمان المراكشي، والفقيه أَبُو مُحمَّدٍ عبد السيد، والفقيه فخرُ
_________
(١) هو الإمام ناصر الدين عبد الله بن الإمام العلامة علي بن إسماعيل بن حسن بن عطية الأبياري الإسكندري المالكي. ولد سنة ٦١٣ هـ. سمع من الصفراوي، وجعفر. ودرس وأفتى وتفنّن، وولي القضاء مدة ثُمَّ عُزل. أجاز للبرزالي. أرّخ الذهبي وفاته على وجه التقريب بين وفيات ٦٧١ - ٦٨٠ هـ، لكن يشكل على ذلك أنه قد ورد في المرتبة العليا في تفسير الرؤيا لابن راشد القفصي (ت ٧٣٦ هـ) (ص ٥٨ - ٥٩) ما يفيد أنه توفي بعيد وفاة ابن المنير. انظر ترجمته في: تاريخ الإسلام ٥٠/ ٣٨٤.
(٢) نسبة إلى ألش، مدينة بالأندلس. انظر: معجم البلدان (١/ ٢٤٥).
стр. 44
الـ[ـدين]، وأخوه جلال الدين ولداً الفقيه جمال الدين بن عبد السلام - رحم الله سلفهما -، والقاضي الفقيه ولد القاضي عِزّ القُضاة بن عطية، والفقيه الصَّالِحُ أَبُو الفضل عِيَادُ بن خليفة، والقاضي زين الدين يحيى [ … ] القاضي الأجل الرشيد جمال الدين حُسَين بن عبد الرحمن، مُنشِئُ المدرسة المباركة المذكورة - تغمدهم [الله]- … ابن عصام وولداه، والقاضي زين الدين مُحَمَّدُ بن مُظَفّر، والقاضي السَّعيدُ أَبُو عبد الله مُحَمَّدُ بن المغربي [ … ]، العالم كمال الدين بن [ … ] وأخوه، والقاضي الفقيه العالم مُعين الدين بن رحال، والقاضي الفقيهُ [ … ] الدين عبد الخالق بن [ … ] الشَّا [في]، والقاضي زين الدين يُوسف، [ … ... .]، صهر الشيخ الفقيه [ … ] القاسم الكبَّاري (١)، وجماعة سوى من ذكرتهم كثيرة، فمنهم من كمل سماعه، ومنهم من سمع بعضه، وأجاز لمن فاته.
القاضي الفقيه العالم المُحدّث المجد [ … ] العاجل [ … ... … ... … .. ].
* الكتابات التي على غاشية نسخة تونس:
ففي أعلى الصفحة - يشبه خط الناسخ:
«آخره خط الشيخ عز الدين بن عبد السلام».
وتحتها بخط مُغاير:
«طالع في هذا الكتاب إسماعيل بن علي بن حسن بن مُعَلّى في سنة
_________
(١) الكُبَّاري، أو الكُبَّاري، بالتشديد. وأبو القاسم الكُبَّاري هو الذي أفرد ترجمته ابن المنير في كراريس، وقد سبق. أما صهره هذا، فلم أجد له ترجمة.
стр. 45
أربع وستين [وثمان مئة]، غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين، وصلى الله على [نبينا] محمد وآله وصحبه وسلم وحسبنا الله [ونعم الوكيل].
وتحتها بخط ثالث:
«الكفيل بالوصول إلى ثمرة الأصول، تأليـ[ف] الشيخ المحقق العلامة ناصر الدين أحمد بن محمد المالكي الشهير بابن المُنَيِّر [ … ]»
وعلى الجهة اليسرى منها كتابة بخط مغاير:
[ … ] بن محمد الشافعي [ … ]، ثم صار لأحمد بن البدر الشافعي، ثم لابن الخضر [ … ]
وعلى يمين الصفحة كتابة، امحَى جُلُّها، ومما بقي فيها:
[ … ... .. ] بن أحمد [ … ... .. ] عفا الله عنهما [ … ... .. ]، وهو كتاب نافع جدًّا [ … .. ]
*النّسخَةُ الثانية: أصلُها من محفوظات مكتبة الإسكوريال في عاصمة إسبانيا، وهو يقع فيها ضمن مجموع، تحت رقم (٦٧٦)، وعدد أوراق هذا المجموع: ١٠٩ ورقة، ويحوي على كتابين:
*الأول: «المنهج المبين في مباحث الأربعين»، وهو تعليقات على أوائل الأربعين في أصول الدين لفخر الدين الرازي (ت ٦٠٦ هـ)، ومؤلفه أحد تلاميذ تقي الدين المقترح، وقد صنفه في حياته، كما صرح بذلك في
стр. 46
المقدمة، فمن المحتمل أن يكون أبو يحيى زكريا بن يحيى بن يوسف الشريف المغربي، فإن له شرحًا على الأربعين (١)، والله أعلم.
وفي آخره تملك، ونصه: «ملك لعبد الله زيدان (٢)، عامله الله بجميل لطفه». وقد شغل هذا الكتاب من المخطوط ٤٢ ورقة (١ - ٤٢).
*الثاني: «مختصر البرهان»، وسيأتي وصفه.
يظهر على المجموع بعض آثار الرطوبة، وفي أوله تملك، ونصه: «من كتب عبد الله تعالى [ … ] زيدان بن أمير المؤمنين، خار الله له». كما أن في أول المجموع وكذا في آخره فوائد منقولةً من بطون الكتب بخطوط مختلفة.
وكتابنا في هذا المجموع شغل منه ٦٧ ورقة، أي مع بداية ورقة ٤٣ إلى نهاية المجموع.
وهذه النسخة تامة، مكتوبة بخط مغربي، لكن تغير الناسخ أثناء الكتاب، فمن بداية «مختصر البرهان» إلى الورقة العاشرة مكتوبة بخط متقن، وبعدها رجع الناسخ الأول الذي كتب «المنهج المبين في مباحث الأربعين»، واستمر إلى نهاية «مختصر البرهان».
والنسخة مقابلة ومصححة، بدليل البلاغ في آخر النسخة، وكذا الدارات المنقوطة في مواضع عديدة، كما أن الناسخ قد استدرك عددا من
_________
(١) انظر: أبكار الأفكار العلوية (ص ١٠٤).
(٢) هو زيدان بن أحمد بن منصور، من حكام الأشراف السعديين بمراكش، وكان عالما بالفقه والأدب، له نظم، وله كتاب في تفسير القرآن. توفي سنة ١٠٣٧ هـ. انظر: الأعلام (٣/ ٦٢).
стр. 47
السقط في الطرة مع الإشارة إلى موضعه والتصحيح عليه.
وخط الناسخ الأول جيد وواضح، وله عناية بالضبط والإعجام، بخلاف الثاني، وتصعب جدا قراءته في مواضع، لا سيما في أواخر الكتاب.
رسم الآيات موافق القراءة ورش عن نافع على عادة الأندلسيين وأهل المغرب الإسلامي.
وفي الطرة تعليقات توضيحية بخط مغربي مغاير لخط الناسخ، كقوله: «قف على الفروق بين الاعتقاد الصحيح والعلم»، وقوله: «قف على المختار في حد الواجب» ونحو ذلك، وقد أهملنا تلك التعليقات، إلا ما كان فيها فائدة مرجوة للقارئ.
وهذه النسخة دون النسخة التونسية التي اتخذناها أصلا، لا سيما في الربع الأخير، فقد تغيرت فيه جودة الخط، وكثرت الأخطاء والسقط والتحريفات، وهذا الأمر راجع عندي إلى أمرين: أحدهما العجلة في الكتابة، والثاني: سوء الأصل المنقول منه، وهذا يتضح من تعليقات الناسخ في الطرة، وقد حاولنا إصلاح تلك التحريفات والسقط حسب الإمكان في المواضع التي انفردت النسخة عن الأصل، وذلك في أواخر الكتاب.
стр. 48
سادسًا منهج التحقيق
- نسخت المخطوط حسب قواعد الإملاء الحديث، ثم قابلته على النسختين الخطيتين، ولما كانت النسخة التونسية تفوق صاحبتها - لأسباب تقدم شرحها - فقد اتخذتها أصلا، ولم أخالف ما فيها إلا في مواضع قليلة جدا، كأن يكون خطأ ظاهرًا. وما كان من الفروق أو الزيادة أو النقص في النسخة الأخرى:
*فإن كانت كلمتين فأكثر، فقد جعلتها بين الهلالين () في النص المحقق، مع الإشارة لها في الحاشية.
*وإن كانت كلمة، فأشرت إليها في الحاشية فقط (١).
رمزت للنسخة التونسية بـ: الأصل، ورمزت لنسخة الإسكوريال بـ: (أ)، إلا في المواضع التي انفردت؛ بسبب النقص الحاصل في الأصل، فقد تم الاصطلاح عليها حينئذ بـ: المخطوط.
إن كان هناك سقط، قدرته بين المعقوفين: []. وهو قليل جدًّا.
إن كان النقص في إحدى النسختين طويلا، أشرت إليه بين هذين
_________
(١) وذلك لأن أكثر الخلافات بين النسختين في كلمة واحدة، فلو جعلت كل فرق بين هلالين داخل النص المحقق، لكثرت وشوشت على القارئ.
стр. 49
المعقوفين﴾.
- الآيات القرآنية عزوتها بأرقامها إلى السور.
- وأما الأحاديث المرفوعة والموقوفة: فإن كانت في الصحيحين أو أحدهما فاكتفيت بذلك؛ وإلا فخرّجتها من دواوين الحديث المشهورة، كالسّنن والمسانيد.
- إن كان الحديث مرويًّا بالمعنى، أشرتُ إلى ذلك في التخريج بقولي: «أخرج نحوه».
- إن كان الحديث ضعيفًا أو مختلفًا فيه، فأحلت القارئ إلى بعض المصادر المختصة لبيان درجة الحديث، وراعيتُ في ذلك كله الاختصار قدر الإمكان.
- وثقتُ المسائل من بعض المصادر المعتمدة، دون التوسع في ذلك. - علقتُ على مواضع تعليقات موجزة، فإن كان مستفادًا من «البرهان»، ختمتها بحرف النون: ن؛ وإن كان من غيره: صرّحت بذلك، وما سوى ذلك: فمن تعليق المحقق أو المراجع.
- أشرتُ إلى عدد من مواضع استفادة ابن المنير من شرح الأبياري بعبارات متنوعة؛ فتارة أقول: «قارن بالأبياري»، وتارة أصرح بذلك.
- اعتنيتُ بضبط النص وتشكيله في الغالب؛ وتفقيره وترقيمه؛ تسهيلا على القارئ.
стр. 50
وختامًا؛ أشكر كُلَّ من أعان وقدَّم يد العون لإتمام هذا العمل المتواضع، وأخص منهم فضيلة الشيخ إبراهيم بن صالح الخزي حفظه الله، فقد قرأ الكتاب من أوله إلى آخره مع مقابلته بالمخطوط، وأفادنا بملحوظاته وتعليقاته القيمة، فالله يشكر له سعيه، ويجعل ذلك في موازين حسناته.
هذا، وقد بذلت ما بوسعي لإخراجه في صورة تليق به، فالمرجو من القارئ أن ينظر فيه بعين الإنصاف، ويُعرض عن طريق الاعتساف. والله أسألُ أن ينفع بهذا الكتاب كما نفع بأصله، وأن يغفر لمن نظر فيه ودعا لمؤلفه ومحققه ومراجعه بالمغفرة والرحمة، آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
стр. 51
صور المخطوطات المستعان بها في التحقيق
стр. 52
بسم الله الرحم الرحيم
(رب يسر بعونك) (١)
الله أحمد، وإِيَّاه أُوحد، ولرسوله أشهد، وعليه وعلى آله (٢) وأصحابه أُصَلِّي وأُمجدُ، أَمَّا بعدُ:
فهذا «الكتاب»، و «البرهان» فرسا رهان؛ كلاهما خيم في بحبوحة الفصاحة وطنّب، فهذا أوجز، وذاك أطنب، وقد استنصحت (٣) أيُّها الطَّالب الراغب، والدِّينُ النَّصيحة، والأصلُ النَّيَّةُ، وهي إن شاء الله صحيحةٌ.
فاعلم -أرشدنا الله وإياك- أنَّ من سلك في البداية أرشق الطريقين، كان إلى الغاية أسبق الفريقين؛ لا سيما والهمم قد فترت، والأيدي عن تناول المعالي قد قصرت؛ وإلا فـ: «الإمام» ﵀ هو البحر الذي لم نغترف إلَّا مِنْ فُضالته، والنجم الذي لم نهتد في مشكلات هذا الفنّ إلا بدلالته؛ فالحق واحد، والطرق مختلفة، والقلوب إذا سلمت من أقذاءِ (٤) الحسد، كانت مؤتلفةً؛ والمصيب أبدا - من نسب القصور إلى فهمه، والمصابُ مَنْ ظَنَّ أَلَّا عِلمَ فوقَ علمه، والله الموفق للصواب، وباسمه نستفتح هذا الكتاب، وهو الكفيل بالوصول إلى ثمراتِ الأصولِ، فليقتطفها الطالب من هذه الفصول.
стр. 53
فَصْلٌ (١)
حَقٌّ (٢) على الخائض في فَنِّ ما: الإحاطة بثمرته، ومادته، وحقيقته الجُمْلِيَّةِ - بالحد أو بالسَّبر -.
فأصول الفقه:
حقيقتُه: أَدِلَّةُ الفِقْهِ.
ومواده:
* الكلام؛ لأنَّ الأدلة كلامُ الله، فيتعيَّن معرفته بالدَّليل (٣).
* والعربية؛ لأنَّ الأدلة ألفاظ لغويَّة، فيتعيَّن معرفة قوانينها المفهمة.
* والفقه؛ لأنه مدلول الأدلة، فيتعين تصور أمثلته.
ثُمَّ الفقه: العلم ب الأحكام الشرعية.
فإن قيل: فمعظم الفقه أحكام مظنونةٌ بالأمارات!
* قلنا: العمل بالأمارات معلوم بالقواطع، ومن ثَمَّ دخلت الأمارات
في أصول الفقه.
стр. 54
(فصل) (١)
الحكم: طلب الله لفعل عبده أو لتركه -وهو معنى الأمر والنهي والتحسين والتقبيح- أو تخييره.
وقالت المعتزلة: الفعل حسن وقبيح لذاته، والأمر والنهي لازمان، فقد يعلمان قبل الشرع.
ونقل عنهم: أن القبح خاصة صفة ذات؛ ونقل عكسه.
ثم الصفات عندهم قد تدرك:
* بضرورة العقل؛ كحسن الصدق النافع، وقبح الكذب الضار.
* وبنظره؛ كالصدق الضار، والكذب النافع.
* وبالسمع - لا العقل -؛ كالأمورات، والمنهيات التي لا يعقل معناها؛ لكن أحكام الشرع فيها تابعة للصفات التي استأثر الله بعلمها.
منعهم القاضي الضرورة؛ لمخالفة أهل السنة مع كثرتهم، والعادة تحيل الاختلاف في الضروري، كالاتفاق في النظري؛ فإذا بطلت الضرورة؛ بطل النظر المستند إليها.
قالوا: اتفقنا؛ والخلاف في المأخذ.
جاهرنا بخلافهم في إيلام البهائم والأطفال بلا عوض ولا جناية؛ فحسناه وقبحوه ضرورة.
стр. 55
وحَسَّنَّا كذبةً تُنَجِّي أُمَمًا، واسْتَدْلَلْنَا بتعاقل العقلاء؛ فَالْتَزَمَهُ بعضُهم، فلزمه تجويز الكذب على الله تعالى لحسنه (١): فتبلد.
* ثُمَّ التحقيق: تسليم الحُسنِ والقُبح شاهدًا، فلم يلزم في الغائب؟!
* ثُمَّ الفرق بضررنا وانتفاعنا، وتَقَدُّس الباري عن ذلك!
* ثُمَّ الوجوب لا يُعقل إلَّا بالوعيد، والوعيدُ غَيبُ.
قالوا: العقل يتقاضى الصدق! (٢)
* قلنا: بعد الشرع.
قالوا: يتقاضاه عند من لم تبلغه الدعوة (٣).
* قلنا: جهل (٤).
قالوا: ويتقاضاه عند مَنْ أنكر الشَّرعَ (٥).
* قلنا: جهل على جهل (٦).
стр. 56
* مَسْأَلَةُ على التَّنَزُّل (١):
شكر المُنعِم غير واجب عقلا؛ إذ لا يُفيد.
* قالوا: الثواب (٢).
* قلنا: لو انتفع المشكور.
* قالوا: فأمن العقاب؟ (٣)
* قلنا: الشَّكرُ بالعقاب أولى؛ إذ هو تصرف في ملك الغير بغير إذن. قاسوا الغائب على الشاهد.
فَرَّقْنَا بالانتفاع.
فَصْلٌ (٤)
* قالوا: لو انحصر الوجوب في الشرع: لا نفحم (٥) الرُّسُلُ؛ إذ يقول المدعو: «لا أنظر حتى يجبَ النَّظَرُ شَرعًا»، ويعكس (٦).
قلنا: مُشترك الإلزام؛ إذ يقول: «لا أنظر حتى يجب عقلا»، ويعكس؛ إذ ليس ضروريا.
стр. 57
* قالوا: يبعث للمدعوّ مَلَكُ يُردّده بين الخاطرين (١)، فيُرجح النَّظَرَ خوف العقاب.
قلنا: يُعلمُ (٢) عادةً كثرة الإضراب (٣).
* ثُمَّ كيف يُسمَع الملك بلا صوت على زعمكم؟! ولو سمع، فهو كالرسول.
* ثُمَّ هو مشترك الجواب.
* ثُمَّ التحقيق: أَنَّ النَّظر يجب بالتمكن، وهو شرط الوجوب، لا العلم بالوجوب.
* مَسْأَلَةٌ على التَّنَزْلِ (٤):
قال بَعْضُ المعتزلة: ما (لا نعقل) (٥) صِفته قبل الشرع محظور.
وقيل: مباح، فيلزمُ الأوَّلَ الأضداد المتقابلة؛ فإن عمم، كَلَّفَ ما لا يطاق؛ وإن خصص، تحكم (٦).
стр. 58
* قالوا: الإقدام تصرف في ملك الغير، فيقبحُ.
*قلنا: حاجة المتناول وغَناءُ المالك يحسنه؛ كقطرة لعطشان (١) من بحر لملك. والإباحة إن كانت التسوية: فمُسَلَّمَةٌ؛ وإن كان الإذنُ لعدم التَّضَرُّرِ: لزم إباحةُ كُلِّ فعل.
стр. 59
التَّكْلِيفُ (١)
قيل: «الطَّلب»؛ فيعم الأربعة.
وقيل: «الإلزام»، فيخرج الندب والكراهة. وعمَّم الأستاذ في الخمسة، ونُزِّلَ على أنَّ الإباحة يجب اعتقادها.
فصْل (٢)
يستحيل التكليف بالمستحيل، وأجازه الشَّيخُ، ونُقل عنه خلافٌ في وقوعه، وغَلِطَ النَّاقِلُ؛ فإنَّ كُلَّ تكليف عنده واقع بغير الممكن (٣) لوجهين:
* أحدهما: ثبوت التكليف قبل الفعل حيثُ لا قدرة، ولا يُغني تلبس المكلف بالضّدّ مع كون الأمر بالشَّيء نهياً عن الضّدّ؛ لبطلان هذه القاعدة.
* الثاني: أنَّ فعلَ العبد يقع بقدرةِ الرَّبِّ، ولا يُغني لفظ «الكسب».
ولا يَرِدُ على من منع التكليف بالمستحيل:
- تكليف أبي جهل بالتصديق في أنَّه لا يصدِّقُ؛ لأَنَّا نقول: إِنَّما كُلِّف التصديق مطلقا، وهو ممكن.
المانع: لو خُوطب لخوطب بالصحيح (١)، ولا صحة مع الكفر، فهو تكليف محال.
نقض: بأواخر العقائدِ، وبخطابِ المُحدث بالصَّلاةِ، وهو إجماع.
والحقُّ في الجميع: أنَّ الخطاب بالتوصل بالإيمان إلى الفروع، وبأوائل العقائد إلى أواخرها، وبالوضوء إلى الصَّلاةِ؛ توفيةً بالإجماع، وخلاصاً من تكليف المحال. ثُمَّ التَّارك معاقب على الشَّرطِ مباشرةً، وعلى المشروط لتركِ التَّوكَّلِ.
وقال أبو هاشم: ليس المحدث مخاطبًا بالصَّلاةِ.
فإن أثبت خطابه بالتوصل إليها، فصحيح؛ وإن نفاه ونفى العقاب عليها، خَرَقَ الإجماع.
فصْل (٢)
قال القاضي: العقلُ: عُلُومٌ بالوجوبِ، والجواز، والاستحالة؛ إذ لا يتصف بالعقل عار عنها (٣).
стр. 62
ونُقِضَ: بالعاقل الغافلِ، ثُمَّ لعلها شرط العقل، فلازمته نفيا.
وقال المحاسبي: غريزة (١) يتأتى بها دَرَكُ العلوم، وليس منها. واخْتِيرَ، إلا لفظ «الغريزة»، فيعوض بـ: «الصفة».
* مَسْأَلَةٌ (٢):
جَهِلَ (٣) السُّوفَصْطَائِيَّةُ (٤) العلم:
فقال بعضهم: نعلم ألَّا عِلم.
وبعضهم: لا علم (٥).
وبعضهم: المانع منه سيلان البشر.
وبعضهم: سوى بين العلم، والاعتقادين - الفاسد، والصحيح -.
стр. 63
فمن العلماء من لاحظ عِنادَهم، فأعرض عنهم؛ ومنهم مَنْ قَرَّبَ لهم بالأمثال.
فصل في حد العلم (١)
قيل: «تَبَيَّنُ المعلوم»، و «التَبَيَّنُ» يُشعر بسبق الإشكال، فيخرج «القديم».
وقال الشيخ: «ما يوجب لمن قام به كونه عالما».
وأبطل بدور الاشتقاق، وباطرادِه في كُلِّ صفةٍ.
وقال الأستاذ (٢): «ما يصح من المتصف به: الإحكام»، ويخرج منه كثير، وتدخل «القدرة».
وقالت المعتزلة: «اعتقاد الشيء على ما هو عليه مع الطمأنينة»، وهو أجنبي عن العلم.
وقال القاضي: «معرفة المعلوم على ما هو عليه»، وليس بمُبيِّنٍ (٣).
والحق: عُسْر تمييزه بلفظ؛ كتمييز الأرائح (٤)؛ غيرَ أَنَّ مُباينته للظَّنِّ، والشك، والجهلِ بَيِّنَةٌ، وأشبه شيء به: الاعتقاد الصحيح، وبينهما فروق:
стр. 64
* فمنها: مماثلة الاعتقاد الصحيح للجهل؛ كاعتقاد أن زيدًا في الدار، وهو فيها؛ فلو استمر هذا الاعتقاد، وقد خرج زيد: لكان الحال واحدًا، ولذلك قال أبو هاشم: «العقد الصحيح والجهلُ مِثْلانِ»، فنُسب إليه تسوية العلم بالجهل.
* ومنها: استناد (١) الاعتقاد لغير سبب (٢).
* ومنها: استلزام الاعتقادِ الحَرَجِ الصَّدْرِ، ومِن ثَمَّ اشْتُقَّ له [من] الربط؛ واستلزام «العلم» للانشراح، ومن ثَمَّ اشْتُقَّ اسمه من «الأعلم»، وهو: المشروحُ الشَّفَةِ (٣).
* ومنها: أَنَّ الشَّكَ لا يجامع سبب العلم، ويجامع سبب الاعتقاد.
ومتى شُكِّكَ العالم: فقد يَحُلُّ (٤) الشَّك بعبارته (٥)، وقد يفهم حَلَّه وتقصر عبارته، وقد لا يفهم حَلَّهُ، ولا يفارق علمه؛ غير أنه قد يلزم عن اعتقاد فاسد خلاف معلوم، فيتجاهل المعتقدُ لِجَاجًا على المعتقد، لا شكّا في المعلوم.
(والحق: أنَّ المدارك: الضرورةُ، والنَّظرُ، والتَّوقيف) (١):
* فالضروري: غير مقدور.
* والنظري؛ قيل: مقدور، والحقُّ: أنَّه غير مقدور؛ لوجوبه بالنظر. والنظر هو مرتبط التكليف والثَّوابِ، وفهمت المعتزلة ذلك، لكن زعمت من وجوب العلم بالنظرِ توليد النَّظرِ للعلم، فأخطأت.
ثُمَّ الأدلة العقلية عند المتكلمينَ أربعة:
فالأولُ: قياس الغائب على الشاهد، بجامع الحقيقة، أو العلة، أو الشَّرطِ، أو الدليل.
والقياس بغير جامع ذريعة التشبيه، والتعطيل.
الثَّاني: المقدّماتُ المنتجة.
الثَّالثُ: اعتبار المختلفِ بالمُتَّفَقِ.
الرابعُ: السَّبُرُ والتَّقسيم.
والحقُّ: غير ذلك:
أما القياسُ؛ فالمقتضي لحكم الأصل إن وُجد في الفرع، أغنى؛ وإن لم يوجد، فالحكم تحكم. والحقيقة والعِلَّةُ مُفرَّعتان (٢) على الحال، وهي باطلة.
стр. 67
والتقسيم غير المنحصر لا يُفيدُ؛ والمنحصر يتوقف على إبطال أحد القسمين.
فصل (١)
مراتب العلوم عند الأئمة عشر:
(العلم بالنفس) (٢) وبألمها، وباستحالة المستحيلات، وبالمحسوسات، وبالمتواترات، وبالصناعات، وبالعاديَّاتِ، وبالعقليَّاتِ، وبالنُّبوَّاتِ، وبالمعجزات (٣)، وبالسمعيات.
ثُمَّ الحواس:
قيل: سواء.
وقيل: بتقديم السمعِ، ثُمَّ البصر.
وقيل: بالعكس.
وقيل: بتقديم المعقول على المحسوس.
والحقُّ: أنَّ العلوم سواء، والطُّرُقُ متفاوتة.
стр. 68
فصل (١)
الحقائق، والأحكام العقلية، ووجود الباري تعالى، وحياته، وكلامه، وكل ما يتوقف الكلامُ عليه: مَدْرَكُها العقل خاصَّةً.
وتعيين أحد الجائزينِ مَدْرَكُهُ السَّمع خاصَّةً.
وما يتأخر عن ثبوت الكلام - كالرؤية، وخلق الأعمال - يُدرك بهما.
فصل (٢)
النَّظَرُ حاصله: تردُّد العقل (بين متقابلين، ثُمَّ جزمه بأحدهما؛ فيتردَّدُ العقل) (٣) - مثلاً -: «هل الحركة جائزة أم واجبة؟»، فيجزم بالجواز.
ثم يتردد: «هل يفتقر هذا الجائز إلى مقتض أم لا؟»، فيجزم بالافتقار … إلى منتهى قصده (٤).
فالنظري الآخِرُ كالضروري الأوَّلِ (٥).
فلو لم ينحصر بين متقابلين - كالنظر في مصحح الرؤية ـ، أو انحصر ولم يبطل أحدهما - كالنَّظرِ: «هل تخلو (٦) الجواهر عن الألوان أم لا؟» ــ،
стр. 69
فهذا من مواقف العقول كُلّها، وقد يتبلد العقل تارةً، فميّز بين وقوفه وتبلده!
ومن المواقف (١): الأحكامُ الإِلَهِيَّةُ إِلَّا جُمْلِيَّاتِها. وعلل الأوائل وقوف العقل في الإلهيَّاتِ بأنَّه جُزئي طبيعي، فيستحيل إدراكه لِكُلِّي وراءَ عالم الطبائع، وعَدُّوا دَرْكَ الخواص - كجَذب المغناطيس للحديد - من ذلك، وسيبه أنَّ الخاصة سلطنة نفسية وراء عالم الطبائع، ولا يثبت كونُ الخاصة من المواقف إلَّا بأنَّها لو كانت مجالاً للعقل لأدركها عقل ما، على تمادي الأعصار وتوالي الأفكار.
ومما يجب التنبيه عليه: التمييز:
بين الجواز، قسيم الاستحالة،
وبين الجواز بمعنى التَّردُّد.
مثال الأول: إمكان حركة الجسم.
ومثال الثاني: التَّرَدُّدُ في انحصار الأجناس - كالألوان ـ، وهو ثالث المذاهب فيها، واختار الإمام انحصارها؛ وإلا لزم أحد المحذورين:
* إما عدم تعلق العلم القديم بها.
* أو تعلقه بها والفرض أنها مختلفة غير منحصرة.
والأوَّلُ بين الاستحالة، والثاني مستحيل؛ لأنَّ استحالة حصر ما لا يتناهى من الأعداد النوعية بالعلم، كاستحالة حصره بالوجود. ولا تَرِدُ الآحاد
стр. 70
الشَّخصيَّةُ غير المتناهية؛ لأنَّ العلم يسترسل عليها؛ لاشتراكها في حقيقة واحدة (١).
قلتُ: حاكِي الضَّلالة ليس بضال، نعوذ بالله من ذلك.
فَصْلٌ (٢)
مدارك العلومِ الدِّينِيَّةِ ثلاثة:
* العقل؛ وبه يُستدل بحدوث العالم على وجود الصانع وصفاته.
* والعادة؛ وبها تدلُّ المعجزة على صدق الرسول.
* والسَّمعيَّاتُ؛ وهي أدلَّةُ الكلام القديم (٣)، كالكتاب والسنة والإجماع.
والبرهان على الكلام: أن الباري تعالى عالم، والعالم يُخبر عن معلومه لزومًا، ثُمَّ خبره صدق؛ إذ الكذب مفروض حادث.
وكيفية دلالة المعجزة - عادةً - أنَّ المعجزة:
стр. 71
- فعل الله (١) تعالى،
- خارق،
- مُطَابِقٌ لقول «النبي»،
- لا يُعارَضُ.
فهي بمثابة القائم بحضرة مَلِكِ قائلا: «أنا رسولُ الملك، بدليل أنَّه (٢) يقوم ويقعد خارقا لعادته»؛ فإذا فعل الملِكُ ذلك، واحتفت القرائن الحالية بِفِعْلِهِ: صُدَّق المدَّعِي قطعاً.
فإن قيل: الدَّلالة العادية يجوز العقل خُلْفَها، والجواز ينافي العلم.
قلنا: العِلْمُ يؤمن الخُلفَ، ومَن شَلَّ في صدق الأنبياء، فشكه، إمَّا أن ينبعث من شكه في الصانع، أو من اعتقاد أن المعجزة تخييل أو من آثارِ علم الخواص؛ فَمَنْ سَلِمَ عَلِمَ.
فإذا علم بالمعجزة صدق إخبارِ الرَّسولِ: فمن إخباره تُلقي الكتاب والسُّنَّةُ. ثُمَّ الإجماع مستند إليهما، وخبر الواحد والقياس: (كلاهما مستند للإجماع) (٣).
стр. 72
فَضْلٌ (١)
قال الأئمة: الدَّليل العقلي ما يقتضي النَّظرُ الصحيح فيه العلم، كالحدوث الدَّال على القدرة.
ودلالته لنفسه، ودلالة السمعي بالنصب.
ثُمَّ تتفاوت الأدلة العقلية بكثرة المقدّمات، (ويتفاوت النظار لتفاوت) (٢) الأفكار، والعلم واحد.
ثُمَّ ينقسم العقلي:
إلى المُسْتَد: وهو المفضي بنفسه إلى المطلوب.
وإلى الخُلْفِ: وهو إبطال أحد متقابلين لتعيين الآخر.
ويستعمل المستد في سائر العقليَّاتِ إِلَّا الأزليَّة، وإثبات الجوهر الفرد (٣).
стр. 73
البَيَانُ (١)
قيل: «إخراجُ الشَّيْءِ مِنْ حيّز الأشكال إلى حيّز التجلّي»، وألفاظه مستعارة (٢).
وقيل: «العلم»؛ وهو أجنبي.
وقيل: «الدليل»
ومراتبه عند الشافعي:
١ - النَّص المكشوف لكلّ أحدٍ، مثل: ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ (٣).
٢ - والواضح لأهل الشَّأْنِ - كآية الوضوء ..
٣ - والمُجمَلُ في القرآن، المبيَّنُ بالسُّنَّةِ - كآيةِ الزَّكَاةِ ..
٤ - وأخبار الآحاد، ومستندها الكتاب.
٥ - والقياس على المنصوص.
فالجميع آيلة إلى الكتاب.
стр. 74
واستدرك الأصبهاني (١) على الشافعي بالإجماع، ولا يندفع بإغناء النَّص عنه.
وقيل في ترتيبه: النَّص، والظَّاهِرُ، والمُجمَلُ ورد: بمناقضة الإجمال البيان.
وقيل: اللفظ، والفِعلُ، والإشارة، والكتابة، والمفهومان (٢)، والقياس.
والترتيب المختار: الكتاب، والسُّنَّةُ، والإجماع، والأمارات.
فصل (٣)
وتأخيره عن وقت الحاجة تكليف بالمحال.
وإلى وقت الحاجة واقع، وأحالته المعتزلة؛ تفريعا على اعتبارِ الصَّلاحِ، والقاعدة باطلة.
ولو سلمت، ففي التأخير صلاح؛ لتشوف (٤) النفوس.
ونقض عليهم بالنسخ - وهو بيان عندهم، والدليل لوقوعه آياتُ العبادات.
стр. 75
القَوْلُ فِي اللُّغَاتِ (١)
أهمل اللُّغويُّونَ ألفاظاً -استعملها الشَّرع كثيرًا- (وأصولا لغويَّة) (٢)، فاعتنى بها الأصوليون، وهذه مسائلها:
مَسْأَلَةٌ (٣):
اللغةُ، قيل: توقيف؛ لظاهر: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ (٤).
وقيل: مصطلحةٌ.
وقيل: الموصلة للاصطلاح توقيف.
والحق: أنَّ الجواز العقلي معلوم، والقاطع في الواقع معدوم.
مَسْأَلَةٌ (٥).
(لا قياس في الأسماء) (٦)؛ لأنَّها وضعيات، ولولا الإجماع لما قِسْنا