← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

الباب الأول: الباب التمهيدي ويشتمل على فصلين: الفصل الأول: في تعريف الوصية، وأدلتها، وحكمتها، وفضلها، وأنواعها، ووصية الضرار. الفصل الثاني: تاريخ الوصية، والفرق بينها وما يشبهها، وتقديم الدين عليها.

стр. 2382

الفصل الأول: تعريف الوصية، وأدلتها، وحكمتها، وفضلها، وأنواعها، ووصية الضرار وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف الوصية. المبحث الثاني: أدلة مشروعية الوصية. المبحث الثالث: حكمتها، وفضلها. المبحث الرابع: وصية الضرار.

стр. 2383

المبحث الأول: تعريف الوصية ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: تعريف الوصية لغة الوصية لغة: من الفعل الثلاثي وصى. قال ابن فارس: «الواو، والصاد، والحرف المعتل أصل واحد يدل على وصل شيء بشيء. وصيت الشيء: وصلته. ومنه وصيت الليلة باليوم: وصلتها وذلك في عمل تعمله، قال: والوصية من هذا القياس كأنه كلام يوصى، أي يوصل. يقال: وصَّيْتُه توصيةً، وأوصَيْتُه إيصاءً» (١). والظاهر من كلام ابن فارس: أنه لا يفرق بين وصى الثلاثي والرباعي، بل يرى أن المادة واحدة والمعنى واحد، وقد نقل الأزهري هذا القول عن أبي عبيد، واستدل له بقول ذي الرمة: نَصِي الليل بالأيام حتى صلاتنا ..... مقاسمة يشتق أنصافها السفر (٢).

стр. 2384

قال الأزهري: «والوصية: ما أوصيت به، وسُميت وصيةً لاتصالها بأمر الميت» (١). إلا أن أبا عبيدة لم يجزم بأن الوصية من وصى الثلاثي، وعلى هذا فالوصية يجوز فيها أن تكون مصدر (وصى) الثلاثي، أو اسم مصدر من (وصّى) الرباعي. الرباعي: مضاعفا أو مهموزا -وصّى وأوصى، أوصاه ووصاه توصية: عهد إليه. والاسم الوَصاةُ والوَصايةُ والوِصايةُ، والوصِيَّةُ أيضا ما أَوْصَيْتَ به. والوَصِيُّ: الذي يُوصي والذي يُوصى له وهو من الأضداد … الوَصِيُّ المُوصِي والمُوصَى، والأُنثى وَصِيٌّ وجمعُهما جميعاً أَوْصِياء، ومن العرب من لا يُثني الوَصِيَّ ولا يجمعه. وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ﴾ (٢) أي: يَفْرِضُ عليكم. وقولهُ تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ (٣) أي: أوصى به أَوَّلُهم آخِرَهُم (٤). والوصية أصلها وصيية بياءين أدغمت الياء في الياء، فصارت وصية وتجمع على وصايا، كعطية وعطايا، ومطية ومطايا. وهي في الأصل مصدر سماعي، كالقطيعة والنميمة، والفعل منها وصى يصي، مثل وعى يعي، أو اسم مصدر لأوصى يوصي -كعطية وهدية من أعطى وأهدى- لتضمنه معنى الفعل دون حروفه.

стр. 2385

وتطلق على الشيء الموصى به، فتكون فعيلة بمعنى مفعول كنطيحة وذبيح. ومن مجيئها مصدرا أو اسم مصدر قوله تعالى: ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ (١)، وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) أي فرض عليكم أن توصوا. ومثله قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) فالوصية هنا بمعنى الإيصاء؛ لأن الإشهاد المطلوب إنما يكون على الإيصاء وعند وقوعه. ومن استعمالها بمعنى المفعول أي الموصى به، قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ (٤) أي من بعد إخراج الموصى به، وليس المراد من بعد الإيصاء؛ لأن الإرث لا يكون عقب الإيصاء، ويحتمل من بعد تنفيذ وصية، فتكون الوصية بمعناها المصدري. والوصية تطلق على عدة معان: فترد بمعنى الإيصال: يقال: وصيت الشيء بالشيء إذا وصلته به، ومنه قولهم: أرض واصية: أي متصلة النبات. وبمعنى الأمر: والفعل منه وصّى مشددا، وأوصى، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (٥)، وقوله تعالى:

стр. 2386

﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٢). وبمعنى الاستعطاف: يقال أوصيته بولده إذا استعطفته عليه، ومنه: (١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق ميسرة، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت، واستوصوا بالنساء، فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، استوصوا بالنساء خيرا» (٣). وبمعنى الإعطاء: يقال: وصيت إلى فلان، وأوصيت إليه بكذا إذا جعلته له، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (٤) قرئ مشدداً من وصّى، ومخففا من أوصى. وبمعنى العهد، قال ابن منظور: «أوصى الرجلَ ووَصَّاه عَهِدَ إليه … وأَوْصَيْتُ له بشيء وأوْصَيْتُ إليه إذا جعلتَه وَصِيَّكَ وأَوْصَيْتُه ووَصَّيْته إِيصاء وتَوْصِيةً بمعنى، وتَواصى القومُ أَي أوصى بعضهم بعضاً» (٥). وبمعنى الفرض: كما في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦). وقد جاء استعمال هذه المادة في القرآن في أمرين:

стр. 2387

الأول: الطلب حال الحياة ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (١)، ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ (٢). الثاني: الطلب بعد الموت ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ (٣)، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤). المطلب الثاني: تعريف الوصية اصطلاحاً اختلف العلماء في تعريف الوصية اصطلاحا بناء على خلافهم في اعتبار شروطها وتعدادها، وغير ذلك من مسائل لها أثر في أحكامها. فمن تعاريف الحنفية: تعريف الكاساني: بأنها اسم لما أوجبه الموصي في ماله بعد موته (٥). واعتُرض عليه: بأنه غير جامع؛ لأنه لا يتناول الوصية بالقُرَب الواجبة كالحج، والكفارة، والزكاة؛ لأنه لم يوجبها بنفسه، بل واجبة بإيجاب الشرع. ورد: بأن قوله: «ما أوجبه» عام يشمل القرب الواجبة. ومن تعاريفهم: تعريف صاحب الدر المختار، وصاحب الكنز: «تمليك

стр. 2388

مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع، سواء كان ذلك في المنافع أو الأعيان» (١). قوله: «تمليك» جنس يشمل كل أنواع التمليك: تمليك الأعيان والمنافع، والتمليك بعوض وبدونه، والتمليك الناجز، والمضاف لأجل، أو لما بعد الموت. قوله: «مضاف إلى ما بعد الموت … » أي: أن أثره متوقف على الموت، فلا ينقل ملك الموصى به إلى الموصى له إلا بعد موت الموصي. وخرج بقوله: «مضاف لما بعد الموت» العقود المفيدة للتمليك الناجز في الحياة، مثل الهبة والبيع، وما شابه ذلك. والعقود المفيدة للتمليك المضاف لغير الموت، كالإجارة المؤجلة، مثل أن يكري أرضه في سنة تسعين لمن يزرعها سنة واحد وتسعين. قوله: «بطريق التبرع» احترز به عن الإقرار بالدين لأجنبي، فإنه تمليك للدين بعد الموت، إلا أنه ليس بطريق التبرع. وقوله: «بطريق التبرع» خرج به التمليك بعوض، كالبيع والإجارة، ونحو ذلك. قوله: «في المنافع والأعيان» قيد لبيان الواقع، فهو تنبيه على متعلق الوصية، ويندرج في العين: العين الموجودة منها بالفعل كالشجرة، والعين الموجودة بالقوة كالثمرة المتجددة، ويندرج في المنفعة: المنفعة المؤبدة، والمؤقتة، والمطلقة. واعتُرض على هذا التعريف: أنه غير جامع، ولا مانع. غير جامع؛ لأنه لا يشمل الوصايا التالية:

стр. 2389

١ - الوصية لمن لا يتأتى منه الملك كالمساجد ونحو ذلك؛ لأن قوله: «تمليك» يقتضي مملكا له، وهذه الجمادات لا تملك؛ لانتفاء شرط الملك فيها. ٢ - الوصية بالإسقاطات المحضة التي لا تمليك فيها، مثل الوصية بإبراء الكافل من الكفالة. ٣ - الوصية بالواجبات من زكاة وكفارة، ونحوها؛ لأنها لا تبرع فيها، فتخرج بقوله: «بطريق التبرع». ٤ - الوصية بالحقوق المتعلقة بالمال، وليست مالا ولا منفعة، ولا إسقاطا، كتأجيل الدين الحال، والوصية ببيع عقاره مثلا من فلان. وغير مانع؛ لشموله: ١ - التدبير؛ لأن السيد يملك فيه عبده لنفسه بعد موته، فيصدق عليه أنه تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع، فيدخل في تعريف الوصية وليس منها. ٢ - أنه جعل الوصية تمليكا والتمليك يستلزم لزوم ما ملك للغير ساعة وقوعه، والوصية ليس كذلك؛ لأنها لا لزوم فيها إلا بالموت. ٣ - اشتمال التعريف على حشو لا حاجة إليه، وهو قوله: «بطريق التبرع»؛ لأن المقصود من زيادتها هو إخراج الإقرار بالدين كما قيل، في حين أن الإقرار بالدين خارج بقوله تمليك؛ لأن المقر لا يملك بالمقر له شيئا، فالدين المقر به ثابت للدائن، مملوك له قبل إقرار المدين به. ومن تعاريف المالكية: بأنها ثلث مال عاقده يلزم بموته، أو نيابة عنه بعده (١).

стр. 2390

ومن تعاريفهم: بأنها تبرع بالمال بعد الموت. ومنها: ما عرف به ابن عرفة: «الوصية عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته، أو نيابة عنه بعد موته». قوله: «عقد» صريح في أن الوصية عقد وليست وعدا. قوله: «يوجب حقا في ثلث عاقده» يخرج به: ١ - العقود التي توجب حقا في رأس المال، مثل البيع والهبة، وغير ذلك. ٢ - العقود التي لا توجب شيئا في مال عاقدها، مثل تبرع الزوجة بأكثر من ثلثها، فإنه عقد لا يوجب شيئا في ثلثها عند المالكية؛ لأن الزوج له رد الجميع. وخرج بقوله: «يلزم بموته» هبة الزوجة وتبرعها بثلث مالها فأقل، وهبة الإنسان ثلث ماله لغيره في حياته، فلا يسمى ذلك وصية؛ لأنها تلزم بمجرد العقد، ولا تتوقف على موت العاقد، بخلاف الوصية فإنها تلزم بالموت (١). وقوله: «أو نيابة عنه» هذا معطوف على قوله: «حقا» وجاء بحرف أو العاطفة المفيدة للتنويع، ليفيد أن الوصية عند الفقهاء نوعان: وصية المال: وهي التي توجب حقا في ثلث العاقد بموته، ووصيته بالنظر: وهي التي توجب نيابة عن عاقدها بعد موته. واحترز بقوله: «نيابة بعد موته» عما يوجب نيابة عنه في حياته، فهي وكالة، وليست وصية. واعتُرض على هذا التعريف: أولاً: أنه غير مانع، ولا جامع:

стр. 2391

أما كونه غير مانع؛ فلشموله للتدبير، فإنه عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته، فيدخل في تعريف الوصية وليس منها (١). وأما كونه غير جامع؛ فلأنه لا يشمل كثيرا من الوصايا، منها: ١ - الوصية التي التزم فيها الموصي عدم الرجوع؛ فإنها تلزم عند ابن عرفة ومن وافقه بالعقد، ولا تتوقف على موت عاقدها، فتخرج بقوله: «يلزم بموته»؛ لأن معناه لا تلزم إلا بموته للضابط: أن القيود في التعاريف تفيد الحصر. ٢ - الوصية بالدين؛ لأنها تلزم بمجرد الإيصاء به، ولا تتوقف على موت الموصي أيضا (٢). ٣ - الوصية لمعين، فإنها لا تلزم إلا بقبوله، كما قال في التلقين: «وتجب الوصية بموت الموصي وقبول الموصى له بعد» (٣) سواء قيل إن القبول ركن أو شرط، في حين ظاهر قوله «ويلزم بموته» أنها تلزم بمجرد الموت، فتخرج هذه الوصية، وتبقى الوصية لغير معين أو لمن لا يتأتى منه القبول، للزومها بمجرد الموت (٤). ثانياً: اعتباره الوصية عقدا مع أنها في نشأتها لا تتوقف على إرادتين، وإنما على إرادة الموصي وحده. وقد أجيب عن الاعتراضات بما يلي: أما الاعتراض المتمثل في دخول التدبير في التعريف، فالصواب عدم

стр. 2392

شمول التعريف له؛ لأنه يلزم بمجرد إنشائه وعقده، لا بموت عاقده، ولذلك لا رجوع فيه (١). وأما الاعتراض بخروج الوصية الملتزم فيها بعدم الرجوع، فالجواب عنه من وجهين (٢): الأول: أن الأصل في الوصية عدم اللزوم إلا بالموت، ولزومها في تلك الحالة لأمر عارض لها، وهو التزام الموصي عدم الرجوع، فهو كعقد ثان طارئ على الوصية صيرها لازمة. الثاني: أن الوصية المذكورة مختلف في لزومها، والتعريف موضوع لما هو أعم من الوصية المتفق عليها، والمختلف فيها، أو بعبارة أخرى التعريف موضوع للوصية المجردة عن انضمام أمر آخر إليها (٣). كما أنه يمكن القول: إنه لا مجال لهذا الاعتراض بعدما أصبح المعمول به عدم لزوم هذه الوصية، وصحة الرجوع فيها وإن التزم عدم الرجوع. وأما الاعتراض على اعتبار الوصية عقدا فغير مسلم، فإن العقد في الشريعة يطلق على ما أنشئ بإرادة واحدة، وعلى ما أنشئ بإرادتين، ومن الأول قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ (٤)، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ (٥)، ويشمل النوعين قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٦) ولهذا قسم الفقهاء العقد إلى قسمين (٧).

стр. 2393

وبهذا يتبين أنه لا حاجة لما ذكره بعض المتأخرين من أن الفقهاء نظروا إلى مآل الوصية فسموها عقدًا (١) على أن هذا لا يصح أيضاً؛ لأن من الوصايا ما لا يحتاج إلى قبول أصلا، لا ابتداء ولا بعد الموت، كالوصايا للفقراء، ومن لا يتأتى منه القبول. وأجيب عن هذا الاعتراض: بخروج الوصية بالدين من التعريف، فهو اعتراض في غير محله؛ لأن الوصية بالدين هي إقرار، وليست وصية، وإطلاق لفظ الوصية عليها مجاز، فيجب إخراجها من تعريف الوصية، ولهذا إذا أقر المدين بالدين فإنه يلزمه بمجرد إقراره، ويخرج من رأس المال، ولا يتوقف على موت الموصي؛ لأنه إقرار فيعطي حكمه، لا حكم الوصية (٢). ومن تعاريف الشافعية: «تبرع بحق مضاف إلى ما بعد الموت ولو تقديرا، ليس بتدبير، ولا تعليق عتق على صفة» (٣). قوله: «تبرع» لفظ التبرع أخص من لفظ التمليك؛ لأنه شامل للتمليك بعوض، وبغير عوض، فخرج منه: التمليك بطريق المعاوضة، من بيع وإجارة، وغير ذلك من المعاوضات. وبقي داخلا في التعريف جميع التبرعات من هبة، أو صدقة، أو وقف. قوله: «مضاف لما بعد الموت» خرج به: التبرع الناجز في الحياة، من هبة وصدقة، وغيرهما. وقوله: «ولو تقديراً» لأجل الشُّمُول نحو أوْصَيْت له بكذا، فإنَّ بعد الموت مُقَدَّرًا معه، وقول بعضهم: ليشمل التبرع في مرض الموت فإنه مُعْتَبَر

стр. 2394

من الثُّلُث فيه نظر، وغير مستقيم؛ لأنّه ليس وصيَّة وإن كان له حُكمها فيما ذُكِر (١). قوله: «ليس بتدبير ولا تعليق .... » خرج به التدبير، والعتق المعلق على صفة. والتدبير: هو تعليق عتق العبد على موت سيده، وتعليق العتق على صفة هو تعليق عتق العبد على صفة غير موت سيده، كأن يقول له: إن حفظت القرآن فأنت حر بعد موتي. ويدخل في هذا التعريف الوصية بالأعيان والمنافع، وبالإبراء من الدين، وتأجيل الدين الحال، وإبراء الكفيل من الكفالة، وغير ذلك من الحقوق القابلة للنقل، للإطلاق في لفظ الحق في التعريف فيشمل جميع الحقوق. واعترض على هذا التعريف: أنه من باب ما يعرف عندهم بالحد التركيبي، وهو من العيوب التي يجب تجنبها في التعاريف، وذلك أن تعريف الوصية تتوقف معرفته على معرفة تعريف التدبير والعتق على صفة، فهو تعريف متوقف على تعريفين آخرين، وهو عيب في التعاريف؛ لأن توقف معرفة التعريف المطلوب على معرفة تعريف آخر، ينقل القارئ من موضوع إلى موضوع، ويبعده عن مقصوده أو يشغله عنه، ويشتت مجهوده وفكره (٢). ومن تعاريف الحنابلة: بأنها الأمر بالتصرف بعد الموت، أو التبرع بالمال بعده (٣).

стр. 2395

قوله: «التصرف بعد الموت» كأن يوصي إلى إنسان بتزويج بناته، أو غسله، أو الصلاة عليه إماما، أو القيام على صغار أولاده، أو تفرقة ثلثه ونحوه (١). وخرج بقوله: «بعد الموت» الوكالة (٢). وقوله: «التبرع بالمال بعده» أي بعد موت الموصي؛ ليخرج الهبة ونحوها من عقود التبرع التي تكون قبل الموت. واعترض على هذا التعريف بما يلي: أولاً: ما فيه من التكرار بقوله «بعده» أي بعد الموت. ثانياً: قوله: «التبرع بالمال» خرج به الحقوق المتعلقة بالمال كالوصية بتأجيل الدين، وإبراء الكفيل من الكفالة. فاستعمال لفظ المال ضيق من مجال الوصية، فلم يعد شاملا إلا للوصايا بالمال من أعيان ومنافع وديون، ولا يشمل الوصية بغير المال مثل تأجيل الدين الحال، وإبراء الكفيل من الكفالة إلا بتكلف. وأجيب عن هذا: بأن هذا داخل في قولهم: «الأمر بالتصرف». ومن تعاريفهم ما ذكره أبو الخطاب: بأنها تبرع بما يقف نفوذه على خروجه من الثلث (٣). التعريف المختار: الذي يظهر أنه أقرب التعاريف لمعنى الوصية، وأسلمها من الاعتراضات هو «تعريف الحنابلة»، ولشموله معنى الإيصاء. الصلة بين المعنى اللغوي، والمعنى الاصطلاحي: قلنا في المعنى اللغوي أن أصل مادة «الوصية» ينبئ عن الوصول

стр. 2396

والاتصال، وعلى هذا فالصلة بين المعنيين ظاهرة وواضحة؛ لأن الموصي بوصيته وصل ما يكون بعد وفاته بما كان منه أيام حياته من البر وفعل الخير. تنبيه: فرق كثير من الفقهاء بين الوصية والإيصاء، فالوصية كما سبق تعريفها، والإيصاء: إثبات تصرف مضاف لما بعد الموت ولو تقديرا وإن لم يكن فيه تبرع، كالإيصاء بالقيام على أمر أطفاله، ورد ودائعه، وقضاء ديونه، فإنه لا تبرع في شيء من ذلك بخلاف الوصية، فإنه لا بد فيها من التبرع (١).

стр. 2397

المبحث الثاني: أدلة مشروعية الوصية الوصية مشروعة بالكتاب، والسنة، والإجماع، والنظر الصحيح. فمن الكتاب: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). قال القرطبي بعد ذكر هذه الآية: «هذه آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي النساء ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ﴾ (٢)، وفي المائدة ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (٣)، والتي في البقرة أتمها وأكملها، ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث» (٤). وجه الدلالة: من قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ ..... ﴾ (٥) الآية، من وجهين: الأول: أن معنى كتب فرض وألزم، ولا بد أن يكون ما فرضه الله مشروعاً. الثاني: أن الآية دلت على حرمة التغيير والتبديل في الوصية، بدليل ترتيب الإثم على ذلك، فدل ذلك على مشروعيتها؛ لأنها لو لم تشرع لما حرم تبديلها. ووجه الدلالة من قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦)

стр. 2398

من وجهين: الأول: أنه تعالى حث المؤمنين على الإشهاد على الوصية، فدل ذلك على مشروعيتها؛ إذ الحث على شيء له متعلق يدل على مشروعية متعلقه، كما يدل على مشروعيته. الثاني: أنه سبحانه نزّل الإشهاد من الوصية منزلة الحكم على موضوعه ولما كان الإشهاد مندوباً إليه كان مشروعاً، فعلم بذلك أن موضوعه كذلك، وإلا فليس بمعقول جعل ما ليس بمشروع موضوعاً لما هو مشروع. ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى في سياق آيتي المواريث من سورة النساء: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١). ووجه الاستدلال بهذه الآية: أنه قرن الوصية بالدين الواجب الأداء، فدل ذلك على جوازها بالمعنى الأعم، وقدمت الوصية على الدين؛ للاهتمام بشأنها، ولأن النفس قد لا تسمح بها؛ لكونها تبرعاً، أو لأنها كانت على وجه البر والصلة، والدين يقع بعد الميت بنوع تفريط، فبدأ بالوصية لكونها أفضل، أو لأنها حظ الفقير غالباً، والدين حظ الغريم، ويطلبه بالقوة، أو لأجل ذلك كله، وإلا فإن الدين مقدم عليها شرعاً بعد مؤنة التجهيز بلا نزاع (٢). ومن السنة: (١) فقد روى البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٣).

стр. 2399

أي ما الحزم أو المعروف من الأخلاق إلا هذا، فقد يفجؤه الموت (١). (٢) وروى البخاري ومسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ يعودني عام حجة الوداع من وجع اشتد بي، فقلت: إني قد بلغ بي من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: «لا» فقلت: بالشطر؟ فقال: «لا» ثم قال: «الثلث والثلث كبير أو كثير " (٢). (٣) ما رواه ابن ماجه من طريق طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم» (٣).

стр. 2400

وأما الإجماع: فقد نقل الإجماع ابن المنذر، وابن حزم (١)، وغيرهما. قال ابن المنذر: «وأجمعوا على أن الوصية لوالدين لا يرثان المرء، والأقرباء الذين لا يرثون جائزة، وأجمعوا على أنه لا وصية لوارث إلا أن يجيز ذلك، وأجمعوا على أن الوصايا مقصورة بها على ثلث مال العبد» (٢). قال في تبيين الحقائق: «إن عليه إجماع الأمة» (٣). وقال ابن قدامة: «وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصيَّة» (٤). وأما النظر الصحيح: فقد أجازها الشارع لحاجة الناس إليها؛ لأن الإنسان مغرور بأمله، مُقَصّر في عمله، فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير بماله على وجه لو تحقق ما كان يخافه يحصل مقصوده المآلي، ولو اتسع الوقت وأحوجه إلى الانتفاع به صرفه إلى حاجته الحالي، فشرعها الشارع تمكينا منه جل وعلا من العمل الصالح وقضاء لحاجته عند احتياجه إلى تحصيل المصالح، ومثله الإجارة لا تجوز قياسا لما فيها من إضافة تمليك المنافع إلى ما يستقبل من الزمان،

стр. 2401

وأجازها الشارع للضرورة، وقد يبقى الملك بعد الموت باعتبار الحاجة كما بقي في قدر التجهيز والدين (١). وقال الشعبي: «من أوصى بوصيَّة، فلم يجر، ولم يَحُفَّ، كان له من الأجر مثل ما لو أعطاها وهو صحيح» (٢). فرع: الوصية على وفق القياس. ذكر الحنفية: أن الوصية على خلاف القياس؛ لما فيه من صرف التركة عن أهلها؛ ولأنها تمليك مضاف لما بعد الموت، والموت مانع من الملك مزيل له، فلا يتصور وقوع التصرف بعد الموت (٣). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وحيث علمنا أن النص جاء بخلاف قياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم، فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا، لكن فيها ما يخالف القياس الفاسد، وإن كان من الناس من لا يعلم فساده» (٤). قال ابن القيم: «وسألت شيخنا قدس الله روحه عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم هذا خلاف القياس؛ لما ثبت بالنص أو قول الصحابة أو بعضهم وربما كان مجمعا عليه، كقولهم طهارة الماء إذا وقعت فيه نجاسة على خلاف القياس ...... والقرض، وصحة صوم الآكل الناسي، والمضي في الحج الفاسد كل ذلك على خلاف القياس، فهل ذلك صواب أم لا؟

стр. 2402

فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وأنا أذكر ما حصلته من جوابه بخطه ولفظه: أصل هذا أن تعلم أن لفظ القياس لفظ مجمل يدخل فيه القياس الصحيح والفاسد، والصحيح هو الذي وردت به الشريعة، وهو الجمع بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، فالأول قياس الطرد، والثاني قياس العكس، وهو من العدل الذي بعث الله به نبيه ﷺ ، فالقياس الصحيح مثل أن تكون العلة التي علق بها الحكم في الأصل موجودة في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها، ومثل هذا القياس لا تأتي الشريعة بخلافه قط، وكذلك القياس بإلغاء الفارق وهو أن لا يكون بين الصورتين فرق مؤثر في الشرع، فمثل هذا القياس أيضا لا تأتي الشريعة بخلافه، وحيث جاءت الشريعة باختصاص بعض الأحكام بحكم يفارق به نظائره فلا بد أن يختص ذلك النوع بوصف يوجب اختصاصه بالحكم ويمنع مساواته لغيره، لكن الوصف الذي اختص به ذلك النوع قد يظهر لبعض الناس، وقد لا يظهر وليس من شرط القياس الصحيح أن يعلم صحته كل أحد، فمن رأى شيئا من الشريعة مخالفا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه ليس مخالفا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر، وحيث علمنا أن النص ورد بخلاف قياس علمنا قطعا أنه قياس فاسد بمعنى أن صورة النص امتازت عن تلك الصور التي يظن أنها مثلها بوصف أوجب تخصيص الشارع لها بذلك الحكم، فليس في الشريعة ما يخالف قياسا صحيحا، ولكن يخالف القياس الفاسد، وإن كان بعض الناس لا يعلم فساده» (١).

стр. 2403

المبحث الثالث: حكمتها، وفضلها حكمة مشروعية الوصية: اقتضت حكمة الله في تشريعه مراعاة مصالح العباد، فلم يشرع شيئا إلا وفيه جلب مصلحة لهم، أو دفع مفسدة عنهم، ومن ذلك شرعت الوصية؛ لحكم جليلة، ومقاصد سامية، وأهداف نبيلة تجمع بين مصالح العباد في الدنيا ورجاء الثواب في الآخرة. فمن ذلك: لطف الله بعباده أن أباح لهم من أموالهم عند خروجهم من الدنيا ما يتزودون منها لآخرتهم، ويكسبون الأجر من الله ؛ لأن الإنسان إذا مات انقطع عمله وقدرته على المال تبرعاً وصدقة، وشرع الله انتقاله إلى ورثته وهم أقرباؤه ومحل إيثاره. غير أن من الناس من تدعوه ظروفه وصِلاته بغير أهله إلى أن يكافئ من أسدى إليه معروفا، أو فرج عنه كربة لم تتح له الفرصة في حياته برد الجميل والإحسان. كما أن الإنسان مغرور بأمله مقصر في عمله، فإذا عرض له المرض وخاف الموت احتاج إلى تلافي بعض ما بدر منه من تفريط. قال الزيلعي: «إن الوصية شرعت لحاجة الناس إليها؛ لأن الإنسان مغرور بأمله، مقصر في علمه، فإذا عرض له عارض وخاف الهلاك، فإنه يحتاج إلى تلافي ما فاته من التقصير، وبالوصية يحصل مقصوده إذا تحقق ما كان يخافه، ولو اتسع له الوقت واحتاج إلى الانتفاع بماله صرفه إلى

стр. 2404

حاجته، شرعها الشارع تمكينا من العمل الصالح، وقضاء لحاجته عند احتياجه إلى تحصيل المصالح» (١). قال الكساني: «فإن الإنسان يحتاج إلى أن يكون ختم عمله بالقربى زيادة على القرب السابقة على ما نطق به الحديث .... ، فشرع الله له الوصية لتدارك ما فاته، فإذا أوصى بجزء من ماله ثم مات فقد فعل ما يرضى ضميره وما ينفعه في آخرته، وإن لم يمت أمكنه أن يتدارك الأمر» (٢). وأما فضلها: فمنها: الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله ﷺ كما تقدم في أدلة الوصية. ومن ذلك: تكفير الذنوب والسيئات، والموت على السنة والتقوى: (٥) فقد روى ابن ماجه من طريق بقية، عن أبي حلبس، عن خليد بن أبي خليد، عن معاوية بن قرة، عن أبيه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حضرته الوفاة فأوصى، فكانت وصيته على كتاب الله، كانت كفارة لما ترك من زكاته في حياته» (٣). (٦) ولما رواه ابن ماجه من طريق بقية بن الوليد، عن يزيد بن عوف، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات على وصية مات على سبيل وسنة، ومات على تقى وشهادة، ومات مغفورا له» (٤).

стр. 2405

(٧) ولما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَع به، أو ولد صالح يدعو له " (١). (٨) ولما روى البخاري ومسلم من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنَّه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: " كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلًا، وكان أحبَّ أمواله إليه بَيْرُحَاء، وكانت مُسْتَقْبِلَة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدْخُلُهَا، ويشرب من مَاء فيها طَيِّب، فلمَّا أُنْزِلَتْ ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إِنَّ الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله، أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله، قال: فقال رسول الله ﷺ : «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه " (٣).

стр. 2406

المبحث الرابع: وصية الضرار هي التي يقصد منها الموصي حرمان ورثته من التركة، أو من بعض حقهم فيها، وذلك بأن يوصي بجميع ماله، أو بأكثر من الثلث، أو لوارث، أو يقر بدين حال مرضه وهو كاذب فيه، أو غير ذلك من المقاصد التي يكون الباعث عليها المضارة بالورثة لا قصد البر والتقرب إلى الله . والله حينما جعل للإنسان حقا معلوما في ماله عند مفارقته الحياة -تفضلا منه وإحسانا- إنما جعله ليتدارك ما عساه أن يكون قد فرط فيه أيام حياته من القرب، وليصل بالمودة من يريد صلته، زيادة في الأجر والثواب، ولم يجعل له هذا الحق لكي يضار به ورثته أو يورث به بينهم العداوة والبغضاء ويدل لهذا: ١ - الله حينما أمر بالوصية جعلها قائمة على العدل والقسط، فقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١)، والمعروف هو: العدل الذي لا وكس فيه ولا شطط، بل عرفه الشرع ولم ينكره. ٢ - أنه نهى عن الضرار في الوصية آخر آيات المواريث فقال: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٢)،

стр. 2407

وحرم الضرار في مواضع متنوعة مما يدل على تحريمه على وجه الإطلاق كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ (٣) (٤). ٣ - ونهى ﷺ عن الضرار مطلقاً فقال: (٩) ما رواه أحمد من طريق جابر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " (٥).

стр. 2408

فيدخل في عمومه ضرار الوصية. (١٠) ٤ - ما رواه الدارقطني من طريق بكر بن سهل، نا عبد الله بن يوسف، نا عمر بن المغيرة، نا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ قال: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (١). (١١) ٥ - ما رواه الإمام أحمد من طريق شهر بن حوشب، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله، فيدخل النار،

стр. 2409

وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة " قال: ثم يقول أبو هريرة: "واقرؤوا إن شئتم: (تلك حدود الله) إلى قوله: (وله عذاب مهين) [النساء: ١٤] " (١). (١٢) ٦ - ما رواه مسلم من طريق أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵁ «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» (٢). وفسر هذا القول بأنه قال: «لو علمت بذلك ما صليت عليه». (١٣) ٧ - ما رواه سعيد بن منصور من طريق داود، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: «الحيف والجنف في الوصية، والإضرار فيها من الكبائر» (٣).

стр. 2410

(إسناده صحيح) إلى غير ذلك من النصوص المأثورة في هذا الباب.

стр. 2411

الفصل الثاني: تاريخ الوصية، والفرق بينها وبين ما يشبهها، وتقديم الدين عليها وفيه مباحث: المبحث الأول: تاريخ الوصية. المبحث الثاني: الفرق بين الوصية والهبة، والعطية، والوقف، والميراث، والإقرار بالمال. المبحث الثالث: تقديم الدين على الوصية.

стр. 2412

المبحث الأول: تاريخ الوصية الوصية قديمة ضاربة في القدم، عرفها البابليون وقدماء المصريين، كما عرفها اليهود الأقدمون، والرومان من بعدهم، والعرب في جاهليتهم قبل مجيء الإسلام إليهم (١)، ومن أشهر وصاياهم توصية نزار بن معد بن عدنان إذ أوصي لابنه مضر بالحمراء، ولابنه ربيعة بالفرس، ولابنه أنمار بالحمار، ولابنه إياد بالخادم، وجعل القسمة في ذلك للأفعى الجرهمي (٢). وقد مرت الوصية بمراحل متعددة، وأطوار مختلفة، قبل مجيء الإسلام، فقد عرفت في مراحلها الأولى على عهد البابليين والمصريين حرية واسعة في المقدار والمصرف، وأخذت صفة الحق المطلق يتمتع به من له حق الملكية في تلك المجتمعات، وكان باستطاعته أن يوصي بما شاء من أملاكه لمن شاء وكان بإمكانه أن يحرم ورثته وأهله من جميع ثروته ويوصي بها لغيرهم، واستمر الأمر على ذلك على عهد اليهود والرومان، وإلى أن جاءت شريعة (فالسيذيا) ٤٠ ق فحدت من هذه الحرية، وأدخلت على الوصية بعض القيود، وحددتها في ثلاثة أرباع التركة، واحتفظت بالربع للورثة (٣). وبقي المجتمع العربي الجاهلي على جاهليته لا يعرف للوصية حدوداً في مصرفها ولا قدرها، وربما يوصي الواحد منهم للأباعد ويدع أقاربه حباً في

стр. 2413

الشهرة تارة، وكراهية لأقاربه تارة أخرى، فالوصية تسير مع ما تربو عليه من الفخر والخيلاء، إلى أن جاء الإسلام فجعل الوصية حقاً من حقوق الميت في ماله بعد موته في حدود الثلث لغير وارث والباقي لورثته كما جاء في حديث سعد ﵁، فقد روى البخاري ومسلم من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ يعودني وأنا مريض بمكة، فقلت: لي مال أُوصي بمالي كله؟ قال: «لا» قلت: فالشطر؟ قال: «لا» ثم قلت: فالثلث، قال: «الثلث والثلث كثير " (١). (١٤) ولما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا إسماعيل، عن شرحبيل بن مسلم قال: سمعت أبا أمامة الباهلي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " (٢).

стр. 2414

فنظم قدرها ومصرفها، ووضع حدا لفوضى الظلم التي عرفتها الوصية، فقضى بذلك على الظلم والحيف الذي عاش فيهما الورثة والأقارب دهوراً طويلة قبل مجيء الإسلام، وكانت أول وصية في الإسلام وصية البراء بن معرور ﵁، (١٥) روى ابن المنذر من طريق عبد العزيز بن محمد، عن يحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة سأل عن البراء بن معرور فقيل له: " إنه قد هلك، وقد أوصى لك بثلث ماله … " (١).

стр. 2415

وكان ذلك قبل الهجرة بشهر، فقبلها الرسول ﷺ ، وردها على ورثته، ونزلت بعد ذلك آية الوصية من سورة البقرة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (١). ثم نسخ ذلك بآية المواريث، كما يأتي تحقيقه إن شاء الله. وذهب بعض الفقهاء: إلى أن الوصية من خصائص هذه الأمة حباها الله بها، كما حباها بخصائص أخرى، تشريفا لها على من سبقها من الأمم قبلها، وربما أخذوا هذا: مما رواه ابن ماجه من طريق وكيع، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم" (٢). لكن الحديث ضعيف، وأيضاً تقدم ما يدل على وجود الوصية قبل الإسلام.

стр. 2416

المبحث الثاني: الفرق بين الوصية والهبة، والعطية، والوقف، والميراث، والإقرار بالمال وفيه مطالب: المطلب الأول: الفرق بين الوصية والهبة الوصية والهبة يجتمعان في كونهما عقدي تبرع يثبت لهما أحكام التبرعات في الجملة. ويفترقان في عدة أمور منها: ١ - أن الهبة هي التبرع بالمال حال الحياة والصحة، والوصية هي التبرع به بعد الموت، أو ما في حكم الوصية، كالتبرع في مرض الموت. ٢ - أن الهبة يعتبر لها القبول من حينها؛ لأنها تمليك في الحال، والوصية محل قبولها بعد الموت؛ لأنها تمليك بعده (١). ٣ - أن الوصية لا تكون إلا في الثلث فأقل لغير وارث، والهبة لا حد لها، وتكون لوارث ولغيره. ٤ - أن الوصية يقدم عليها الدين، أما الهبة فإن كان محجوراً عليه

стр. 2417

فكذلك، وإن لم يكن محجوراً عليه فإنها تنفذ، إلا على رأي مالك، ورأي شيخ الإسلام ابن تيمية فإنهما يريان أن الشخص إذا كان عليه ديون، وماله لا يفي بها، فإنه يعتبر محجوراً عليه، ولو بغير حكم القاضي (١). المطلب الثاني: الفرق بين الوصية والعطية الهبة في مرض الموت المخوف اصطلح كثير من العلماء على تسميتها عطية (٢)، وهي تشارك الوصية في معظم الأحكام، وتفارقها في أمور تعود غالبا إلى نفس المعطي. فمن الموافقات بين العطية في مرض الموت والوصية ما يلي: ١ - أنه لا تجوز بأكثر من الثلث، إلا بإجازة الورثة كالوصية. ٢ - أنها لا تجوز لوارث، إلا بإجازة الورثة كالوصية (٣). ٣ - أن فضيلتها أنقص من الصدقة: (١٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي زرعة، حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى،

стр. 2418

ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان» (١). ٤ - أنها تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا فيها (٢). مثال ذلك: شخص في مرض موته وهب لزيد عشرة آلاف، ولعمرو عشرين ألفاً، ولبكر ثلاثين ألفاً، وماله تسعون ألفاً، فيتزاحمون في الثلث بالقسط. وطريق ذلك: أن نجمع العطايا، ثم ننسب مجموع الثلث إلى مجموع العطايا، ثم يعطى كل واحد من عطيته بمقدار تلك النسبة. ففي المثال: نسبة الثلث إلى مجموع العطايا النصف، فيعطى كل واحد نصف عطيته، فلزيد خمسة، ولعمرو عشرة، ولبكر خمسة عشر ألفًا. ٥ - أن خروجها من الثلث معتبر حال الموت، لا قبله ولا بعده كالوصية. ومن الفروق: ١ - أن المعطي لا يملك الرجوع في العطية بعد لزوم العطية؛ لأنها لازمة في حقه، بخلاف الوصية فإنه يملك الرجوع فيها؛ لأنها لا تلزم إلا بعد الموت. ٢ - أنَّ قبولَها في حال حياة المعطي وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها، ولا ردها إلا بعد الموت؛ لأنَّ العطيَّةَ تصرُّفٌ في الحال، فتعتبر شروطُهُ وقت وجودِِهِ، والوصيَّةُ تبرُّعٌ بعد الموت فتُعتبرُ شروطُهُ بعد الموت.

стр. 2419

٣ - أن الملك يثبت في العطية من حينها ويكون الملك مراعى في بناء أحكامه عليه، فإذا خرجت العطية من الثلث تبينا أن الملك كان ثابتا من حين الإعطاء، فلو أعطى في مرضه عبده وكسب في حياة سيده، ثم مات السيد فإن كسبه يكون للمعطى، بخلاف الوصية فإن الملك لا يثبت فيها إلا بعد الموت. ٤ - أنه يسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية؛ لأنه تبرع بعد الموت يوجد دفعة واحدة، بخلاف العطية فإنه يبدأ بالأول فالأول لوقوعها لازمة. مثال ذلك: إذا وصى شخص لزيد بخمسة آلاف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بخمسة وعشرين ألف ريال، وثلثه عشرون ألف ريال لا يتسع لجميع هذه الوصايا، فتتزاحم في الثلث بأن يوزع الثلث عليهم بالقسط. وطريق ذلك: أن ننسب مجموع الثلث إلى مجموع الوصايا، ثم يعطى كل واحد من وصيته بمقدار تلك النسبة. ٥ - أن المعطي إذا مات قبل أن يقبض المعطى له العطية المنجزة كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا أقبضوا وإن شاؤوا منعوا، أما الوصية فتلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم (١). ٦ - أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ في المعدوم، والمجهول، والمعجوز عن تسليمِهِ بخلاف العطيَّةِ، على خلافٍ يأتي. ٧ - أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ من غير الرشيد؛ إذ لا ضررَ عليه؛ لأنها تبرُّعٌ لا يلزمُ إلا بعد الموت بخلاف العطية (٢). ٨ - أنَّ الوصيَّةَ يُستحبُّ أن تكون بقدر معلوم، بخلاف العطيَّةِ. ٩ - أنَّ العطيَّةَ تجوز في المدبر، بخلاف الوصيَّةِ.

стр. 2420

١٠ - أنَّ الوصيَّةَ تكون بالمال، وفي الحقوق كما لو أوصي بالنظارة على وقفه، أو أولاده الصغار، أو تغسيله ونحو ذلك. ١١ - أنَّ العطيَّةَ تُقدَّمُ على الوصيَّةِ عند جمهور العلماء؛ لأن العطية لازمة في حق المريض فقدمت على الوصية كعطية الصحة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا تقدم إلا في العتق؛ لأن العتق يتعلق بحق الله تعالى ويسري وينفذ في ملك الغير فيجب تقديمه (١). المطلب الثالث: الفرق بين الوصية والوقف الوصية والوقف يجتمعان في عدة أمور منها: ١ - أنهما من القرب التي ندب إليها الشارع وحث عليها تداركاً لما فات الإنسان من أعمال الخير، وإحساناً إلى الموصى لهم والموقوف عليهم، وزيادة في الأجر والثواب لمن أوصى ووقف. ٢ - أنهما لا يكونان بمعصية كآلة طرب، ولا للمعصية كالوصية للكنائس والوقف عليها؛ لأن المقصود منهما البر والمعروف وزيادة الحسنات، وفي الوصية للمعصية والوقف عليها تشجيع لأهلها وترويج لها، وإعانة عليها وهي محرمة. ٣ - أن الوصية لا تجوز للكافر الحربي، وكذلك الوقف عليه؛ لعداوته
следующие страницы →