← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

المبحث الثاني: الفرق بين الوصية والهبة، والعطية، والوقف، والميراث، والإقرار بالمال وفيه مطالب: المطلب الأول: الفرق بين الوصية والهبة الوصية والهبة يجتمعان في كونهما عقدي تبرع يثبت لهما أحكام التبرعات في الجملة. ويفترقان في عدة أمور منها: ١ - أن الهبة هي التبرع بالمال حال الحياة والصحة، والوصية هي التبرع به بعد الموت، أو ما في حكم الوصية، كالتبرع في مرض الموت. ٢ - أن الهبة يعتبر لها القبول من حينها؛ لأنها تمليك في الحال، والوصية محل قبولها بعد الموت؛ لأنها تمليك بعده (١). ٣ - أن الوصية لا تكون إلا في الثلث فأقل لغير وارث، والهبة لا حد لها، وتكون لوارث ولغيره. ٤ - أن الوصية يقدم عليها الدين، أما الهبة فإن كان محجوراً عليه

стр. 2417

فكذلك، وإن لم يكن محجوراً عليه فإنها تنفذ، إلا على رأي مالك، ورأي شيخ الإسلام ابن تيمية فإنهما يريان أن الشخص إذا كان عليه ديون، وماله لا يفي بها، فإنه يعتبر محجوراً عليه، ولو بغير حكم القاضي (١). المطلب الثاني: الفرق بين الوصية والعطية الهبة في مرض الموت المخوف اصطلح كثير من العلماء على تسميتها عطية (٢)، وهي تشارك الوصية في معظم الأحكام، وتفارقها في أمور تعود غالبا إلى نفس المعطي. فمن الموافقات بين العطية في مرض الموت والوصية ما يلي: ١ - أنه لا تجوز بأكثر من الثلث، إلا بإجازة الورثة كالوصية. ٢ - أنها لا تجوز لوارث، إلا بإجازة الورثة كالوصية (٣). ٣ - أن فضيلتها أنقص من الصدقة: (١٦) فقد روى البخاري ومسلم من طريق أبي زرعة، حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى،

стр. 2418

ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت لفلان كذا، ولفلان كذا وقد كان لفلان» (١). ٤ - أنها تتزاحم في الثلث إذا وقعت دفعة واحدة كتزاحم الوصايا فيها (٢). مثال ذلك: شخص في مرض موته وهب لزيد عشرة آلاف، ولعمرو عشرين ألفاً، ولبكر ثلاثين ألفاً، وماله تسعون ألفاً، فيتزاحمون في الثلث بالقسط. وطريق ذلك: أن نجمع العطايا، ثم ننسب مجموع الثلث إلى مجموع العطايا، ثم يعطى كل واحد من عطيته بمقدار تلك النسبة. ففي المثال: نسبة الثلث إلى مجموع العطايا النصف، فيعطى كل واحد نصف عطيته، فلزيد خمسة، ولعمرو عشرة، ولبكر خمسة عشر ألفًا. ٥ - أن خروجها من الثلث معتبر حال الموت، لا قبله ولا بعده كالوصية. ومن الفروق: ١ - أن المعطي لا يملك الرجوع في العطية بعد لزوم العطية؛ لأنها لازمة في حقه، بخلاف الوصية فإنه يملك الرجوع فيها؛ لأنها لا تلزم إلا بعد الموت. ٢ - أنَّ قبولَها في حال حياة المعطي وكذلك ردها، والوصايا لا حكم لقبولها، ولا ردها إلا بعد الموت؛ لأنَّ العطيَّةَ تصرُّفٌ في الحال، فتعتبر شروطُهُ وقت وجودِِهِ، والوصيَّةُ تبرُّعٌ بعد الموت فتُعتبرُ شروطُهُ بعد الموت.

стр. 2419

٣ - أن الملك يثبت في العطية من حينها ويكون الملك مراعى في بناء أحكامه عليه، فإذا خرجت العطية من الثلث تبينا أن الملك كان ثابتا من حين الإعطاء، فلو أعطى في مرضه عبده وكسب في حياة سيده، ثم مات السيد فإن كسبه يكون للمعطى، بخلاف الوصية فإن الملك لا يثبت فيها إلا بعد الموت. ٤ - أنه يسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية؛ لأنه تبرع بعد الموت يوجد دفعة واحدة، بخلاف العطية فإنه يبدأ بالأول فالأول لوقوعها لازمة. مثال ذلك: إذا وصى شخص لزيد بخمسة آلاف، ولعمرو بعشرة آلاف، ولبكر بخمسة وعشرين ألف ريال، وثلثه عشرون ألف ريال لا يتسع لجميع هذه الوصايا، فتتزاحم في الثلث بأن يوزع الثلث عليهم بالقسط. وطريق ذلك: أن ننسب مجموع الثلث إلى مجموع الوصايا، ثم يعطى كل واحد من وصيته بمقدار تلك النسبة. ٥ - أن المعطي إذا مات قبل أن يقبض المعطى له العطية المنجزة كانت الخيرة للورثة، إن شاؤوا أقبضوا وإن شاؤوا منعوا، أما الوصية فتلزم بالقبول بعد الموت بغير رضاهم (١). ٦ - أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ في المعدوم، والمجهول، والمعجوز عن تسليمِهِ بخلاف العطيَّةِ، على خلافٍ يأتي. ٧ - أنَّ الوصيَّةَ تصحُّ من غير الرشيد؛ إذ لا ضررَ عليه؛ لأنها تبرُّعٌ لا يلزمُ إلا بعد الموت بخلاف العطية (٢). ٨ - أنَّ الوصيَّةَ يُستحبُّ أن تكون بقدر معلوم، بخلاف العطيَّةِ. ٩ - أنَّ العطيَّةَ تجوز في المدبر، بخلاف الوصيَّةِ.

стр. 2420

١٠ - أنَّ الوصيَّةَ تكون بالمال، وفي الحقوق كما لو أوصي بالنظارة على وقفه، أو أولاده الصغار، أو تغسيله ونحو ذلك. ١١ - أنَّ العطيَّةَ تُقدَّمُ على الوصيَّةِ عند جمهور العلماء؛ لأن العطية لازمة في حق المريض فقدمت على الوصية كعطية الصحة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف لا تقدم إلا في العتق؛ لأن العتق يتعلق بحق الله تعالى ويسري وينفذ في ملك الغير فيجب تقديمه (١). المطلب الثالث: الفرق بين الوصية والوقف الوصية والوقف يجتمعان في عدة أمور منها: ١ - أنهما من القرب التي ندب إليها الشارع وحث عليها تداركاً لما فات الإنسان من أعمال الخير، وإحساناً إلى الموصى لهم والموقوف عليهم، وزيادة في الأجر والثواب لمن أوصى ووقف. ٢ - أنهما لا يكونان بمعصية كآلة طرب، ولا للمعصية كالوصية للكنائس والوقف عليها؛ لأن المقصود منهما البر والمعروف وزيادة الحسنات، وفي الوصية للمعصية والوقف عليها تشجيع لأهلها وترويج لها، وإعانة عليها وهي محرمة. ٣ - أن الوصية لا تجوز للكافر الحربي، وكذلك الوقف عليه؛ لعداوته

стр. 2421

وبغضه الشديدين للإسلام والمسلمين؛ ولما في ذلك من النصر له والتقوية لشوكته، وهذا من لوازم ما قبله (١). ٤ - أن الوصية تجوز للذمي وكذلك الوقف عليه (٢)؛ لما في ذلك من تأليف قلبه وترغيبه في الإسلام. ويفترقان في أحكام كثيرة كما يلي: ١ - أن الوقف: تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة -كما سبق (٣) - بينما الوصية: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع سواء كان في الأعيان أو في المنافع (٤). ٢ - في الموضوع، فموضوع الوقف المال فقط، وأما الوصية فموضوعها التبرع بالمال، والأمر بالتصرف بعد موت الموصي، كتغسيله وتكفينه ونحو ذلك، وكتنفيذ وصيته المالية. ٣ - أن الوقف لا يكون إلا من جائز التصرف، بخلاف الوصية فتصح في المال من السفيه والصغير العاقل، كما بينته في أحكام الوصية. ٤ - أن الوقف عقد لازم بخلاف الوصية، فلا تلزم إلا بعد الموت. ٥ - أن الوقف لا يصح إلا على عين ينتفع بها مع بقائها عند كثير من العلماء كما سيأتي، بخلاف الوصية. ٦ - لا يجوز الوقف على الحربي والمرتد، وتجوز الوصية لهما (٥). ٧ - لا يصح وقف أواني الذهب والفضة، بخلاف الوصية بهما فتصح.

стр. 2422

٨ - لا يجوز تعليق الوقف إلا بالموت عند بعض العلماء، بخلاف الوصية فتصح مطلقة ومعلقة. ٩ - لا يصح وقف المحجور عليه لحظ غيره، بخلاف الوصية. ١٠ - لا يجوز الوقف على المدبر، وأم الولد عند بعض العلماء، وتصح الوصية لهما. ١١ - الوقف ينتقل من بطن إلى بطن ومن جهة إلى أخرى، بخلاف الوصية، فهي ملك لمن وصي له. ١٢ - لا يملك الموقوف عليه رد الوقف، وعدم قبوله عند بعض العلماء كما سيأتي، ويملك الموصى له رد الوصية. ١٣ - لا يصح شرط الخيار، أو الرجوع في الوقف عند كثير من العلماء، ويصح في الوصية. ١٤ - لا يجوز التصرف في الوقف في الجملة ببيع أو نحوه، بخلاف الوصية. ١٥ - لا يجوز وطء الأمة الموقوفة، بخلاف الموصى بها. ١٦ - أن الوقف يلزم ولا يجوز الرجوع فيه في قول عامة أهل العلم (١)؛ (١٧) لما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً فأتى النبي ﷺ فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه فكيف تأمرني به؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه" (٢).

стр. 2423

أما الوصية فإنها لا تلزم، ويجوز للوصي أن يرجع في جميع ما أوصى به أو بعضه، إلا الوصية بالإعتاق، والأكثرون على جواز الرجوع فيها أيضاً (١). وإنما كان له الرجوع في الوصية؛ لأن التبرع بها مشروط بالموت، فلم يملك إجازتها ولا ردها فقبل الموت لم يوجد التبرع (٢)، بخلاف الوقف. ١٧ - أن التمليك في الوصية ينصب -غالباً- على ذات العين الموصى بها، وقد ينصب -أحياناً- على منفعة العين، في حين أن الوقف يخرج العين من أن تكون مملوكة لأحد، فلا تمليك فيه أبداً، وإنما فيه تخصيص منفعة لا غير (٣). ١٨ - أن التمليك في الوصية لا يتحقق -أي لا يظهر حكمه قطعا إلا بعد موت الموصي- في حين يظهر حكمه في الوقف أثناء حياة الواقف وبعد مماته (٤). ١٩ - أن الوصية لا تجوز إلا في حدود الثلث، وما زاد على الثلث يقف على إجازة الورثة، فإن أجازوه جاز، وإن ردوه بطل في قول جمهور العلماء، في حين أن الوقف لا حد لأكثره، إلا إذا كان في مرض الموت أو معلقاً بالموت، فإن الوقف في مرض الموت كالوصية في حق نفوذه من الثلث، والوقف المضاف إلى ما بعد الموت وصية حتى إنه يجوز الرجوع عنه، فإن مات من غير رجوع عنه ينفذ من الثلث (٥).

стр. 2424

٢٠ - أن الوصية لا تجوز لوارث إلا إذا أجاز الورثة ذلك. قال ابن قدامة: «إن الإنسان إذا أوصى لوارث بوصية، فلم يجزها سائر الورثة لم تصح بغير خلاف» (١). بينما الوقف يجوز للوارث إلا إذا كان في مرض الموت، فالصحيح أنه لا يجوز إلا بإجازة الورثة؛ لأنه تخصيص لبعض الورثة بمال في مرضه فمنع منه كالهبات، ولأن كل من لا تجوز له الوصية بالعين لا تجوز له بالمنفعة كالأجنبي فيما زاد على الثلث (٢). ٢١ - أن الوقف لا يجوز تعليقه على شرط مستقبل في الحياة؛ لأنه عقد يبطل بالجهل فلم يصح تعليقه كالبيع، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية الصحة؛ لأن المسلمين على شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، وأيضا، فلا ضرر في تعليقه، أما الوصية فيجوز تعليقها؛ لأنها تجوز في المجهول فجاز تعليقها بالشرط (٣). المطلب الرابع: الفرق بين الوصية والميراث الوصية والميراث يتفقان في أمور، ويفترقان في أمور أخرى: فمما يتفقان فيه: ١ - أن الملكية فيهما ملكية خلافية تثبت للإنسان بعد الموت.

стр. 2425

٢ - أن مؤنة التجهيز كالكفن ونحوه مقدمة عليهما. ٣ - أن الورثة والموصى لهم لا يستحقون شيئاً، إلا بعد تسديد ما على الميت من ديون. ٤ - أن القاتل يحرم من الوصية على رأي كثير من العلماء كما يحرم من الميراث (١). ٥ - أن كلا منهما حق متعلق بتركة الميت يصل إلى الغير بدون عوض. ٦ - أن كلا منهما مشروط بوفاة المالك لا يستحق إلا بموت صاحب التركة. ومن الفروق بين الوصية والميراث: ١ - أن الميراث ثابت للورثة بإيجاب الله دون اختيار من المورث، أما الوصية فثابتة للموصى لهم بإيجاب من الله بناء على سبب اختياري من العبد. ٢ - أن الملكية في الميراث ملكية إجبارية فلا تتوقف على إيجاب المورث، ولا على قبول الورثة، أما الوصية فالملكية فيها ملكية اختيارية تتوقف على الإيجاب من الموصي والقبول من الموصى له. ٣ - الوصية مقدمة في الإخراج على الميراث، فالورثة لا يعطون شيئاً إلا بعد الوصية. ٤ - الإرث لا يكون مع اختلاف الدين، أما الوصية فتجوز معه في الجملة. ٥ - الورثة عينهم الشارع وحدد أنصباءهم، أما الموصى لهم فلم يعينهم ولم يحدد أنصباءهم.

стр. 2426

٦ - الميراث يرتبط بأسباب معينة حددها الشرع، لا يستطيع الميت التحكم فيها، كما يتأثر بموانع معروفة لا يملك الميت حق تجاوزها، بينما الوصية لا تتوقف على أسباب، ولا تتأثر بموانع معروفة لا يملك الميت حق تجاوزها، بينما الوصية لا تتوقف على أسباب ولا تتأثر بموانع الإرث إلا في حدود ضيقة، وعلى خلاف بين الفقهاء. ٧ - أن الإرث سبب لنقل الملكية الموروثة بجميع حقوقها القابلة للنقل، بما في ذلك حق الشفعة والتقادم، وحق الرد بالعيب، أخذاً بقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ (١)، وهذا يشمل كل ما تركه الميت من أموال وحقوق. بخلاف الوصية فإنها تنقل للموصى له الملكية، دون حق الرد بالعيب، فإذا اشترى شخص سلعة معيبة لا علم له بعيبها ومات فإن للورثة حق ردها على البائع، وإذا أوصى بها فمات فإنه لا حق للموصى له في ردها بالعيب، والفرق بينهما: أن الوصية تمليك مبتدأ، والإرث خلافة وولاية (٢). المطلب الخامس: الفرق بين الوصية، والإقرار بالمال تقدم تعريف الوصية. أما الإقرار: فهو إضافة الإنسان إلى نفسه حقا لغيره. والفرق بين الوصية والإقرار بالمال من وجوه:

стр. 2427

الأول: أن الوصية إنشاء عطية معلقة، والموصى له لا شيء له عند الموصي قبل الوصية ولا حق له عليه، وإنما الموصي يحسن إليه ويوصي له بشيء من ماله يأخذه بعد موته، بخلاف الإقرار فإنه إخبار عن حق أو حقوق ثابتة للمقر له على المقر، قبل وقوع الإقرار. فالمقر في الإقرار يخبر بما في ذمته من ديون، أو بما في يده من أمانات لغيره ولا يعطي المقر له شيئا بإقراره، ولذلك إذا أقر له بمال كذبا فإن الواجب تركه وعدم أخذه؛ لأنه لم يوص له به. الثاني: الإقرار ينفذ في الحياة وبعد الممات بخلاف الوصية، فلا تنفذ إلا بعد الموت. الثالث: الإقرار لا رجوع فيه للمقر، والوصية يجوز فيها الرجوع قبل الموت.

стр. 2428

المبحث الثالث: تقديم الدين على الوصية الترتيب في التنفيذ بين الدين والوصية والميراث: قال تعالى بعد أن بين أنصباء بعض الورثة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١)، وقال بعد أن بين أنصباء بعض آخر منهم: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (٢)، فعلم أن هذه الأنصباء إنما يستحقها أصحابها بعد الوصية والدين، وهذا دليل على تأخر الميراث في التنفيذ عن الوصية والدين. وكما تؤخر المواريث في التنفيذ عنهما وتؤخر الوصية عن الدين، فإن استغرق الدين جميع التركة بطل حق الموصى له وحق الوارث، وإن فضل بعده شيء أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، وقسم الباقي بين الورثة على حسب مواريثهم. (١٨) ما رواه الترمذي من طريق الحارث، عن علي ﵁ " أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقرؤون الوصية قبل الدين " (٣).

стр. 2429

قال الترمذي: «والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية»، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (١) والدين أمانة في ذمة المدين يجب عليه أن يؤديه، فكان مقدما على الوصية.

стр. 2430

قال ابن حزم: «اتفقوا أن المواريث التي ذكرنا إنما هي فيما أفضلت الوصية الجائزة، وديون الناس الواجبة، فإن فضلت بعد الديون شيء وقع الميراث بعد الوصية كما ذكرنا، واتفقوا أن الوصية لا تجوز إلا بعد أداء ديون الناس، فإن فضل شيء جازت الوصية، وإلا فلا» (١). وأما تقديم الوصية على الدين في الذكر، فنقول: إن "أو" للتفريع لا للترتيب، وقد دل الحديث المتقدم المروي عن علي ﵁، وما ذكره الترمذي من اتفاق الأمة على العمل به، على تقديم الدين على الوصية، ومعلوم أن السنة مبينة ومفسرة للقرآن، وقدمت الوصية في التلاوة على الدين لأمور منها: أولاً: أن الوصية يأخذها الموصي له بغير عوض، فكان إخراجها شاقاً على نفوس الورثة، مظنة أداؤها للتفريط فيها بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه؛ فلذلك قدمت في التلاوة بعثا لهم على أدائها وترغيبا لهم في إخراجها. ثانياً: ولأنها حظ فقير ومسكين غالبا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة، وله مقال. (١٩) لما رواه البخاري ومسلم من طريق شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه أخذ سنا، فجاء صاحبه يتقاضاه، فقالوا له: فقال: «إن لصاحب الحق مقالا»، ثم قضاه أفضل من سنه، وقال: «أفضلكم أحسنكم قضاء» (٢)، فقدمت لذلك.

стр. 2431

ثالثاً: ولأن الوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه فقدمت تحريضا على العمل بها بخلاف الدين، فإنه ثابت بنفسه مطلوب أداؤه سواء أوصى به أو لم يوص به (١). رابعاً: ذكر السُّهَيْلِيُّ أنّ تقديم الوصيَّة في الذِّكر على الدَّين؛ لأنّ الوصيَّة إنَّما تقع على سبيل البرّ والصِّلة بخلاف الدَّين، فإنَّه إنَّما يقع غالبًا بعد الميِّت بنوع تفريط، فوقعت البُداءة بالوصيَّة لكونها أفضل (٢).

стр. 2432

الباب الثاني: حكم الوصية، وصيغتها وفيه فصلان: الفصل الأول: حكم الوصية. الفصل الثاني: صيغة الوصية.

стр. 2433

الفصل الأول: حكم الوصية وفيه مباحث: المبحث الأول: حكمها من حيث العموم، وبيان أقسامها. المبحث الثاني: حكم الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين. المبحث الثالث: حكم الوصية إذا لم يوص بها الميت. المبحث الرابع: حكم قبول الوصية. المبحث الخامس: القدر المستحب أن يوصى به:

стр. 2434

المبحث الأول: حكمها من حيث العموم، وبيان أقسامها الوصية تعتريها الأحكام الخمسة: الوجوب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، والفقهاء يختلفون في تعيين ما هو مكروه، وما هو واجب، ومندوب أو حرام أو مباح؛ بسبب اختلافهم في حكم الموصى به قبل الوصية به تارة، وبسبب ما يترتب على الوصية من مفاسد، ومصالح تارة أخرى، أخذاً من قاعدة: الوسائل لها حكم المقاصد، فإن الوصية بالشيء أمر بفعله، ووسيلة لاقترافه. فإذا كان الموصى به حراما كانت الوصية به حراما، وإذا كان واجبا فالوصية به واجبة، وهكذا الوصية بالمندوب والمكروه، والمباح، تعطى حكم الموصى به بصفة عامة، فالوصية باعتبار حكمها التكليفي العام تنقسم إلى خمسة أقسام: القسم الأول: الوصية الواجبة: وهي كل وصية يترتب على تركها ضياع حق، وتحتها ثلاث حالات: الأولى: إذا كان على الإنسان دين من ديون الآدميين أو عنده حق من حقوقه من ودائع وعوار، ومغصوبات، ومسروقات، وقرض، ونحو ذلك، وقد اتفق الفقهاء على وجوب الوصية في هذه الحال (١)، إلا أنهم اشترطوا لوجوبها شروطاً:

стр. 2435

الشرط الأول: أن لا تكون لصاحب الحق بينة بحقوقه؛ لأنه في هذه الحالة يترتب على ترك الوصية ضياع الحق على صاحبه بخلاف ما لو كان الحق ثابتا ببينه، فإنه لا يجب الإيصاء به للأمن من ضياعه على صاحبه. قال أبو ثور: «ليست الوصية واجبة إلا على رجل عليه دين أو عنده مال لقوم، فواجب عليه أن يكتب وصيته ويخبر بما عليه، فأما من لا دين عليه ولا وديعة عنده فليست بواجبة عليه إلا أن يشاء» (١). قال ابن المنذر: «وهذا حسن؛ لأن الله فرض أداء الأمانات إلى أهلها، ومن لا حق عليه ولا أمانة قبله فليس واجب عليه أن يوصي» (٢). وقيل: بوجوب الوصية، ولو كان الحق ثابتا ببينة. قال القرافي: «وإن كان عنده وديعة، أو قرض تقدم الإشهاد فيه اختلف في الإشهاد واستحبابه، بناء على أن الأمر للوجوب أم لا» (٣). والأقرب: عدم الوجوب؛ لأن الوصية ليست واجبة لذاتها، وإنما هي وسيلة لإيصال الحقوق لأصحابها، فإذا أمكن ذلك بدونها فلا فائدة في إيجابها بعينها، للاستغناء عنها بالبينة الشرعية. وجاء في مغني المحتاج: «إذا لم يعلم بذلك من يثبت بقوله بخلاف ما إذا كان به من يثبت بقوله: فلا تجب الوصية به. قال الأذرعي: إذا لم يخش منهم كتمانه كالورثة والموصى لهم. اهـ. وهو حسن، وينبغي كما قال الإسنوي أنه يكتفى بالشاهد الواحد» (٤).

стр. 2436

الشرط الثاني: أن يكون المدين عاجزا عن تنجيز ما عليه من ديون، وما عنده من حقوق، فإن كان قادرا على ذلك في حياته وجب عليه تعجيل ذلك، وإيصاله الحقوق لأصحابها حالا، ولا تكفيه الوصية بذلك، وهو قول بعض المالكية (١). (٢٠) لما رواه النسائي من طريق وبر بن أبي دليلة الطائفي، عن محمد بن ميمون بن مسيكة -وأثنى عليه خيراً-، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ قال: "ليّ (٢) الواِجدِ (٣) يحل عِرضهُ وعُقُوبته (٤) " (٥).

стр. 2437

قال ابن العربي فيمن قدر على قضائه دينه، وتركه ووصى به، ومات: «فإن ذمته لا تبرأ بالوصية إذا فرط الولي في تنفيذها» (١). الشرط الثالث: أن يخاف المدين ومن عنده حقوق لغيره الموت على نفسه

стр. 2438

قبل تنفيذ ما عليه من حقوق وديون، فإن كان لا يخاف على نفسه الموت، فللعلماء في ذلك قولان: القول الأول: وجوب الوصية. وهو قول المالكية (١)، وظاهر إطلاق الحنابلة. وحجته: حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٢)، فإنه شامل للصحيح، والمريض ولمن يخشى على نفسه الموت؛ لعموم لفظ امرئ؛ لأنه نكرة في سياق النفي فتعم، ولأنه قد يفجؤه الموت، إلا أنها في المريض آكد. القول الثاني: عدم الوجوب. وهو المعتمد عند الشافعية. وحجته: عدم خوف الموت (٣). والأقرب: القول الأول؛ لأنه قد يفجؤه الموت، إلا أنها في المريض آكد. الشرط الرابع: أن يكون الحق له بال مما جرت العادة بالإشهاد عليه، وأما اليسير التافه فلا تجب فيه الوصية؛ إذ لا يكلف بذلك؛ لما في ذلك من الحرج والمشقة المرفوعين بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (٤)، وبهذا يخص عموم "له شيء يوصي فيه". قال الباجي: «وأما ما يكون من يسير الديون التي تتكرر وتؤدى في كل

стр. 2439

يوم وتزيد وتنقص وتتجدد، فإن ذلك يشق فيها؛ لأنه كان يقتضي أن يجدد وصيته في كل يوم ومع الساعات» (١). الحال الثانية: إذا كانت عليه حقوق لله تعالى من زكاة، أو كفارة، أو نذر، أو هدي، أو فدية، أو نحو ذلك، فقد اختلف الفقهاء في وجوب الوصية بها على قولين: القول الأول: وجوب الوصية. وهو قول جمهور العلماء (٢)؛ لما تقدم من حديث ابن عمر ﵄؛ إذ هو شامل لحق الله، وحق الآدميين. (٢١) ولما رواه البخاري من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي ﷺ ، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: «نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء» (٣). ولأنه إذا وجبت الوصية بحق العبد كان وجوبها بحق الله أولى. ونص جمهور العلماء: أنه إذا كان قادراً على إخراجها، فيجب عليه التعجيل بها (٤)، ويؤيده حديث «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» (٥) فإنه لا فرق بين المطل بحقوق الله، وحقوق العباد، على أن المطل بحقوق الله راجع إلى المطل بحقوق العباد في حقيقة الأمر؛ لأنهم المستحقون لحقوق

стр. 2440

الله، وإليهم تدفع، فتأخيرها عن وقت وجوبها مطل بحقوق الله، وحقوق العباد معاً، وللقاعدة الأصولية: أن الأوامر تجب على الفور. القول الثاني: عدم الوجوب. وبه قال بعض الحنفية (١). قال في شرح الدرر «كذا في المجتبى، وفيه تأمل لما في البدائع الوصية بما عليه من الفرائض، والواجبات كالحج، والزكاة، والكفارات واجبة». ولعل حجتهم: من أن حقوق الله تعالى تسقط بالموت إذا لم يوص بها، كما سيأتي في باب الموصى إليه. قال ابن نجيم: «أما حقوق الله تعالى كالزكاة وصدقة الفطرة فتسقط بالموت» (٢). وهذا غير مسلم؛ إذ الأصل شغل الذمة. وعليه فيترجح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوة دليله، ولأنه أحوط وأبرأ للذمة. الحال الثالثة: إذا كان للإنسان دين على غيره، أو له حقوق عند غيره يخشى ضياعها على ورثته، فإنه يجب عليه الوصية بها لحفظ مال الوارث، نص عليه المالكية. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ (٣). (٢٢) ولما رواه البخاري من طريق ابن عباس ﵄ قال: "كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة، فخرج معهما فتى من بني سهم،

стр. 2441

فتوفي بأرض ليس بها مسلم، فأوصى إليهما، فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما مخوصا بالذهب .... " (١). ففيه مشروعية الوصية لحفظ المال. الحال الرابعة: الوصية للأقارب غير الوارثين لمن ترك خيراً كثيرا، وسيأتي تحرير هذه المسألة قريباً (٢). القسم الثاني: الوصية المستحبة. عند الحنفية: أن الوصية بأقل من الثلث أولى من تركها إذا كانت الورثة أغنياء أو يستغنون بنصيبهم؛ لأنه تردد بين الصدقة على الأجنبي، والهبة للقريب، والأولى أولى؛ لأنه يبتغي بها رضا الله تعالى، وقيل: يُخَيّر، وإن كان الورثة فقراء ولا يستغنون بما يرثون فالترك أولى؛ لأن ترك الوصية صدقة على القريب بقدر الوصية، والوصية تصدق على الأجنبي، والأول أولى» (٣). (٢٣) لما رواه مسلم من طريق عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبد الله: وفيه: " .... قالت: فخرج علينا بلال، فقلنا له: ائت رسول الله ﷺ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزي الصدقة عنهما على أزواجهما وعلى أيتام في حجورهما؟ ولا تخبره من نحن، قالت: فدخل بلال على رسول الله ﷺ فسأله، فقال له رسول الله ﷺ : من هما؟ فقال: امرأة من الأنصار وزينب، فقال رسول الله ﷺ أي الزيانب؟ قال: امرأة عبد الله، فقال له رسول الله ﷺ : " لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصدقة " (٤).

стр. 2442

والوصية المستحبة عند المالكية: كما قال اللخمي: «ما كانت بما فيه قربة لا يضر بالوارث؛ لكثرة المال، ويظن فيها من الثواب أكثر من ثواب ترك المال للوارث» (١). وعند الشافعية: الوصية المستحبة هي ما استوفت الشرائط ولم تكن واجبة، ولا محرمة ولا مكروهة، كالوصية لغير الوارث المستقيم والوصية للفقراء والمساكين، ونحو ذلك (٢). وعند الحنابلة: الوصية المستحبة: هي الوصية لمن ترك خيرا (وهو) أي: الخير (المال الكثير عرفا) فلا يتقدر بشيء؛ لأنه لا نص في تقديره (بخُمُسه) أي: ماله لقريب فقير لا يرث؛ لأن الله تعالى كتب الوصية للوالدين والأقربين، فخرج منه الوارثون بقوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٣). وبقي سائر الأقارب على الوصية لهم، وأقل ذلك الاستحباب، ولأن الصدقة عليهم في الحياة أفضل، فكذا بعد الموت (وإلا) يكن له قريب فقير وترك خيرا (فـ) المستحب أن يوصي (لمسكين وعالم) فقير (ودين) فقير وابن سبيل وغاز (٤). والأقرب: أن يقال تستحب الوصية لمن ترك خيرا كثيرا، وهو المال عرفا؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٥). (٢٤) ولما رواه عبد الرزاق من طريق هشام بن عروة، عن أبيه قال:

стр. 2443

«دخل علي على مولى لهم في الموت، فقال: يا علي! ألا أوصي؟ فقال علي: لا، إنما قال الله ﵎: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وليس لك كثير مال، قال: وكان له سبعمئة درهم» (١). (٢٥) روى ابن أبي شيبة من طريق محمد بن شريك، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة ﵂ قالت: قال لها رجل: إني أريد أن أوصي، قالت:

стр. 2444

كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: فكم عيالك؟ قال: أربعة، قالت: فإن الله يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنه شيء يسير، فدعه لعيالك فإنه أفضل (١). (سنده صحيح). ويبدأ بأقاربه للآية، ثم ما كان أنفع وأصلح من طرق الخير والبر، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان. وأما قدر ما يستحب أن يوصى به فسيأتي بيانه قريبا. (٢٦) روى ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق الحكم بن أبان، حدثني عكرمة، عن ابن عباس ﵄: «﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، قال: من لم يترك ستِّين دينارًا لم يترك خيرًا» (٢). القسم الثالث: الوصية المباحة. عند الحنفية: هي الوصية للأغنياء من أهله وأقاربه، أو من غيرهم.

стр. 2445

ففي تكملة حاشية رد المحتار: «ومباحة، كالوصية للأغنياء من الأجانب والأقارب» (١). وعند المالكية: كما قال اللخمي: «هي الوصية التي لا تتعلق بها طاعة، ولا معصية، واستوى فيها ثواب الفعل والترك»، وقال غيره: «هي الوصية بمباح كالبيع والشراء وغيرهما من المباحات» (٢). وعند الشافعية: تُباح كالوصية للأغنياء وللكافر، والوصية بما يحل الانتفاع به من النجاسات، وعلى هذا النوع أعني المباح حُمل قول الشافعي إن الوصية ليست عقد قربة، أي دائما بخلاف التدبير (٣). وعند الحنابلة: (إلا مع غناهم) -أي: الورثة- (فتُباح) الوصية. قال في «التبصرة» رواه ابن منصور. وقاله في «المغني» وغيره و «الفائق» وصوَّبَه في «الإنصاف» (٤). القسم الرابع: الوصية المحرمة. جعل الحنفية أقسام الوصية باعتبار حكمها أربعة أقسام فقط، بإسقاط الحرام بناء على أصلهم في أصول الفقه من تفسير الحرام بما ثبت تحريمه بدليل قطعي، من كتاب أو سنة متواترة، أو مشهورة، وأن ما ثبت تحريمه بدليل ظني يسمونه مكروها تحريماً (٥). ومعلوم أنه ليس في الكتاب والسنة وصية محرمة بالنص إلا ما كان من وصية الإضرار في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٦)،

стр. 2446

وفي حديث ابن عباس ﵄: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (١)، إلا أن دلالة الآية على تحريم وصية الضرر بطريق المفهوم، والحنفية لا يقولون بحجيته، ودلالة حديث ابن عباس ﵄، وإن كانت بطريق المنطوق النص، إلا أنه خبر آحاد، ومختلف في رفعه ووقفه، فلا يسمى الثابت به حراما، بل مكروها كراهة تحريم عندهم. لذلك أسقطوا قسم الحرام من أقسام الوصية؛ لعدم وجوده على أصلهم، واكتفوا بالواجب، والمندوب والمباح والمكروه، وزاد الجمهور قسم الحرام؛ لأنهم يرون أن الحرام ما ثبت تحريمه بدليل سواء كان قطعيا أو ظنيا، وهو أولى (٢). فالوصية المحرمة: هي الوصية بحرام: مثل الوصية بالخمر، والخنزير لمسلم، والوصية ببناء كنيسة، أو ترميمها، أو بناء قبة على قبره أو كتابة التوراة والإنجيل، أو قراءتهما، وتوزيعهما، أو الإنفاق على المشاريع المحرمة، والنوادي الضالة، وغير ذلك من المناكير والمحرمات، كل ذلك تحرم الوصية به؛ لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، المنهي عنه بنص قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٣). ومن ذلك: وصية الضرار (٤)، والوصية بأزيد من الثلث، ولوارث (٥).

стр. 2447

وفي حواشي الشرواني: «قوله: (إن عرف إلخ) وكذا إذا غلب على ظنه أن الموصى له يصرف الموصى به في معصية فتحرم الوصية وتصح» (١). وفي حاشية البجيرمي: «وقد تحرم لمن عُرف منه أنَّه متى كان له شيء في تركته أفسدها» (٢). القسم الخامس: الوصية المكروهة. عند الحنفية: ما كانت لأهل الفسوق والمعاصي (٣). ونوقش: بعدم التسليم؛ لما تقدم أنه من التعاون على الإثم والعدوان. عند المالكية هي: ما يكون الثواب في تركها أكثر من الثواب في فعلها، كما قال اللخمي، أو هي ما كانت بمكروه، أو في مال قليل (٤). والوصية المكروهة عند الشافعية: ما كانت لوارث، أو بأكثر من الثلث (٥). ونوقش: بعدم التسليم، بل من الوصايا المحرمة؛ لنهي النبي ﷺ عن ذلك. وعند الحنابلة: (وتكره) وصية (لفقير) -أي: منه- إن كان (له ورثة) محاويج؛ لقوله ﷺ : «إن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة» (٦). ولأن إعطاء القريب المحتاج خير من إعطاء الغني، فمتى لم يبلغ الميراث غناهم كان تركه لهم كعطيتهم إياه، فيكون ذلك أفضل من الوصية

стр. 2448

لغيرهم، فعلى هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلتهم وغناهم وفقرهم (١). لكون وارثه أحوج من الأجنبي، وصلة القريب أفضل من البعيد. والأقرب: أن الوصية المكروهة ما يترتب عليها أمر مكروه.

стр. 2449

المبحث الثاني: حكم الوصية للوالدين، والأقربين غير الوارثين تستحب الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين بشيء من المال، لكن اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى -في وجوب الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين بشيء من المال على جهة البر والإحسان على قولين: القول الأول: عدم وجوب الوصية لهم مطلقاً. وهو قول جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة، وحكي الإجماع عليه (١). القول الثاني: وجوب الوصية للوالدين، والأقربين الذين لا يرثون. نسبه البيهقي للشافعي في القديم، وبه قال طاوس، والحسن، وابن جرير، وهو قول الظاهرية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (عدم الوجوب) ١ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (٣).

стр. 2450

وجه الدلالة: أن لفظ "المعروف"، ولفظ "المتقين" يدلان على الندب لا الوجوب. ونوقش هذا الاستدلال: بمنع دلالة الآية على ذلك، ولفظ "المعروف" ليس معناه الإحسان حتى يدل على الندب وينافي الوجوب، بل معناه العدل الذي لا شطط فيه ولا تقصير، وهو بهذا التفسير لا يناقض الوجوب بل يؤكده، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (١) كما أن لفظ "المتقين" لا يدل على نفيها عن غيرهم، حتى يقال: تخصيصهم بها دليل على عدم وجوبها، وذلك لما يلي: الأول: أن لفظ "المتقين" لا يدل على نفيها عن غيرهم إلا بطريق مفهوم المخالفة، وهو مختلف في حجيته. الثاني: أن لفظ المتقين ذكر لتهييج المخاطبين وحثهم على امتثال الأمر بإشعارهم أن الوصية شعار المتقين، فلا يكون لهذا القيد مفهوم مخالفة؛ لأنه لم يؤت به للتقييد نظير قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) فالتقوى فريضة على كل مؤمن، وعلى كل مسلم أن يكون متقياً، وبذلك يدخل في عموم الآية فلا تبقى خاصة بصنف من الناس، حتى يكون ذلك دليلاً على عدم وجوبها؛ بحجة أن الفرائض يستوي فيها جميع المكلفين. ٢ - ما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي به يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٣).

стр. 2451

وجه الدلالة من وجهين: الأول: أنه ﷺ جعل الوصية موكولة إلى إرادة الموصي حيث قال: ﷺ " له شيء يريد أن يوصي فيه " فلو كانت الوصية واجبة لما علقها على إرادة الموصي، ولكانت واجبة، أرادها أو لم يردها، كسائر الفرائض من صلاة، وصيام وغيرهما، فإنها واجبة، أراد ذلك المكلف أو لم يرد (١). الثاني: أنه ﷺ جعلها حقاً للموصي: "ما حق امرئ مسلم" ولم يجعلها حقا عليه. ونوقش هذا الاستدلال: أنه يروى بلفظ "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه"، كما يروى بزيادة "له شيء يريد أن يوصي فيه" والروايتان صحيحتان، يجب العمل بكل منهما، فتجب الوصية بمقتضى الرواية الأولى؛ لأنها مطلقة، ويجب عليه أن يريد الوصية بمقتضى الرواية الثانية المقيدة "له شيء يريد أن يوصي فيه". ٣ - حديث أبي الدرداء ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم" (٢). وجه الدلالة: أن الله جعلها صدقة على المسلمين وحقا لهم، بقوله: "تصدق عليكم" ولو كانت واجبة لقال إن الله فرض عليكم، ونحو ذلك، فلما قال: تصدق عليكم، والصدقة لا يجب قبولها علم أنها غير واجبة: (٢٧) كما روى مسلم من طريق ابن جريج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابيه، عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (٣) فقد أمن الناس،

стр. 2452

فقال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (١). والقصر غير واجب، فكذلك الوصية، بجامع أن كلا منها صدقة تصدق الله بها، ينبغي قبولها، ولا يجب. (٢٨) ٤ - ما رواه أبو داود من طريق ابن أبي فديك، أخبرني ابن أبي ذئب، عن شرحبيل، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له من أن يتصدق بمئة درهم عند موته» (٢). وجه الدلالة من وجهين: الأول: أنه سماها صدقة، والأصل في الصدقة الاستحباب وعدم الوجوب، فتحمل عليه عند الإطلاق، ولا تحمل على الوجوب إلا بدليل سالم من المعارض، وهو غير موجود؛ لأن الحمل على الأصل واجب. الثاني: أنه جعل الصدقة بدرهم في الحياة خير من الصدقة بمئة عند الموت، والإجماع على أن الصدقة في الصحة والحياة غير واجبة، والمستحب لا يكون أفضل من الواجب، فلما فضل صدقة الحياة على الوصية علم أنها غير واجبة؛ إذ لو كانت الوصية واجبة لكانت أفضل من الصدقة في

стр. 2453

الحياة؛ لأن الواجب أفضل من المندوب، كما يدل على ذلك الحديث القدسي: (٢٩) رواه البخاري من طريق عطاء، عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه" (١). ٥ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: " أن تصدق وأنت صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا، وقد كان لفلان " (٢). وهو مثل الذي قبله في الدلالة، على عدم الوجوب، حيث جعل الصدقة في الصحة خيرا من الوصية، والصدقة مندوبة، والمندوب لا يكون أفضل من الواجب كما سبق. (٣٠) ٦ - ما رواه الترمذي من طريق عبد الله بن وهب، أخبرنا عمرو بن الحارث، عن دراج، عن ابن حجيرة (هو عبد الرحمن بن حجيرة البصري)، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك" (٣).

стр. 2454

وجه الدلالة: أنه ﷺ حصر الواجبات المالية في أداء الزكاة، ونفى ما سواها، لقوله: "فقد قضيت ما عليك"، و "ما" من صيغ العموم، فلو كانت الوصية واجبة لما كان المزكي قاضيا جميع ما عليه. ومن جهة ثانية: الوصية عند القائلين بوجوبها تجب عندهم على الفور للحديث السابق "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (١)، فلو كانت الوصية واجبة لبينها الرسول ﷺ للسائل، ولما اقتصر على أداء الزكاة؛ للقاعدة الأصولية: " أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة " (٢). (٣١) ٧ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي سهيل، عن أبيه، عن طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ ثائر الرأس، فقال: يا رسول الله أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: «الصلوات الخمس إلا أن تطوع شيئا»، فقال: أخبرني ما فرض الله علي من الصيام؟ فقال:

стр. 2455

«شهر رمضان إلا أن تطوع شيئا»، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟ فقال: فأخبره رسول الله ﷺ شرائع الإسلام، قال: والذي أكرمك، لا أتطوع شيئا، ولا أنقص مما فرض الله علي شيئا، فقال رسول الله ﷺ : «أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق» (١). وجه الدلالة من وجهين: الوجه الأول: أن فيه نفي الواجبات المالية غير الزكاة بطريق العموم؛ لأن لفظ "علي" مضاف إلى الضمير فيعم عملاً بقاعدة: "المفرد المضاف يعم" (٢)، فكان السؤال عاماً عن كل ما عدا الزكاة، فلما قال: الرسول ﷺ له: (لا) كان ذلك نفيا لوجوب كل ما عدا الزكاة للقاعدة الأصولية: أن جواب السائل غير المستقل تابع للسؤال في عمومه وخصوصه (٣). الوجه الثاني: أنه لو كانت الوصية واجبة لبينها له حين سؤاله، للقاعدة: أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة (٤). ٨ - حديث أبي أمامة الباهلي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث" (٥). وجه الدلالة: أنه ﷺ أخبر أن الله أعطى كل ذي حق حقه هكذا بصيغة العموم، ولما لم يعط الله لغير الورثة شيئا عند قسم المواريث دل ذلك على
следующие страницы →