← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

السابعة (١) وآية الوصية نزلت قبل السنة الخامسة، كما يفهم من حديث ابن عباس ﵄، وعائشة في قصة أم سعد بن عبادة، فقد خرج ابنها مع رسول الله ﷺ في غزوة دومة الجندل سنة خمس (٢) فأدركتها الوفاة، فقال لها الحاضرون أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ إنما المال مال سعد، فقد كان أمر الوصية معروفا في أوساط المسلمين، يعلمه النساء وغيرهن، وذلك دليل على تقدم نزول الآية عن هذا التاريخ. الوجه الثاني: أن الحديث هو المنسوخ بآية الوصية، وليس العكس؛ لاتفاق الجميع على أنه قبل نزول آية الوصية المذكورة كان يجوز للإنسان أن يوصي لمن شاء، فنسخت الآية ذلك الحكم السائد والذي جاء الحديث على مقتضاه، وأوجبت الوصية للوالدين والأقربين، ولا يمكن أن يعود المنسوخ ناسخا، والناسخ منسوخا بغير نص ثابت. وأجيب: أنه لا يصح؛ لأنه ليس في الآية ما يدل على تأخرها عنه، كما ليس في الحديث ما يدل على تقدمه عليها، بل الأمر بالعكس، وهو أن الحديث هو المتأخر كما سبق. الوجه الثالث: أنه يحتمل أن يكون الموصي حليفا في الأنصار ولا قرابة له، فلا تبقى فيه حجة على جواز الوصية لأجنبي، وترك القريب مع وجوده. وأجيب: ما جاء في الرواية السابقة عند أحمد: أنه له ورثة جاؤوا إلى النبي ﷺ ولا يخلو حال من له ورثة من القرابة أن يكون له قرابة غير وارثين. بالإضافة إلى أن الاعتماد على مجرد احتمال أن يكون لا قرابة له لرد الاستدلال بالحديث، والحكم بنسخه، يعتبر في حد ذاته قولا بغير دليل، يحرمه ابن حزم، فلا يليق به الالتجاء إليه.

стр. 2487

كما أن قول الجصاص باحتمال أن تكون أمه أعجمية، وأن يكون الرقيق الذي أعتقهم قرابته من أمه مردود؛ لأنه مجرد احتمال لا دليل عليه، وهو أبعد مما قبله؛ لأنه احتمال مركب، مبني على احتمالين: احتمال كون الأم أعجمية، وكون العبيد كلهم قرابته من أمه، وهو بعيد بالنسبة للمجتمع العربي في عصر النبوة، حيث كانت العرب في فرقة، والعجم المحيطون بهم في قوة ومنعة، ولا يتأتى معها استعباد هذا العربي لهذا العدد من العجم ومن قرابة واحدة. فلم يبق إلا ما قاله الشافعي، وهو أن هؤلاء الرقيق لم يكونوا من قرابته، وأن العرب لا تستعبد قرابتها من الجهتين، وإنما تملك من لا قرابة له أو كان من العجم (١). القول السابع: أن الآية منسوخة بما دل عليه الإجماع وإن لم يتعين دليله (٢)؛ لأنه لا بد للإجماع من مستند. قال ابن العربي: "وإن انعقد -يعنى الإجماع- على أثر جاز أن يكون ناسخا، ويكون الناسخ الخبر الذي انبنى عليه الإجماع، وهذه مسألتنا بعينها، فإن الأمة إنما جمعت رأيها على إسقاط الوصية للوالدين ...... " (٣). القول الثامن: إنها منسوخة بتقريره ﷺ أصحابه على عدم الوصية وعلى الوصية لغير الأقارب، فقد جاء في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ "أنه أراد الوصية بماله كله في سبيل الله" (٤) فمنعه الرسول ﷺ من الوصية بذلك، وبالنصف وبالثلثين وأجاز له الثلث (٥).

стр. 2488

والحجة فيه: أنه ﷺ أنكر عليه الوصية بأكثر من الثلث ولم ينكر عليه جعل الوصية لغير قرابته، فدل ذلك على نسخ الوصية للوالدين والأقربين، كما أن جماعة من الصحابة تركوا الوصية في حياته ولم ينكر عليهم، فدل ذلك على نسخ وجوب الوصية جملة، والصحيح عند الأصوليين: جواز النسخ بتقريره ﷺ كجوازه بفعله (١)، وأن تقريره ﷺ على الجواز للفاعل وغيره. القول التاسع: أنها منسوخة بفعله ﷺ ، فإنه لم يوص لأحد بشيء كما سبق في أحاديث عائشة، وابن عباس، وعبد الله بن أبي أوفى ﵃ (٢)، ولو كانت الوصية واجبة لكان أسبق الناس إليها، ولما تركها، ودلالة الترك على النسخ كدلالة الفعل عليه، كاستدلالهم. الوجه الرابع عن الاستدلال بالآية: بأن آية الوصية غير منسوخة، وأن المقصود بها الوصية بتوريث الوالدين والأقربين على حسب الفرائض المبينة، فالوصية المكتوبة في آية البقرة مجملة في المقادير، وفي أعيان الأقربين، جاءت أولا مجملة، ثم بينت في آية ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٣) (٤) نظير آية ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ (٥) حيث قررت مبدأ الإرث مجملا في مقاديره وأهله، ثم نزل بيانه في آية ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (٦). وأجيب عنه بأمور: الأول: يلزم عليه التكليف بالمحال، وهو تكليف من حضره الموت

стр. 2489

بالوصية للوالدين والأقربين بما فرضه الله لهم قبل علم المخاطب بذلك، فهو تكليف له بما لا يعلمه، ولا يقدر على امتثاله، ولا يمكنه فعله، وذلك لا يجوز أولم يقع على الخلاف بين الأصوليين (١). الثاني: أنه يلزم عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة، وهو لا يجوز إجماعاً (٢). الثالث: جعله آية المواريث بيانا لآية الوصية يقتضي أنه لا وصية بعد الميراث؛ لأن البيان هو عين المبين، لا يختلف عنه إلا بالإيضاح والتفصيل الذي يزيد به على المبين، وهذا يرده ما تضمنته آية المواريث من بقاء العمل بالوصية بعد شرع المواريث كما قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا﴾ (٣). وما رواه ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " ما حق امرئ مسلم له شيء يوصى فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٤)، ولم يزد يريد أن يوصى فيه. (٥٦) وما رواه أحمد من طريق أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه قال: "حق على كل مسلم أن يبيت ليلتين وله ما يُوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده " (٥). فقد اتفقت هذه الروايات في الدلالة على وجوب الوصية، وإن اختلفت وجوه دلالتها قوة وضعفاً، وصراحة واحتمالاً.

стр. 2490

نوقش الاستدلال بحديث ابن عمر ﵄ على وجوب الوصية للوالدين والأقربين من وجوه: الأول: أنه خبر آحاد فيما تعم به البلوى، فلا تقوم به حجة بناء على مذهب الحنفية من اشتراط التواتر فيما تعم به البلوى، وعدم قبول خبر الآحاد فيه (١). ونوقش: بعدم التسليم، فخبر الآحاد مقبول مطلقا. الثاني: أنه خبر آحاد خالفه راويه، فلا يقبل، فإن عبد الله بن عمر ﵄ راويه لم يوص، ومخالفة الراوي لما روى تقدح في المروي (٢). إلا أن الحافظ ابن حجر رد هذه المناقشة بأمور: ١ - أن القاعدة الأصولية: أن العبرة بما رواه الراوي، لا بما رآه على الصحيح عن الأصوليين (٣). ٢ - أنه معارض بما ثبت عنه من وقف بعض دوره، كما سيأتي. ٣ - أنه معارض بما ورد عنه، (٥٧) بما رواه مسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه ﵄ أنه سمع رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم، له شيء يوصي فيه، يبيت ثلاث ليال، إلا ووصيته عنده مكتوبة»، قال عبد الله بن عمر: «ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي» (٤). ونوقش: بأن هذا لا يدفع الاعتراض، فإن الوقف الثابت عنه هو غير

стр. 2491

الوصية؛ لأن الوقف عطية في الحياة، والوصية عطية بعد الوفاة والخلاف في الوصية، لا في الوقف. كما أن قوله "لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي" لا يصلح لمعارضة ما ثبت عنه من عدم الوصية، (٥٨) فقد روى ابن سعد من طريق أيوب، عن نافع: "أن ابن عمر اشتكى فذكروا له الوصية، فقال: الله أعلم ما كنت أصنع في مالي، وأما رباعي وأرضي، فإني لا أحب أن أشرك مع ولدي فيها أحدا " (١). لأن هذا قول كان يقوله في حياته، "فلما حضره الموت وقيل له: ألا

стр. 2492

توصي؟ قال: أما مالي فالله يعلم ما كنت أصنع فيه، وأما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد ". فكانت العبرة بآخر الأمر، وبالفعل، لا بالقول. ٤ - أنه محمول على من عليه حقوق، أو عنده أمانات لغيره (١). ٥ - أنه منسوخ بما نسخت به الآية، وأن ذلك كان في أول الإسلام، ثم نسخ (٢). ٦ - منع دلالته على الوجوب. أما رواية (لا يحل) فهي شاذة، كما قال ابن عبد البر: والشاذ لا تقوم به حجة، وعلى عدم شذوذها كما قال ابن حجر، فالجواب عنها من وجوه: الأول: احتمال روايتها بالمعنى فلا تتم بها الحجة؛ لأن الحجة في المحكي لا في الحكاية، كما يقول الأصوليون (٣). الثاني: أن المراد بـ" لا يحل " لا يليق في مكارم الأخلاق والأدب (٤). الثالث: احتمال أن يكون أراد بنفي الحل ثبوت الجواز بمعناه الأعم الشامل للواجب والمندوب والمباح، والأعم لا إشعار له بأخص معين، وثبوت الأعم لا يستلزم ثبوت الأخص، كما يقول الأصوليون (٥). وأما رواية (حق على كل مسلم) فهي وإن كانت ظاهرة في الوجوب لاقتران لفظ الحق بكلمة على، فإن هناك قرينة أخرى تعارضها، وأقوى منها في الدلالة على عدم الوجوب، وهي قوله في الحديث (له شيء يريد أن

стр. 2493

يوصي فيه) ففوض الأمر إلى الموصي، ولو كانت الوصية واجبة لما علقها بإرادة الموصي، ولكانت واجبة أرادها أو لم يردها، كسائر الواجبات، ولا يتوقف وجوبه على إرادة المكلف. بالإضافة إلى أن هذه الصيغة وردت في لسان الشرع لغير الوجوب في عدة أحاديث، فلتكن هذه منها بقرينة (له شيء يريد أن يوصي فيه). وحمل اللفظ المحتمل للوجوب والندب على الندب، أولى من حمله على الوجوب؛ لأن الأصل براءة الذمة، ولأنه القدر المحقق، والزائد مشكوك فيه، فلا يثبت مع الشك. وأما رواية (ما حق امرئ) فالجواب عنها زيادة على ما سبق من وجهين: الأول: أن الحق يحتمل للواجب والمندوب؛ لإطلاقه عليهما، وقوله: "يريد أن يوصي" قرينة على أن المراد الندب لا تعارضها قرينة أخرى في هذه الرواية، فيتعين حملها عليه لعدم المعارض. الثاني: أن المراد به الحزم والاحتياط، لا الفرض والوجوب، قال الشافعي: "يحتمل ما الحزم والاحتياط، ويحتمل ما المعروف في الأخلاق إلا هذا لا من جهة الفرض " (١). وأما رواية "لا ينبغي" فإنها محمولة على أنه لا ينبغي في مكارم الأخلاق، ولا يليق بالمسلم ترك الوصية، بقرينة قوله: "يريد أن يوصي فيه". ٤ - قول عبد الله بن عمر ﵄: " ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي " (٢). وأجيب: بأنه لا دلالة فيه على الوجوب صراحة، وإنما فيه أنه لم تمر عليه ليلة إلا ووصيته مكتوبة عنده، هكذا رواه مسلم، وهذه العبارة وحدها

стр. 2494

لا تدل على الوجوب، وإنما تدل على المبادرة إلى الامتثال، والمواظبة عليه، وقد كان ابن عمر ﵄ معروفا بحرصه الشديد على التمسك بالسنة: واجبها ومندوبها، وأحيانا حتى المباح منها، فلا يدل مجرد الكتابة على قوله بوجوب الوصية، خاصة ونحن نقطع بأنه لم يترك وترا، فهل يدل ذلك على وجوبه عنده؟. ثم هو معارض بما صح عنه أنه لم يوص عند موته، وعرض عليه ذلك فأبى وهذا مقدم؛ لأنه آخر أمره، ثم هو فعل وذلك قول، والفعل أقوى من القول المجرد لصراحته، واحتمال القول للوجوب والندب، كما أنه على تسليم دلالته على الوجوب فإن ذلك اجتهاد منه في فهم الحديث الذين رواه، لا يكون حجة على غيره بناء على أن تفسير الراوي غير لازم لغيره (١). (٥٩) ٥ - ما رواه عبد الرزاق في تفسيره من طريق الحسن بن عبيد الله، عن إبراهيم، قال: ذكر عنده طلحة، والزبير، فقيل: كانا يشددان في الوصية، فقال: «وما عليهما أن لا يعملا؟ توفي النبي ﷺ فما أوصى، وأوصى أبو بكر، فإن وصى فحسن، وإن لم يوص فلا بأس» (٢). ونوقش: بأنه ضعيف، وأيضا: بأنه معارض بأن النبي ﷺ لم يوص، وباجتهاد غيرهما من الصحابة، قال النخعي: «ما كان عليهما أن يفعلا، توفي رسول الله ﷺ (٣) فما أوصى».

стр. 2495

(٦٠) ٦ - ما روي عن علي ﵁ أنه قال: «من لم يوص عند موته لذي قرابته ممن لا يرث فقد ختم عمله بمعصية» (١). ونوقش من وجوه: الأول: أنه أثر لا تعرف صحته. الثاني: أنه مخالف لما ورد عنه من الإفتاء بتركها لمن ترك قليلا (٢). الثالث: أنه مخالف للسنة النبوية، ولآثار رويت عن صحابة آخرين. ٧ - ما رواه البخاري من طريق طلحة بن مصرِّف قال: "سألت عبد الله بن أبي أوفى ﵄ هل كان النبي ﷺ أوصى؟ فقال: «لا»، فقلت: كيف كُتب على الناس الوصية أو أُمروا بالوصية؟ قال: «أوصى بكتاب الله» (٣). استنبط بعض العلماء من هذا أن عبد الله بن أبي أوفى وطلحة بن مُصرف كانا يعتقدان وجوب الوصية. وأجيب: بأنهما لم يصرحا فيه بالوجوب، وإنما فهمه من نسبه إليهما. الترجيح: الراجح -والله أعلم- أن يقال: بأن كلا من القولين له قوة، والأحوط للمسلم أن يوصي بشي من ماله لمن لا يرث من أقاربه أبرأ لذمته، وأحوط لدينه.

стр. 2496

المبحث الثالث: حكم الوصية إذا لم يوص بها الميت اتفق الفقهاء القائلون بوجوب الوصية، والقائلون بعدم وجوبها على أن الوصية تفوت بالموت، واختلفوا في وجوب إخراج شيء من التركة لقرابته الذين لا يرثون على قولين: القول الأول: أن الإنسان إذا مات ولم يوص لا يلزم أن يخرجوا من تركته شيئا يعملونه لقرابته، ولا لغيرهم، ويستحب لهم التصدق عنه بشيء. وهو قول جمهور العلماء (١). القول الثاني: أن من مات ولم يوص لقرابته ففرض على ورثته أن يتصدقوا عنه بشيء، وأن يعطوا لقرابته الذين لا يرثونه شيئا مما تطيب به أنفس الورثة أو الوصي. وبه قال ابن حزم (٢). الأدلة: أدلة الجمهور: ١ - قوله تعالى في آيتي الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣)،

стр. 2497

﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا﴾ (١)، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (٢)، ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٣). فهذه أربعة نصوص من القرآن تشترط في تنفيذ الوصية، وإخراجها من التركة: وجودها ووقوع الإيصاء بها من الميت، فالله أسند الفعل في جميع ذلك إلى الهالك، وأضاف الوصية إليه، وجعلها من فعله، فدل بمفهومه على أن الوصية التي لا يوصي بها الميت في حياته لا تخرج من التركة بعد وفاته ولا تنفذ؛ لأنها معدومة، وغير موجودة، والمأمور بتنفيذه ما كان موجودا. ٢ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (٤). وجه الدلالة من وجوه: الأول: أن المراد بالوصية هنا هو الإيصاء بالفعل (لا بالقوة) أي إنشاء الوصية وإيقاعها؛ لأن معنى كتبها فرضها وأوجبها، ولا تكليف إلا بفعل كما سبق، ولما كتب الله هذا الإيصاء علم أنه لا تكون وصية بدون إيصاء، كما دلت على ذلك آيتا المواريث حسبما سبق. الثاني: أنه لو كانت الوصية تنفذ من غير إيصاء لها لما أمر بها المحتضرين، كما لم يأمرهم بتوريث ورثتهم، ولم يقل لهم كتب عليكم توريث أولادكم، فتغيير الأسلوب بين آيتي الفرائض والوصية دليل على أن

стр. 2498

الإرث حق للوارث بغير إرادة المورث، ولا وصيته به، وأن الوصية حق للموصي له، يتوقف على إيصاء الميت له به. الوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ (١) فإن هذا يدل دلالة واضحة على أن هناك إيصاء ووصية تكلم بها الموصي وسمعها منه الشهود. الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾ (٢) فإنه يقتضي وجود إيصاء بالفعل؛ للقاعدة الأصولية: أن اسم الفاعل حقيقة في الحال، أي حال التلبس بالفعل والاتصاف (٣). فالآية كما تتحدث عن وصية فعلية موجودة، أوصى بها الموصي في حياته قبل موته توجب تنفيذها وتحرم تبديلها، وإذا لم تكن وصية، فلا تنفيذ ولا تبديل، ولا جنف ولا إثم. ٣ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ (٤). وجه الدلالة: أنه سبحانه أمر بالإشهاد على الوصية ليقع التأكد منها، والشهادة لا تكون إلا على موجود، ولا تكون على معدوم، كما أمر بتحليف الشهود للتأكد من صدقهم وبما يشهدون به من الوصية، واليمين لا تكون إلا على واقع محقق. ٤ - حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن

стр. 2499

الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: «يقضي الله في ذلك» فنزلت: آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» (١). وجه الدلالة من وجهين: الأول: أن العم أخذ جميع التركة، ولم يدع شيئا للبنتين قبل نزول آية الميراث، ولم يأمره الرسول ﷺ بإخراج شيء من تركة سعد، وإعطائه لقرابته، فدل ذلك على أنه لا تنفذ الوصية إلا إذا أوصى بها الميت. الوجه الثاني: أن النبي ﷺ بعد نزول آية الميراث أمره بإعطاء البنتين الثلثين والأم الثمن، وأخذ الباقي لنفسه، ولم يأمره بإخراج سهم الوصية، فدل ذلك على عدم وجوبه وإلا لذكره؛ لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة. (٦١) ٥ - ما رواه الطبري من طريق أسباط، عن السدي، قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون الجواري ولا الضعفاء من الغلمان، لا يرث الرجل من ولده إلا من أطاق القتال، فمات عبد الرحمن أخو حسان الشاعر، وترك امرأة له يقال لها: أم كجة، وترك خمس جوار، فجاءت الورثة فأخذوا ماله، فشكت أم كجة ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (٢). وجه الدلالة: وهو أنه لم يأمر ابني العم بإخراج سهم الوصية قبل نزول

стр. 2500

الفرائض، ولم يأمر بها بعد نزول الفرائض، ولو كانت واجبة الإخراج لأمر بإخراجها؛ لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة، وللعلم بأن الوصية كانت قد شرعت قبل ذلك. (٦٢) ٦ - ما رواه ابن ماجه من طريق درست بن زياد، ثنا يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "المحروم من حرم وصيته" (١).

стр. 2501

وجه الدلالة: أنه ظاهر في فواتها بالموت، ولا تنفذ بعده بدون إيصاء منه؛ لأنها لو كانت تنفذ وإن لم يوص بها لما كان تاركها محروما؛ لإمكان استدراكها بعد موته، بإخراجها عنه كقضاء دينه، فلا يكون محروما بتركها، وهو خلاف نص الحديث. (٦٣) ٧ - ما رواه أحمد من طريق عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج، يحدث: أن جده، حين مات ترك جارية، وناضحا، وغلاما حَجّاما، وأرضا، فقال رسول الله ﷺ في الجارية، فنهى عن كسبها -قال شعبة: مخافة أن تبغي- وقال: "ما أصاب الحجام فاعلفوه الناضح". وقال في الأرض: "ازرعها أو ذرها" (١).

стр. 2502

فهذه تركة ميت بكاملها تركها الرسول ﷺ لورثته، وأرشدهم على طرق استغلالها، ولم يأمرهم بإخراج جزء منها وصية، ولو كان إخراج بعض التركة واجبا لأمرهم به وبينه لهم؛ لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة. (٦٤) ٨ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا عبد الملك أبو جعفر، عن أبي نضرة، عن سعد بن الأطول أن أخاه مات، وترك ثلاثمئة درهم، وترك عيالا، فأردت أن أنفقها على عياله، فقال النبي ﷺ : "إن أخاك محبوس بدينه، فاقض عنه"، فقال: يا رسول الله، فقد أديت عنه إلا دينارين ادعتهما امرأة، وليس لها بينة، قال: " فأعطها فإنها محقة " (١).

стр. 2503

وجه الدلالة من وجهين: الأول: أن سعدا ﵁ قرر إنفاق التركة كلها على العيال، ولم يخرج منها وصية، مما يدل على أنه لم يكن معروفا عندهم إخراج الوصية عن الموصي بدون إيصاء، فإنه لو كان ذلك معروفا لبادر بإخراجها؛ لما عرف به الصحابة من المبادرة لأداء الواجبات، وعدم التفريط فيها. الثاني: أنه ﷺ أمره بإخراج الدين، وأخبره أن أخاه مرتهن بوصيته وكلاهما مقدم على الإرث وواجبان عند ابن حزم، فلو كانت الوصية واجبة الإنشاء والتنفيذ، وإن لم يوص بها الموصي لأمره الرسول ﷺ بإخراجها، كما أمره بإخراج الدين الذي على أخيه؛ لامتناع تأخير البيان عن وقت الحاجة. إلا أنه قد يقال إن الوصية قبل الدين، ولذلك أمره بقضاء الدين، ولم يأمره بإخراج الوصية، ولكن الظاهر من السياق أن التركة كانت أكثر من الدين، ألا ترى أنه قضى جميع الدين وبقيت بقية، قضى منها المرأة، ولم يخرج الوصية، ولم يأمره بإخراج الوصية بعد القضاء، فدل ذلك على عدم وجوبها. (٦٥) ٩ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "من ترك مالًا فلورثته، ومن ترك كلًّا فإلينا" (١). وجه الدلالة: أنه ﷺ جعل التركة كلها للورثة وحدهم، وعلى سبيل الحصر "ومن ترك مالا فلورثته" أي فهو لورثته، كما جاء في رواية مسلم، أي لا لغيرهم، فلم يجعل فيها وصية دون إيصاء. (٦٦) ١٠ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن طاوس، عن أبيه، عن

стр. 2504

ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر" (١). فالنبي ﷺ جعل التركة بين الورثة بالفرض والتعصيب، ولم يجعل فيها وصية دون إيصاء. ١١ - حديث ابن عمر ﵄ السابق: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" (٢). وجه الدلالة: أنه ﷺ أمر بالوصية والمبادرة بكتابتها، خشية مفاجأة الموت، وفوات الفرصة، ولو كانت الوصية لا تحتاج إلى إيصاء، وتنفذ بدونه لم تكن فائدة في الحث على المبادرة إلى كتابتها إذا كانت تنفذ بإيصاء وبدونه. ١٢ - قال ابن حجر في الفتح: " ونسب ابن عبد البر القول بعدم الوجوب إلى الإجماع سوى من شذ، كذا قال، واستدل لعدم الوجوب من حيث المعنى؛ لأنه لو لم يوص لقُسّم جميع ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله سهم ينوب عن الوصية " (٣). ١٣ - الإجماع على أن الوصية لا تنعقد إلا بإيجاب ممن هو أهل لذلك، وهو منتف في حال موت الموصي بدون إيصاء، والقاعدة: أنه يلزم من انعدام الركن انعدام الحقيقة، وإذا لم تكن وصية فأي شيء يلزم الورثة بتنفيذه؟.

стр. 2505

أدلة القول الثاني: (وجوب إخراج شيء من التركة) ١ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ (١). دلت الآية على وجوب الوصية، فإذا لم يفعل الميت فإنها تؤخذ من ماله لتعلق حق القرابة بها، وزوال ملكه عنها. ونوقش الاستدلال بالآية من وجهين: الأول: ما سبق توضيحه من عدم دلالة الآية على الوجوب، أو أنها منسوخة عند الجمهور. الثاني: أنه لا يلزم من وجوب الوصية وجوب إخراجها دون إيصاء، كما دلت على ذلك أدلة الجمهور. ولهذا لم يقل الطبري بوجوب إخراجها، واكتفى بإثم تاركها رغم قوله بوجوبها. ٢ - ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أمي افتلتت نفسها، وأظنها لو تكلمت تصدقت، فهل لها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: «نعم» (٢). قال ابن حزم: " هذا إيجاب للصدقة عمن لم يوص، وأمره ﷺ فرض". ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن السائل هو سعد بن عبادة، والمسؤول عنها هي أمه كما جاء التصريح بذلك في حديث ابن عباس ﵄ (٣)، ولم يكن لها مال توصي فيه: (٦٧) لما رواه مالك في الموطأ قال: حدثني سعيد بن عمرو بن

стр. 2506

شرحبيل بن سعيد بن سعد بن عبادة، عن أبيه، عن جده أنه قال: خرج سعد بن عبادة مع رسول الله ﷺ في بعض مغازيه، فحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي، فقالت: فيم أوصي؟ إنما المال مال سعد، فتوفيت قبل أن يقدم سعد، فلما قدم سعد بن عبادة، ذكر ذلك له، فقال سعد: يا رسول الله هل ينفعها أن أتصدق عنها؟ فقال رسول الله ﷺ : «نعم»، فقال سعد حائط كذا وكذا صدقة عنها لحائط سماه " (١). (إسناده صحيح).

стр. 2507

وإذا لم يكن لها مال فلا تجب الوصية في حياتها، كتابا، وسنة، وإجماعا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (١) وقوله ﵊: " له شيء يوصي فيه " (٢)، وإذا لم تجب عليها في حياتها فكيف يسوغ أن يقال: يجب عليها بعد موتها ما لم يكن واجبا عليها في حياتها؟ وكيف يجوز الاستدلال بالحديث على وجوب إخراج الوصية من مال من لم يوص بها؟. الثاني: أن سعداً ﵁ تصدق عن أمه من ماله هو لا من مالها على تسليم أن لها مالا توصي فيه. (٦٨) لما روى البخاري من طريق عكرمة، يقول: أنبأنا ابن عباس ﵄: "أن سعد بن عبادة ﵁ توفيت أمه وهو غائب عنها، فقال: يا رسول الله إن أمي توفيت وأنا غائب عنها أينفعها شيء إن تصدقت به عنها؟ قال: نعم. قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة" (٣).

стр. 2508

الثالث: أن سعدا ﵁ تصدق عن أمه على اختلاف الروايات، وليس في شيء منها أنه تصدق على أقارب أمه فلا تبقى فيه حجة على تنفيذ الوصية للقرابة إذا لم يوص لها الميت في حياته. الرابع: أن المقصود من سؤال سعد هو هل يصل أجر الصدقة على أمه؟ وهل تنتفع أمه بصدقة ولدها عنها، وإن لم تكن الصدقة من فعلها؟ وهل له هو أجر في صدقته عنها؟. وإذا كان المقصود من السؤال هو ثبوت الأجر للميت، أو عدم ثبوته، كان قول الرسول ﷺ في الجواب: نعم هو إخبار عن ثبوت الأجر، وحصول النفع للميت بصدقة الحي عنه؛ للقاعدة الأصولية: جواب السائل غير المستقل تابع للسؤال (١)، وأما الأمر في قوله (تصدق عنها) فهو للندب، وعلى ذلك حمله العلماء، ولذلك ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: "باب ما يستحب لمن مات فجأة أن يتصدقوا عنه"، وهذا هو الموافق للقاعدة الأصولية: أن الأمر بعد الاستئذان لا يدل على الوجوب على الصحيح (٢)، ويوضح ذلك أن سعدا سأل هل يتصدق عن أمه؟ فهل كان ينتظر من الرسول أن يقول له: لا، أو ينهاه عن الصدقة عن أمه، حتى يعلم الناس أن الوصية غير واجبة؛ لأنه لم يأذن فيها لسعد. الخامس: ما فعله سعد عن أمه فعله باسم الصدقة، وباسمها كان السؤال والجواب، والوصية غير الصدقة، فلا ينبغي الخلط بينهما، والاستدلال بما ورد في أحدهما على الأخرى، بالإضافة إلى أن الأصل في الصدقة الندب، ولا تحمل على الوجوب إلا بدليل. السادس: الحديث وارد فيمن مات فجأة، وابن حزم لا يقول بالقياس،

стр. 2509

فلماذا عمم الحكم فيمن مات فجأة، وغيره، مع ما يمكن أن يقال: باختصاص الحكم بمن مات فجأة لعذره بمباغتة الموت له، وعدم إتاحة الفرصة له ليوصي، فتقبل الصدقة عنه وبعد موته، وأما غيره فقد مات مصرا على ترك الوصية، رغم نزول أسباب الموت به، فليس له نية في الخير، ترى إلى قول سعد معتذرا عن أمه، شاهدا لها بحب الخير، ورغبتها في فعله: "إن أمي افتلتت نفسها، وأراها لو تكلمت تصدقت". فالقياس يقتضي التفرقة بينهما، والنص ورد في أحدهما، فما كان ينبغي له التعميم في الحكم على خلاف أصله في منع القياس مطلقاً وبالأخص مع وجود الفارق. السابع: أن الحديث دليل للجمهور في القول بعدم وجوب الوصية، وحجة على من قال بوجوبها كما سبق؛ لأنه ﷺ لم ينكر ترك أم سعد للوصية حين أخبره بذلك ولدها، ولو كانت واجبة لأنكر تركها (١). الثامن: على تسليم دلالة الحديث على وجوب إخراج الوصية من غير إيصاء فهو معارض بما سبق من أدلة الجمهور، فتقدم عليه لوضوح دلالتها وكثرة عددها، بناء على الصحيح عند الأصوليين من الترجيح بكثرة الرواة وكثرة الأدلة. ٣ - ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالا، ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: «نعم» (٢). قال ابن حزم: " فهذا إيجاب للوصية، ولأن يتصدق عمن لم يوص ولا بد؛ لأن التكفير لا يكون إلا في ذنب، فبين النبي ﷺ أن ترك الوصية

стр. 2510

يحتاج فاعله إلى أن يكفر عنه ذلك بأن يتصدق عنه، وهذا لا يسع أحدا خلافه ". ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن الحديث حجة للجمهور في عدم وجوبها؛ لأنه ﷺ لم ينكر على الميت ترك الوصية حين علم بذلك، كما قيل في حديث عائشة السابق. الثاني: السائل في هذا الحديث لم يسأل عن الوصية، وإنما سأل هل تكفر ذنوب أبيه بصدقته عنه، كما تكفر لو كان أبوه أوصى في حياته، كما جاء: (٦٩) فيما روى الطبراني من طريق عمرو بن شمر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبد الله، رفعه، قال: " إنَّ الرجل المسلم ليصنع في ثُلُثه عند موته خيرًا، فَيُوَفِّي الله بذلك زكاته " (١). فالذنوب المسؤول عن تكفيرها هي الذنوب التي تكفرها الوصية، والمذكورة في الحديثين. عن هذا سأل الرجل، وهذا ما أراد بقوله: "فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه، وعلى هذا حمله العلماء " (٢).

стр. 2511

ولم يقصد أن أباه أذنب بترك الوصية كما فهمه ابن حزم، وإنما أراد أن أباه فاتته الوصية التي تكفر الذنوب، فهل يمكن استدراك ذلك بعد موته بالصدقة عنه؟. وإذا كان هذا هو مقصود السائل كان قوله ﷺ في الجواب: "نعم" مجرد إخبار بأن صدقته عن أبيه تكفر ما تكفره وصية أبيه. الثالث: ليس في هذا الحديث أمر، لا بالوصية ولا بالصدقة، فضلا عن كونه أمر إيجاب، فكيف يصح الاستدلال به على وجوب الوصية، ووجوب إخراجها من التركة بغير إيصاء؟ وليس في الحديث أي صيغة من صيغ الأمر، وإنما هو مجرد إخبار بتكفير الصدقة بعد الموت لما وقع فيه التفريط من قبل الأب من زكوات. الرابع: أنه على تقدير أن يكون مقصود السائل هو يكفر عنه ترك الوصية كما فهم ابن حزم فإنه لا يدل على وجوبها؛ لأن التكفير لا يستلزم الذنب، بدليل: أن قاتل الخطأ تجب عليه الكفارة بنص القرآن: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (١)، ومع ذلك فليس عليه ذنب بنص القرآن أيضا، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ (٢). وأيضاً الحانث في اليمين تجب عليه الكفارة بنص القرآن: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ (٣) ومع ذلك لا إثم عليه في حنثه، كما دلت على ذلك السنة النبوية قولا وفعلا. (٧٠) لما روى البخاري ومسلم من طريق الحسن قال: حدثني

стр. 2512

عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله ﷺ : «يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك» (١). فالنبي ﷺ أمر الحالف بالحنث إذا كان خيرا من البر، ولو كان الحنث ذنبا لما أمره به؛ لأنه لا يأمر بالإثم والمنكر. وإذا كان لا تلازم بين الكفارة والإثم لم يكن في الحديث دلالة على وجوب الوصية، والإثم بتركها. الخامس: على تسليم دلالة الحديث على وجوب الوصية، ووجوب إخراجها إذا فرط فيها الميت، فإنه يكون معارضا بما سبق من أدلة الجمهور فتقدم عليه لوضوح دلالتها وكثرتها. (٧١) ٤ - ما رواه سعيد بن منصور قال: حدثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: " جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن أمي ماتت ولم توص أفأوصي عنها؟ قال نعم " (٢) (مرسل). (٧٢) ٥ - ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي بكر بن عبد الرحمن قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ " أعتق عن امرأة ماتت ولم توص وليدة، وتصدق عنها بمتاع " (٣) (مرسل). قال ابن حزم: " لا مرسل أصح من هذين فخالفوهما … يعني الجمهور لرأيهم الفاسد " (٤).

стр. 2513

ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الأول: هو مرسل، وابن حزم لا يقول بحجيته. الثاني: هو فعل، وابن حزم يقول: إن فعله ﷺ محمول على الندب، ولا يدل على الوجوب، فلا يصح احتجاجه بما لا يقول به، إلا أن يدعي أنه بيان للأمر بالوصية في آية البقرة، فيكون للوجوب كما يقوله. الثالث: أنه حجة على الظاهرية ومن معهم؛ لأنه ﷺ أعتق عن المرأة، وتصدق بمتاع، والوصية الواجبة عندهم هي الوصية للوالدين والأقربين، إذا كان ﷺ لم يعط قرابة المرأة كان ذلك دليلا على عدم الوجوب؛ لأنها إذا لم تجب للقرابة لم تجب لغيرهم. الرابع: أنها قضية عين، وقضايا العين لا عموم فيها؛ لأن العموم من صفات الألفاظ، دون الأفعال، فلا عموم لها، كما يقول الأصوليون (١). الخامس: أنه معارض للحديث الصحيح المسند في قسمة تركة سعد بن الربيع وغيره من الأحاديث السابقة، والمسند مقدم على المرسل. (٧٣) ٦ - ما رواه عبد الرزاق من طريق يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال: "مات عبد الرحمن بن أبي بكر في منام له، فأعتقت عنه عائشة تلادا من تلاده " (٢). قال ابن حزم: "فهذا يوضح أن الوصية عندها ﵂ فرض، وأن البر عمن لم يوص فرض؛ إذ لولا ذلك لما أخرجت من ماله ما لم يأمر بإخراجه" (٣).

стр. 2514

ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أنه فعل، والفعل لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على مشروعية الفعل، بقطع النظر عن صفته، فيحمل على الندب جمعا بينه وبين غيره من الأدلة الدالة على عدم الوجوب. الثاني: أنه معارض بفعل عائشة ﵂ -على عدم وجوب الوصية للأقارب؛ لأنها لم تعط الأقارب شيئا وإنما أعتقت رقاباً من رقابه. فلا يصح الاستدلال بهذا الأثر على ذلك، على أن رواية مالك في الموطأ "فأعتقت عنه رقابا كثيرة" (١) وليس في هذا تصريح بأنها أعتقت عنه من ماله، فيحمل أن تكون أعتقت عنه من مالها، كما فعل سعد حين تصدق بماله عن أمه، فلا يبقى فيه دليل. الترجيح في هذه المسألة مبني على الترجيح في المسألة السابقة.

стр. 2515

المبحث الرابع: حكم قبول الوصية اختلف الفقهاء ﵏ في حكم قبول الوصية: القول الأول: يستحب للموصى له قبول الوصية، وعدم ردها إذا لم يكن عليه ضرر في قبولها. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: وجوب قبول الوصية. فقد ذهب ابن حزم إلى وجوب قبول العطايا كلها وحرمة ردها (٢)، وتدخل في ذلك الوصية. وقال عبد الله بن عون: "الأولى ردها وعدم قبولها لمن كان غنياً عنها" (٣). الأدلة: أدلة الجمهور: (الاستحباب) استدل لهذا القول بما يلي:

стр. 2516

١ - قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (١). وجه الدلالة: أن الله أمر بالأكل مما تهبه الزوجة لزوجها من صداقها، والأكل غير متعين، فدل على عدم وجوب قبول الوصية. (٧٤) ٢ - ما رواه البخاري من طريق الزهري، عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب أن حكيم بن حزام ﵁ قال: سألت رسول الله ﷺ ، فأعطاني، ثم سألته، فأعطاني، ثم سألته، فأعطاني، ثم قال: «يا حكيم، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، كالذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى»، قال حكيم: فقلت: يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لا أرزأ (٢) أحدا بعدك شيئا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر ﵁، يدعو حكيما إلى العطاء، فيأبى أن يقبله منه، ثم إن عمر ﵁ دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا، فقال عمر: إني أشهدكم يا معشر المسلمين على حكيم، أني أعرض عليه حقه من هذا الفيء فيأبى أن يأخذه، فلم يرزأ حكيم أحدا من الناس بعد رسول الله ﷺ حتى توفي (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أقر حكيم بن حزام على ألا يقبل من أحد شيئاً.

стр. 2517

(٧٥) ٣ - ما رواه مسلم من طريق عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من عُرض عليه ريحان فلا يرده، فإنه خفيف المحمل طيب الريح " (١). (٧٦) وروى الترمذي من طريق عبد الله بن مسلم، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن" (٢). (حسن). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ نهى عن رد بعض أنواع الهبات، فدل ذلك على جواز رد ما سواها من العطايا، وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر وجه (٣). ٤ - اقتداء برسول الله ﷺ في قبوله وصية البراء له بثلث ماله (٤)، ووصية مخيريق له بجميع ماله. فقد روى الواقدي: "كان مخيريق اليهودي من أحبار اليهود، فقال يوم السبت، ورسول الله ﷺ بأحد: يا معشر اليهود إنكم لتعلمون أن محمداً نبي، وأن نصره عليكم لحق، قالوا: إن اليوم يوم السبت. قال: لا سبت، ثم أخذ سلاحه، ثم حضر مع النبي ﷺ فأصابه القتل. فقال رسول الله ﷺ : مخيريق خير يهود، وقد كان مخيريق حين خرج إلى أحد، قال: إن أصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله" (٥).

стр. 2518

٥ - مساعدة الموصي على حصول أجر الوصية، وثوابها له. ٦ - أنه لا يجبر أحد على تملك شيء بغير إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١). والوصية أولى بهذا الحكم؛ لما يلحق الموصى له من المنة التي قد لا يتحملها، فلا يجبر على قبولها. ٧ - أن في إلزامه القبول إضرارا به، لما قد يترتب على تملك الوصية من واجبات، كان في غني عنها، فلا يجبر على قبولها؛ لحديث "لا ضرر

стр. 2519

ولا ضرار" (١) ولذلك يجب تأويل الأحاديث السابقة، يحمل الأمر على الندب جمعا بين الأدلة. وحجة من قال الأولى تركها: القياس على الصدقة، فإن الأفضل تركها للغني، (٧٧) فقد روى البخاري ومسلم من طريق نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المنبر، وذكر الصدقة، والتعفف، والمسألة: "اليد العليا خير من اليد السفلى، فاليد العليا: هي المنفقة، والسفلى: هي السائلة " (٢). أدلة القول الثاني: (الوجوب) استدل لهذا الرأي بما يلي: (٧٨) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعطي عمر بن الخطاب ﵁ العطاء، فيقول له عمر: أعطه يا رسول الله أفقر إليه مني، فقال له رسول الله ﷺ : "خذه فتموله أو تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف، ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك" قال سالم: فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحداً شيئاً ولا يرد شيئاً أعطيه " (٣). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر عمر ﵁ أن يأخذ ما أتاه من غير إشراف

стр. 2520

ولا مسألة، فلفظ "ما جاءك" عام، والعام الوارد على سبب خاص معتبر عمومه؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما يقول الأصوليون. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الأول: أن هذا الأمر أمر ندب، فقد نقل ابن حجر عن الطبري أن أهل العلم أجمعوا على أن قول النبي ﷺ لعمر ﵁ (خذه) أمر ندب (١). الثاني: أن هذا الحديث إنما هو في العطايا التي هي من بيت المال (٢). الثالث: أن أمر النبي ﷺ عمر بأخذ المال في هذا الحديث؛ لكونه عمل له عملاً فيكون قد أعطاه بذلك حقه (٣). ٢ - ما تقدم من قبول النبي ﷺ للوصية. ونوقش هذا الاستدلال: بأن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب. (٧٩) ٣ - ما رواه مسلم من طريق بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي أنه قال: استعملني عمر بن الخطاب ﵁ على الصدقة، فلما فرغت منها وأديتها إليه أمر لي بعمالة فقلت: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله ﷺ فَعَمَّلَنِي، فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله ﷺ : "إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل فكل وتصدق " (٤). ونوقش الاستدلال: بما نوقش به الدليل السابق. (٨٠) ٤ - ما رواه الإمام أحمد من طريق إسرائيل، عن الأعمش، عن

стр. 2521

شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أجيبوا الدَّاعي، ولا تَرُدُّوا الهديَّة، ولا تضربوا المسلمين» (١). والوصية ملحقة بالهدية بجامع التبرع. ونوقش الاستدلال لهذا الحديث: أن النهي هنا للكراهة؛ لما تقدم من أدلة الجمهور. (٨١) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب قال: "رأيت ابن عمر وابن عباس يأتيهما هدايا المختار فيقبلانها" (٢). (٨٢) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الملك بن عمير قال: "أرسل معي بشر بن مروان بخمسمئة إلى خمسة أناس إلى أبي جحيفة، وإلى

стр. 2522

أبي رزين، وعمرو بن ميمون، ومرة وأبي عبد الرحمن، فردها أبو رزين، وأبو جحيفة، وعمرو بن ميمون، وقبلها الآخرون " (١). (٨٣) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سماك بن سلمة، عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة ﵂ "فأتاها رسول من عند معاوية بهدية فقبلتها" (٢). (٨٤) ٧ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، نا ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما أحد يهدي إلي هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلم أكن لأسأل" (٣). (٨٥) ٨ - ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال، نا مهدي بن ميمون، نا واصل مولى أبي عيينة، عن صاحب له أن أبا الدرداء ﵁ قال: "من آتاه الله من هذا المال شيئاً من غير مسألة، ولا إشراف فليأكله وليتموله" (٤). والوصية ملحقة بالهدية بجامع التبرع. ونوقشت هذه الآثار: أنها محمولة على الاستحباب؛ لما تقدم من أدلة الجمهور. ٩ - من جهة النظر فإن رد الوصية بعد موت الموصي حرمان له من أجر وصيته، وصد عن سبيل من سبل الخير؛ لتعذر استدراك ذلك على الموصي، وذلك مخالفة لما فرضه الله من النصح للمسلم؛

стр. 2523

(٨٦) لما رواه مسلم من طريق عطاء بن يزيد، عن تميم الدَّاريِّ ﵁: "أنّ النبي ﷺ قال: "الدين النَّصيحة، قلنا: لمن؟، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامتهم " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن النصيحة ليست واجبة على سبيل الإطلاق، ومن ذلك النصيحة بقبول الوصية؛ لما تقدم من أدلة القول الأول. الترجيح: الراجح -والله أعلم- استحباب قبول الوصية؛ لقوة الدليل على ذلك، ولمناقشة الدليل المخالف.

стр. 2524

المبحث الخامس: القدر المستحب أن يوصى به تقدم أن الأصل استحباب الوصية لمن ترك خيرا كثيرا، واتفق الفقهاء على صحة الوصية بالثلث ولزومها، وإن لم يجزها الورثة؛ لحديث سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ : "الثلث والثلث كثير" (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم " (٢)، وحديث عمران بن حصين ﵁: «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» (٣). واختلف العلماء في القدر المستحب أن يوصى به تبرعاً: وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم الوصية بالثلث تبرعا اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين: القول الأول: جواز الوصية بالثلث تبرعا.

стр. 2525

وهو قول جمهور العلماء (١). وحجته: ما سيأتي من الأدلة في المسألة الآتية. القول الثاني: أنه لا يجوز بلوغ الثلث في الوصية تبرعا. وبه قال بعض العلماء (٢). وحجته: (٨٧) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق مالك بن الحارث، عن العباس ﵁ قال: "الربع جنف، والثلث جنف" (٣) (منقطع). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأثر لا يثبت. وعلى هذا فالراجح القول الأول؛ لقوة أدلته وصراحتها. المطلب الثاني: القدر المستحب أن يوصى به تقدم أن الموصي له أن يوصي بالثلث، لكن هل يستحب له أن يبلغه، أو الأفضل أن يقصر عنه؟ هذا موضع خلاف بين العلماء: القول الأول: إن كان الورثة أغنياء لم يستحب النقص عن الثلث، وإلا استحب.
следующие страницы →