شقيق، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «أجيبوا الدَّاعي، ولا تَرُدُّوا الهديَّة، ولا تضربوا المسلمين» (١).
والوصية ملحقة بالهدية بجامع التبرع.
ونوقش الاستدلال لهذا الحديث: أن النهي هنا للكراهة؛ لما تقدم من أدلة الجمهور.
(٨١) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حبيب قال: "رأيت ابن عمر وابن عباس يأتيهما هدايا المختار فيقبلانها" (٢).
(٨٢) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الملك بن عمير قال: "أرسل معي بشر بن مروان بخمسمئة إلى خمسة أناس إلى أبي جحيفة، وإلى
стр. 2522
أبي رزين، وعمرو بن ميمون، ومرة وأبي عبد الرحمن، فردها أبو رزين، وأبو جحيفة، وعمرو بن ميمون، وقبلها الآخرون " (١).
(٨٣) ٦ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق سماك بن سلمة، عن عبد الرحمن بن عصمة قال: كنت عند عائشة ﵂ "فأتاها رسول من عند معاوية بهدية فقبلتها" (٢).
(٨٤) ٧ - ما رواه ابن حزم من طريق حماد بن سلمة، نا ثابت البناني، عن أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما أحد يهدي إلي هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلم أكن لأسأل" (٣).
(٨٥) ٨ - ما رواه ابن حزم من طريق الحجاج بن المنهال، نا مهدي بن ميمون، نا واصل مولى أبي عيينة، عن صاحب له أن أبا الدرداء ﵁ قال: "من آتاه الله من هذا المال شيئاً من غير مسألة، ولا إشراف فليأكله وليتموله" (٤).
والوصية ملحقة بالهدية بجامع التبرع.
ونوقشت هذه الآثار: أنها محمولة على الاستحباب؛ لما تقدم من أدلة الجمهور.
٩ - من جهة النظر فإن رد الوصية بعد موت الموصي حرمان له من أجر وصيته، وصد عن سبيل من سبل الخير؛ لتعذر استدراك ذلك على الموصي، وذلك مخالفة لما فرضه الله من النصح للمسلم؛
стр. 2523
(٨٦) لما رواه مسلم من طريق عطاء بن يزيد، عن تميم الدَّاريِّ ﵁: "أنّ النبي ﷺ قال: "الدين النَّصيحة، قلنا: لمن؟، قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمَّة المسلمين وعامتهم " (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن النصيحة ليست واجبة على سبيل الإطلاق، ومن ذلك النصيحة بقبول الوصية؛ لما تقدم من أدلة القول الأول.
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- استحباب قبول الوصية؛ لقوة الدليل على ذلك، ولمناقشة الدليل المخالف.
стр. 2524
المبحث الخامس: القدر المستحب أن يوصى به
تقدم أن الأصل استحباب الوصية لمن ترك خيرا كثيرا، واتفق الفقهاء على صحة الوصية بالثلث ولزومها، وإن لم يجزها الورثة؛ لحديث سعد ﵁، وفيه قوله ﷺ : "الثلث والثلث كثير" (١)، وحديث أبي هريرة ﵁ "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم " (٢)، وحديث عمران بن حصين ﵁: «أن رجلا أعتق ستة مملوكين له عند موته، لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله ﷺ ، فجزأهم أثلاثا، ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا» (٣).
واختلف العلماء في القدر المستحب أن يوصى به تبرعاً:
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: حكم الوصية بالثلث تبرعا
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: جواز الوصية بالثلث تبرعا.
стр. 2525
وهو قول جمهور العلماء (١).
وحجته: ما سيأتي من الأدلة في المسألة الآتية.
القول الثاني: أنه لا يجوز بلوغ الثلث في الوصية تبرعا.
وبه قال بعض العلماء (٢).
وحجته:
(٨٧) ما رواه ابن أبي شيبة من طريق مالك بن الحارث، عن العباس ﵁ قال: "الربع جنف، والثلث جنف" (٣) (منقطع).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن الأثر لا يثبت.
وعلى هذا فالراجح القول الأول؛ لقوة أدلته وصراحتها.
المطلب الثاني: القدر المستحب أن يوصى به
تقدم أن الموصي له أن يوصي بالثلث، لكن هل يستحب له أن يبلغه، أو الأفضل أن يقصر عنه؟ هذا موضع خلاف بين العلماء:
القول الأول: إن كان الورثة أغنياء لم يستحب النقص عن الثلث، وإلا استحب.
стр. 2526
وبه قال الكاساني، والنووي (١).
قال الكاساني: " فإن كانت ورثته فقراء فالأفضل أن يوصي بما دون الثلث ويترك المال لورثته؛ لأن غُنْية الورثة تحصل بما زاد على الثلث إذا كان المال كثيرا ولا تحصل عند قلته.
والوصية بالخمس أفضل من الوصية بالربع، والوصية بالربع أفضل من الوصية بالثلث ...... وإن كان ورثته أغنياء، فالأفضل الوصية بالثلث " (٢).
قال النووي: "إن كان ورثته أغنياء استُحِب الإيصاء بالثُّلُث، وإلا فَيُستحب النقص منه" (٣).
القول الثاني: أنه يستحب النقص عن الثلث مطلقاً، سواء كان الورثة أغنياء أو فقراء.
وبه قال الحنفية، والمالكية، والشافعية، وبعض الحنابلة (٤).
القول الثالث: يستحب الوصية بالخمس.
وهو مذهب الحنابلة (٥).
القول الرابع: أنه تستحب الوصية بثلث المال عند كثرته.
وبه قال القاضي، وأبو الخطاب، وابن عقيل من الحنابلة.
قال الحارثي: وهو المنصوص (٦).
стр. 2527
القول الخامس: أنه تستحب الوصية بالثلث للغني، وللمتوسط بالخمس.
وبه قال بعض الحنابلة (١).
القول السادس: وقال إسحاق بن راهوية: السنة الربع إلا أن يكون الموصي رجلا يعرف في ماله الشبهات، فعليه استغراق الثلث (٢).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
أولاً: دليلهم على استحباب الوصية بالثلث إذا كان الورثة أغنياء:
١ - حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وفيه رواية "الثلث" بالرفع.
قال الشوكاني: "ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل أي كثير أجره " (٣).
ونوقش: بأن المعنى كثير غير قليل كما ذهب إلى ذلك ابن عباس ﵄، والشافعي (٤)، وغيرهما، كما سيأتي.
٢ - رواية "الثلث" بالنصب على الإغراء وهو دليل الندب (٥).
٣ - حديث أبي هريرة ﵁ "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم" (٦) وهو عام في الغني والفقير، وفيمن ترك ورثة أغنياء أو فقراء يحيطون بميراث أو لا.
(٨٨) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن
стр. 2528
عمر ﵄ قال: ذكر عند عمر الثلث في الوصية فقال: "الثلث وسط، لا بخس ولا شطط " (١).
(٨٩) ٥ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه " أن الزبير أوصى بثلثه " (٢).
(٩٠) ٦ - ما رواه البيهقي من طريق طلحة بن مصرف، عن مالك بن الحارث، عن ابن عباس ﵄ قال: "الذي يوصي بالخمس أفضل من الذي يوصي بالربع، والذي يوصي بالربع أفضل من الذي يوصي بالثلث " (٣).
٧ - أن الأجر يكثر بكثرة الصدقة، ويقل بقلتها، ولا تستوي الصدقة بالقليل والصدقة بالكثير، ويدل على ذلك:
(٩١) ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي ﷺ أي العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله»، قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: «أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها» (٤)، والوصية مثل الصدقة والعتق تعظم بعظم الموصى به.
ثانياً: دليلهم على استحباب النقص عن الثلث إذا كان الورثة فقراء:
١ - حديث سعد ﵁، وفيه قول النبي ﷺ : "الثلث والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تدعهم عالة يتكففون الناس"، وفيه دليل على مشروعية مراعاة حال الورثة عند الوصية.
стр. 2529
(٩٢) ٢ - ما رواه سعيد بن منصور من طريق إسحاق بن سويد، قال: نا العلاء بن زياد، قال: جاء شيخ إلى عمر فقال: «يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير وإن مالي كثير، وترثني أعراب موال، كلالة، منزوح (١) نسبهم، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: يا أمير المؤمنين أنا شيخ كبير ومالي كثير ويرثني أعراب موال، كلالة، منزوح نسبهم، أفأوصي بمالي كله؟ قال: لا، قال: فلم يزل يحطه حتى بلغ العشر» (٢).
(٩٣) ٣ - ما رواه البخاري من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن ابن عباس ﵄ قال: لو غض الناس إلى الربع؛ لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث والثلث كثير أو كبير» (٣).
أدلة القول الثاني: ما تقدم من حديث سعد ﵁، وما سيأتي من آثار الصحابة ﵃.
أدلة القول الثالث:
(٩٤) ١ - ما رواه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي ﵁ قال: " لأن أوصى بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع، وأن
стр. 2530
أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث، ومن أوصى بالثلث فلم يترك شيئا " (١).
(٩٥) ٢ - ما رواه البيهقي من طريق محمد ثنا شيبان، عن قتادة قال: "ذكر لنا أن أبا بكر ﵁ أوصى بخمس ماله، وقال: لا أرضى من مالي بما رضي الله به من غنائم المسلمين (وقال قتادة)، وكان يقال الخمس معروف، والربع جهد والثلث يجيزه القضاة " (٢).
(٩٦) ٣ - ما رواه سعيد بن منصور في سننه من طريق إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي: " كان الخمس أحب إليهم من الثلث (٣)، وأما الثلث فهو منتهى الجامح ".
دليل القول الرابع: ما تقدم من حديث سعد ﵁، فقد رخص له النبي ﷺ بالوصية بالثلث؛ لما أخبره بكثرة ماله وقلة عياله.
دليل القول الخامس: ما تقدم من دليل القول الثالث، والرابع.
دليل القول السادس: ما تقدم عن ابن عباس ﵄ في قوله: " لو أن الناس
стр. 2531
غضوا من الثلث إلى الربع".
الترجيح:
الراجح -والله أعلم- أن هذا يختلف باختلاف مال الموصي وحال الورثة، فإن كانوا أغنياء وكثر المال فيستحب أن يوصي بالثلث، وإن كانوا خلاف ذلك نقص بحسب الحال، وبهذا تجتمع الأدلة.
ولأن المتبادر إلى الفهم أن سؤال سعد سؤال عن الجواز، لا عن الاستحباب.
قال ابن قدامة: "فعند هذا يختلف الحال باختلاف الورثة في كثرتهم وقلَّتهم، وغناهم وحاجتهم، فلا يتقيَّد بقدر من المال، والله أعلم ".
وقد قال الشعبي: " ما من مال أعظم أجرًا، من مال يتركه الرجل لولده، يُغنيهم به عن الناس" (١).
فرع: مشروعية المبادرة بالوصية:
عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٢).
(أي ما الحزم أو المعروف من الأخلاق إلا هذا فقد يفجؤه الموت)، وفي حاشية الجمل:
"(قوله: ما حق امرئ مسلم إلخ) ما بمعنى ليس وقوله: "يبيت ليلتين" صفة ثانية لامرئ و "يوصي فيه" صفة "شيء" (٣) أن يمضي عليه زمان، وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة أقول في تخصيص الليلتين تسامح
стр. 2532
في إرادة المبالغة أي لا ينبغي أن يبيت ليلتين، وقد سامحناه في هذا المقدار، فلا ينبغي أن يتجاوز عنه شرح المصابيح للطيبي ا. هـ.
وفي المدابغي على التحرير قوله: يبيت ليلتين، وفي رواية: ليلة، أو ليلتين، وفي رواية: يبيت ثلاث ليال، وكأن الليلتين والثلاث، ذكرا لرفع الحرج؛ لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إليها فيفسح له في هذا القدر، واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا للتحديد، والمعنى لا يمضي عليه زمان، وإن كان قليلا من لدن وجد الشيء الذي يوصي فيه، أو من إرادة الوصية احتمالان إلا ووصيته مكتوبة، وفيه إشارة إلى اغتفار هذا الزمن اليسير، وكأن الثلاثة غاية للتأخير، وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك.
(قوله: ما حق امرئ مسلم) قال الطيبي، والكرماني: "ما " نافية، و "حق" اسمها و "له شيء" صفة "مسلم" ويوصي تقديره آمنا، أو ذاكرا، وقال ابن المتين: موعوكا، والأول أولى؛ لأن استحباب الوصية لا يختص بالمرض.
وقوله: ومفعول "يبيت" لعل حقه أن يقال: وخبر "يبيت" محذوف إلخ، كما لا يخفى.
(قوله: يبيت ليلتين) أي من بلوغه، أو إسلامه إن كان كافرا، فتلخص من هذا أن الاحتمالات خمسة: هذان، والثلاثة المتقدمة، وهي من إرادته للوصية، أو من وجدانه ما يوصي، أو موعوكا ومريضا تأمل (١).
стр. 2533
الفصل الثاني: صيغة الوصية
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: تعريف الركن، وتعداد أركان الوصية.
المبحث الثاني: صيغة الوصية.
стр. 2534
المبحث الأول: تعريف الركن، وتعداد أركان الوصية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: تعريف الركن لغة، واصطلاحاً
الرُّكن لغة: بضم الراء: جانب الشيء الأقوى، وركن الشيء: جانبه الذي يسكن إليه، فيكون عينه (١).
وأما في الاصطلاح: فقد اختلف العلماء في تعريفه على قولين:
عرف الحنفية الركن بأنه: جزء الشيء الذي لا يتحقق إلا به (٢).
وعرف جمهور الفقهاء غير الحنفية الركن بأنه: ما لا يتم الشيء إلا به، سواء كان جزءا منه أم لا (٣).
стр. 2535
المطلب الثاني: تعداد الأركان
اختلف العلماء ﵏ في تعداد أركان الوصية على أقوال:
القول الأول: أن أركان الوصية موصي، وموصى له، وموصى به، وصيغة.
وهذا قول جمهور العلماء (١).
وفي حاشية الجمل للشافعية: " (قوله: موصى له) قضية جعله من الأركان أنه يشترط ذكره، والمعتمد خلافه، فلو اقتصر على قوله: أوصيت بثلث مالي صحت، وتصرف في وجوه البر " (٢).
واختار ابن عبد السلام: أن الصيغة الإيجاب والقبول، ليست من أركان العقود، وإنما هي دليل على حصول ماهية العقد وحقيقته، المشتملة على أركانه، والدليل على الشيء غير المدلول (٣).
القول الثاني: أن أركان الوصية الإيجاب والقبول.
وبه قال أبو حنيفة، وصاحباه (٤).
стр. 2536
القول الثالث: أن ركن الوصية هو الإيجاب فقط.
وبه قال زفر (١).
الأدلة:
دليل الجمهور: أن الركن هو جزء الماهية، ولا يتحقق إلا بوجود هذه الأربعة.
واستدل أبو حنيفة والصاحبان على أن الركن هو الإيجاب والقبول معاً:
١ - قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٢)، فظاهره: أن لا يكون للإنسان شيء بدون سعيه، فلو ثبت الملك للموصى له من غير قبول لثبت من غير سعيه، وهذا منفي إلا ما خص بدليل.
٢ - ولأن القول بثبوت الملك للموصى له من غير قبوله يؤدي إلى الإضرار به من وجهين:
أحدهما: أنه يلحقه ضرر المنة، ولهذا توقف ثبوت الملك للموهوب له على قبوله دفعًا لضرر المنة.
والثاني: أن الموصى به قد يكون شيئًا يتضرر به الموصى له، فلو لزمه الملك من غير قبوله للحقه الضرر من غير التزامه، وإلزام من ليس له ولاية الإلزام؛ إذ ليس للموصي ولاية إلزام الضرر، فلا يلزمه.
ودليل زفر: أن كل واحد من الملكين ينتقل بالموت، ثم ملك الوارث لا يفتقر إلى قبوله فكذا ملك الموصى له.
والأقرب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لقوة دليله.
стр. 2537
المبحث الثاني: صيغة الوصية
وفيه مطالب:
المطلب الأول: تعريف الصيغة
قال ابن عرفة: الصيغة ما دل على معنى الوصية، فيدخل اللفظ والكتابة، والإشارة (١).
وفي رد المحتار: " وأما بيان الألفاظ المستعملة فيها، ففي النوادر عن محمد إذا قال: اشهدوا أني أوصيت لفلان بألف درهم، وأوصيت أن لفلان في مالي ألف درهم، فالأولى وصية والأخرى إقرار، وفي الأصل قوله: سدس داري لفلان وصية، وقوله: لفلان سدس في داري إقرار، وعلى هذا قوله: لفلان ألف درهم من مالي وصية استحسانا إذا كان في ذكر وصيته، وفي مالي إقرار، وإذا كتب وصيته بيده، ثم قال: اشهدوا علي في هذا الكتاب جاز استحسانا، وإن كتبها غيره لم يجز " (٢).
وفي شرح الخرشي: "هذا هو الركن الثالث: وهي الصيغة، والمعنى: أن الوصية تكون بلفظ صريح، كأوصيت، وتكون بلفظ غير صريح يفهم منه
стр. 2538
إرادة الوصية، كالإشارة، وظاهره ولو من القادر على الكلام، خلافا لابن شعبان " (١).
قال في نهاية المحتاج: " (وصيغتها) أي الوصية ما أشعر بها من لفظ أو نحوه ككتابة مع نية كما سيأتي، وإشارة أخرس،
فمن الصريح (أوصيت) فما أفهمه تعريف الجزأين من الحصر غير مراد (له بكذا) ولو لم يقل بعد موتي لوضعها شرعا لذلك (أو ادفعوا إليه) كذا (أو أعطوه) كذا وإن لم يقل من مالي أو وهبته أو حبوته أو ملكته كذا أو تصدقت عليه بكذا (بعد موتي) أو نحوه الآتي راجع لما بعد أوصيت، ولم يبال بإيهام رجوعه له نظرا لما عرف من سياقه أن أوصيت وما اشتق منه موضوعة لذلك (أو جعلته له) بعد موتي (أو هو له بعد موتي) أو بعد عيني أو إن قضى الله علي وأراد الموت وإلا فهما لغو، وذلك؛ لأن إضافة كل منهما للموت صيرتها بمعنى الوصية، وكأن حكمة تكريره بعد موتي اختلاف ما في السياقين، إذ الأول محض أمر.
والثاني: لفظه لفظ الخبر، ومعناه الإنشاء، وزعم أنها لو تأخرت لم تعد للكل؛ لأن العطف بأو ضعيف كما مر في الوقت (فلو اقتصر على) نحو وهبته له فهو هبة ناجزة، أو على نحو ادفعوا إليه كذا من مالي فتوكيل يرتفع بنحو موته وفي هذه وما قبلها لا يكون كناية وصية أو على جعلته له احتمل الوصية والهبة، فإن علمت نيته لأحدهما وإلا بطل، أو على ثلث مالي للفقراء لم يكن إقرارا، بل كناية وصية على الراجح، أو على (هو له فإقرار)؛ لأنه من صرائحه ووجد نفاذا في موضوعه فلا يجعل كناية وصية، وكذا لو اقتصر على قوله هو صدقة أو وقف على كذا فينجز من حينئذ وإن وقع جوابا ممن قيل له أوص؛ لأن مثل ذلك لا يفيد (إلا أن يقول هو له من مالي فيكون
стр. 2539
وصية) أي كناية عنها لاحتماله لها وللهبة الناجزة فافتقر للنية، وبه يرد ما رجحه السبكي أنه صريح، وعلى الأول لو مات ولم تعلم نيته بطل؛ لأن الأصل عدمها، والإقرار هنا غير متأت لأجل قوله مالي نظير ما يأتي (وتنعقد بكناية) وهي ما احتمل الوصية وغيرها، كقوله: عينت له هذا أو عبدي هذا له، كالبيع بل أولى " (١).
وفي شرح المنتهى: " (وتصح) الوصية (مطلقة) كوصَّيت لفلان بكذا (و) تصح (مقيدة) كإن مت في مرضي أو عامي هذا فلزيد كذا؛ لأنه تبرع يملك تنجيزه، فملك تعليقه كالعتق " (٢).
المطلب الثاني: الإيجاب
وفيه مسائل:
المسألة الأولى: المراد به.
الإيجاب لغة: الإلزام (٣).
وهو أن يأتي الموصي بلفظ دال على معنى الوصية.
والمقصود بالإيجاب: ما يعبر به الموصي عن إنشاء الوصية، أو بعبارة أخرى وهو كل ما يدل على معنى الوصية، ويفهم منه قصدها وإنشاؤها، دون التقيد بصيغة معينة؛ لأن الوصية عقد.
стр. 2540
والقاعدة العامة في العقود: أن العبرة فيها بالمعاني لا بالألفاظ، ولا يشترط فيها لفظ مخصوص ولا عبارة معينة، قال ابن لجين: (وكذلك لو قال لفلان: ألف درهم من ثُلُثي فهذا وصيَّة، وإن لم يذكر فيها الموت)؛ لاشتهار هذا التعبير في الدلالة على الوصية، ولأن كلمة ثلث قد اشتهرت في الوصايا فصارت دالة على ثلث التركة (١).
ومن هنا تنوعت الصيغة إلى ثلاثة أنواع: القول، والكتابة، والإشارة.
المسألة الثانية: انعقاد الإيجاب بالقول.
يتفق الفقهاء على انعقاد الإيجاب بالقول الدال عليها، كانت الدلالة عليها بالوضع، أو بالقرينة.
قال ابن شاس: "هي كل لفظ مفهم قصد الوصية بالوضع، أو القرينة، نحو أوصيت وأعطوه، أو جعلته له، أو هو له إذا فهمت الوصية بذلك " (٢).
فإن كان اللفظ محتملا للوصية وغيرها فالمعتبر ما فهمه الشهود عند تحمل الشهادة من الوصية، أو الوعد بها، أو تبتيل العطية، وإن لم يفهموا شيئا من ذلك فالعمل على القرائن اللفظية (٣).
وعند الحنفية: الصيغة أن يقول أوصيت لفلان بكذا أو جعلت لفلان ثلث مالي بعد موتي، ونحو ذلك من الألفاظ المستعملة في الوصية (٤)، ويقسمونها إلى صريح وكناية.
وقسم الشافعية الإيجاب: إلى صريح، وكناية.
فالصريح: لا يحتاج إلى نية، والكناية تحتاج إليها.
стр. 2541
فالصيغة الصريحة عندهم: ما كان الإشعار بها فيه قويا، سواء كان بالوضع، أو بالقرينة، مثل أوصيت، ووصيت وما اشتق منهما، وإن لم يقل بعد موتي، وادفعوا له أو أعطوه، أو جعلته له، أو وهبته له، أو تصدقت به عليه، أو ملكته له، أو هو له إذا قال في جميع ذلك بعد موتي، أو إن قضى الله عليّ، ونحو ذلك.
فإن اقتصر على قوله: أعطوه، أو ادفعوا له ولم يزد بعد موتي كان توكيلا على العطاء، ينقطع بالموت ونحوه من كل ما تبطل به الوكالة، ولا شيء للمأمور له بالعطاء بعد موت الآمر؛ لأنها وكالة بطلت (١).
وإن اقتصر على قوله: وهبته له، أو تصدقت، أو ملكت ولم يزد بعد موتي، أو عيني، أو إن قضى الله عليّ فهي عطية ناجزة، ولو وقع ذلك جوابا لقول من قال له: أوص لفلان.
أما إن اقتصر على قوله هو لفلان فإنه يعتبر إقرارا، لا وصية، إلا أن يقول: هو له من مالي، فيكون كناية عن الوصية؛ لتعذر حمله على الإقرار حينئذ نظرا لقوله: من مالي، فلم يبق إلا حمله على الوصية، أو الهبة الناجزة؛ لاحتمال اللفظ لهما، فلا يحمل على الوصية إلا بنية فإذا علمت نيته فذاك وإلا بطل.
والكناية عندهم: ما احتمل الوصية وغيرها.
مثل: قوله عينت له هذا، أو هذا له، أو ثلث مالي للفقراء على الراجح عندهم.
ولا بد من الاعتراف بالنية نطقا من الموصي أو وارثه (٢).
وعند الحنابلة: يشترط في الصيغة أن تدل على معنى الوصية، مثل:
стр. 2542
وصيت وأوصيت، وأعطوه من مالي بعد موتي كذا، أو جعلته له بعد موتي، أو هو له بعد موتي، ونحو ذلك مما يؤدي معنى الوصية (١).
في كشاف القناع: " (وتنعقد الوصية بقوله: وصيت لك) بكذا (أو) وصيت (لزيد بكذا أو أعطوه من مالي بعد موتي كذا أو ادفعوه إليه) بعد موتي (أو جعلته له) بعد موتي (أو هو له بعد موتي، أو هو له من مالي بعد موتي ونحو ذلك) مما يؤدي معناها، كملكته له بعد موتي " (٢).
وفي الإنصاف: " وقال الشيخ تقي الدين ﵀: الأحكام تتعلق بما أراده الناس بالألفاظ الملحونة، كقوله: حلفت بالله رفعا أو نصبا، والله باصوم وباصلي ونحوه،
وكقول الكافر: أشهد أن محمد رسول الله برفع الأول ونصب الثاني، وأوصيت لزيدا بمئة وأعتقت سالم ونحو ذلك وهو الصواب ".
وقال أيضا: " من رام جعل جميع الناس في لفظ واحد بحسب عادة قوم بعينهم، فقد رام ما لا يمكن عقلا ولا يصلح شرعا " (٣).
وقال شيخ الإسلام: "إنَّ أسماءَ العقود ورَدَت في الكتاب والسنة معلّقاً بها أحكام شرعية، ولا بدَّ لكلِّ اسمٍ حدٌّ يُعرفُ به إما باللُّغةِ، كالشَّمسِ والقمرِ والبر والبحر، وإما بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وما لم يكن له حدٌّ في اللُّغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض، ومعلومٌ أنَّ البيعَ والإجارةَ والهبةَ ونحوها لم يحد الشارع لها حد، وليس لها حد في لغة العرف أيضا، وبما أن الأمر كذلك فيكون المرجع فيها إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعا فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة " (٤).
стр. 2543
المسألة الثالثة: انعقاد الإيجاب بالفعل:
وتحتها أمور:
الأمر الأول: انعقاد الوصية بمجرد الفعل.
إذا تعارف الناس على فعل من الأفعال يكون وصية، فهل تنعقد الوصية بذلك؟.
ظاهر كلام جمهور أهل العلم: أنه يصح إيجاب الوصية بذلك، كما يصح القبول بذلك، كما سيأتي في مباحث القبول قريباً.
وعند الشافعية: لا يصح إيجاب الوصية بالفعل، كما لا يصح قبول الوصية بالفعل، كما سيأتي في مباحث قبول الوصية.
الأمر الثاني: الكتابة:
وتحته فروع:
الفرع الأول: إيجاب الوصية بالكتابة.
لا خلاف في انعقاد الوصية بالكتابة من القادر على النطق، والعاجز عنه.
قال ابن المنذر: "وأجمعوا على أن الموصي إذا كتب كتابا وقرأه على الشهود وأقر بما فيه أن الشهادة عليه جائزة " (١).
قال في غمز عيون البصائر: " وأما الوصية بالكتابة؛ فقال في شهادات المجتبى: كتب صكا بخط يده إقرارا بمال أو وصية، ثم قال لآخر: اشهد علي من غير أن يقرأ له، وسعه أن يشهد (انتهى).
وفي الخانية من الشهادات: رجل كتب صك وصية وقال للشهود:
стр. 2544
اشهدوا بما فيه ولم يقرأ وصيته عليهم. قال علماؤنا: لا يجوز للشهود أن يشهدوا بما فيه، وقال بعضهم: يسعهم أن يشهدوا.
والصحيح أنه لا يسعهم، وإنما يحل لهم أن يشهدوا بإحدى معان ثلاثة: إما أن يقرأ الكتاب عليهم، أو كتب الكتاب غيره وقرأ عليه بين يدي الشهود، ويقول لهم: اشهدوا علي بما فيه، أو يكتب هو بين يدي الشاهد، والشاهد يعلم بما فيه، ويقول هو: اشهدوا علي بما فيه" (١).
وقال في حاشية الدسوقي: " إن الموصي إذا كتب وصيته بخطه أو أملاها لمن كتبها، وقال للشهود: اشهدوا علي أن ما في هذه الوثيقة وصيتي أو على أني أوصيت بما فيها ولم يقرأها عليهم، فإنه يجوز لهم القدوم على الشهادة بأنه أوصى بما انطوت عليه هذه الوثيقة، فقول المصنف: (ولهم الشهادة) يعني أنه يجوز للشهود القدوم على الشهادة بما انطوت عليه وصية الموصي بأن يقولوا: نحن نشهد بأنه أوصى بما انطوت عليه هذه الوصية أي الوثيقة، وإن لم يقرأها عليهم ولا فتح الكتاب لهم ولو بقي الكتاب عنده إلى أن مات بشرط أن يشهدهم بما في كتاب وصيته، أو يقول لهم: أنفذوه وبشرط أن لا يوجد في الوثيقة محو ولا تغير، وأن يعرفوا الوثيقة بعينها، كذا قرر شيخنا العدوي" (٢).
وقال في إعانة الطالبين: " (الكتابة كناية، أي الوصية بالكتابة كناية، وإن كان المكتوب صريحا (قوله: فتنعقد) أي الوصية.
وقوله بها: أي الكتابة.
وقوله مع النية: أي نية الوصية، فإذا كتب لزيد كذا ونوى به الوصية صح ذلك، وكان وصية (قوله: ولو من ناطق) غاية للانعقاد بالكتابة مع النية
стр. 2545
(قوله: إن اعترف الخ) قيد للانعقاد بها من الناطق، أي لا تنعقد بها منه إلا إن اعترف بالنية نطقا) " (١).
وقال في الشرح الكبير: " (وإن وجدت وصيته بخطه صحت) " (٢).
والأصل في ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣)، فأمر الله بكتابة الدين ومن ذلك كتابته بالوصية، فإذا ثبتت الوصية كتابة بالواجبات أكّد التبرعات.
٢ - حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (٤).
فلو كانت الوصية لا تنعقد بالكتابة لما كانت فائدة من الأمر بكتابتها، والحث عليها، وهو عام في القادر على النطق والعاجز عنه؛ لأن لفظ: "امرئ" نكره في سياق النفي فتعم.
٣ - ما سيأتي من آثار الصحابة ﵃.
وشذ بعض المالكية فقال: ببطلان الوصية الشفوية إذا طال عليها الزمان؛ لعدم الكتابة.
والصواب: قبولها مطلقا.
وحجته: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
стр. 2546
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ (٢).
فاكتفى في الآية الأولى بالإشهاد، ولم يشترط كتابة، كما اكتفى في الثانية بمجرد سماع الوصية ولم يشترط كتابتها، وتوعد على تبديلها بعد سماعها، وذلك دليل على وجوب تنفيذها بمجرد سماعها، ولأن التوعد على التبديل يدل على تحريمه، والنهي عن الشيء أمر بضده أو يتضمنه، كما يقول الأصوليون.
وأما السنة: فعموم الأدلة الدالة على وجوب العمل بشهادة البينة.
وأما الإجماع: فقد نص عليه القرطبي، ونقله عنه الحافظ ابن حجر وأقره.
وأما القياس: فقياس الوصية على غيرها من العقود، فإنه لا يشترط كتابتها، وتقبل فيها البينة الشفوية وإن طال الزمان والوصية مثلها.
الفرع الثاني: شروط الوصية بالكتابة.
الشرط الأول: اشترط الشافعية نية الوصية في كتابة الوصية بناءا على ما سبق من تقسيمهم الإيجاب إلى صريح وكناية، والكتابة من الكناية عندهم.
ويظهر أن غيرهم لا يخالفهم في اشتراط النية، فلو كتب وصية ولم ينوها سواء نوى غير الوصية كتجربة قلمه، أو أطلق لم تصح.
إذ الوصية تبرع بالمال أو أمر بالتصرف، وهذا لا بد له من النية، ويدل لهذا ما سيأتي من اشتراط رضى الموصي.
وأيضا النيابة تحتاج إلى نية وقصد،
стр. 2547
أما إن كانت الوصية بواجب فلا حاجة للنية؛ لوجوب إخراج الواجب مطلقا.
الشرط الثاني: الشهادة على الوصية.
اختلف في الاكتفاء بمجرد الكتابة في إثبات الوصية وتنفيذها أو لا بد من الشهادة، على أقوال (١):
القول الأول: الاكتفاء بها إذا عرف خط الموصي، سواء أشهد عليها أم لا.
وهو قول أبي عبيد، وإحدى الروايتين عن أحمد (٢)، وهو المذهب عند الحنابلة.
قال أحمد: "من مات ووجدت وصيته مكتوبة عند رأسه ولم يشهد عليها وعرف خطه، وكان مشهور الخط، يقبل ما فيها".
قال ابن القيم: "وقول الإمام أحمد: إن كان قد عرف خطه وكان مشهور الخط ينفذ ما فيها يرد ما قاله القاضي، فإن أحمد علق الحكم بالمعرفة والشهرة من غير اعتبار لمعاينة الفعل، وهذا هو الصحيح، فإن القصد حصول العلم بنسبة الخط إلى كاتبه، فإذا عرف ذلك وتيقن كان كالعلم بنسبة اللفظ إليه، فإن الخط دال على اللفظ واللفظ دال على القصد والإرادة، وغاية ما يقدر اشتباه الخطوط، وذلك كما يعرض من اشتباه الصور والأصوات، وقد جعل الله سبحانه لخط كل كاتب ما يتميز به عن خط غيره كتميز صورته وصوته عن صورته وصوته، والناس يشهدون شهادة لا يستريبون فيها أن هذا خط فلان، وإن جازت محاكاته ومشابهته فلا بد من فرق، وهذا
стр. 2548
أمر يختص بالخط العربي ووقوع الاشتباه والمحاكاة لو كان مانعا لمنع من الشهادة على الخط عند معاينته إذا غاب عنه لجواز المحاكاة " (١).
القول الثاني: أنه لا يعمل بها حتى يشهد عليها.
وهو قول الحنفية، والشافعية، وإحدى الروايتين عن أحمد (٢).
القول الثالث: أنه لا يعمل بها إلا إذا أشهد الموصي الشهود على أن ما في الوثيقة المكتوبة بخطه هي وصيته، أو قال للشهود، أو للورثة: نفذوا ما فيها، سواء قال لهم ذلك بلسانه، أو كتب بخطه في وصيته إذا مت فلينفذ ما كتب بخطي.
وهو قول المالكية.
ومثل ما كتب بخطه ما كتب بخط غيره إذا ثبت أنه قرأه على الشهود، أو قرئ عليه، فإنه لا يعمل به إلا إذا أشهد أن ذلك وصيته، أو قال نفذوها (٣).
الأدلة:
أدلة القول الأول:
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٤).
وجه الدلالة: دلت الآية على أن الكتابة وثيقة في المعاملات، وفائدة ذلك الاحتجاج بها، والاعتماد عليها عند الإنكار والجحود.
стр. 2549
٢ - حديث ابن عمر ﵄ السابق: وقوله فيه: "ووصيته مكتوبة عنده" (١).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد بالكتابة الشهادة، وبأن فيه إضمارا، والتقدير ووصيته مكتوبة مشهود عليها (٢).
وأجيب: بأن تأويل الكتابة في حديث ابن عمر بالشهادة، أو دعوى إضمار الشهادة فيها خلاف الأصل؛ لأن الأول مجاز بلا قرينة، والثاني إضمار بلا دليل، وكلاهما خلاف الأصل لا يصح حمل الحديث عليهما. أخذا بقاعدة: الحقيقة مقدمة على المجاز؛ لقاعدة الاستقلال مقدم على الإضمار (٣).
٣ - ما ورد من مكاتبة النبي ﷺ الملوك في دعوتهم إلى الإسلام، ومن ذلك:
(٩٧) ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره ...... " ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى " (٤).
ولم يرد عنه ﷺ إشهاد.
стр. 2550
٤ - الآثار الواردة عن الصحابة في اعتبار الكتابة في الوصية، كما سبق وسيأتي.
٥ - أن الكتابة كالخطاب، بل أشد دلالة على جزم الإرادة؛ لأن الإنسان قد يتلفظ سهوا وينطق خطأً، وقد يسبقه لسانه فيتكلم مزحا، وهزلا بخلاف الكتابة؛ فإن العقل متجه إليها، ويفكر في دلالتها ومعناها.
أدلة القول الثاني: (الإشهاد)
١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (١).
ونوقش الاستدلال: بأن الآية مختلف فيها " قيل: والشهادة هنا بمعنى الوصية؛ وقيل بمعنى الحضور للوصية. وقال ابن جرير الطبري: هي هنا بمعنى اليمين، فيكون المعنى: يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد يمين.
وضعف ذلك ابن عطية، واختار أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود " (٢).
٢ - القياس على الشاهد والقاضي، فإن الشاهد إذا عرف خطه ولم يذكر شهادته لم يجز له أداؤها، ولا يعمل بها، والقاضي إذا عرف خطه ولم يتذكر حكمه لا يجوز له تنفيذه، فكذلك خط الموصي إذا عرف لم يجز الاعتماد عليه إلا بالإشهاد منه، أو بإقرار من ورثته؛ لاحتمال رجوعه، ولاحتمال التلبيس والتزوير في الخط.
ونوقش هذا الاستدلال: بأنه قياس على مختلف فيه، فإن الراجح المعمول به في المذهب المالكي: أن الشاهد إذا عرف خطه ونسي شهادته
стр. 2551
يجب عليه أداؤها ويعمل بها، ثم هناك فرق بين الشاهد والموصي يمنع صحة القياس، الشاهد ما زال حيا، فعدم تذكره لشهادته يخلق ريبة في الجملة، بخلاف الموصي فإنه قد مات.
٣ - ولأنه قد يكتبها غير عازم على تنفيذها (١).
ونوقش هذا الاستدلال: باحتمال عدم العزم على الوصية عند الكتابة فهو خلاف الأصل.
٤ - أن الخطوط تتشابه ويصعب تمييزها فيحتمل التزوير والتدليس، وبتطرق الاحتمال إلى الدليل يسقط الاستدلال به.
ونوقش هذا الاستدلال: باحتمال التدليس، بأنه خلاف الأصل، ولأنه يرجع إلى الشك في وجود المانع، وهو لا أثر له في الحكم (٢).
وفي مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم: " إذا كتب وصيته بقلمه وتحقق أنه قلمه كفى ولو لم يشهد، بل الخط أبلغ من الختم؛ لأن الختم قد يزور عليه، وإن كان قد يوجد من يزور على الخط " (٣).
الشرط الثالث: اشترط الشافعية: أن يعرب الموصي بالنية نطقا أو ورثته بعد موته (٤).
وهذا فيه نظر؛ إذ يكتفى بمجرد النية.
стр. 2552
(٩٨) لما رواه البخاري ومسلم من طريق علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١).
الشرط الرابع: اشترط المتقدمون من الحنفية، والشافعية: علم الشهود بما في كتاب الوصية (٢).
وحجته: أنه كتاب لا يعلم الشاهد بما فيه فلم يجز أن يشهد عليه، ككتاب القاضي إلى القاضي (٣).
ونوقش هذا الاستدلال: بأن اشتراط الشهادة في كتاب القاضي إلى القاضي.
قال ابن القيم: "وأول من سأل على كتاب القاضي البينة ابن أبي ليلى وسوار بن عبد الله" (٤).
القول الثاني: أنه تجوز الشهادة، وإن لم يعلم ما في الوصية إذا ثبت ذلك بخط الموصي.
وبه قال الحنابلة (٥).
وحجته: ما تقدم من العمل بخط الموصي.
القول الثالث: جواز ذلك.
стр. 2553
وبه قال أبو حنيفة استحساناً، والمالكية (١)، وهو احتمال عند الحنابلة (٢).
وحجته: ما تقدم من الدليل على عدم اشتراط الشهادة بصحة الوصية بالكتابة.
الفرع الثالث: ما يشرع كتابته في صدر الوصية.
ورد عن السلف من الصحابة، والتابعين أذكار ووصايا عامة يشرع كتابتها في صدر الوصية، فمن ذلك:
(٩٩) ١ - ما رواه عبد الرزاق من طريق محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك ﵁ قال: "كانوا يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان، إنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ﷺ ، (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور) وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٣).
(إسناده صحيح).
(١٠٠) ٢ - ما رواه أبو داود من طريق الليث، عن يحيى بن سعيد، عن
стр. 2554
صدقة عمر بن الخطاب ﵁ قال: نسخها لي عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتب عبد الله عمر في ثمغ، فقص من خبره نحو حديث نافع، قال: «غير متأثل مالا، فما عفا عنه من ثمره فهو للسائل والمحروم». قال: وساق القصة قال: وإن شاء ولي ثمغ اشترى من ثمره رقيقا لعمله. وكتب معيقيب، وشهد عبد الله بن الأرقم: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به عبد الله عمر أمير المؤمنين إن حدث به حدث: أن ثمغا، وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمئة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمئة التي أطعمه محمد ﷺ بالوادي تليه حفصة ما عاشت، ثم يليه ذو الرأي من أهلها أن لا يباع ولا يشترى ينفقه حيث رأى من السائل والمحروم وذوي القربى، ولا حرج على من وليه إن أكل أو آكل أو اشترى رقيقا منه " (١).
стр. 2555
(١٠١) ٣ - ما رواه الطبراني من طريق إسماعيل بن راشد، قال: ...... وقال علي للحسن والحسين ﵃: أي بني أوصيكما بتقوى الله، وإقام الصلاة لوقتها، وإيتاء الزكاة عند محلها، وحسن الوضوء، فإنه لا يقبل صلاة إلا بطهور، وأوصيكم بغفر الذنب، وكظم الغيظ، وصلة الرحم، والحلم عن الجهل، والتفقه في الدين، والتثبت في الأمر، وتعاهد القرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، واجتناب الفواحش، قال: ثم نظر إلى محمد بن الحنفية فقال: هل حفظت ما أوصيت به أخويك؟ قال: نعم، قال: فإني أوصيك بمثله، وأوصيك بتوقير أخويك لعظم حقهما عليك، وتزيين أمرهما، ولا تقطع أمرا دونهما، ثم قال لهما: أوصيكما به، فإنه شقيقكما، وابن أبيكما، وقد علمتما أن أباكما كان يحبه، ثم أوصى فكانت وصيته: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به علي بن أبي طالب ﵁، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، ثم إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ثم أوصيكما يا حسن، ويا حسين، وجميع أهلي وولدي، ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم،
стр. 2556
ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن صلاح ذات البين أعظم من عامة الصلاة والصيام» وانظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، والله الله في الأيتام لا يضيعن بحضرتكم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب ، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في بيت ربكم لا يخلون ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في أهل ذمة نبيكم ﷺ ، فلا يظلمن بين ظهرانيكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بهم حتى ظننت أنه سيورثهم» والله الله في أصحاب نبيكم ﷺ ، فإنه وصي بهم، والله الله في الضعيفين: نسائكم، وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به ﷺ أن قال: " أوصيكم بالضعيفين: النساء، وما ملكت أيمانكم " الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم، يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي أمركم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، عليكم بالتواصل، والتباذل، وإياكم والتقاطع، والتدابر، والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم ﷺ ، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان، في سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات " (١).
стр. 2557
(١٠٢) ٤ - ما رواه الدارمي: حدثنا الحكم بن المبارك، أخبرنا الوليد، عن حفص بن غيلان، عن مكحول، حين أوصى قال: " تشهد هذا -ما شهد به: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ويؤمن بالله ويكفر بالطاغوت على ذلك، يحيا إن شاء الله، ويموت، ويبعث، وأوصى فيما رزقه الله فيما ترك إن حدث به حدث وهو كذا وكذا إن لم يغير شيئا مما في هذه الوصية " (١).
(١٠٣) ٥ - ما رواه البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا ابن عون قال: كانت وصية ابن سيرين: " ذكر ما أوصى به محمد بن أبي عمرة بنيه وبني أهله، أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، وأن يطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ
стр. 2558
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وأوصاهم أن لا يدعوا أن يكونوا إخوان الأنصار ومواليهم؛ فإن العفاف والصدق أتقى وأكرم من الزنا والكذب، وأوصاهم فيما ترك إن حدث بي حدث قبل أن أغير وصيتي " (١).
(١٠٤) ٦ - ما رواه عبد الرزاق عن الثوري قال: سمعت أبي يذكر وصية ربيع بن خثيم "هذا ما أقر به ربيع بن خثيم على نفسه، وأشهد الله عليه وكفى بالله شهيدا، وجازيا لعباده الصالحين، ومثيبا بأني رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبياً، فأوصي لنفسي ومن أطاعني بأن أعبده في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأن أنصح لجماعة المسلمين" (٢).
الأمر الثالث: الإشارة.
وفيه فروع:
الفرع الأول: إشارة الأخرس.
إشارة الأخرس إن كانت الإشارة مفهومة تنعقد بها الوصية اتفاقاً (٣)، والدليل على ذلك:
١ - ما سيأتي من الأدلة على اعتبار الإشارة في الأحكام الشرعية.
стр. 2559
٢ - أن إشارته أقيمت مقامة نطقه في طلاقه وغيره، فتصح بها وصيته (١).
٣ - أنه يعمل بإشارة الأخرس؛ لأنه عاجز عن النطق (٢).
الفرع الثاني: إشارة القادر على الكلام.
اختلف العلماء في حكم وصية القادر على الكلام على قولين:
القول الأول: أنها تنعقد وصيته بالإشارة.
وهو المشهور في مذهب مالك (٣).
القول الثاني: أنه لا تنعقد الوصية بالإشارة من القادر على الكلام.
وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٤).
قال في المغني: "لا خلاف أن إشارة القادر لا تصح بها وصية ولا إقرار" (٥)، كأنه رأى أن البدل لا يقوم مقام المبدل منه في حال القدرة عليه.
الأدلة
أدلة الرأي الأول:
(١٠٥) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سِجْف حجرته،
стр. 2560
ونادى كعب بن مالك قال: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله (١).
(١٠٦) ٢ - ما روى البخاري ومسلم من طريق قتادة، عن أنس ﵁: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، قيل من فعل هذا بك، أفلان، أفلان؟ حتى سُمي اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، «فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين» (٢).
(١٠٧) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع، فاركعوا وإذا رفع، فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» (٣).
فدلت هذه الأدلة وغيرها على الاعتداد بالإشارة في الأحكام الشرعية.
٤ - أن الإشارة المفهمة تقوم مقام الكلام في الإفهام، والدلالة على المقصود والتفاهم والتخاطب (٤).