← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا، ولا تفرقوا، فإني سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن صلاح ذات البين أعظم من عامة الصلاة والصيام» وانظروا إلى ذوي أرحامكم فصلوهم يهون الله عليكم الحساب، والله الله في الأيتام لا يضيعن بحضرتكم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب ، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معايشكم، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم بالعمل به غيركم، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في بيت ربكم لا يخلون ما بقيتم، فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في أهل ذمة نبيكم ﷺ ، فلا يظلمن بين ظهرانيكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم ﷺ قال: «ما زال جبريل يوصيني بهم حتى ظننت أنه سيورثهم» والله الله في أصحاب نبيكم ﷺ ، فإنه وصي بهم، والله الله في الضعيفين: نسائكم، وما ملكت أيمانكم، فإن آخر ما تكلم به ﷺ أن قال: " أوصيكم بالضعيفين: النساء، وما ملكت أيمانكم " الصلاة الصلاة، لا تخافن في الله لومة لائم، يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولي أمركم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم، عليكم بالتواصل، والتباذل، وإياكم والتقاطع، والتدابر، والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ فيكم نبيكم ﷺ ، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام، ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان، في سنة أربعين وغسله الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص، وكبر عليه الحسن تسع تكبيرات " (١).

стр. 2557

(١٠٢) ٤ - ما رواه الدارمي: حدثنا الحكم بن المبارك، أخبرنا الوليد، عن حفص بن غيلان، عن مكحول، حين أوصى قال: " تشهد هذا -ما شهد به: نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، ويؤمن بالله ويكفر بالطاغوت على ذلك، يحيا إن شاء الله، ويموت، ويبعث، وأوصى فيما رزقه الله فيما ترك إن حدث به حدث وهو كذا وكذا إن لم يغير شيئا مما في هذه الوصية " (١). (١٠٣) ٥ - ما رواه البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبي طالب، أنا عبد الوهاب بن عطاء، ثنا ابن عون قال: كانت وصية ابن سيرين: " ذكر ما أوصى به محمد بن أبي عمرة بنيه وبني أهله، أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، وأن يطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما وصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَابَنِيَّ

стр. 2558

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وأوصاهم أن لا يدعوا أن يكونوا إخوان الأنصار ومواليهم؛ فإن العفاف والصدق أتقى وأكرم من الزنا والكذب، وأوصاهم فيما ترك إن حدث بي حدث قبل أن أغير وصيتي " (١). (١٠٤) ٦ - ما رواه عبد الرزاق عن الثوري قال: سمعت أبي يذكر وصية ربيع بن خثيم "هذا ما أقر به ربيع بن خثيم على نفسه، وأشهد الله عليه وكفى بالله شهيدا، وجازيا لعباده الصالحين، ومثيبا بأني رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبياً، فأوصي لنفسي ومن أطاعني بأن أعبده في العابدين، وأحمده في الحامدين، وأن أنصح لجماعة المسلمين" (٢). الأمر الثالث: الإشارة. وفيه فروع: الفرع الأول: إشارة الأخرس. إشارة الأخرس إن كانت الإشارة مفهومة تنعقد بها الوصية اتفاقاً (٣)، والدليل على ذلك: ١ - ما سيأتي من الأدلة على اعتبار الإشارة في الأحكام الشرعية.

стр. 2559

٢ - أن إشارته أقيمت مقامة نطقه في طلاقه وغيره، فتصح بها وصيته (١). ٣ - أنه يعمل بإشارة الأخرس؛ لأنه عاجز عن النطق (٢). الفرع الثاني: إشارة القادر على الكلام. اختلف العلماء في حكم وصية القادر على الكلام على قولين: القول الأول: أنها تنعقد وصيته بالإشارة. وهو المشهور في مذهب مالك (٣). القول الثاني: أنه لا تنعقد الوصية بالإشارة من القادر على الكلام. وهو مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة (٤). قال في المغني: "لا خلاف أن إشارة القادر لا تصح بها وصية ولا إقرار" (٥)، كأنه رأى أن البدل لا يقوم مقام المبدل منه في حال القدرة عليه. الأدلة أدلة الرأي الأول: (١٠٥) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن كعب بن مالك، أن كعب بن مالك أخبره أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا له عليه في عهد رسول الله ﷺ في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله ﷺ وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله ﷺ حتى كشف سِجْف حجرته،

стр. 2560

ونادى كعب بن مالك قال: «يا كعب» قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله (١). (١٠٦) ٢ - ما روى البخاري ومسلم من طريق قتادة، عن أنس ﵁: أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، قيل من فعل هذا بك، أفلان، أفلان؟ حتى سُمي اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي، فاعترف، «فأمر به النبي ﷺ فرض رأسه بين حجرين» (٢). (١٠٧) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أم المؤمنين ﵂ أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاك، فصلى جالسا وصلى وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع، فاركعوا وإذا رفع، فارفعوا، وإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا» (٣). فدلت هذه الأدلة وغيرها على الاعتداد بالإشارة في الأحكام الشرعية. ٤ - أن الإشارة المفهمة تقوم مقام الكلام في الإفهام، والدلالة على المقصود والتفاهم والتخاطب (٤).

стр. 2561

٥ - قياس الإشارة على القول بجامع أن كلا يفهم المقصود ويبين المراد، وأن المعاملات تنعقد بما يدل عليها، ولو بالمعاطاة (١). أدلة القول الثاني: ١ - أنه قادر على النطق، فلم تصح وصيته بالإشارة، كما لو لم تفهم. ونوقش هذا الاستدلال: بوجود الفارق؛ إذ الإشارة المفهومة دل الشرع على اعتبارها، وغير المفهومة ألغاها الشرع. ٢ - أنه لا تصح وصيته قياسا على البيع (٢). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أن الأصل المقيس عليه موضع خلاف. الوجه الثاني: أنه قياس مع الفارق؛ إذ البيع من عقود المعاوضات، ويطلب فيها من التحرير والضبط ما لا يطلب في غيرها، وأما الوصية فمن عقود التبرعات، فلا يطلب فيها ما يطلب في عقود المعاوضات. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة الوصية بالإشارة المفهومة؛ لأنها معتبرة شرعا، ولأنه يتوسع في عقود التبرعات وخصوصا الوصية ما لا يتوسع في غيرها من العقود. الفرع الثالث: وصية معتقل اللسان. إذا اعتقل لسان إنسان وأصبح لا يتكلم لآفة بعد أن كان ناطقا، فهل تصح وصيته بالإشارة؟. إن كانت إشارته غير مفهومة، فلا تصح اتفاقاً.

стр. 2562

وإن كانت مفهومة فاختلف العلماء ﵏ في ذلك على قولين: القول الأول: أن وصيته صحيحة بالإشارة المفهومة. وبه قال المالكية، والشافعية، وهو قول عند الحنابلة، وبه قال ابن المنذر (١). القول الثاني: أن وصيته لا تصح إلا بشرط أن ييئس من رجوع كلامه. وهو مذهب الحنفية، والحنابلة، وبه قال الثوري، والأوزاعي (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: (صحة وصيته) ١ - ما تقدم من الأدلة على صحة اعتبار الإشارة في الأحكام الشرعية. (١٠٨) ٢ - ما يروى أن أمامة بنت أبي العاص ﵄ أصمتت، فقيل لها: ألفلان كذا؟ ولفلان كذا؟ فأشارت أي نعم، فرفع ذلك فرئيت أنها وصية (٣). ونوقش: قال ابن قدامة: " وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لم يذكر من الراوي لذلك، ولم يعلم أنه قول من قوله حجة، ولا علم هل كان ذلك لخرس يرجى زواله أم لا " (٤). ٣ - أنه عاجز عن النطق فهو كالأخرس (٥). أدلة القول الثاني: ١ - قياس العاجز على القادر بجامع أنه غير ميؤوس من نطقه (٦).

стр. 2563

ونوقش الاستدلال من وجوه: الأول: أنه قياس لا يصح؛ لأنه قياس على مختلف فيه، فإن القادر تصح منه الإشارة كما سبق. الثاني: قياس مع وجود الفارق؛ فإن القادر غير معذور عند القائلين بعدم الاعتداد بإشارته، بخلاف العاجز فإنه معذور، لا قدرة له على الكلام، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. الثالث: أنه معارض بقياسه على الأخرس خلقة، بجامع العجز في كل، وإن كان في أحدهما أصليا وفي الآخر طارئا، وهذا أولى من قياسه على القادر، فإنه من قياس الشيء على ضده وهو لا يصح. الرابع: أنه قياس مع وجود النص في الجملة، وهو الأحاديث السابقة. ٢ - أن التفريط جاء من قبله حيث أخر وصيته إلى هذا البيت بخلاف الأخرس فإنه لا تفريط من جهته (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه مأذون له بالتأخير شرعا ما لم تبلغ الروح الحلقوم، والقاعدة: أن ما ترتب على المأذون غير مضمون. الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة وصيته؛ لما تقدم في المسألة السابقة، ولأن الإنسان مأمور بالوصية وجوباً، أو ندباً كما سبق، والعاجز لا يقدر على الوصية إلا بالإشارة، فإبطال وصيته بالإشارة المفهمة حرمان له من حقه في الوصية الذي أعطاه له الله ورسوله، وقد يفاجئه الموت قبل القدرة على الكلام، ولعل هذا هو الذي حدا بأبي حنيفة أن يقول بصحتها بالإشارة من المعتقل لسانه، والمريض إذا استمر عاجزا عن الكلام حتى مات.

стр. 2564

فرع: اختلف من قال لا تصح وصيته حتى ييئس من كلامه متى يقع اليأس؟ فقال الحنفية في المعتمد عندهم: إنه لا يقع اليأس من كلامه إلا بموته (١). فإذا اتصل الاعتقال بالموت، صحت وصيته بإشارته المفهومة، وهو وجه عند الحنابلة (٢). وقال الحنابلة: إنه يقع اليأس من رجوع كلامه إليه، بقول عدلين من أطباء المسلمين (٣). المطلب الثالث: القبول القبول في اللغة: مأخوذ من قبلت الهدية، أي أخذتها (٤). المراد بقبول الوصية: كل ما يشعر بتملك الوصية، وقبول الأمر بالتصرف. وفيه مسائل: المسألة الأولى: حكمه. الوصية إما أن تكون لغير معين كالفقراء والمساكين، أو لمعين كمحمد

стр. 2565

وزيد، فإن كانت لغير معين فإنها تنعقد بالإيجاب وحده ولا تفتقر إلى قبول؛ لتعذره من غير معين (١). وإذا كان الأمر كذلك، فلا يتصور والحالة هذه اتصال بين الإيجاب والقبول. أما إذا كانت الوصية لمعين، فقد اختلف الفقهاء ﵏ في اشتراط القبول لها على قولين: القول الأول: أن الوصية عقد يشترط لصحته الإيجاب والقبول. وهذا مذهب جمهور الفقهاء: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). القول الثاني: أن الوصية عقد يشترط لصحته الإيجاب دون القبول. وبهذا قال زفر من الحنفية (٦). الأدلة: أدلة القول الأول: (اشتراط القبول) استدل القائلون باشتراط الإيجاب والقبول لعقد الوصية بالأدلة الآتية: ١ - قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (٧).

стр. 2566

وجه الاستدلال من الآية: أن ظاهرها يدل على أن الإنسان لا يكون له شيء بدون سعيه، فلو ثبت الملك للموصى له من غير قبول لثبت من غير سعيه، وهذا منفي إلا ما خص بدليل (١). ٢ - أن القول بثبوت الملك للموصى له من غير قبوله يؤدي إلى الإضرار به من وجهين: أحدهما: أنه يلحقه ضرر المنة، ولهذا توقف ثبوت الملك للموهوب له على قبوله دفعاً لضرر المنة. الثاني: أن الموصى به قد يكون شيئاً يتضرر به الموصى له كالعبد الأعمى والزمن والمقعد ونحو ذلك، فلو لزمه الملك من غير قبوله للحقه الضرر من غير إلزامه، أو إلزام من له ولاية الإلزام؛ إذ ليس للموصي ولاية إلزام الضرر (٢). ٣ - قياس الوصية على البيع والهبة بجامع أنها تمليك مال لمعين، فاعتبر قبوله (٣). دليل القول الثاني: (عدم اشتراط القبول) استدل القائلون بعدم اشتراط القبول في الوصية: بقياس ملك الموصى له للوصية على ملك الوارث للتركة، بجامع أن كلا الملكين ينتقل بالموت، وبما أن ملك الوارث لا يفتقر إلى قبوله، فكذلك ملك الموصي له (٤). ونوقش: هذا القياس بوجود الفارق بين الملكين، فالوارث ملك التركة

стр. 2567

بإلزام من له ولاية الإلزام، وهو الله ﵎، فدخلت التركة ملكه من غير قبول، وهذا الإلزام غير موجود في الوصية، فافتقرت إلى قبول الموصى له (١). الترجيح: الراجح لي -والله أعلم- القول باشتراط القبول إن كانت الوصية لمعين؛ وذلك لقوة ما استدل به أصحاب هذا القول، وضعف دليل القول المخالف. المسألة الثانية: القبول بالفعل. يحصل القبول بالقول باتفاق الأئمة (٢)، وذلك أن يتلفظ الموصى له بلفظ يدل على قبول الوصية، كقوله: قبلت هذه الوصية أو رضيت بها ونحو ذلك، ودليل ذلك: عموم أدلة الوصية. وجه الدلالة: حيث دلت هذه الأدلة على أن الوصية عقد، والعقود تنعقد بما دل عليها من الألفاظ. وفيها أمران: الأمر الأول: الإشارة، والكتابة. يحصل قبول الوصية بالإشارة، كأن يخبر بالوصية فيشير برأسه، ونحو ذلك بالموافقة. والدليل على ذلك: ما تقدم من الأدلة على صحة إيجاب الوصية بالإشارة وقبولها من باب أولى.

стр. 2568

وكذلك يحصل قبول الوصية بالكتابة، كأن يكتب ما يدل على قبولها والرضا بها. والدليل على ذلك: ما تقدم من الأدلة على صحة إيجاب الوصية بالكتابة، فقبولها من باب أولى. الأمر الثاني: التصرف في العين الموصى بها من قبل الموصى له. إذا تصرف الموصى له بالوصية بما يدل على القبول، كاستهلاكها بالأكل، أو استعمالها باللبس، والركوب، أو نقل الملكية فيها بالبيع، والوقف، والهبة، ونحو ذلك، فهل مثل هذا التصرف قبول أو لا؟ اختلف العلماء ﵏ على قولين: القول الأول: أنه قبول. وهو قول جمهور العلماء (١). القول الثاني: أنه لا يعتبر قبولاً. وهو قول الشافعية بناء على أصلهم من أن العقود لا تنعقد بالفعل (٢). قال الرملي: " يشترط في قبول الوصية اللفظ، وما في معناه إشارة الأخرس". الأدلة: أدلة الرأي الأول: (أنها تنعقد بالفعل) استدل القائلون بصحة قبول الوصية بالفعل بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٣)، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٤).

стр. 2569

(١٠٩) ٢ - ما رواه أحمد من طريق عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربي قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: " ألا ولا يحل لامرئ من مال أخيه شيء إلا بطيب نفس منه، فقلت: يا رسول الله أرأيت إن لقيت غنم ابن عمي أجتزر (١) منها شاة؟ فقال: إن لقيتها نعجة تحمل شفرة (٢)، وأزنادا (٣) نجبت الجميش (٤) فلا تهجها (٥)، قال: يعني نجبت الجميش أرضا بين مكة والجار ليس بها أنيس " (٦).

стр. 2570

(١١٠) ٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحلبنَّ أحدٌ ماشية أحدٍ إلا بإذنه" (١). وجه الدلالة من هذه الأدلة: أنَّها دلت على اشتراط الرضا، والتصرف بالوصية يدل عُرفاً على الرضا؛ لأنَّ اللفظَ إنما يُرادُ للدلالة على التراضي، فإذا وجد ما يدل عليه من المساومة والتعاطي قام مقامه، وأجزأ عنه لعدم التعبد فيه (٢). ٤ - أنَّ من تتبع ما ورد عن النبي ﷺ والصحابة -رضوان الله عليهم- من أنواع المبايعات والمؤجرات والتبرعات، علم ضرورة أنهم لم يكونوا يلتزمون الصيغة من الطرفين، ولو استعملوا ذلك في عقودهم لنقل نقلا شائعا، ولو كان ذلك شرطا لوجب نقله، ولم يتصور إهماله والغفلة عن نقله؛ لأن العقود مما تعم بها البلوى.

стр. 2571

فلو اشترط لها صيغة معينة لبينها النبي ﷺ بيانا عاما للناس حتى لا يخفى عليهم حكمها، وإنما المنقول خلاف ذلك في آثار كثيرة، منها: أن رسول الله ﷺ بنى مسجده، والمسلمون بنوا المساجد على عهده وبعد موته، ولم يؤمر أحد أن يقول: وقفت هذا المسجد ولا ما يشبه هذا اللفظ، (١١١) روى البخاري من طريق عبيد الله الخولاني أنه سمع عثمان ﵁ يقول: … سمعت النبي ﷺ يقول: " من بنى مسجدا -قال بكير: حسبت أنه قال: يبتغي به وجه الله - بنى الله له مثله في الجنة " (١). ٥ - أنَّ أسماء العقود وردت في الكتاب والسنة معلّقاً بها أحكام شرعية، ولا بدَّ لكلِّ اسمٍ حدٌّ يُعرفُ به إما باللُّغةِ، كالشَّمسِ والقمرِ والبر والبحر، وإما بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وما لم يكن له حدٌّ في اللُّغة ولا في الشرع: فالمرجع فيه إلى عرف الناس، كالقبض، ومعلومٌ أنَّ البيعَ والإجارةَ والهبةَ ونحوها لم يحد الشارع لها حد، وليس لها حد في لغة العرف أيضا، وبما أن الأمر كذلك فيكون المرجع فيها إلى عرف الناس وعاداتهم (٢). أدلة القول الثاني: (عدم صحة قبول الوصية بالفعل) استدل القائلون بعدم صحة قبول الوصية بالفعل بالأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣).

стр. 2572

وجه الدلالة: أن الأصل في العقود التراضي. غير أن حقيقة الرضا لما كانت أمراً خفيَّاً وضميراً قلبيَّاً، اقتضت الحكمةُ ردَّ الخلق إلى مردٍّ كلّيٍّ وضابط جليٍّ، يُستدلُّ به عليه، وهو الإيجاب والقبول باللفظ الدالان على رضا العاقدين (١). ونوقش هذا الدليل: بأنَّه لا يوجد في الشرع ما يدلُّ على اشتراط لفظٍ معيّنٍ أو فعلٍ معيَّنٍ يستدلُّ به على التراضي، وقد عُلِمَ بالاضطرارِ من عاداتِ النَّاسِ في أقوالهم وأفعالهم أنهم يعلمون التراضي وطيب النفس بطرق متعددة، ولذلك يقال: إنَّ في القرآن من الفوائد ما يدل على المقاصد. بل ثبت بالأدلة أن الناس في عهد النبي ﷺ يستعملون المعاطاة وسيلة للتعبير عن الرضا بالعقد، وهذا أمرٌ معهودٌ في ذلك العصر وفي كل عصر ومصر (٢). ٢ - أن المعاطاة في معنى ما نهى عنه رسول الله ﷺ من بيع المنابذة والملامسة. (١١٢) روى البخاري ومسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : " نهى عن الملامسة والمنابذة، وبيع الحصاة " (٣). (١١٣) روى مسلم من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر " (٤).

стр. 2573

والجامع بين هذه البيوع والمعاطاة وقوعها بغير لفظ، وكذا الوصية (١). ونوقش هذا الدليل: بعدم التسليم بالقياس؛ لأنه قياس مع الفارق. فبيع الملامسة هو: وقوع العقد باللمس. والمنابذة: وقوع العقد بنبذ الثوب ونحوه إلى المشتري. وكذلك بيع الحصاة هو: أن يضع عليه حصاة. فتكون هذه الأفعال عندهم موجبة لوقوع عقد البيع، أما المعاطاة فليست من جنس اللمس والمنابذة والحصاة؛ لأنَّ العقد معلق في هذه البيوع على المخاطرة، ولا تعلق للَّمس والنَّبذ ووضع الحصاة بعقد البيع، فليست هذه الأفعال من موجبات العقد ولا من أحكامه، أما المعاطاة فهي تسليمٌ وتسلُّمٌ، وتسليمُ المبيع والثمن من حقوق البيع وأحكامه (٢)، وكذا التصرف في الوصية يدل على القبول وتمام العقد. ٣ - أنَّ في المعاطاة نقلاً للملك من غير لفظٍ دالٍّ عليه، وقد أحلَّ اللهُ البيعَ، والبيع اسم للإيجاب والقبول، وليس مجرد فعل بتسليم وتسلم؛ إذ للمسلّم أن يرجع ويقول: قد ندمت، وما بعته؛ إذ لم يصدر مني إلا مجرد تسليم، وذلك ليس ببيع (٣)، وكذلك التصرف في الوصية. ونوقش هذا الدليل: بأنه مخالفٌ لما عليه أهلُ اللُّغةِ، فليس البيعُ في اللُّغةِ اسمٌ للإيجاب والقبول، وإنما هو مبادلة المال بالمال (٤)، وحقيقة المبادلة بالمعاطاة هي: الأخذ والإعطاء، أما التلفظ بالإيجاب والقبول فهو مجرد دليل على الرضا بالمبادلة الفعلية.

стр. 2574

ذلك قول الله : ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، والتجارة عبارة عن جعل الشيء للغير ببدل، وهو تفسير التعاطي (٢). وقال : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٣) أطلق اسم التجارة على تبادل ليس فيه قول البيع. وقال : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ (٤)، فقد سمى مبادلة الجنة بالقتال في سبيل الله تعالى اشتراءً وبيعاً؛ لقوله تعالى في آخر الآية: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾. وإن لم يوجد لفظ البيع (٥). ٤ - أنَّ العقودَ أنواع متباينة كالبيع والإجارة، والرهن، والهبة، والصدقة على عوض، والوصية، والصلح بالمال، ولكل منها ماهية تخصه، والرضا المقترن بالمعاوضة جنس شامل لجميع تلك الصور، فلا بد في معرفة كونه بيعاً من هبة أو هبة من صدقة، أو رهناً من إجارةٍ، أو وصية، ونحو ذلك من بيان كل منها باسم يخصه، وليس إلا القول المترجم عما في النفس، وإلا كان رجوعاً بالبيان إلى غير ما جعل الله أمره إليه (٦). ويناقش هذا الاستدلال: بأنَّ التمييزَ بين العقود يكون باللفظ، وبالقرائن والظروف المحيطة بها، وبالعرف الغالب. فإذا ركب شخصٌ سيارةَ أجرةٍ، ودفع لصاحبها الثمن بعد وصوله مقصده

стр. 2575

ولم يحدث بينهما كلام، فالعقد إجارة، وإذا أعطى شخص صديقا له ليلة عرسه قلما أو ساعة ونحوهما فالعقد هبة، وإذا دفع رجل إلى بائع الخبز ريالا وأعطاه به خبزا فالعقد بيع، وإذا أوصى له بكتاب ثم وقفه الموصى له كان ذلك قبولا للوصية، وهكذا. فالعرف والقرائن والظروف تعين على فهم المقصود بوضوح دون لبس أو غموض. الترجيح: الراجح -والله أعلم بالصواب- رجحان القول الأول، وهو صحة قبول الوصية عن طريق المعاطاة؛ لقوة أدلة هذا القول، وضعف دليل القول الآخر؛ حيث لم تسلم من المناقشة والنقد. ولأنَّ الألفاظ لم تقصد لذواتها، وإنما هي أدلة يستدل بها على مراد المتكلم، فإذا ظهر مراده ووضح بأي طريق كان عمل بمقتضاه، سواء كان بإشارة أو كتابة أو إيماء أو دلالة عقلية، أو قرينة حالية، أو عادة مطردة لا يخل بها (١). ولأنَّ القائلين بعدم صحة العقد عن طريق المعاطاة كما هو المشهور عن الشافعية لهم استثناءات فاستثنوا الهدية، وصدقة التطوع مما يدل على عدم انضباط قولهم. المسألة الثالثة: موت الموصى له. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في موت الموصى له بعد موت الموصي هل يعتبر قبولا أو لا؟ على قولين: القول الأول: أنه لا يعتبر قبولا.

стр. 2576

وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: أنه يعتبر قبولا. وهو قول الحنفية (٢). قال في الدر المختار: " والمراد بالقبول ما يعم الصريح والدلالة بأن يموت الموصى له بعد موت الموصي بلا قبول كما سيجيء، وحكمها كون الموصى به ملكا جديدا للموصى له، كما في الهبة فيلزمه " (٣). الأدلة: دليل القول الأول: أن القبول عمل إيجابي يعبر عن رضا الموصى له، فإذا لم يصر منه ما يدل عليه لا يمكن ادعاء حصوله، خاصة وأن السكوت يدل على عدم الرضا عند كثير من الفقهاء والأصوليين، كما أنه قد يموت قبل علمه بالوصية، فلا يمكن القول بأن سكوته دليل على رضاه في هذه الحالة. أدلة القول الثاني: ١ - أن الوصية من جانب الموصي قد تمت بموته تماما، لا يلحقه الفسخ من جهته، وإنما توقفت لحق الموصى له، فإذا مات دخلت في ملكه كما في البيع المشروط فيه الخيار للمشتري إذا مات قبل الإجازة (٤). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الوصية عقد يفتقر إلى قبول المتملك، فلم يلزم قبل القبول كالبيع والهبة.

стр. 2577

٢ - أن أحد الركنين من جانب الموصى له وهو القبول لا يشترط لعينه، بل لوقوع اليأس عن الرد، وقد حصل ذلك بموت الموصى له (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الموصى له إذا لم يملك إلا بالقبول، وهو أصل، فوارثه أولى أن لا يملك بغير قبول وهو فرع. ٣ - أن القبول لما تعذر ممن له حق القبول سقط اعتباره لمكان العذر، كما لو كانت الوصية للمساكين (٢). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا يسلم سقوط اعتبار القبول لمكان العذر كالبيع، وسائر العقود، ولا يصح القياس على الوصية للمساكين؛ لأنه لا يشترط القبول لصحة الوصية لغير معين بخلاف الوصية للمعين، فإن القبول شرط فيها. الترجيح: الراجح -والله أعلم- هو القول الأول؛ لقوة أدلته، وضعف أدلة القول الآخر بما ورد عليها من المناقشة. المسألة الرابعة: وقت القبول. إذا أوصى شخص لآخر فلا اعتبار لقبوله ولا رده إلا بعد موت الموصي باتفاق الأئمة، وعلى هذا لو قبل في حياة الموصي لم يعتبر قبوله وكذا لو ردها. قال الكساني: " فوقت القبول ما بعد موت الموصي، ولا حكم للقبول والرد قبل موته حتى لو رد قبل الموت، ثم قبل بعده صح قبوله " (٣).

стр. 2578

وقال ابن رشد: " وأجمعوا على أنه لا يجب للموصى له إلا بعد موت الموصي " (١). وقال الشافعي: " ولا يكون قبول ولا رد في وصية حياة الموصى، فلو قبل الموصى له قبل موت الموصى كان له الرد إذا مات، ولو رد في حياة الموصى كان له أن يقبل إذا مات ويجبر الورثة على ذلك؛ لأن تلك الوصية لم تجب إلا بعد موت الموصى " (٢). قال المقدسي: " الثاني أن العطية يعتبر قبولها وردها حين وجودها كعطية الصحيح والوصية لا يعتبر قبولها وردها إلا بعد موت الموصي " (٣). ودليل ذلك: أن الوصية إيجاب الملك بعد الموت، والقبول أو الرد يعتبر، كذا الإيجاب؛ لأنه جواب، والجواب لا يكون إلا بعد تقدم السؤال. ونظيره إذا قال لامرأته: إذا جاء غد فأنت طالق على ألف درهم أنه إنما يعتبر القبول أو الرد إذا جاء غد كذا هذا، فإذا كان التصرف يقع إيجابا بعد الموت يعتبر القبول بعده (٤). المسألة الخامسة: اتصال القبول بالإيجاب. تقدم قريبا حكم القبول، واشتراطه إذا كانت الوصية لمعين. ومع اشتراط القبول في عقد الوصية لمعين، إلا أن اتصاله بالإيجاب لا يشترط؛ لأن الموصى له لا يثبت له حق إلا بموت الموصي، لذا فلا يعتد بقبوله ولا رده قبل الموت (٥).

стр. 2579

وبناء على هذا فلا يشترط اتصال القبول بالإيجاب سواء أكانت الوصية لمعين أم لغير معين. المسألة السادسة: إرث خيار قبول الوصية. إذا أوصى شخص لآخر بوصية، فلا اعتبار لقبوله، ولا رده إلا بموت الموصي، كما سبق، فإن قبل الموصى له الوصية بعد موت الموصي ملكها، وإن ردها بطلت، فلو مات الموصى له بعد موت الموصي، وقبل القبول والرد، فهل يورث عنه حق القبول، فيقبل الوارث -إن شاء- ويملك الوصية، أو يردها، فتبطل كمورثه؟ أو لا يورث عنه حق القبول بل يبطل بموته، فتبطل الوصية؟ أو لا تبطل الوصية بل تلزم وارث الموصى له، وإنما يبطل حق القبول والرد؟ وسيأتي بحث هذه المسألة في مبطلات الوصية: وفاة الموصى له. المسألة السابعة: تجزئة القبول. الوصية يجوز فيها تبعيض الصفقة فالموصى له بالخيار، إن شاء قبل الوصية كلها، أو بعضها، فإذا أوصي لشخص بدار وأرض فله قبول الأرض دون الدار، والعكس، وله قبول بعض الدار، أو الأرض ولا كلام للورثة في جميع ذلك؛ لأنه لا ضرر عليهم في قبول البعض، ورد البعض. كما أنه إذا أوصي لأكثر من واحد، فإنه يجوز للموصى لهم أن يقبل بعضهم وأن يرد البعض الآخر، فإذا قبل بعضهم ورد البعض صحت الوصية في نصيب من قبل، وبطلت في نصيب من رد، وعادت ميراثاً بين الورثة يحاصصون بها أصحاب الوصايا، كانت الوصية بمعين أو شائع (١). المسألة الثامنة: رد الوصية. الرد هو ضد القبول، وهو رفض الوصية، وعدم الموافقة عليها.

стр. 2580

والرد كالقبول في حصوله بالقول، والكتابة والإشارة، والفعل قياسا على الإيجاب والقبول، فإذا قيل له: هذه وصية فلان، فقال: رددتها، أو لا حاجة لي بها، أو أنا غني عنها، أو لا تليق بي، أو مزق وثيقتها، أو كتب جوابا بردها، أو قيل له: هل تقبلها؟ فأشار برأسه أو يده أن لا، كان ذلك كله ردا للوصية؛ لدلالة ذلك على الرفض والرد، والعبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ. وسيأتي أقسام رد الوصية في مبطلات الوصية. المسألة التاسعة: فيمن له حق القبول والرد. وفيها أمور: الأمر الأول: أن يكون الموصى له رشيدا. يتفق الفقهاء القائلون بافتقار الوصية للقبول على وجوب قبول الرشيد، وأن حق القبول والرد له وحده، دون سواه، إن شاء قبل، وإن شاء رد، ولو كان مفلسا، ولا حق لغرمائه في جبره على القبول، لقضاء دينه؛ لأن المفلس لا يجبر على التكسب لوفاء دينه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (١). الأمر الثاني: أن يكون الموصى له غير جائز التصرف. لا يُشترطُ كونُ الموصى له جائز التصرف، فتصح الوصية للصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والنائم، والسفيه باتفاق الفقهاء (٢).

стр. 2581

والدليل على ذلك: عموم أدلة مشروعية الوصية (١). لكن اختلف العلماء ﵏-فيما يتعلق بصحة قبول هؤلاء للوصية: وتحت هذا فروع: الفرع الأول: قبول المجنون للوصية. لا يصح قبول المجنون للوصية باتفاق الفقهاء، لكن يقبل عنه وليه (٢). والدليل على ذلك: ١ - ما سيأتي من الأدلة على عدم صحة وصية المجنون (٣). ٢ - وأما كون وليه يقبل عنه: فلأن وليه يتصرف عنه بما فيه مصلحته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ (٤). الفرع الثاني: قبول المعتوه للوصية. تقدم أن المعتوه ينقسم إلى حالتين: الحال الأولى: معتوه لا إدراك معه. فهذا حكمه حكم المجنون (٥)، وتقدم عدم صحة قبول المجنون، وإنما يقبل عنه وليه (٦). الحال الثانية: معتوه معه إدراك، وهذا حكمه حكم الصبي المميز، ويأتي صحة قبول الصبي المميز للوصية.

стр. 2582

الفرع الثالث: قبول النائم، والمغمى عليه. النائم والمغمى عليه لا تصح وصيته بالإجماع، كما سيأتي (١). وعليه فيقبل عنه وليه؛ لما تقدم من أن ولي المجنون يقبل عنه، وتقدم شرط الإيجاب والقبول (٢). الفرع الرابع: قبول الصبي للوصية. أما الصبي غير المميز، فلا يصح قبوله للوصية؛ لما سيأتي من عدم اعتبار قوله (٣). وعلى هذا يقبل عنه وليه؛ لما تقدم قريباً من أن المجنون يقبل عنه وليه، وتقدم بيان شروط الإيجاب والقبول. وأما قبول الوصية من الصبي المميز، فقد اختلف الفقهاء في صحة قبول الصبي المميز للوصية على ثلاثة أقوال: القول الأول: صحة قبول الصبي المميز للوصية. وبهذا قال الحنفية (٤)، وهو مقتضى مذهب المالكية، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها الموفق ابن قدامة (٥). القول الثاني: أن قبول الصبي المميز للوصية صحيح موقوف على إجازة الولي. وإليه ذهب بعض المالكية.

стр. 2583

وقالوا: يتعين على الولي إجازة تصرف الصبي المميز في هذه الحالة (١). وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (٢). القول الثالث: عدم صحة قبول الصبي المميز للوصية. وبهذا قال الشافعية (٣). الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة وصية الصبي المميز: أن الصبي المميز من أهل التصرف في الجملة، وما يصدره من عقود نافعة يعد محض مصلحة، ولا ضرر فيه، فيصح من غير إذن وليه قياسا على كسب المباحات كالاحتطاب والاصطياد ونحوهما (٤). دليل القول الثاني: استدل القائلون بوقف قبول الصبي المميز للوصية على إجازة الولي: أنَّ إصدارَ الصيغ من التصرفات، والصبي المميز ليس لديه أهلية تصرف فتبقى تصرفاته موقوفة على إجازة وليِّهِ (٥). ويناقش هذا: بعدم التسليم به، فالصبي المميز من أهل التصرف، ولا يحتاج إلى إذن وليه فيما تمحضت فيه مصلحته؛ لأن الولي ما وضع إلا لمصلحة الصبي.

стр. 2584

أدلة القول الثالث: استدل القائلون بعدم صحة قبول الصبي المميز للوصية بدليل: ١ - حديث عائشة ﵂: " رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ .. " (١). وقد ذكر النووي (٢) -﵀- وجه الاستدلال من هذا الحديث: أن مقتضى الحديث إسقاط أقواله وأفعاله. ٢ - أن الصبي المميز غير مكلف، فلا يصح قبوله للوصية مطلقا كالمجنون وغير المميز (٣). ويناقش هذا الدليل: بأنه قياس مع الفارق، فالصبي المميز عنده أهلية أداء قاصرة، فلا يقاس على المجنون وغير المميز؛ لأنهما ليس لديهما أهلية أداء البتة (٤). الترجيح: الراجح -والله أعلم- صحة قبول الصبي المميز للوصية؛ لقوة دليله، وضعف دليل المخالف بمناقشة. الفرع الخامس: قبول السفيه للوصية: اختلف العلماء ﵏ في حكم قبول السفيه للوصية على أقوال: القول الأول: صحة قبول السفيه للوصية.

стр. 2585

وهذا مذهب الحنفيَّة (١)، وهو مقتضى مذهب المالكية، والأصح عند الشافعية (٢)، وهو وجه عند الحنابلة، صوبه المرداوي (٣). القول الثاني: عدم صحة قبول السفيه للوصية. وهذا وجه عند الشافعية (٤)، ووجه عند الحنابلة (٥). القول الثالث: صحة قبول السفيه للوصية إذا أذن له الولي. وهذا مذهب الحنابلة (٦). الأدلة: دليل القول الأول: استدل القائلون بصحة قبول السفيه: بأن تصحيح قبول السفيه للوصية نفع محض ليس فيه تفويت مال، بل تحصيله (٧). دليل القول الثاني: يمكن أن يستدل للقائلين بعدم صحة قبول السفيه للوصية:

стр. 2586

بأن السفيه محجور عليه، والحجر يقتضي المنع من جميع التصرفات، ومنها العقود النافعة له، كقبول الوصية. ويناقش هذا الدليل: بأن الغاية من الحجر على السفيه حفظ ماله، وعدم تضييعه، وليس في تصحيح عقوده النافعة له نفعا محضا -كقبول الوصية والهبة ونحوهما- ضرر عليه وتضييع لماله، بل فيه تحصيله، فكان من مصلحة السفيه تصحيح قبوله لها. دليل القول الثالث: استدل القائلون بصحة قبول السفيه للوصية إذا أذن له الولي: بقياس السفيه على الصبي المميز، فإذا صح تصرف المميز بإذن وليه، فلأن يصح تصرف السفيه بإذن وليه أولى (١). الترجيح: ترجح لي -والله أعلم- القول بصحة قبول السفيه للوصية من غير توقف على إذن الولي؛ لأن الشارع إنما حجر على السفيه لمصلحته، فإذا تحققت مصلحته في عقد نافع له، كقبول الوصية والهبة ونحوهما لم يُتردد في تصحيح صيغته ونفاذ عقده من غير اشتراط إذن الولي، وهل وضع الولي إلا لمصلحة السفيه؟ والمصلحة متحققة هنا. فرع: فإن كان مهملا، فله القبول عند المالكية بالأحرى، وإذا سلمه الورثة الوصية، فاستهلكها فلا ضمان عليهم، كما قال اللخمي؛ لأنهم فعلوا ما أوصى به الميت، بخلاف المولى عليه، فإن الوصية تدفع لوليه، إلا أن يعلم أن الموصي قصد دفعها للمحجور، توسعة عليه فتعطى له (٢).

стр. 2587

الأمر الثالث: الجنين الموصى له. اختلف في الجنين الموصى له من يقبل عنه؟ للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: يقبل عنه وليه بعد ولادته، ولا يعتد بقبوله قبل ولادته. وبه قال أكثر أهل العلم (١). وحجته: أنه لا يستحق الوصية إلا بعد ولادته حيا، فالقبول قبل الاستحقاق لغو (٢). القول الثاني: لا حاجة لمن يقبل عنه، والوصية تدخل في ملكه بمجرد موت الموصي، ولا حاجة لقبولها (٣). ومنشأ الخلاف: اختلاف الفقهاء في الولاية على الجنين، فمذهب الجمهور أنه تجوز الوصاية عليه. وقال الحنفية: لا يولى عليه؛ لعدم حاجته إلى الولاية ما دام جنينا في بطن أمه. الأمر الرابع: الموصى له غير المعين. باتفاق الفقهاء: الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة: أن الوصية لغير المعين كالفقراء ونحو ذلك تلزم بالموت ولا تحتاج إلى قبول؛ لتعذره من الجميع (٤)، ولا يتعين واحد منهم. الأمر الخامس: الوصية للجهة، كالمسجد، ونحوه. فعند جمهور أهل العلم: لا تحتاج الوصية إلى قبول؛ لتعذره منها. وقال بعض الشافعية: يقبل المسؤول عنها كناظر المسجد، فإن لم يكن

стр. 2588

لها من يمثلها لزمت الوصية بوفاة الموصي، ولا حاجة للقبول حينئذ؛ لاستحالته من الموصى له، وعدم وجود من ينوب عنه (١).

стр. 2589

الباب الثالث: الموصي، والموصى له وفيه فصلان: الفصل الأول: شروط الموصي. الفصل الثاني: شروط الموصى له.

стр. 2590

الفصل الأول: شروط الموصي وفيه مباحث: المبحث الأول: الشرط الأول: أن يكون الموصي جائز التصرف. المبحث الثاني: الشرط الثاني: أن يكون الموصي مختارا. المبحث الثالث: الشرط الثالث: أن يكون الموصي قاصدا. المبحث الرابع: الشرط الرابع: أن يكون جادا. المبحث الخامس: الشرط الخامس: أن يكون الموصي مالكاً. المبحث السادس: الشرط السادس: السلامة من الدين. المبحث السابع: الشرط السابع: اشتراط الإسلام. المبحث الثامن: الشرط الثامن: انتفاء قصد الإضرار بالوصية من الموصي. المبحث التاسع: الشرط التاسع: اشتراط ذكورة الموصي، وصحته، وكونه وارثا للموصى له. المبحث العاشر: الشرط العاشر: استقرار حياة الموصي.

стр. 2591

المبحث الأول: الشرط الأول: أن يكون الموصي جائز التصرف الموصي: هو المتبرع، أو الآمر بالتصرف. وذلك بأن يكون الموصي: بالغاً، عاقلاً، حراً، رشيداً. وفيه مطالب: المطلب الأول: البلوغ وفيه مسائل: المسألة الأولى: وصية الصبي غير المميز (١). إذا وصى الصبي غير المميز فوصيته غير معتبرة، لا يترتب عليها إلزام ولا التزام.

стр. 2592

وهذا محل اتفاق بين الفقهاء (١). وقد حكى الاتفاق على ذلك الباجي (٢)، وخالف في ذلك إلياس بن معاوية، فأجازها إذا وافقت الحق (٣). ويدل لهذا الأدلة الآتية: ١ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (٤). وجه الدلالة: انتقال الملك بالوصية متوقف على الرضا المعتبر، وهو مفقود من الصبي غير المميز (٥). ٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (٦). قال الطبري ﵀: "والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا أن الله جل

стр. 2593

ثناؤه عم بقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ فلم يخص سفيهاً دون سفيه، فغير جائز لأحد أن يؤتي ماله صبياً صغيراً كان أو رجلاً كبيراً" (١). (١١٤) ٣ - ما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل " (٢). ٤ - أن الصبي في أول أحواله عديم التمييز، فكان كالمجنون بل أدنى

стр. 2594

حال منه؛ لأنه قد يكون للمجنون تمييز وإن لم يكن له عقل، والصبي غير المميز عديم التميز (١). ٥ - أن الصبي غير المميز لا تحصل المصلحة بتصرفه؛ لعدم تمييزه ومعرفته (٢)، وتصحيح عقوده التي يصدرها وسيلة لضياع حقوقه وأمواله. المسألة الثانية: وصية الصبي المميز: وفيها أمور: الأمر الأول: حكم وصيته. اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى -في حكم وصية المميز على قولين: القول الأول: صحة وصية الصبي المميز إذا وافقت وجه الصواب. وهذا مذهب المالكية (٣) وقول عند الشافعية (٤) رجحه جمع منهم، وهو المذهب عند الحنابلة. وبه قال عمر بن عبد العزيز، والزهري، وعطاء، وشريح، والشعبي، والنخعي (٥). القول الثاني: عدم صحة وصية الصبي المميز.

стр. 2595

وهو مذهب الحنفية (١)، وقول الشافعية (٢) وهو الصحيح من مذهبهم، ورواية عند الحنابلة (٣)، وبه قال الظاهرية، ومجاهد، والحسن البصري (٤). الأدلة: أدلة القول الأول: (الصحة) استدل القائلون بصحة وصية الصبي المميز إذا وافقت وجه الحق بالأدلة الآتية: ١ - عموم الأدلة الدالة على الحث على فعل الخير -والوصية من فعل الخير- كقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٦)، وقوله ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٧) (٨). ونوقش هذا الاستدلال: بأن من لم يبلغ غير مخاطب بشيء من الشرائع لا بفرض ولا بتحريم ولا بندب، ولا داخل في هذا الخطاب، لكن الله تعالى تفضل عليه بقبول أعماله التي هي أعمال البر ببدنه دون أن يلزمه ذلك (٩). وأجيب: بأن القول بعدم مخاطبة الصغير غير مسلم، فالصحيح عند
следующие страницы →