← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الأمر الثاني: حق الواقف في تعيين ناظر إذا لم يشترطه لأحد، أو جعله لإنسان فمات. الأمر الثالث: اشتراط الواقف الولاية لنفسه. المسألة الثانية: حق الموقوف عليه في تعيين ناظر الوقف. المسألة الثالثة: حق الحاكم في تعيين ناظر الوقف. المطلب الثاني: التوكيل في النظر على الوقف. المطلب الثالث: تفويض الولاية على الوقف. المطلب الرابع: انفراد أحد النظار بالتصرف إذا تعددوا. المطلب الخامس: تعدد ناظري الوقف مع اختلاف المنظور فيه. المطلب السادس: إذا مات أحد الناظرين. الفصل الثالث: محاسبة الوالي على الوقف، وعزله: وفيه مبحثان: المبحث الأول: محاسبة الناظر: وفيه مطالب: المطلب الأول: تعريف المحاسبة، وبيان مشروعيتها. المطلب الثاني: الأصل في مشروعية محاسبة ناظر الوقف. المطلب الثالث: الفائدة من مشروعية محاسبة ناظر الوقف. المطلب الرابع: كيفية المحاسبة، والجهات المسؤولة عن محاسبته. المطلب الخامس: يد الناظر يد أمانة. المبحث الثاني: عزل الوالي على الوقف: وفيه مطالب: المطلب الأول: عزل الناظر نفسه. المطلب الثاني: عزل الواقف منصوبه من نظارة الوقف.

стр. 37

المطلب الثالث: عزل الحاكم ناظر الوقف المولى من قبل الواقف. المطلب الرابع: عزل الحاكم ناظر الوقف المولى من قبله. المطلب الخامس: عزل الحاكم منصوب حاكم آخر. المطلب السادس: عزل الناظر لظهور فسقه. الباب السابع: إثبات الوقف: وفيه فصول: الفصل الأول: الإقرار: وفيه مباحث: المبحث الأول: إقرار الواقف في حال الصحة. المبحث الثاني: إقرار الواقف في مرض موته. المبحث الثالث: إقرار غير الواقف: وفيه مطلبان: المطلب الأول: إقرار الوارث. المطلب الثاني: إقرار غير الوارث. المبحث الرابع: إقرار غير الواقف في مرض موته. الفصل الثاني: الشهادة: وفيه مباحث: المبحث الأول: معنى الشهادة. المبحث الثاني: حجية الشهادة. المبحث الثالث: افتقار الشهادة إلى تقدم الدعوى. المبحث الرابع: ثبوت الوقف عن طريق شهادة التسامع. المبحث الخامس: ثبوت الوقف عن طريق شهادة الحسبة. الفصل الثالث: في اليمين والنكول عنها:

стр. 38

وفيه مبحثان: المبحث الأول: تعريف اليمين، وحجيتها: وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف اليمين. المطلب الثاني: حجية اليمين. المبحث الثاني: توجيه اليمين إلى الناظر. المبحث الثالث: الإثبات بالنكول. الفصل الرابع: حكم القاضي. الفصل الخامس: الكتابة: وفيه مبحثان: المبحث الأول: ثبوت الوقف بالكتابة. المبحث الثاني: الوثيقة بالشهادة على الوقف: الفهارس. وقد قمت بجمع هذه المادة العلمية من مصادر سابقة، وبحوث علمية لاحقة، وقرأت حولها الكثير، والله أسال أن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وفق سنة نبيه ﷺ ، نافعًا لعباده. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 39

الباب التمهيدي ويشتمل على فصول: الفصل الأول: تعريف الوقف، وبيان حكمه ودليله، وحكمته، وما يصح وقفه. الفصل الثاني: تاريخ الوقف عند المسلمين وغيرهم، وأنواعه، وأسبابه. الفصل الثالث: الوقف على العلم، والمحافظة عليه من قبل العلماء. الفصل الرابع: الوقف الذري. الفصل الخامس: الفرق بين الوقف وما يشبهه.

стр. 40

الفصل الأول: تعريف الوقف، وبيان حكمه ودليله، وحكمته، وما يصح وقفه وفيه مباحث: المبحث الأول: تعريف الوقف. المبحث الثاني: بيان حكمه، ودليله. المبحث الثالث: بيان تحقيق الوقف للمقاصد الشرعية، وحكمة مشروعيته، وأهميته، وخصائصه. المبحث الرابع: الشخصية الاعتبارية للوقف. المبحث الخامس: ما يصح وقفه.

стр. 41

المبحث الأول: تعريف الوقف وفيه مطلبان: المطلب الأول: تعريف الوقف في اللغة الوقف لغة هو: الحبس، والتسبيل (١)، يقال: وقفت الدابة وقفاً حبستها في سبيل الله. قال تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ (٢) أي احبسوهم. وقال عنترة: فوقفت فيها ناقتي وكأنها … فَدَن لأقضي حاجة المتلوم (٣) والحبس: المنع، وهو يدل على التأبيد، يقال: وقف فلان أرضه وقفا مؤبدا، إذا جعلها حبيسة لا تباع ولا تورث; لأن الواقف يمنع التصرف بالموقوف.

стр. 42

وهو مصدر قولك: وقف يقف وقفاً، والفعل وقف ثلاثي يأتي متعدياً ولازماً، فقولك: " وقفت الدابة وقفاً " متعدّ، وقولك: " وقفت وقوفاً " لازم. قال ابن فارس: " الواو والقاف والفاء: أصل واحد يدل على تمكث في شيء ثم يقاس عليه " (١). وفي المصباح المنير: " وقفت الدابة تقف وقفا ًووقوفاً: سكنت، ووقفتها يتعدى، ولا يتعدى " (٢). "ولا يقال أوقفته إلا في لغة تميمية، وهي رديئة وعليها العامة، وهو عكس حبس، فإن الفصيح أحبس، وأما حبس فلغة رديئة " (٣). وأوقف: أنكرها جماهير علماء اللغة، وهي لغة تميمية رديئة، ولا تستخدم في فصيح الكلام إلا بمعنى: سكت وأمسك وأقلع (٤)، أوقفت عن الأمر الذي كنت فيه، أي: أقلعت. قال الطرماح: جامحاً في غوايتي ثم أوقفت … رضا بالتقى وذو البر راضي (٥) ويأتي الوقف بمعنى: السكون، مثل: وقفت الدابة، أي: سكنت. وبمعنى: المنع، مثل: وقفت الموظف عن عمله، أي: منعته منه. وبمعنى: التعليق، مثل: وقف الأمر على حصول كذا، أي: علق عليه. وبمعنى: التأخير والتأجيل، مثل: وقفت قسمة الميراث، أي: أجلته.

стр. 43

وبمعنى: التبين، ومنه: وقفت على ما عند فلان، أي: تبينته. وبمعنى: الإطلاع، ومنه: وقفته على ذنبه، أي: أطلعته عليه. وبمعنى: الوقوف، خلاف الجلوس. وبمعنى: السوار من العاج. وقيل: السوار ما كان. وروى أبو عبيدة، والأصمعي: الوقف: الخلخال ما كان من شيء من فضة، أو غيرها، وأكثر ما يكون من الذبل. والمسك إذا كان من عاج فهو وقف، وإذا كان من ذبل فهو مسك، وهو كهيئة السوار (١). وقيل للموقوف "وقف" تسمية بالمصدر، ولذا جمع على "أوقاف" كوقت وأوقات (٢). وقد كثر إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول كقولك: هذا وقف أي موقوف، ورهن أي مرهون، وكتاب أي مكتوب، ويجمع على أوقاف ووقوف. قال البعلي: " يقال: وقف الشيء وأوقفه، وحبسه وأحبسه، كله بمعنى واحد " (٣). والوقف لغة: قد يكون حسياً، مثل: وقفت الدار، وقد يكون معنوياً، مثل: وقفت جهودي للعلم.

стр. 44

وقيل يقال: "وقفه" فيما يحبس باليد، و"أوقفه" فيما لا يحبس بها (١). وقول بعضهم: "وقّف" بالتشديد فهي منكرة قليلة (٢). وأحبس أولى من حبس فيما وقف في سبيل الله من خيل وغيرها (٣). فرع: تعريف الحبس: الحبس لغة: الإمساك، يقال: " حبسه يحبسه حبساً، فهو محبوس، وحبيس، واحتبسه وحبسه: أمسكه عن وجهه " (٤)، وهو ضد التخلية. ويطلق الحبس على: الصمت: يقال: الصمت حُبْسةٌ. والوقف: الحُبُس: ما وقف. والاختصاص بالشيء: احتبست الشيء إذا اختصصته لنفسك خاصة. والمحبس: الموضع. وإبل محبسة داجنة كأنها قد حبست عن الرعي. والمحبس: معلف الناقة. والحِبْس: كل ما سد به مجرى الوادي. والحِبْس: الماء المستنقع. والحَبْس: الشجاعة (٥).

стр. 45

المطلب الثاني: تعريف الوقف في الاصطلاح اختلفت عبارات الفقهاء في تعريفهم للوقف اصطلاحاً، وذلك تبعاً لاختلافهم في شروط الوقف، وفي لزوم الوقف وعدم لزومه، ومصير العين الموقوفة بعد الوقف، ولاختلاف نظرتهم للتعاريف؛ فمنهم من يعرف على طريقة المناطقة والمتكلمين، ومنهم من يعرف على طريقة الفقهاء، ولكل منهم مشارب وموارد، وهذه طائفة من هذه التعريفات. التعريف الأول: هو تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به، مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة برّ تقرباً إلى الله تعالى. وبه قال الشافعية (١)، والحنابلة (٢)، على أن بعضهم يترك بعض القيود للعلم بها (٣)، ولهذا عرفه بعض أصحاب هذا القول كابن قدامة وغيره بقوله: " تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة " (٤).

стр. 46

قال في الإنصاف: " أراد من حدّ بهذا الحدّ مع شروط الوقف المعتبرة، وأدخل غيرهم الشروط في الحدّ " (١). شرح التعريف: قولهم: " تحبيس مالك ": سواء بنفسه، أو نائبه، والتحبيس ضد الإطلاق، فالحبس المنع، وهذا اللفظ يتضمن حابساً وهو الواقف، وصيغة. والحبس: اسم جنس يشمل كل حبس كالرهن والحجر، والمراد منع تملك العين بأي سبب من أسباب التمليكات. قولهم: "مطلق التصرف": من له مطلق التصرف هو البالغ، العاقل، الحر الرشيد (٢). وهذا القيد لم يذكره الشافعية في تعريفاتهم للعلم به، ولاشتراطه لكل تصرف يرتب عليه الشارع أثراً شرعيا، ومعلوم أن من الانتقادات التي تورد على التعاريف ذكر الشروط في التعريف؛ لأنها ليست مما يصح إدخاله في الحدود كما هو معلوم (٣)، ولهذا جاءت عبارة النووي: " هو تحبيس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في جهة تقرباً إلى الله تعالى " (٤). وقولهم: " تحبيس " لفظ التحبيس من الألفاظ الصريحة في الوقف، بل هو الوارد في الحديث النبوي في حديث خيبر العمري، وفي الإنصاف " وقفت وحبست صريح في الوقف بلا نزاع " (٥).

стр. 47

قولهم: "ماله": أي الشرعي، فخرج ما ليس مالا شرعياً كالمحرم، وما كان مختصاً ككلب الصيد، ولهذا جاء في مطالب أولي النهى (١): " وعلم منه: أنه لا يصح الوقف من نحو مكاتب، ولا سفيه، ولا وقف نحو الكلب والخمر … " وهذا قيد خالف فيه بعض الحنابلة، فأدخلوا فيه ما هو أوسع من ذلك بكثير. ففي الإنصاف: " وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وأقرب الحدود في الوقف: أنه كل عين تجوز عاريتها - كما سيأتي -، فأدخل في حده أشياء كثيرة لا يجوز وقفها عند الإمام أحمد ﵀ والأصحاب، فظاهر عبارة الشيخ ﵀: تشمل حتى ما كان مختصاً لا يجوز بيعه " (٢)، وسيأتي. قولهم: "المنتفع به": أي سواء كان الانتفاع به في الحال، أم لا، كعبد صغير، وخرج بذلك: ما لا يمكن الانتفاع به نحو الحمار الزمن الذي لا يرجى برؤه. وقولهم: "المنتفع به": أي نفعاً مباحاً مقصوداً. قولهم: "مع بقاء عينه": أي ولو مدة قصيرة أقلها زمن يقابل بأجرة. وخرج به: ما لا ينتفع به إلا بذهابه، كشمعة للوقود، وريحان مقطوع للشم، وطعام للأكل، فلا يصح وقف شيء من ذلك؛ لأنه لا يمكن الانتفاع به إلا مع ذهاب عينه (٣). وغني عن الذكر أن عبارة شيخ الإسلام ﵀ السابقة قد ألغت اعتبار هذا القيد؛ وذلك أن عارية ما ينتفع به بذهاب عينه جائزة. قولهم: "يقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته": متعلق بتحبيس على أنه

стр. 48

تبيين له، أي: إمساك المال عن أسباب التملكات بقطع تصرف واقفه وغيره في رقبته بشيء من التصرفات (١). قولهم: "يصرف ريعه": أي غلة المال وثمرته ونحوها، بسبب تحبيسه (٢). قولهم: "إلى جهة بر": هذا معنى قولهم "وتسبيل المنفعة" أي إطلاق فوائد العين الموقوفة من غلة وثمرة، وغيرها للجهة المعينة (٣). والمراد بجهة البر: ما عدا الحرام، ولذلك عبر بعض الفقهاء كالشربيني وغيره بقولهم: "على مصرف مباح" (٤) فيخرج به المصرف الحرام، وهذه العبارة أسلم من حيث الشمول وعدم الحاجة إلى توضيح، وزاد بعضهم كلمة "موجود"، فقال: "على مصرف مباح موجود" (٥)، واشتراط كونه موجوداً من المسائل الخلافية (٦)، ولهذا ذكر بعضهم: أن الأولى حذف كلمة "موجود" ليتأتى التعريف على كلا القولين (٧). قولهم: "تقرباً إلى الله تعالى": أي لأجل التقرب إلى الله تعالى، وإن لم يظهر فيه قصد القربة كالوقف على الأغنياء (٨) تودداً، أو على أولاده خشية

стр. 49

بيعه بعد موته وإتلاف ثمنه من غير أن يخطر القربة بباله، بل قد يخطر بباله القصد المحرم كأن يستدين حتى يستغرق الدين ماله، وهو ممن يصح وقفه فيخشى أن يحجر عليه ويباع ماله في الدين فيقفه ليفوت على رب الدين بيعه لقضاء الدين، ويكون وقفاً لازماً لكونه قبل الحجر عليه مطلق التصرف في ماله لكنه آثم بذلك، وقد يقف على ما لا يقع غالباً إلا قربة كالمساكين والمساجد، قاصداً بذلك الرياء، فإنه يلزم ولا يثاب عليه؛ لأنه لم يبتغ به وجه الله تعالى (١)، فهذا القيد لحصول الأجر وليس للزوم، لذلك فالفقهاء نصوا على أنه يلزم بمجرد اللفظ الصريح دون اعتبار لقصد المحبس، وأجلى من ذلك أن الكثير من الفقهاء قالوا فيمن أوقف على جهة محرمة لزم الوقف، وإن لم يصرف في نفس الجهة التي نص عليها الواقف. واعترض عليه: أن قوله: "يقطع تصرف الواقف" تكرار مع قوله: "تحبيس". التعريف الثاني: هو حبس العين على حكم ملك الله تعالى، فيزول ملك الواقف عنه إلى الله تعالى، على وجه تعود منفعته على العباد، فيلزم، ولا يباع، ولا يوهب، ولا يورث. وإلى هذا التعريف ذهب أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وهو المذهب عند الحنفية (٢). والمعول والفتوى على قولهما (٣).

стр. 50

وقد اختلف فقهاء الحنفية في تعريف الوقف، والسبب في هذا يرجع إلى ما يلي: ١ - اختلاف نظرهم إلى الوقف من حيث لزومه، وعدم لزومه. ٢ - اختلاف نظرهم في الجهة التي تنتقل إليها العين الموقوفة، وهل تخرج العين عن ملك واقفها أو لا؟ وسيأتي بيانه. قوله: "على حكم ملك الله" يفيد زوال ملك الواقف عنه إلى الله تعالى على وجه تعود منفعته للعباد؛ فالوقف لم يبق على ملك الواقف، ولا انتقل إلى ملك الموقوف عليهم، بل صار على حكم الله، فلا يملك المخلوق التصرف بعينه، وإنما بمنفعته. وهذا التعريف في آخره شرح لأوله، وهذا من عيوب التعريف كما هو معلوم، كما أن قولهم فيه: "لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث" فيه ارتباط باللفظ الشرعي الوارد في الحديث، وهذا من ميزات هذا التعريف، ويقوم مقامه قولهم: "لا يجوز التصرف في عينها". التعريف الثالث: هو حبس العين على ملك الواقف والتصدق بمنفعتها، أو صرف منفعتها على من أحب. وإلى هذا القول ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ (١). قوله: "حبس العين" الحبس: ضد التخلية، أي منع الرقبة المملوكة عن تصرفات الغير. قوله: "ملك الواقف" فله نقل الملك في الوقف بالبيع ونحوه وتورث عنه.

стр. 51

قوله: "على ملك الواقف": إذ عند أبي حنيفة: أن الرقبة ملك الواقف حقيقة في حياته، وملك لورثته بعد وفاته بحيث يباع ويوهب، بخلاف ما عليه الصاحبان (١). قوله: "على من أحب" ليدخل الوقف على النفس، ثم على الفقراء، أو الأغنياء ثم الفقراء. فهو يرى أن حقيقة الوقف هي تبرع للجهة الموقوف عليها بمنافع الوقف دون عينه التي تبقى جارية على ملك الواقف. وأما الصاحبان: فيريان أن الوقف خرج عن ملك الواقف سواء بطريق التبرع على رأي "محمد" مع حبس التصرف في العين، فلا تباع ولا توهب ولا تورث. أو بطريق الإسقاط على رأي أبي يوسف الذي يرى أن الواقف أسقط بالوقف ملكيته في الموقوف لتكون مخصصة للجهة الموقوف عليها تنتفع بها، ولا تتصرف في عينها (٢). ونوقش هذا التعريف بما يلي: الأول: أنه تعريف بالمباين؛ لأن الوقف غير اللازم لا حبس فيه. الثاني: أنه جعل العين على ملك الواقف، وهذا منقوض بالمسجد فالعلماء مجمعون على حبسه على ملك الله تعالى. التعريف الرابع: إعطاء منفعة شيء مدة وجوده، لازماً بقاؤه في ملك معطيه، ولو تقديراً. وهذا عليه كثير من المالكية (٣).

стр. 52

فقوله: "إعطاء منفعة" قيد أخرج عطية الذات، فإنها إما هبة، أو صدقة (١). قوله: "مدة وجوده" أي الموقوف، أخرج العارية، لرجوعها إلى المعير، والعمرى، لرجوعها بعد موت المعمر ملكاً للمعمر، أو لوارثه. قوله: "لازماً بقاؤه في ملك معطيه" قيد خرج به العبد المخدم حياته يموت قبل موت ربه؛ لعدم بقائه في ملك معطيه؛ لجواز بيعه برضاه مع معطاه. وهذه مسألة خلافية بين الفقهاء وتقدم في التعريف الأول إشارة إليها. قوله: "ولو تقديراً" يحتمل: ولو كان الملك تقديراً، كقوله: إن ملكت دار فلان فهي حبس. ويحتمل: ولو كان الإعطاء تقديراً، كقوله: داري حبس على من سيكون (٢). ونوقش: أنه عبر بالمنفعة، والوقف تمليك انتفاع لا منفعة، وأنه يفيد تأبيد الوقف، والمالكية يرون صحة الوقف المؤقت، وأنه يفيد عدم صحة الحيوان، والمالكية يرون صحته. وتطرق الاحتمال إليه بقوله: "ولو تقديراً". التعريف المختار: التعريف الذي أميل إليه من التعاريف السابقة هو قول ابن قدامة ﵀ ومن وافقه بأن الوقف: " تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة ". وقد اخترت هذا التعريف للأسباب الآتية:

стр. 53

أولاً: أن هذا التعريف اقتباس من: (١) ما رواه النسائي من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن عمر ﵁، وفيه قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: " حبس الأصل وسبل الثمرة " (١). (٢) وما رواه البخاري ومسلم من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄، وفيه قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: " إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها " (٢)، وفي لفظ للبخاري: " تصدق بأصله لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ثمره ". والرسول ﷺ أفصح العرب لساناً وأكملهم بياناً، وأعلمهم بالمقصود من قوله. ثانياً: أن هذا التعريف جامع مانع؛ لكونه قد سلم من الاعتراضات التي اعترض بها على التعريفات الأخرى. ثالثاً: أن هذا التعريف يؤدي المعنى الحقيقي للوقف بأقصر عبارة تفيد المقصود منه دون الدخول في تفصيلات جانبية كبقية التعاريف الأخرى. رابعاً: أن ذكر الأركان والشروط ضمن التعريف يخرجه عن الغرض الذي وضع لأجله.

стр. 54

خامساً: أن هذا التعريف هو قدر مشترك يتفق عليه الجميع، ويختلفون فيما عداه من المسائل والضوابط، فكان أولى بالترجيح، ولذا كثر القائلون به من الفقهاء المعاصرين. سادساً: سلامة هذا التعريف من الاعتراض؛ إذ إن من أبرز في التعريف شروطاً وضوابط كان تعريفه محل اعتراض من مخالفيه، وأما من اقتصر على الحقيقة فهو سالم من المعارضة. سابعاً: أن في هذا التعريف إبرازاً لمقصد من أهم مقاصد الوقف، وهو الابتداء والدوام، وهذا ظاهر في التحبيس والتسبيل. ثامناً: العلاقة الظاهرة في هذا الحد بين التعريف اللغوي والشرعي (١). فرع: يعبر أكثر العلماء بلفظ الوقف، وعلل بأنه أقوى في التحبيس، وبعضهم يستحسن التعبير بالحُبُس كما قال الشافعي: " كتاب العطايا والصدقات والحبس "، وكما عند أكثر المالكية، كابن أبي زيد وشراحه، والباجي، وفي المغرب يقولون: " وزير الأحباس "، وفي المدونة: " كتاب الحبس والصدقة " وترجم ابن حزم بـ " الأحباس " (٢). وأحبس بالألف أكثر استعمالاً من حبس، وهذا عكس: " وقف " كما أسلفنا. والحبيس -فعيل- بمعنى مفعول، كقتيل بمعنى مقتول، أي محبوس

стр. 55

على ما قصد له بحيث لا يجوز التصرف فيه لغير ما وقف لأجله، وقد رجح هؤلاء استعمال " الحبس "؛ لأنها الواردة في الأخبار الصحيحة، والمصطفى ﷺ أفصح العرب لساناً وأبلغهم بياناً، وقد روى البخاري ومسلم من طريق نافع عن ابن عمر ﵄، وفيه قول النبي ﷺ لعمر بن الخطاب ﵁: " إن شئت حبست أصلها، وتصدقت بها " (١). وقد يطلق الوقف على الموقوف تسمية بالمصدر، فيجمع على: الأوقاف، وقد تطلق الصدقة على الوقف، وكان الشافعي ﵀ يسمي الأوقاف: " الصدقات المحرمات " (٢).

стр. 56

المبحث الثاني: بيان حكمه، ودليله الوقف تدور عليه الأحكام الخمسة التكليفية، لكن اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في الأصل فيه، هل هو المشروعية مطلقاً، أو المنع؟ على أقوال: القول الأول: أن الوقف مستحب مندوب إليه. وهذا هو قول جمهور العلماء: الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، والحنابلة (٤). قال الترمذي: " والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم لا نعلم بين المتقدمين منهم في ذلك اختلافاً في إجازة وقف الأرضين وغير ذلك " (٥).

стр. 57

وقال ابن حزم: " صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد " (١). وقال الموفق ابن قدامة: "وأكثر أهل العلم من السلف ومن بعدهم على القول بصحة الوقف " (٢). وقال النفراوي: " اختلف أهل الإسلام في حكمه، والصحيح -وهو مذهب الجمهور- جوازه بل ندبه؛ لأنه من أحسن ما تقرب به إلى الله تعالى" (٣). وقال الشيرازي: " الوقف قربة مندوب إليها، ويجوز وقف كل عين ينتفع بها على الدوام " (٤). وقال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن محمود الوراق: حدثنا صالح بن أحمد بن حنبل أنه قال لأبيه قول شريح: " لا حبس عن فرائض الله " قال أبي: هذا خلاف قول النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ أمر عمر، وسأله عن أرض أصابها، فقال: " احبسها وسبل ثمرتها " (٥). وقال برهان الدين ابن مفلح: " وهو من القرب المندوب إليها. قال أحمد: من يرد الوقف إنما يرد السنة التي أجازها النبي ﷺ ، وفعلها أصحابه " (٦). القول الثاني: التفصيل، فيصح في بعض الأشياء دون بعض.

стр. 58

وبه قال ابن حزم. قال ابن حزم: " التحبيس -وهو الوقف- جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها، وفي الأرحاء (١)، وفي المصاحف والدفاتر، ويجوز أيضاً في العبيد، والسلاح، والخيل في سبيل الله في الجهاد فقط لا في غير ذلك " (٢). القول الثالث: أن الوقف جائز شرعا في السلاح والكراع فقط، باطل فيما عدا ذلك. وبه قال إبراهيم النخعي. (٣) أخرج ابن الجعد: ثنا عبد الله قال: ثنا علي قال: أنا أبو إسحاق الفزاري، عن المغيرة، عن إبراهيم: " لا حبيس إلا حبيس في سبيل الله. قال: من سلاح أو كراع " (٣). القول الرابع: أن الوقف غير جائز إلا إذا اتصل به قضاء القاضي، أو أضافه إلى ما بعد الموت بأن قال: إذا مت فقد جعلت داري أو أرضي وقفا على كذا، أو قال: هو وقف في حياتي صدقة بعد وفاتي. وبه قال أبو حنيفة نقله عنه متقدمو أصحابه، وحمله المتأخرون من أصحابه على أن المراد به: أنه غير لازم، أما أصل الجواز فثابت عنده.

стр. 59

قال محمد [بن] [¬*] الحسن: " كان أبو حنيفة لا يجيز شيئاً من الحبس على وجه من الوجوه إلا في خصلة واحدة في الوصية عند الموت " (١). وجاء في وقف هلال: " قلت: أرأيت رجلاً قال: أرضي هذه، وسمى حدودها صدقة موقوفة؟ .... قال أبو حنيفة: هذا كله باطل لا يجوز، ولا يكون وقفاً، وله أن يحدث فيه ما بدا له بعد ذلك " (٢). وقال السرخسي: "وظن بعض أصحابنا أنه غير جائز على قول أبي حنيفة، وإليه يشير في ظاهر الرواية، فنقول: أما أبو حنيفة فيجيز ذلك، ومراده أنه لا يجعله لازماً، وأما أصل الوقف فثابت عنده " (٣). وقال الكاساني: " ولا خلاف أيضا في جوازه في حق زوال ملك الرقبة إذا اتصل به قضاء القاضي أو أضافه إلى ما بعد الموت " (٤). القول الخامس: أن الوقف لا يجوز مطلقا. وبه قال الشعبي (٥)، وشريح (٦). قال السرخسي: "سئل الشعبي عن الحبس فقال: جاء محمد ﷺ ببيع الحبس" (٧). وقال الموفق ابن قدامة: "ولم ير شريح الوقف، وقال: لا حبس عن فرائض الله " (٨).

стр. 60

الأدلة: أدلة القول الأول: (مشروعية الوقف) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١). (٤) فقد روى البخاري ومسلم من طريق إسحاق بن عبد الله أنه سمع أنس بن مالك ﵁ يقول: .... فلما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وإن أحب أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها حيث أراك الله، فقال: " بخ، ذلك مال رابح -أو رايح شك ابن مسلمة- وقد سمعت ما قلت، وإني أرى أن تجعلها في الأقربين " (٢). وبوّب له البخاري: باب: إذا وقف أرضا ولم يبين الحدود فهو جائز، وكذلك الصدقة (٣). ٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ (٤). وجه الدلالة: قال السعدي: " وآثارهم، وهي آثار الخير، وآثار الشر التي كانوا هم السبب في إيجادها في حال حياتهم ...... ، أو عمل خيراً من صلاة أو زكاة أو صدقة، أو إحسان فاقتدى به غيره، أو عمل مسجداً، أو محلاً من المحال التي يرتفق بها الناس ..... " (٥).

стр. 61

٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠)﴾ (٦). وجه الدلالة: أن هذه الآيات ونحوها دلت على الإحسان على الفقراء والمساكين، والأقارب، والمسارعة إلى فعل الطاعات ووجوه الخير المتنوعة، ومن أعظم طرق ذلك ووسائله الوقف. (٥) ٤ - ما رواه البخاري من طريق نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي ﷺ ، فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس فيه فكيف تأمرني به؟ قال: " إن شئت حبست أصلها وتصدّقت بها "، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث في الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف أو يطعم صديقا غير متمول فيه " (٧). قال النووي: " وفي هذا الحديث دليل على صحة أصل الوقف، وأنه مخالف لسوائب الجاهلية " (٨).

стр. 62

قال ابن حجر: " وحديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف " (١). (٦) ٥ - ما رواه البخاري من طريق طلحة بن أبي سعيد قال: سمعت سعيداً المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة ﵁ يقول: قال النبي - ﷺ : " من احتبس فرساً في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقاً بوعده فإن شبعه، وريّه، وروثه، وبوله في ميزانه يوم القيامة " (٢). قال ابن حجر: " قال المهلب وغيره: في هذا الحديث جواز وقف الخيل للمدافعة عن المسلمين، ويستنبط منه جواز وقف غير الخيل من المنقولات، ومن غير المنقولات من باب الأولى " (٣). (٧) ٦ - ما رواه الترمذي من طريق أبي مسعود الجريري، عن ثمامة بن حزن القشيري قال: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان، فقال: " ائتوني بصاحبيكم اللذين ألباكم علي، قال: فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال رسول الله ﷺ : " من يشتري بئر رومة، فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟ فاشتريتها من صلب مالي " (٤).

стр. 63

فهذا الحديث أورده كل من الدارقطني والبيهقي في الأوقاف كدليل على اتخاذ السقايات (١). (٨) ٧ - ما رواه ابن ماجه من طريق مرزوق بن أبي الهذيل، حدثني الزهري، حدثني أبو عبد الله الأغر، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علما علّمه ونشره، وولدا صالحاً تركه، ومصحفاً ورّثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل

стр. 64

بناه، أو نهرا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته يلحقه من بعد موته" (١). فقد أورده ابن خزيمة في كتاب الصدقات والأحباس دليلاً على فضل بناء السوق لأبناء السابلة، وحفر الأنهار للشارب (٢). (٩) ٨ - ما رواه مسلم من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (٣). قال النووي: " فيه دليل لصحة أصل الوقف وعظيم ثوابه، فالصدقة الجارية هي الوقف" (٤). (١٠) ٩ - ما رواه البخاري من طريق أبي إسحاق، عن عمرو بن الحارث ختن (٥) رسول الله ﷺ أخي جويرية بنت الحارث قال: " ما ترك

стр. 65

رسول الله ﷺ عند موته درهماً، ولا ديناراً، ولا عبداً ولا أمةً، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضاً جعلها صدقةً " (١). قال ابن حجر: "إنه تصدق بمنفعة الأرض، فصار حكمها حكم الوقف" (٢). كذلك أورده النسائي، وجعله أول حديث في كتاب الأحباس (٣). (١١) ١٠ - ما رواه أبو داود: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا حاتم بن إسماعيل، ح وحدثنا سليمان بن داود المهرى، أخبرنا ابن وهب، أخبرنى عبد العزيز بن محمد، ح، وحدثنا نصر بن على، حدثنا صفوان بن عيسى -وهذا لفظ حديثه- كلهم عن أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كان فيما احتج به عمر ﵁ - أنه قال: " كانت لرسول الله ﷺ ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبساً لنوائبه، وأما فدك فكانت حبساً لأبناء السبيل، وأما خيبر فجزأها رسول الله ﷺ ثلاثة أجزاء: جزءين بين المسلمين، وجزءاً نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين" (٤).

стр. 66

(١٢) ١١ - ما رواه البيهقي من طريق الأعمش، عن إبراهيم، عن مسروق، عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ "جعل سبع حيطان له بالمدينة صدقة على بني عبد المطلب، وبني هاشم " (١). (١٣) ١٢ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ أن فاطمة ﵂ بنت رسول الله ﷺ أرسلت إلى أبي بكر ﵁ تسأله ميراثها من رسول الله ﷺ مما أفاء الله عليه بالمدينة، وفدك، وما بقي من خمس خيبر. فقال أبو بكر ﵁: إن رسول الله قال: " لا نورث، ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال "، وإني والله لا أغير شيئاً من صدقة رسول الله ﷺ على حالها التي كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ (٢). (١٤) ١٣ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق عبد الله بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك يقول: قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من

стр. 67

مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله ﷺ ، قال: " أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك " قلت: أمسك سهمي الذي بخيبر (١). وجه الدلالة: أن الرسول ﷺ أقره على وقف بعض ماله، وهذا الحديث عقد له الإمام البخاري باباً أسماه: باب إذا تصدق، أو وقف بعض ماله، أو بعض رقيقه، أو دوابه فهو جائز (٢). (١٥) ١٤ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق أبي التياح قال: حدثني أنس بن مالك ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أمر بالمسجد وقال: " يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا ". قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله (٣). فقد أقر الرسول ﷺ صدقتهم هذه وقبلها. (١٦) ١٥ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ قال: أمر رسول الله ﷺ بالصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد وعباس بن عبد المطلب، فقال النبي ﷺ : " ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله ورسوله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً قد احتبس أدرعه (٤) وأعتده في سبيل الله … " (٥). قال النووي: " وفيه دليل على صحة الوقف" (٦).

стр. 68

وقال ابن حجر: "واستدل بقصة خالد على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح " (١). (١٧) ١٦ - ما رواه ابن شبة من طريق سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه: أن عمر ﵁ قطع لعلي بن أبي طالب ﵁ ينبع، ثم اشترى علي إلى قطيعة عمر أشياء فحفر فيها عيناً، فبينما هم يعملون فيها إذ انفجر عليهم مثل عنق الجزور من الماء فأتي علي فبشر بذلك، فقال: يسر الوارث … ثم تصدق بها على الفقراء والمساكين، وفي سبيل الله، وابن السبيل القريب والبعيد، وفي السلم، وفي الحرب ليوم تبيض فيه وجوه، وتسود وجوه؛ ليصرف الله بها وجهي عن النار " (٢). (منقطع؛ محمد بن علي بن الحسين لم يسمع من جده على ﵁. ١٧ - حكى القرطبي ﵀ إجماع الصحابة على جواز الوقف فقال: "إن المسألة إجماع من الصحابة، وذلك أن أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليا، وعائشة، وفاطمة، وعمرو بن العاص، وابن الزبير، وجابرًا، كلهم وقفوا الأوقاف، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة " (٣). (١٨) ما رواه الخصاف في أحكام الأوقاف قال: محمد بن عمر

стр. 69

الواقدي حدثني قدامة بن موسى بن بشير مولى المازنيين قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: " لما كتب عمر بن الخطاب ﵁ صدقته في خلافته دعا نفراً من المهاجرين والأنصار فأحضرهم وأشهدهم على ذلك فانتشر خبرها، قال جابر: فما أعلم أحداً ذا مقدرة من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار إلا حبس مالاً من ماله صدقة موقوفة لا تشترى ولا تورث ولا توهب ". قال قدامة بن موسى: وسمعت محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة يقول: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ من أهل بدر من المهاجرين والأنصار إلا وقد وقف من ماله حبساً لا يشترى ولا يورث ولا يوهب حتى يرث الله الأرض ومن عليها (١). وقال الشافعي: " بلغني أن أكثر من ثمانين رجلاً من أصحاب النبي ﷺ من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات، … وقد حفظنا الصدقات عن عدد كثير من المهاجرين والأنصار، وإن نقل الحديث فيها كالتكلف " (٢).

стр. 70

قال ابن حزم: "جملة صدقات الصحابة بالمدينة أشهر من الشمس لا يجهلها أحد" (١). وقال البغوي: " والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ، ومن بعدهم من المتقدمين لم يختلفوا في إجازة وقف الأرضين وغيرها من المنقولات، وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها لم ينقل عن أحد منهم أنه أنكره، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة وغيرها " (٢). وقال ابن قدامه عن قول جابر ﵁: " لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذا مقدرة إلا وقف " قال: " وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف وأشهر ذلك، فلم ينكره أحد، فكان إجماعاً " (٣). ونوقش الاستدلال بأوقاف الصحابة ﵃: بأنها لا تخلو من أمرين: أحدهما: أن تكون في زمن رسول الله ﷺ ، فيحتمل أنها كانت قبل نزول سورة النساء، فلم تقع حبساً عن فرائض الله تعالى. الثاني: أن تكون بعد وفاة الرسول ﷺ ، فهذا يحتمل أن ورثتهم أمضوها بالإجازة، وهذا هو الظاهر ولا كلام فيه (٤). وأجيب: بأنه مردود؛ إذ إن قولهم: إنها كانت قبل نزول سورة النساء يرده وقف عمر بن الخطاب ﵁ لثمغ حين رجع رسول الله ﷺ من خيبر سنة سبع من الهجرة كما أوضحناه سابقاً. في حين أن سورة النساء وأخص آية المواريث نزلت قبل ذلك بكثير؛ (١٩) لما رواه الترمذي من طريق عبيد الله بن عمرو، عن عبد الله بن

стр. 71

محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: «يقضي الله في ذلك» فنزلت: آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» (١). ولا يخفى أن أحداً كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فأين هي من السنة السابعة التي وقع فيها أول وقف في الإسلام على قول بعض أهل العلم كما سبق بيانه (٢).

стр. 72

وأما قولهم: إن ما كان بعد وفاة الرسول ﷺ فقد أمضاها ورثة الصحابة بالإجازة فهو قول مردود -أيضاً- فقد ترك عمر ﵁ ولديه زيدا وأخته صغيرين جدا، وكذلك عثمان وعلي -رضوان الله عليهم- وغيرهم، فلو كان الحبس غير جائز لما حل ترك أنصباء الصغار تمضي حبساً (١)، ولا يخفى أن الصغار ليسوا من أهل الإجازة والتبرعات. ١٨ - أن الوقف جائز؛ لأنه إزالة ملك يلزم بالوصية، فإذا نجزه حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق (٢). دليل القول الثاني: (التفصيل بين صحة وقف البعض دون البعض) الاقتصار على ما ورد به الأثر بوقفه دون ما لم يرد به الأثر. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الآثار ليس فيها دلالة على حصر الوقف في هذه الأشياء دون غيرها. الوجه الثاني: أن الأصل في الوقف أنه قربه مأمور بها، وعلى هذا يكثر منه، ولا يقصر على أشياء دون غيرها. الوجه الثالث: أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات. أدلة القول الثالث: (يجوز في السلاح والكراع فقط) استدل لهذا الرأي بما يأتي: (٢٠) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر ﵁ قال: " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول

стр. 73

الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بقول ابن حزم ﵀: " إنه كما يجب القول بما صح عن النبي ﷺ في هذا الحديث من وقف السلاح والكراع، كذلك يجب القول بما صح عنه ﷺ من إيقاف غير الكراع والسلاح، فلا نقصر الوقف على الكراع والسلاح " (٢). (٢١) ٢ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال على ﵁: " لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد حبس الجاهلية، كما صرفه الإمام مالك إلى حبس الجاهلية عندما اعترضه أبو يوسف بهذا الدليل، (٢٢) روى البيهقي عن الشافعي ﵀ قال: " اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين فتكلما في الوقف وما يحبسه الناس. فقال يعقوب: هذا باطل. قال شريح: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس. فقال مالك: إنما جاء محمد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة، والسائبة، فأما الوقف، فهذا وقف عمر بن الخطاب ﵁ حيث استأذن النبي ﷺ فقال: " حبس أصلها وسبل ثمرتها ". فأعجب الخليفة ذلك منه، وبقي يعقوب (٤).

стр. 74

(٢٣) ٣ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق القاسم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " لا حبس إلا في سلاح أو كراع " (١) (منقطع). (٢٤) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كانوا يحبسون الفرس والسلاح في سبيل الله" (٢). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن خبر إبراهيم هذا حكاية أنهم كانوا يوقفون السلاح والفرس في سبيل الله، ونحن موافقون على جواز وقف الفرس والسلاح، لكن ليس فيه دلالة على قصر الوقف على الفرس والسلاح. الوجه الثاني: قيل للإمام أحمد: قوله " ما كانوا يحبسون إلا الكراع والسلاح؟ قال: " ليس ذا شيئاً أصحاب رسول الله ﷺ أوقفوا الدور والأرضين " (٣). أدلة القول الرابع: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: (٢٥) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن

стр. 75

لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا حبس عن فرائض الله " (١). أي لا مال يحبس بعد موت صاحبه عن القسمة بين ورثته، والواقف حبس عن فرائض الله تعالى فكان منفيا شرعا (٢). ونوقش هذا الدليل: بأنه مردود من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف. الوجه الثاني: أنه لو صح، فقد ذكر ابن حزم: أنه يلزم أن يكون منسوخاً؛ وذلك لأن الحبس وقع من الصحابة بعده، وبعلم رسول الله ﷺ إلى أن مات ﵇ (٣). الوجه الثالث: أن قولهم فاسد؛ لأنهم لا يختلفون في جواز الهبة والصدقة في الحياة والوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة عما لو لم تكن فيه لورثوه على فرائض الله ، فيجب بهذا القول إبطال كل هبة، وكل وصية؛ لأنها مانعة من فرائض الله تعالى بالمواريث. فإن قالوا: هذه شرائع جاء بها النص: قلنا: والحبس شريعة جاء بها النص، ولولا ذلك لم يجز (٤).
следующие страницы →