← Фикх общий

Фикх общий · id 30165

الجامع لأحكام الوقف والهبات والوصايا

خالد المشيقح

Полный текст (3 813 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك يوم أحد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالا، ولا تنكحان إلا ولهما مال، قال: «يقضي الله في ذلك» فنزلت: آية الميراث، فبعث رسول الله ﷺ إلى عمهما، فقال: «أعط ابنتي سعد الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك» (١). ولا يخفى أن أحداً كانت في السنة الثالثة من الهجرة، فأين هي من السنة السابعة التي وقع فيها أول وقف في الإسلام على قول بعض أهل العلم كما سبق بيانه (٢).

стр. 72

وأما قولهم: إن ما كان بعد وفاة الرسول ﷺ فقد أمضاها ورثة الصحابة بالإجازة فهو قول مردود -أيضاً- فقد ترك عمر ﵁ ولديه زيدا وأخته صغيرين جدا، وكذلك عثمان وعلي -رضوان الله عليهم- وغيرهم، فلو كان الحبس غير جائز لما حل ترك أنصباء الصغار تمضي حبساً (١)، ولا يخفى أن الصغار ليسوا من أهل الإجازة والتبرعات. ١٨ - أن الوقف جائز؛ لأنه إزالة ملك يلزم بالوصية، فإذا نجزه حال الحياة لزم من غير حكم كالعتق (٢). دليل القول الثاني: (التفصيل بين صحة وقف البعض دون البعض) الاقتصار على ما ورد به الأثر بوقفه دون ما لم يرد به الأثر. ونوقش هذا الاستدلال من وجوه: الوجه الأول: أن هذه الآثار ليس فيها دلالة على حصر الوقف في هذه الأشياء دون غيرها. الوجه الثاني: أن الأصل في الوقف أنه قربه مأمور بها، وعلى هذا يكثر منه، ولا يقصر على أشياء دون غيرها. الوجه الثالث: أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات. أدلة القول الثالث: (يجوز في السلاح والكراع فقط) استدل لهذا الرأي بما يأتي: (٢٠) ١ - ما رواه البخاري ومسلم من طريق مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر ﵁ قال: " كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول

стр. 73

الله ﷺ خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع عدة في سبيل الله " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بقول ابن حزم ﵀: " إنه كما يجب القول بما صح عن النبي ﷺ في هذا الحديث من وقف السلاح والكراع، كذلك يجب القول بما صح عنه ﷺ من إيقاف غير الكراع والسلاح، فلا نقصر الوقف على الكراع والسلاح " (٢). (٢١) ٢ - ما رواه ابن أبي شيبة: حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: قال على ﵁: " لا حبس عن فرائض الله إلا ما كان من سلاح أو كراع " (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأن المراد حبس الجاهلية، كما صرفه الإمام مالك إلى حبس الجاهلية عندما اعترضه أبو يوسف بهذا الدليل، (٢٢) روى البيهقي عن الشافعي ﵀ قال: " اجتمع مالك وأبو يوسف عند أمير المؤمنين فتكلما في الوقف وما يحبسه الناس. فقال يعقوب: هذا باطل. قال شريح: جاء محمد ﷺ بإطلاق الحبس. فقال مالك: إنما جاء محمد ﷺ بإطلاق ما كانوا يحبسونه لآلهتهم من البحيرة، والسائبة، فأما الوقف، فهذا وقف عمر بن الخطاب ﵁ حيث استأذن النبي ﷺ فقال: " حبس أصلها وسبل ثمرتها ". فأعجب الخليفة ذلك منه، وبقي يعقوب (٤).

стр. 74

(٢٣) ٣ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق القاسم، عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: " لا حبس إلا في سلاح أو كراع " (١) (منقطع). (٢٤) ٤ - ما رواه ابن أبي شيبة من طريق حميد بن عبد الرحمن، عن حسن، عن مغيرة، عن إبراهيم قال: "كانوا يحبسون الفرس والسلاح في سبيل الله" (٢). ونوقش من وجهين: الوجه الأول: أن خبر إبراهيم هذا حكاية أنهم كانوا يوقفون السلاح والفرس في سبيل الله، ونحن موافقون على جواز وقف الفرس والسلاح، لكن ليس فيه دلالة على قصر الوقف على الفرس والسلاح. الوجه الثاني: قيل للإمام أحمد: قوله " ما كانوا يحبسون إلا الكراع والسلاح؟ قال: " ليس ذا شيئاً أصحاب رسول الله ﷺ أوقفوا الدور والأرضين " (٣). أدلة القول الرابع: استدل أصحاب هذا القول بما يلي: (٢٥) ١ - ما رواه الدارقطني من طريق ابن لهيعة، عن أخيه عيسى بن

стр. 75

لهيعة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " لا حبس عن فرائض الله " (١). أي لا مال يحبس بعد موت صاحبه عن القسمة بين ورثته، والواقف حبس عن فرائض الله تعالى فكان منفيا شرعا (٢). ونوقش هذا الدليل: بأنه مردود من وجوه: الوجه الأول: أن الحديث ضعيف. الوجه الثاني: أنه لو صح، فقد ذكر ابن حزم: أنه يلزم أن يكون منسوخاً؛ وذلك لأن الحبس وقع من الصحابة بعده، وبعلم رسول الله ﷺ إلى أن مات ﵇ (٣). الوجه الثالث: أن قولهم فاسد؛ لأنهم لا يختلفون في جواز الهبة والصدقة في الحياة والوصية بعد الموت، وكل هذه مسقطة لفرائض الورثة عما لو لم تكن فيه لورثوه على فرائض الله ، فيجب بهذا القول إبطال كل هبة، وكل وصية؛ لأنها مانعة من فرائض الله تعالى بالمواريث. فإن قالوا: هذه شرائع جاء بها النص: قلنا: والحبس شريعة جاء بها النص، ولولا ذلك لم يجز (٤).

стр. 76

ولهذا لزم صرف المراد بالحبس إلى أحباس الجاهلية التي كانوا يحبسونها وهي البحيرة والسائبة، والوصيلة، والحامي. ولهذا قال مالك في مناظرته لأبي يوسف عند الرشيد: "والحبس الذي جاء محمد ﷺ بإطلاقها التي في كتاب الله تعالى (١): ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ (٢). الوجه الرابع: على فرض صحته فهو محمول على أنه لا يحبس عن وارث شيء جعله الله تعالى له بعد نزول آية المواريث، وقد كانوا في الجاهلية يورثون الرجال المحاربين، ويمنعون الإناث، والصغار (٣). الوجه الخامس: أن حق الوارث لا يتعلق بالتركة إلا بعد مرض أو موت المورث، فما صدر من المالك حال الصحة، فليس للوارث فيه شيء حتى يقال بأنه حبس عن ميراثه (٤). (٢٦) ٢ - ما رواه البيهقي قال: أخبرنا أبو زكريا يحيى بن إبراهيم المزكي، ثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، ثنا أبو أحمد محمد بن عبد الوهاب، أنبأ جعفر بن عون أنبأ مسعر، عن أبي عون، عن شريح قال: " جاء محمد ﷺ بمنع الحبس " (٥). قالوا: وهذا منه رواية عن النبي ﷺ أنه يجوز بيع الموقوف؛ لأن الحبيس هو الموقوف فعيل بمعني المفعول؛ إذ الوقف حبس لغة، فكان

стр. 77

الوقف محبوسا فيجوز بيعه، وبه تبين أن الوقف لا يوجب زوال الرقبة عن ملك الواقف (١). وأما وقف رسول الله ﷺ فإنما جاز؛ لأن المنع من الوقف كونه حبسا عن فرائض الله ووقف رسول الله ﷺ لم يقع حبسا عن فرائض الله تعالى لقوله ﷺ : " لا نورث ما تركناه صدقة " (٢). ورده ابن حزم فقال: بل جازت -صدقة رسول الله ﷺ ؛ لأنه ﵊ جعلها صدقة، هكذا قال عمرو بن الحارث: " ما ترك رسول الله ﷺ ديناراً، ولا درهماً، ولا عبدا إلا بغلته البيضاء، وأرضا جعلها صدقة" (٣). فإن قيل: إنه ﵇ لم يورث؟ قلنا: نعم، ولكن كونه لا يورث لا يوجب: كون أرضه وقفا، بل تباع ويتصدق بالثمن، فظهر فساد اعتراضهم (٤). ٣ - أن الوقف يجوز إذا حكم به حاكم؛ لأن حكمه صادف محل الاجتهاد وأفضى اجتهاده إليه، وقضاء القاضي في موضع الاجتهاد بما أفضى إليه اجتهاده جائز، كما في سائر الاجتهادات. ٤ - أن الوقف يجوز إذا أضيف إلى ما بعد الموت؛ لأنه لما أضافه إلى ما بعد الموت فقد أخرجه مخرج الوصية، فيجوز كسائر الوصايا. ثم قالوا: لكن جوازه بطريق الوصية لا يدل على جوازه لا بطريق الوصية.

стр. 78

ألا ترى لو أوصى بثلث ماله للفقراء جاز، ولو تصدق بثلث ماله على الفقراء لا يجوز (١). أدلة القول الخامس: (عدم الجواز مطلقا) استدل أصحاب هذا القول بما يلي: ١ - قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣)﴾ (٢). فالله تعالى قد عاب على العرب ما كانت تفعل من تسييب البهائم وحمايتها، وحبس أنفسها عنها (٣). ونوقش هذا الاستدلال: بأنه لا حجة فيه؛ لأن الله سبحانه عاب عليهم أن يتصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم (٤)، بينما الوقف ورد به الشرع في أدلة كثيرة سبق ذكر طرف منها. (٢٧) ٢ - ما رواه الدارقطني من طريق محمد وعبد الله ابني أبي بكر وعمرو بن دينار، عن بكر بن حازم أن عبد الله بن زيد بن عبد ربه ﵁ جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: " يا رسول الله إن حائطي هذا صدقة، وهو إلى الله ورسوله. فجاء أبواه فقالا: يا رسول الله، كان قوام عيشنا، فرده رسول الله ﷺ ، ثم ماتا فورثهما ابنهما " (٥).

стр. 79

وجه الدلالة: أن رسول الله ﷺ رد وقف عبد الله بن زيد ﵁، فدل على عدم مشروعيته. ونوقش الاستدلال بالحديث من وجوه: الأول: أن الحديث ضعيف. الثاني: أن النبي ﷺ أبطل الوقف؛ لأنه تصدق بجميع ما يملك، وليس لأحد أن يضر بنفسه وبمن يعول، ويدل لهذا قولهما: " يا رسول الله، كان قوام عيشنا" (١). الثالث: أن الحائط كان ملكاً لأبويه فتصرف فيه بغير إذنهما ولم ينفذاه، بدليل أنه جاء في الحديث: " ثم ماتا، فورثهما ابنهما " (٢). ٣ - ما روي عن ابن عباس ﵄ قال: " لما نزلت سورة النساء وفرضت فيها الفرائض، قال رسول الله ﷺ : " لا حبس عن فرائض الله " (٣). (٢٨) ٤ - ما رواه الطحاوي من طريق زياد بن سعد، عن ابن شهاب أن عمر ﵁ قال: " لولا أني ذكرت صدقتي لرسول الله ﷺ لرددتها " (٤).

стр. 80

ونوقش من وجهين: الأول: أنه منقطع. الثاني: قال ابن حزم: " ونحن نبت ونقطع بأن عمر ﵁ لم يندم على قبوله أمر رسول الله ﷺ ، وما اختاره له في تحبيس أرضه وتسبيل ثمرتها، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١)، وليت شعري إلى أي شيء كان يصرف عمر تلك الصدقة لو ترك ما أمره به ﵊ فيها؟ حاشا عمر هذا " (٢). ٥ - ما روي عن شريح أنه قال: "جاء محمد ببيع الحبس " (٣). وهذا الدليل استدل به –أيضاً- أصحاب القول الثالث، وقد سبق مناقشة الاستدلال به. ٦ - أن شريحاً -وهو قاضي عمر، وعثمان، وعلي الخلفاء الراشدين المهديين -رضوان الله عليهم-أجمعين- قال: " لا حبس عن فرائض الله ". فعن عطاء بن السائب قال: سألت شريحاً عن رجل جعل داره حبسا على الآخر، فالآخر من ولده؟ فقال: " إنما أقضي ولست أفتي. قال: فناشدته. فقال: " لا حبس على فرائض الله ". وهذا لا يسع القضاة جهله. ولا يسع الأئمة تقليد من يجهل مثله ثم لا ينكر عليه منكر من أصحاب رسول الله ﷺ ، ولا من تابعيهم رحمة الله عليهم (٤).

стр. 81

ونوقش هذا الاستدلال: أن قولهم: " إن هذا لا يسع القضاة جهله، ولا يسع الأئمة تقليد من يجهل مثله، ناقشه ابن حزم ﵀ فقال: " هلا قالوا هذا في كل ما خالفوا فيه شريحا، وأي نكرة في جهل شريح سُنة وألف سُنة ". ثم ذكر أنه غاب عن كثير من الصحابة كثير من الأحكام، فغاب عن ابن مسعود نسخ التطبيق، وغاب عن أبي بكر ميراث الجدة، وغاب عن عمر أخذ الجزية من المجوس سنين، وإجلاء الكفار من جزيرة العرب إلى آخر عام من خلافته. قال: " ومثل هذا لو تتبع لبلغ أزيد من ألف سنة غابت عمن هو أجل من شريح، ولو لم يستقض إلا من لا تخفى عليه سنة، ولا تغيب عن ذكره ساعة من دهر حكم من أحكام القرآن ما استقضي أحد ولا قضى ولا أفتى أحد بعد رسول الله ﷺ ، لكن من جهل عذر، ومن علم غبط " (١). وقد عتب مالك على شريح: قال الإمام مالك: " تكلم شريح ببلاده ولم يرد المدينة، فيرى آثار الأكابر من أزواج النبي ﷺ وأصحابه والتابعين بعدهم، وهلم جرا إلى اليوم، وما حبسوا من أموالهم لا يطعن فيه طاعن، وهذه صدقات النبي ﷺ سبعة حوائط، وينبغي للمرء أن لا يتكلم إلا فيما أحاط به خبراً " (٢). وتأول ابن يونس قول شريح بأنه يورث، على معنى أنه لا يزيل الملك، كقول أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة (٣). (٢٩) قال الخلال: أخبرنا عبد الملك بن عبد الحميد الميموني: أنه

стр. 82

سأل أبا عبد الله: أيش معنى قول شريح جاء محمد يبيع الحبس؟ قال لي: لأنه لم يكن هذه الحبس يعني الوقوف وأن ذاك كان في الجاهلية ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ ثم قال أبو عبد الله: " بلغني أن مالكاً قال: ما حج شريح قط، ما مر بمكة فنظر إلى الدور فسأل عنها، هذه دار لطلحة حبيس، وهذه الدار لفلان حبيس، وهذه الدار لفلان حبيس " (١). (٣٠) ٧ - ما روى ابن حزم عن الواقدي قال: " ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ إلا وقد أوقف وحبس أرضاً، إلا عبد الرحمن بن عوف ﵁ فإنه كان يكره الحبس " (٢). فكراهية عبد الرحمن بن عوف ﵁ للحبس دليل على أن الحبس غير جائز. ونوقش: أن هذا الدليل أورده ابن حزم ورده بقوله: هذه رواية أخباث، فإنها زادت ما جاءت فيه ضعفاً (٣). وعلى كل حال فلو فرض صحة هذا الأثر، فإنه دليل على صحة الوقف وجوازه؛ وذلك لأنه يشير إلى أن جميع الصحابة -رضوان الله عليهم-قد وقفوا الأراضي ما عدا عبد الرحمن، وعامة الصحابة لا يتصور منهم الاتفاق على عمل لا يجوز في الشريعة. أما كراهية عبد الرحمن: فإنه ربما هو استنتاج من الراوي لعدم وقفه، وربما أنه فعلاً كره أن يقف لا لعدم جوازه ولكن لأمور خاصة متعلقة

стр. 83

على أنه لو كان ﵁ لا يرى جواز الوقف، فإنه معارض بالأحاديث الصحيحة، وبعمل عامة أصحاب رسول الله ﷺ . (٣١) ٨ - وقال البخاري: " وباع حسان حصته منه من معاوية، فقيل له: تبيع صدقة أبي طلحة؟ " (١). ونوقش هذا الاستدلال: بأن الصحابة ﵃ أنكروا ذلك عليه. ٩ - أن الوقف تبرع بالمنفعة وهي معدومة وقت إنشائه، وتمليك المعدوم لا يصح. ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أنه لم يرد في الشريعة المنع من تمليك المعدوم مطلقا، بل جازت هبة المعدوم، والوصية به، بل والمعاوضة عليه في بعض الصور. الثاني: أنه لو منع من تمليك المعدوم، فهذا في عقود المعاوضات لبنائها على المشاحة دون عقود التبرعات لبنائها على المسامحة. الترجيح: الراجح -والله أعلم- قول جمهور أهل العلم؛ لقوة أدلتهم، ومما يؤيد قول جمهور أهل العلم: أن أبا يوسف رجع بعد المناظرة التي دارت بينه وبين الإمام مالك بحضرة الرشيد، فظهر عليه مالك، وقال: " هذه أوقاف رسول الله ﷺ ينقلها أهل المدينة خلفهم عن سلفهم " قال الباجي: "وهذا فعل أهل الدين والعلم في الرجوع إلى الحق حين ظهر وتبين " (٢). حتى إن محمد بن الحسن استبعد قول أبي حنيفة وسماه تحكما على الناس من غير حجة، فقال: " ما أخذ الناس بقول أبي حنيفة وأصحابه إلا

стр. 84

بتركهم التحكم على الناس، فإذا كانوا هم الذين يتحكمون على الناس بغير أثر ولا قياس لم يقلدوا هذه الأشياء … " (١).

стр. 85

المبحث الثالث: بيان تحقيق الوقف للمقاصد الشرعية، وحكمة مشروعيته، وأهميته، وخصائصه الله شرع لعباده ما فيه صلاحهم في معاشهم ومعادهم، فكتابه العزيز وسنة نبيه الكريم قد اشتملا على كل ما يحتاجه المسلم من مصالح عظيمة، ومقاصد سامية، وحكم كثيرة، ومن ذلك: الوقف، فقد اشتمل على مصالح عظيمة وحكم كثيرة. لقد جاء الوقف بالمصالح الثلاث: الضرورية، والحاجية، والتحسينية: أما الضرورية: وهي ما يعود بحفظ الضرورات الخمس: الدين، والنفس، والمال، والنسل، والعقل. فحفظ الدين: وذلك بامتثال أمر الله وأمر رسوله ﷺ بوقف المال، وبناء المساجد، وتأسيس المدارس الإسلامية، وطباعة المصاحف، والكتب الدينية، وغير ذلك مما سيأتي بيانه مما فيه حفظ الدين. وأما حفظ النفس: فمثل: الوقف على مياه الشرب ووقف الأطعمة، والوقف على المساكين والفقراء، ووقف المستشفيات، وما يلحق بها، كما سيأتي مما فيه حفظ النفس. وأما حفظ العقل: فمثل: وقف المدارس، والمعاهد الإسلامية، والكتب، وغير ذلك مما فيه تنمية للعقل. وأما حفظ النسل: فمثل: الوقف على الأبناء والذرية، والوقف على

стр. 86

المتزوجين، ووقف مؤسسات رعاية الأيتام، والوقف على النساء المرضعات، وغير ذلك مما فيه حفظ النفس. وأما حفظ المال: فأصل الوقف فيه حفظ للمال؛ إذ فيه تحبيس لأصله والمنع من التصرف فيه بما يذهبه، ويبقى الوقف مدرا على الموقف عليهم لأزمنة عديدة. وأما المصالح الحاجية: فهي التي يقصد منها التوسعة، ورفع الضيق المؤدي للحرج والمشقة بفوت المطلوب. ومن الأمثلة على ذلك: الوقف على الرعاية الصحية، والخدمات التعليمية، وخدمات الطرق، وكل ما يحتاج إليه المجتمع. وأما المصالح التحسينية: فهي كل ما يعود بمحاسن الأخلاق ومكارم العادات. ومن أمثلة ذلك: الوقف على الحيوان، وبيوت الخلاء والحمامات، والجيران، والضيف والغرباء، كما أن الوقف على المستشفيات يحتوى على وسائل ترفيهية مباحة لتخفيف آلام المرضى (١)، ووقف الحلي لغرض اللبس، وغير ذلك كما سيأتي. ومن حِكَم الوقف: ١ - الاستجابة لأمر الله سبحانه، وأمر رسوله ﷺ ، والاقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. ٢ - استمرار الأجر للمسلم أثناء حياته وبعد موته؛ إذ يحبس عينا من أعيان ماله عن التصرف ويتصدق بمنفعتها، حيث إن الوقف يختص بميزة الدوام والاستمرارية من بين صدقات التطوع، يبين ذلك حديث أبي هريرة -

стр. 87

﵁، وفيه قول الرسول ﷺ : " إذا مات الإنسان انقطع عمله، إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " (١). قال النووي: " قال العلماء: معنى الحديث أن عمل الميت منقطع بموته، وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء لكونه كان سببها، فإن الولد من كسبه، وكذلك العلم الذي خلفه من تعليم أو تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف " (٢). فالعلماء ﵏ فسروا الصدقة الجارية بالوقف (٣). ٣ - أنه سبب رئيس في قيام المساجد والمحافظة عليها، فإن أغلب المساجد على مدى التاريخ قامت على الأوقاف، بل إن كل ما يحتاجه المسجد من فرش وتنظيف ورزق القائمين عليه إنما كان مدعومًا بهذه الأوقاف، يشهد لذلك ما نلمسه اليوم في كل بلد من بلدان المسلمين فيما يتعلق بالمساجد سواء تشييدها، أو غير ذلك فيما يتعلق بمصالحها. ٤ - المحافظة على الناحية العلمية في المجتمع الإسلامي، فمما لا شك فيه أن دور العلم والمدارس الإسلامية في شتى الفنون كان معظمها قائما على الأوقاف الإسلامية، فكان لهذه الأوقاف اليد الطولى في تقدم الحضارة الإسلامية وانتشارها، فالمتتبع لتاريخ المدارس والحلقات العلمية في المساجد والجوامع يلاحظ أن بعضها تعددت الأوقاف عليها، حتى بلغت المئات حتى وصل الأمر إلى أن يصرف مرتب شهري لجميع من يتلقى العلم في بعض المدارس، وهذا بالتالي ساعد على بقائها واستمرارها، وسيأتي مبحث مستقل عن الوقف على العلم، وأهله.

стр. 88

٥ - مساعدة الضعفاء والمحتاجين، والأخذ بأيديهم من براثن الفقر والفاقة، فإن غالب الأوقاف يراعى فيها الضعفاء والمساكين واستمرار هذا النفع بخلاف الصدقات الأخرى فإنها لا تدوم غالباً. ٦ - ترابط المجتمع، وتضامنه، وشيوع روح التراحم والتوادّ، والتماسك، وإشعار المسلم بمسؤولياته تجاه مجتمعه وربطه به وتشجيعه على إسداء يد بيضاء لهذا المجتمع يدوم ذكره فيه، فتسابق المسلمون على تحبيس الأعيان وتسبيل ثمارها في صالح المجتمع كبناء المستشفيات، والملاجئ، ودور الأيتام، وحفر الآبار، وإقامة السقايات في المدن وعلى طرق المسافرين مما لا يخفى حتى كانت الأمة الإسلامية بسبب هذه الأوقاف أمة متقدمة، أبيد الفقر من مجتمعاتها، فكانت مضرب الأمثال للمجتمعات الأخرى. ٧ - صلة الأرحام، وذلك بما يوقفه المسلم على قرابته مما له الأثر الكبير في ترابط الأسر، وإشاعة روح التعاون بين أفرادها، وانتشار المحبة والألفة بينهم. ٨ - دعم الجهاد عند المسلمين والمحافظة على قوة دولة الإسلام، حيث سارع المسلمون في تحبيس أموالهم في سبيل الله سواء كانت أسلحة وأعتدة، أو ما يوقف على أولاد الشهداء، أو حبس أعيان تكون منفعتها في تموين المجاهدين تمويناً عسكرياً، أو اقتصادياً، وهذا لا شك أن فيه إرهاباً لأعداء الله، ونصرة لجند الله ، وبالتالي بقاء دولة الإسلام مهيبة الجانب، قوية الأركان: أ- أمير الجيوش بمصر بدر الجمالي وقف ضياعاً وقرى على الجيش، ويسمى بالحبس الجيوشي. ب- زين الدين عبد الباسط خليل بن إبراهيم الدمشقي (ت ٤٥٨ هـ)

стр. 89

ناظر الجيوش بالديار المصرية يقف وقوفا على الجيش والمدارس بالحرمين والقدس ومصر ودمشق (١). ج- كانت بعض القرى وقفاً على المقطعين؛ أي المقاتلة غير المسجلين في الديوان. ذكر ابن كثير في البداية أنه كان لعبد الرحيم بن القاضي الأشرف -والذي عمل كاتبا أيام الفاطميين- وصلاح الدين بديوان الإنشاء أوقاف على تخليص الأسارى من يد النصارى. د- وذكر ابن كثير –أيضا- في البداية أن بعض الأوقاف في الشام كانت موقوفة لفك الأسارى من المسلمين (٢). ٩ - إن في وقف الأعيان صيانة لها من عبث السفهاء، بحيث يتصرفون فيها، فلا تبقى لها عين ولا أثر، فهناك بيوت كثيرة أصبحت خراباً، وأصبح ذووها في حالة فقر، ولو كان فيما تركه آباؤهم من الثروة الطائلة ما يسمى وقفا أهليا لخفف عنهم بعض الشر وحال بينهم وبين ذلك الفقر والشقاء. فالأوقاف الإسلامية ساهمت في تحقيق التنمية الاقتصادية للمجتمع الإسلامي؛ وذلك بما تمثله من رأس مال عيني ونقدي، وبما تتميز به من وجوب البقاء ودوام النفع، فلا تباع ولا تتلف بشهوة عارضة أو سوء تصرف، فضمنت انتقال هذه الأموال إلى أجيال تتوارث المنفعة، وهكذا تظل الأوقاف الإسلامية ثروة ورأس مال يخدم مصالح عامة في كل الأحيان، وسأبين شيئا من ذلك عند الكلام على الوقف الأهلي. ١٠ - أن في الوقف إيجاد فرص عمل كنظارة الوقف، ونحوها. ١١ - زيادة دخل الموقوف عليهم.

стр. 90

١٢ - تحقيق الاستقرار الاجتماعي، وعدم شيوع روح التذمر بسبب قلة المال. وأيضا: ساهم الوقف في تحقيق الرعاية الاجتماعية على سبيل الأفراد والمجتمعات، بل شملت هذه الرعاية حتى الحيوان، والحالات النادرة، ومن صور ذلك: أ- وقف في دمشق: على الحيوان الهرم؛ ليرعى في أرض الوقف حتى يموت. ب- وقف في مصر: على الأواني التي يكسرها الخدم لتقديم بديل عنها إليهم لكيلا يتعرضوا لملامة أو إيذاء. ج- قال ابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في أحداث سنة ثمان وعشرين وستمئة: "وفيها المهذب الدخوار عبد الرحيم بن علي بن حامد الدمشقي شيخ الطب وواقف المدرسة التي بالصاغة العتيقة على الأطباء … " (١). د- وقف على تقديم ثياب العرس وحلية إلى العروس التي تفتقدها ليلة الزفاف. هـ- ذكر ابن العماد الحنبلي في ترجمة نور الدين محمود زنكي، سنة تسع وستين وخمسمئة " أنه بنى المكاتب للأيتام ووقف عليها الأوقاف ". وذكر –أيضا- أن عماد الدين عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم بن الترجمان الحلبي كان ذا ثروة وبنى مكتباً للأيتام ووقف عليه وقفاً. وفي رحلة ابن جبير خلال وصفه لمدينة دمشق قال: " وللأيتام من

стр. 91

الصبيان محضرة كبيرة بالبلد لها وقف كبير يأخذ منه المعلم لهم، وهذا أيضا من أغرب ما يحدّث به من مفاخر هذه البلاد " (١). و- قال ابن بطوطة في رحلته: " كان بأيدي القضاة في مصر والشام الأوقاف والصدقات لمساعدة أبناء السبيل " (٢). ز- ذكر صاحب النجوم الزاهرة في حوادث ٧٤٧ هـ أنه ورد الخبر إلى السلطان باختلال مراكز البريد بطريق الشام، قال: فأخذ من كل أمير مقدم ألف أربعة أفراس .... وكُشف عن البلاد المرصدة للبريد، فوجد ثلاث بلاد منها: وقف الملك الصالح إسماعيل؛ وَقَفَ بعضها، وأخرج باقيها إقطاعات، فأخرج السلطان عن عيسى بن حسن الهجان بلداً تعمل في كل سنة عشرين ألف درهم وثلاثة آلاف إردبّ وجعلها مرصدة لمراكز البريد (٣). ح- من الأوقاف التي وجدت سنة ٨٧٨ هـ وقف تزويج الأيامى يعطى كل من تزوج من فقراء الحنابلة (٤). ط- ذكر ابن بطوطة في رحلته عند حديثه عن أوقاف دمشق أن من المصارف أوقافا على تعديل الطريق ورصفها قال: " لأن أزقة دمشق لكل واحد منها رصيفان في جنبيه يمر عليهما المترجلون ويمر الركبان بين ذلك" (٥). ي- أوقفت رملة بنت عبد الله بن عبد الملك بن مروان دارا بمكة يسقى فيها الشراب للحجيج (٦).

стр. 92

ك- أوقف عبد الله بن مشكور الحلبي ناظر الجيش والمتوفى سنة ٧٧٨ هـ أوقافاً على المساجين (١). ل- كان لنور الدين محمود زنكي أوقاف دارّه على جميع أبواب الخير وعلى الأرامل والمحاويج (٢). م- ومن ذلك الوقف على الملاجئ: ومن أمثلة الوقف في هذا المجال: ما جاء في وقفية السيدة جليلة طوسون سنة ١٩٢٧ م، من أن يصرف ريع ١٣٨ فدانا بعد وفاتها على ملجأ لتربية اليتيمات يسمى "ملجأ الست جليلة" ويكون به من ١٥ إلى ٢٠ طفلة يتيمة يتم اختيارهن وفقا لشروط نصت عليها، ومن أهمها "ألا يكون لهن عائل قادر على تربيتهن، واللطيمة التي فقدت والديها تكون لها الأفضلية على اليتيمة التي بقي لها أحدهما "، وأن يشمل منهاج التعليم في الملجأ على " الكتابة والقراءة في المصحف الشريف، ومبادئ الحساب، وفنون تدبير المنزل ولا سيما الطبخ والخياطة والتطريز " (٣). ن- الوقف على رعاية المعوقين والمكفوفين: أسهم الوقف في تحقيق التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم، ومن بين مظاهر هذا التكافل: الوقف على رعاية المعوقين والمقعدين والعميان، ومثلهم الشيوخ، فقد استغلت أموال الأوقاف في مساعدة هؤلاء المعوقين والمقعدين وتعويضهم عما فقدوه في هذه الحياة، فكانت الأوقاف توقف لإمدادهم بما يحتاجونه، ولإمداد المكفوفين بمن يقودهم ويخدمهم، وتعويضا

стр. 93

عن فقدهم لنعمة البصر، وأنشئت لهم الدور لإيوائهم وإيواء المسنين والعجزة، ويعتبر الوليد بن عبد الملك أول من أجرى على المكفوفين والمرضى والمجذومين الأرزاق، وقد أبدى الوليد اهتماما خاصا بمرضى الجذام ومنعهم من سؤال الناس وأوقف عليهم ما يدر عليهم أرزاقا، كما أمر لكل مقعد خادما، ولكل ضرير قائدا، وكما خصصت أموال الأوقاف للعميان خصصت أيضا لضعيفي البصر، وكل ذلك كان من سعة المال وفيضه من خلال تشريعات الإسلام الذي حرص على المجتمع بأن يكون متكافلا، وأن تكون أفراده كالجسد الواحد. كثير من الأغنياء يوقف مؤسسات خيرية اجتماعية كبيوت للفقراء، يسكنها من لا يجد بيتا، ومؤسسات للعميان والعجزة يعيشون فيها مكرمين معززين تقدم لهم الخدمة بكل صدق كخدمة صادقة للإنسان كإنسان، وقد أقام أحمد بن طولون أول مستشفى في مصر عام ٢٥٩ هـ، ومن أنظمته أن العليل إذا دخله تنزع ثيابه وتوضع عند الأمين، ثم يلبس الثياب الخاصة بالمرضى ويفرش له فرش خاص به ويعالج حتى يبرأ، كما ابتني السلطان قلاوون مستشفى عظيما أوقف عليه أموالا عظيمة ورتب الأطباء، وأوجد العقاقير والكسى والأغذية (١). ع- وفي مجال الصحة: وقف المسلمون دوراً لعلاج المرضى من المسلمين، كما أوقفوا الوقوف الواسعة على إنشاء المستشفيات، وساعدت أوقافهم على تطور الطب

стр. 94

والصيدلة والعلوم الأخرى المرتبطة بالطب، فأنفق الوقف ليس على الإنسان ورعايته فقط، بل على الحيوانات والرفق بها والعناية بصحتها. ومن الشواهد التاريخية على ذلك تلك الأوقاف التي رصدت للمارستان المنصوري الذي أنشئ سنة ٦٨٢ هـ لعلاج الملك والمملوك والكبير والصغير والحر والعبد، وكان هذا المستشفى الذي وصفه (ابن بطوطة) " بأنه يعجز الواصف عن محاسنه " كان مقسماً إلى أربعة أقسام: للحميات، والرمد، والجراحة، والنساء، وخصص لكل مريض فرش كامل، وعين له الأطباء والصيادلة والخدم، كما زود بمطبخ كبير، وكان المريض إذا ما برئ وخرج تلقى منحة وكسوة. وقدرت الحالات التي يعالجها المستشفى في اليوم الواحد بعدة آلاف، وألحقت به مدرسة للطب يجلس فيها رئيس الأطباء لإلقاء درس طب ينتفع به الطلبة. كما أن زوجة السلطان سليمان القانوني أوقفت مستشفى من أموالها الخاصة مع وقف العديد من المحلات التجارية للإنفاق عليه، والذي احتوى على مدرسة للطب. وقد أوقف كثير من النساء في عائلة السلاطين العثمانيين الوقوف على إنشاء مستشفيات جديدة، أو للإنفاق على كليات الطب والخدمات الطبية لمستشفيات قائمة، وأصبح ذلك تقليداً متبعاً عند هذه الأسرة الحاكمة، كما عملت به أمهات وزوجات الخلفاء العباسيين في إيقاف المستشفيات، فقد أوقفت والدة السلطان مراد الثالث ووالدة السلطان عبد المجيد، والسلطانة حفيظة والسلطانة توريانة، التي بقي مستشفاها وجهازه التعليمي يعمل حتى سنة ١٩٢٧ م عندما ألغى كمال أتاتورك الأوقاف الإسلامية، وحوّل هذا المستشفى العظيم إلى مخازن للتبغ.

стр. 95

ومن أمثلة ذلك: أ- نور الدين محمود بن زنكي بنى بيمارستانا ومدرسة ودار حديث في دمشق وأوقف عليها الأوقاف (١). ب- معز الدولة بن بويه يبني مارستانا ببغداد، ويوقف عليه الأوقاف بما قيمته خمسة آلاف دينار (٢). ج- أوقف نور الدين زنكي كثيراً من كتب الطب على بيمارستان دمشق (٣). د- أوقف فخر الدين المارديني الطبيب كتبه في الطب على أهل ماردين (٤). هـ- بنى الملك المنصور بيمارستانا في القاهرة وقرر له وقفاً مقداره في السنة أربعون ألف مثقال ذهبا (٥). ومن أشهر المستشفيات التي عرفت بدقة التنظيم وفائق العناية بالمرضى، والتي قامت على الوقف مارستان ابن طولون ويعرف بالمارستان العتيق، بناه أحمد بن طولون في عام ٢٥٩ هـ، ولما فرغ منه حبس عليه دار الديوان، ودوره في الإسكافة والقيسارية وسوق الرقيق، وعمل حمامين للمارستان أحدهما للرجال والآخر للنساء، حبسهما عليه وشرط أنه إذا جيء بالعليل ينزع ثيابه ونفقته وتحفظ عند أمير المارستان، ثم يلبس ثيابا ويفرش له ويغدى عليه ويراح بالأدوية والأغذية والأطباء حتى يبرأ (٦).

стр. 96

ولقد بلغ من عناية المسلمين بالمستشفيات لكي تقوم بأداء الخدمات نحو مرضاها بصورة متكاملة وتساهم في تطور صحة المجتمع أنه كانت توقف الوقوف الكاملة لبناء أحياء طبية متكاملة الخدمات والمرافق، كما تنشأ في العصر الحديث ما يسمى بالمدن الطبية، وذكر ابن جبير - الرحالة الأندلسي- عند وروده بغداد أنه وجد حيا كاملا من أحياء بغداد يشبه المدينة الصغيرة، كان يسمى بسوق المارستان … كانت تؤمه المرضى وطلبة الطب والأطباء والصيادلة والذين يقومون على تقديم الخدمات؛ إذ كانت الخدمات جارية عليهم من الأموال الموقوفة في أطراف بغداد على هذا الحي الزاهر (١)، ومن ذلك المستشفى الصلاحي الذي بناه صلاح الدين الأيوبي في القدس سنة ٥٨٣ هـ، والمستشفى الناصري أو الصلاحي الذي بناه صلاح الدين في القاهرة سنة ٥٦٧ هـ، والمستشفى النوري الذي بناه الملك نور الدين زنكي في دمشق سنة ٥٤٩ هـ، ومستشفى مراكش الذي بناه المنصور أبو يوسف المتوفى سنة ٥٩٥ هـ (٢). كما نجد أنه قد خصصت أوقاف مقررة للإنفاق على تأليف الكتب في الصيدلة والطب. فقد خصصت أوقاف لتأليف الكتب في الصيدلة والطب، واستطاع الأساتذة أن يكملوا كتبهم نتيجة لمثل هذا التعضيد العلمي من هذه الأموال الموقوفة.

стр. 97

ومن أمثلة ذلك "كتاب البيمارستانات " لزاهد العلماء الفارقي، عميد إحد المستشفيات في القرن الخامس الهجري، وكتاب " مقالة أمينة في الأدوية البيمارستانية " لابن التلميذ، وكتاب " صفات البيمارستان " للرازي، في العلوم الطبية، فهذا الأخير أحد أهم الإنجازات التي نتجت عن مثل هذا التعضيد من قبل الواقفين (١). لقد استطاع هذا الدعم الوقفي أن يخرج للعالم علماء أعلامًا كانوا المرجع في علم الطب وإليهم المنتهى فيه، كالرازي الذي ألف ٢٣٧ كتابا في الطب والفلسفة ومن أهمها "الحاوي في الطب"، وابن سينا صاحب كتاب "القانون" وعلي بن عيسى طبيب العيون الذي ألف "تذكرة الكحالين" الذي وصف فيه ٣٠ مرضا من أمراض العيون، وابن جزلة، صاحب كتاب "تقويم الأبدان " الذي وصف أمراض الحصبة والجدري وكيفية علاجهما، وابن زهر الذي وصف الحوادث السريرية والأمراض الباطنية (٢). ١٣ - إغلاق أبواب الانحراف، حيث يؤوي هذا الوقف النساء اللاتي طلقن، ومن لا عمل له؛ إذ قد تلجئهم الظروف الاقتصادية إلى سلوك دروب الانحراف بسبب الفقر. ١٤ - تحقيق مبدأ التكافل بين الأمة المسلمة، وإيجاد التوازن في المجتمع، فإن الله جعل الناس مختلفين في الصفات متباينين في الطاقة والقدرة، والوقف عامل من عوامل تنظيم الحياة بمنهج حميد يرفع من مكانة الفقير، ويقوي الضعيف، ويعين العاجز، ويحفظ حياة المعدم، من غير مضرة بالغني ولا ظلم يلحق بالقوي، وإنما يحفظ لكلٍ حقه بغاية الحكمة والعدل،

стр. 98

فتحصل بذلك المودة وتسود الأخوّة ويعمّ الاستقرار، وتتيسر سبل التعاون والتعايش بنفوس راضية مطمئنة. ١٥ - في الوقف ضمان لبقاء المال ودوام الانتفاع به والاستفادة منه مدة طويلة، فإن الموقوف محبوس أبداً على ما قصد له، لا يجوز لأحد أن يتصرف به تصرفاً يفقده صفة الديمومة والبقاء. فهناك أوقاف كتب لها الاستمرار مددا طويلة تبلغ القرون، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره ابن العماد في شذرات الذهب في وفيات سنة ٩٤٦ هـ، فقد ذكر أن شهاب الدين أحمد بن بركات بن الكيال الدمشقي الشافعي كان ناظرا على أوقاف الصحابي الجليل سعد بن عبادة ﵁. ١٦ - بالوقف يمكن للمرء أن يؤمن مستقبله ومستقبل ذريته بإيجاد موارد ثابتة يضمنه، ويكون واقياً لهم عن الحاجة والعوز والفقر، فقد جبلت النفس البشرية على الحرص على المال، وفي الوقف وسيلة مباحة لتحقيق تلك الرغبة. ١٧ - في الوقف وسيلة لحصول الأجر والثواب من الله تعالى وتكثيره، كما أن فيه وسيلة للتكفير عن الذنوب ومحوها، وفي الكل تحقيق للراحة والطمأنينة النفسية في الدنيا، والفوز بنتائج ذلك في الدار الآخرة. ١٨ - في الوقف تطويل لمدة الانتفاع من المال ومد نفعه إلى أجيال متتابعة، فقد تتهيأ السبل لجيل من الأجيال لجمع ثروات طائلة ولكنها قد لا تتهيأ للأجيال التي تليه، فعن طريق الوقف يمكن إفادة تلك الأجيال اللاحقة بما لا يضر الأجيال السابقة. قال زيد بن ثابت ﵁: "لم نر خيراً للميت ولا للحي من هذه الحبس الموقوفة، أما الميت فيجري أجرها عليه، وأما الحي فتحبس عليه ولا توهب ولا تورث ولا يقدر على استهلاكها " (١).

стр. 99

١٩ - الوقف حماية من الداخل والخارج: الأوقاف تمسك على المجتمع كيانه من الداخل فلا ينهار، وتمسك عليه كيانه من الخارج فلا تكتسحه غارات العدوان والدمار. نقرأ عن مناطق الحدود الإسلامية، فنجد أسلافنا ممن عمر الإيمان قلوبهم بحب إخوانهم وأوطانهم، يرصدون الأوقاف لحراسة الحدود والدفاع عن ديار الإسلام. يقول ابن حوقل عن (طرسوس) على حدود المسلمين مع دولة الروم: ورأيت غير عاقل مميز، وسيد حصيف مبرز، يشار إليه بالدراسة والفهم، واليقظة والعلم، يذكر أن بها مئة ألف فارس، وكان ذلك عن قريب عهد من الأيام التي أدركتها وشاهدتها، وكان السبب في ذلك: أنه ليس من مدينة عظيمة من جد سجستان، وكرمان، وفارس، وخوزستان، والجبال، وطبرستان، والجزيرة، وأذربيجان، والعراق، والحجاز، واليمن، والشام، ومصر، والمغرب، إلا بها لأهلها دار ينزلها غزاة تلك البلدة، ويرابطون بها إذا وردوها وتكثر لديهم الصلات، وترد عليهم الأموال والصدقات العظيمة الجسيمة إلى ما كان السلاطين يتكلفونه، وأرباب النعم يعانونه وينفذونه متطوعين متبرعين، ولم يكن في ناحية ذكرته رئيس ولا نفيس إلا وله عليه وقف من ضيعة ذات مزارع وغلات، أو مسقف من فنادق (١). ولقد حاولت موجات الاستعمار الغربي في العصور الحديثة، بعد أن سيطر الغرب على البلاد الإسلامية، أن يضغطوا على المسلمين عن طريق السيطرة على الوقف ومعارفه، إذ إن الوقف أحد العوامل الرئيسية التي استند إليها المسلمون الذي وقف ضد رغبات الاستعمار السياسي والفكري

стр. 100

والديني، ومن أجل العوامل على تماسك المسلمين في الكثير من البلدان التي وقعت تحت هذه السيطرة الغربية. فروع: الأول: أثر الوقف في التصدي للاستعمار في الهند: عملت السلطات الإنجليزية وبمساعدة الهندوس على سلب ونهب أموال الوقف؛ إذ استغلوا أموال الوقف التي كانت مخصصة للمدارس ولتعليم أبناء المسلمين، فاعتدوا عليها وصرفت لغير ما خصصت لها من منافذ، واعتدوا على أوقاف المساجد، خاصة تلك التي كانت تحتوي على مدارس ومعاهد تعليمية، فطرد الإنجليز علماء المسلمين ورؤساءهم منها ونفوهم إلى أماكن بعيدة عن مراكز نشاطهم العلمي، على أمل أن هذه القيادات العلمية ستخضع وستقل عملية مقاومة الاستعمار لدى المسلمين ويسهل أمر السيطرة عليهم. ومع كل هذه الجهود، إلا أن ما أبقى جذوة الإسلام مشتعلة ومتقدة في الهند -وأبقى على تماسك المسلمين في المقاومة- هو استمرار مقاومة رجال العلم في المعاهد الإسلامية في الهند التي عضدت بأموال وقفية، مثل مراكز التعليم في عليكرة، وحيدر آباد، وكراتشي، وغيرها من المراكز العلمية والمساجد الكبيرة التي كانت تمول من الأوقاف الإسلامية. الثاني: أثر الوقف في مقاومة الاستعمار الهولندي لأندونيسيا: لعبت المدارس الإسلامية الوقفية دوراً حيوياً في المحافظة على جذوة الإسلام متقدة، وعلى قيمة واستمرار الاعتزاز به ضد سلطات الكنيسة التي سعت لتنصيرهم، وضد الاستعمار الذي تمثل في السلطات الهولندية. والأمر نفسه ينطبق أيضا على كل جنوب شرقي آسيا، مثل ماليزيا والفلبين وغيرها التي اعتمد كل منها اعتماداً واسعاً على المدارس الوقفية الإسلامية (١).

стр. 101

الثالث: أثر الوقف في التصدي للاستعمار في بلاد المغرب العربي: في المغرب العربي لعب الوقف دوراً رئيسياً في المحافظة على تماسك المجتمع الإسلامي الذي وقع تحت سلطات احتلال أجنبية أخرى، ليس في النواحي الاقتصادية وحدها، بل حتى النواحي السياسية والتعليمية، وفي مقاومة التنصير، ومقاومة الانصهار والخضوع للانحلال. كل هذه المواقف الرافضة للاحتلال اعتمدت في الجزء الأكبر منها على ما أتاحته موارد الموقوفات على المدارس والحبوسات على الزوايا والربط والمساجد التي سميت بالحبوس في الشمال الإفريقي، ولقد أدت تلك الوقوف للعلم الشرعي واللغة العربية خدمات محمودة، فلولا موارد الأوقاف المغربية التي عضدت الدراسات الإسلامية في بلاد المغرب العربي زمن الاحتلال الفرنسي لعفيت لغة القرآن وضاع كثير من العلم الشرعي. وبالرغم من أن الاحتلال الفرنسي استطاع أن يوجد تمزقاً وخللا في الأوضاع الاقتصادية للشعوب العربية في شمال إفريقية، وذلك نتيجة استيلائه على الأموال والأراضي العامة التي تعود للدولة، غير أن الأوقاف التي خصصت للمساجد والمدارس والكتاتيب والربط لم يكن من السهل الاستيلاء عليها. ومن هنا، فإن علماء المسلمين هناك مثل: الثعالبي، والطاهر بن عاشور، وابن باديس، والشنقيطي، وحسني عبد الوهاب، وغيرهم من العلماء في بلاد المغرب استطاعوا جميعاً أن يتصدوا للاستعمار الفرنسي ولمساعي الكنيسة الكاثوليكية، كما فعل إخوانهم في ليبيا في مقاومتها ومقاومة الاستعمار الإيطالي؛ لأنهم جميعاً اعتمدوا على أوقاف المدارس والمساجد؛ مثل مدرسة القرويين، ومدرسة تلمسان، وجامعة الزيتونة، ومدارس فاس ومراكش والريف المغربي والزوايا والتكايا السنوسية؛ إذ

стр. 102

ساهمت هذه المدارس والمساجد طلبتها في ثورة الأمير عبد القادر الجزائري، وفي ثورة عمر المختار، وثورة الريف التي قام بها عبد الكريم الخطابي. الرابع: دور الوقف في الصراع الفلسطيني ضد الاحتلال الإنجليزي، والصهيوني: حاولت سلطات الاحتلال الإنجليزي السيطرة على المسلمين وإخضاعهم للنفوذ اليهودي الاستيطاني وأساليبه البشعة في الاستيطان، وذلك بعد استيلاء انجلترا على فلسطين بعد الحرب العالمية الأولى، غير أن اعتماد علماء الدين على أموال الوقف وأعيانه قد أعانت المسلمين على ولاية أنفسهم ورعاية مصالحهم بأنفسهم، نتيجة لاستخدام الموارد الوقفية مباشرة. ولا تزال المؤسسات الوقفية في فلسطين سواء منها تلك الأراضي التي تعتبر ضمن كيان اليهود، أو في الضفة الغربية وغزة - خاصة المؤسسات التعليمية - تعتبر من أشد مراكز المقاومة للاحتلال والاستيطان الصهيوني، وأكثرها فاعلية في مقاومة محاولة الاستيلاء على الأرض بحكم أن هذه الأراضي موقوفة وليست ملكا عاما للدولة. الخامس: دور الوقف في تصدي العلماء للاحتلال الإنجليزي في مصر: أما في مصر، فإنه حصل التصدي للاحتلال الانجليزي من خلال الأوقاف على الأزهر، وسيأتي الكلام عليها في مبحث الوقف على العلم. السادس: دور الوقف في المساهمة في توفير البنية التحتية والمرافق الأساسية: ساهم الوقف مساهمة كبيرة لتشمل المرافق والبنية الأساسية المهمة آنذاك للاقتصاد، كالطرق والخانات والسبل والآبار لتوفير ماء الشرب، وهذا دليل على الدور التنموي الذي كان يضطلع به الوقف في العصور السابقة.

стр. 103

فقد ساهمت أموال الأوقاف في ربط مشرق العالم الإسلامي بمغربه في تعبيد شبكة واسعة من الطرق، بل إن أموال الأوقاف لم تكتف بتعبيد الطرق بين الدول الإسلامية بل ساهمت في وقف الأراضي المجاورة لها، حيث إن الأراضي المجاورة للسكة الحديدية على بعد مئة متر من كل جانب على طول الخط من إستانبول إلى بغداد والمدينة النبوية قد تم وقفها؛ لخدمة هذا المرفق الحيوي المهم. كما أنشأت الأوقاف الخانات لإيواء المسافرين، ووفرت الماء البارد لعابري السبيل وبين الحارات، خاصة في المناطق الكثيفة بالسكان، حتى أصبح تسبيل الماء العذب من أهم الوجوه التي اهتم بها الواقفون، وشقت الترع والقنوات وحفرت الآبار الارتوازية في الطرق البرية التي تربط ما بين المدن على امتداد العالم الإسلامي لسقاية الراحلة وغيرها (١). خصائص الوقف: ١ - جمع الوقف بين القيم الإيمانية الروحية والقيم المادية، وما يحققه ذلك من تنمية متوازنة في المجتمع المسلم. ٢ - شمولية الوقف من جهة أنواعه ومجالاته ومصارفه، وما يحققه من تكافل اجتماعي في كل حاجة من حاجات الأمة، بل حتى شمولية الوقف من جهة حصول المشاركة في إقامته. ٣ - الوقف اتسم بالتنامي مع مرور الزمن، بدءاً من القرن الأول الذي استجاب فيه الصحابة -رضوان الله عليهم-لأمر الله وتوجيهات نبيه ﷺ كما قال جابر ﵁: "لم يكن أحد من أصحاب النبي ﷺ ذا مقدرة إلا وقف" (٢)،

стр. 104

وحتى في هذا العهد وما بعده، فهي تتراكم مع مرور الزمن وتتنامى، وهذا يدعو المختصين إلى السعي لإيجاد الوسائل الاستثمارية الناجحة لتحقيق مقاصد الوقف والهدف منه. ٤ - ما تقرر من اختصاص القضاء بالولاية على الوقف بعد خروجه من يد الواقف ليكون مستقلاً يتبع الناظر الخاص فيها من له الولاية العامة بما يحقق شرط الواقف ولا يخالف مصلحة الوقف. ٥ - ما يشكله الوقف من السبق لإيجاد فكرة الشخصية الاعتبارية وإنشائها، حيث أُخرج الوقف عن ملك الأشخاص حقيقة عند بعضهم أو حكماً عند آخرين، وعلى كلا الحالين فهي نشأة للشخصية الاعتبارية، ففكرة الوقف تقوم على تنمية قطاع ثالث متميز عن القطاعين الحكومي والخاص. ٦ - إن أكثر أمواله عقارات، وعليه فهي قليلة السيولة؛ إذ يصعب تحويل العقار إلى نقد خلال مدة قصيرة وبتكلفة معقولة. ٧ - إسهامه في الحد من التضخم؛ إذ منافع الوقف لا تتأثر بزيادة الأسعار ومعدلات التضخم، بل يستفيد منها الأفراد مهما ارتفعت الأسعار. ٨ - ومما يميز الوقف إسهامه في بناء أول نظام للتأمينات الاجتماعية؛ إذ هو يحقق تأميناً في وقت الأزمات والظروف الطارئة لكل ما يحتاجه المجتمع صحياً أو تعليمياً، أو غير ذلك، كما يمثل علاجاً ناجحاً لكثير من المشكلات الكبرى كقضية الفقر وغيرها. ٩ - إن الوقف كذلك يجمع بين الادخار والاستثمار معاً، فيحول المال من وظيفته الاستهلاكية إلى استثماره في أصول رأسمالية إنتاجية (١).

стр. 105

المبحث الرابع: الشخصية الاعتبارية للوقف الشخصية الاعتبارية: تعني في الأنظمة المعاصرة: أن تكون للمؤسسة أو الشركة شخصية قانونية مستقلة عن ذمم أصحابها أو شركائها يكون لها وحدها حقوقها والتزاماتها الخاصة بها، وتكون مسؤوليتها محدودة بأموالها فقط. ويرجع سبب ظهور هذا المصطلح كظاهرة قانونية إلى التطور القانوني الذي طرأ على المؤسسات والشركات بعد الثورة الصناعية، فقد عُهد إلى تلك المؤسسات القيام بأعمال ضخمة وهامة اقتضت تضامن الشركاء والأعضاء، ووجود من يمثلهم، ويلتزم باسمهم؛ نظرًا لكثرة أعمالها وتنوعها، وحاجتها إلى مجهودات فنية مما أدى إلى اعتبار رأس المال بالمؤسسة مملوكًا لها، وليكون له استقلاله وأمنه من أن يتعرض لاختلافات الأعضاء في رغباتهم ومنازعاتهم فضلا عما في ذلك من عدم تعرض أموال الأعضاء الخاصة للخطر إذا ما عجزت المؤسسة عن الوفاء بالتزاماتها. وقد سبق فقهنا الإسلامي القوانين الوضعية المعاصرة في إقرار الشخصية الاعتبارية للوقف. وللعلماء ﵏ في اعتبار شخصية الاعتبارية للوقف على قولين: القول الأول: أن للوقف شخصية اعتبارية. فإذا نشأ الوقف صحيحًا باستيفاء أركانه وتحقق شروطه، وانتقل إلى حكم ملك الله تعالى؛ صارت له ذمة مالية مستقلة عن ذمة الواقف والموقوف

стр. 106

عليه وناظر الوقف، تقضي بأن له حقوقًا، وعليه التزامات وواجبات، وهو يستحق ويُستحق عليه، وتجري العقود بينه وبين أفراد الناس من بيع وإيجار واستبدال وغير ذلك، وكذلك أعطى الفقهاء المسجد ذمة مالية مستقلة، فهو يملك، ويوقف عليه، ويوهب. وهو قول جمهور أهل العلم (١). القول الثاني: أن الوقف ليس له شخصية اعتبارية؛ إذ ليس له ذمة مالية. وهو قول الحنفية (٢). الأدلة: أدلة القول الأول: ١ - أن الوقف يشتمل على عناصر الشخصية الاعتبارية من مجموعة الأموال المرصودة لغرض معين، ووجود نظام أساسي يخضع له يتمثل في أحكامه وشروطه، وكذا يوجد ناظر للوقف يتولى تدبير شؤونه. وله ذمة مالية كما سيأتي. ٢ - أن للوقف حقوقا وعليه واجبات، فمن حقوقه إثبات ملكيته، ومن مظاهر الملكية له: الاستبدال، أو المناقلة، والوقف عليه، وأيضا الوصية له، والهبة له، وما يثبت بالجناية عليه، ومن الواجبات عليه: ثبوت الدين في ذمته، وما يجب عليه بالجناية على غيره، وكالإجارة فإن حقوقها ترجع إلى الوقف، وكذا لو دفع الناظر الأرض مزارعة والشجر مساقاة، ثم مات أو

стр. 107

عزل قبل انقضاء الأجل لم يبطل العقد، ومن ذلك الاستدانة على الوقف عند المصلحة، والاستئجار له، والشراء له نسيئة، ونحو ذلك. وثبوت الحقوق والواجبات ركنا الشخصية. وحجة الحنفية: أن الوقف ليس له ذمة مالية. وأجيب من وجهين: الوجه الأول: عدم التسليم، فقد تقدم أن للوقف ذمة مالية. الوجه الثاني: أن الذين أنكروا ذمة الوقف جاء عنهم ما يفيد أن للوقف ذمة، وأنه جهة تنسب إليها الحقوق وتتحمل الواجبات. الترجيح: الراجح -والله أعلم- القول الأول؛ لقوة دليله، وأيضا أهمية إثبات الشخصية الاعتبارية للوقف لبقائه قويا في تحقيق مقاصده، والقيام بأهدافه، والمحافظة على حقوقه، وقطع ما يؤدي إلى الإضرار به (١).

стр. 108

المبحث الخامس: ما يصح وقفه للعلماء في هذه المسألة مسلكان: المسلك الأول: مسلك العد، يعني أن ما يصح وقفه معدود. وبه قال إبراهيم النخعي، حيث قال: لا يصح إلا في السلاح والكراع فقط (١). وبه قال ابن حزم، قال ابن حزم: " الوقف جائز في الأصول من الدور والأرضين بما فيها من الغراس والبناء إن كانت فيها، وفي الإرحاء، وفي المصاحف، والدفاتر، ويجوز أيضا في العبيد، والسلاح والخيل في سبيل الله في الجهاد فقط لا في غير ذلك، ولا يجوز في شيء غير ما ذكرنا أصلاً" (٢). وتقدم مناقشة هذا القول في مبحث حكم الوقف (٣). المسلك الثاني: مسلك الحد، يعني أن ما يصح وقفه محدود، ومضبوط بضابط. وهو قول جمهور أهل العلم. وقد اختلف العلماء في هذا الضابط على قولين: القول الأول: أنه كل عين تصح عاريتها.

стр. 109

وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١). القول الثاني: أنه ما صح بيعه، وجاز الانتفاع به مع بقاء عينه صح وقفه. وهو قول جمهور أهل العلم: الحنفية (٢)، والمالكية (٣)، والشافعية (٤)، والحنابلة (٥). الأدلة: أدلة القول الأول: يستدل لهذا القول بما يلي: ١ - عمومات أدلة الوقف (٦). وهذه تشمل بعمومها كل عين تصح عاريتها. ٢ - أن الأصل صحة الوقف، فلا يمنع من بعض صوره إلا بدليل. ٣ - أن من مقاصد الوقف تسبيل المنفعة؛ أي إطلاق التصرف فيها من قبل الموقوف عليه، وهذا يتفق مع ما يصح إعارته؛ لأن العارية إباحة التصرف في المنافع من قبل المعير. أدلة القول الثاني: استدل لهذا الرأي بما يلي: ١ - الأدلة الدالة على اشتراط كون الوقف عيناً تبقى بعد استيفاء النفع منها.

стр. 110

إذ ما لا تبقى عينه يتلف بالانتفاع به، كالشمع، والدهن، والريحان، فلا يصح وقفه؛ إذ هو مناف لمقصود الوقف الذي يقصد منه الدوام (١). ونوقش هذا الاستدلال من وجهين: الوجه الأول: أنه لا يسلم اشتراط التأبيد فيما يصح وقفه، كما سيأتي في مبحث وقف ما يفنى باستيفاء النفع منه. الوجه الثاني: أن التأبيد أمر نسبي، فما من شيء إلا ويتلف، فتأبيد كل شيء بحسبه. ٢ - أن الوقف نقل للملك في الحياة فأشبه البيع (٢)، فدل على أنه لا يصح إلا في عين يصح بيعها. ويناقش من وجهين: الأول: أن تشبيهه بالبيع لا يسلم به؛ إذ البيع معاوضة والوقف تبرع، وثم فرق بين المعاوضة والتبرع، فإن التبرع لا يشترط فيه كل ما يشترط للمعاوضة، من العلم، والقدرة على التسليم، ونحو ذلك (٣). الثاني: أن نقل الملك في الوقف موضع خلاف، كما سيأتي في مبحث ملكية الوقف، بخلاف نقل الملك في البيع فإنه ينتقل إلى المشتري وله كامل التصرف فيه. الترجيح: الراجح -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ لأن الأصل في الوقف أنه قربة وفعل خير فيكثر منه ويحث عليه، وعلى ما ذهب إليه شيخ الإسلام تدخل كثير من الصور التي يصح فيها الوقف، من ذلك:
следующие страницы →